الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: (الضمان الثامن) : أن الولاية تتحول من الولي الأقرب إلى الولي الأبعد
في حالة عضله أو غيابه
هذا الوجه من الضمان بمثابة تكملة للوجه السابق، أقرته الشريعة إمعانا في حفظ حق المرأة في الزواج، وتحاشيا لتخلفها عنه، لِما للوقت والسن من أهمية بالغة في نيلها حظَّها من النكاح؛ لأن تأخرها عن الوقت المناسب للزواج، وعدم تزويجها بالكفء المتقدم لها، قد يفوتها فرصة لا تعوض.
فمن أجل ذلك أقرت الشريعة، أن الولي إذا منع موليته من النكاح من كفء، أو غاب غيبة طويلة، سقطت ولايته، وانتقلت إلى من بعده من الأولياء، أو السلطان، على خلاف بين الفقهاء، كما سيأتي.
وسأذكر ذلك في فرعين:
الفرع الأول: انتقال ولاية التزويج بسبب العضل.
الفرع الثاني: انتقال ولاية التزويج بسبب الغيبة.
الفرع الأول: انتقال ولاية التزويج بسبب العضل
إذا عضل الولي الأقرب، فهل تنتقل ولاية التزويج إلى الولي الأبعد أو إلى السلطان؟
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول:
أن ولاية التزويج في حالة عضل الولي الأقرب تنتقل إلى الولي الأبعد غير العاضل، فلو امتنع الولي الأقرب من تزويج موليَّته بالكفء، زوجها الولي الأبعد، لا السلطان، ولا يزوجها السلطان إلا إذا عدم الأولياء جميعا، أو عضل الكل.
وهو قول الحنفية، والراجح عند المالكية، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله1.
واستدلوا لذلك بما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل
1 انظر: الفتاوى الهندية (1/285) ، وحاشية العدوى على شرح الخرشي على مختصر خليل (3/189) ، والمغني (9/382) .
باطل باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا1 فالسلطان ولي من لا ولي له"2.
ووجه الاستدلال من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، جعل الولاية للسلطان في حالة عدم وجود الولي، وهذه لها ولي، ولا ينتقل إلى السلطان إلا إذا عضل الكل؛ لأن قوله:"فإن اشتجروا" ضمير جمع يتناول الكل.
وعللوا لذلك3:
1-
بأنه تعذر التزويج من جهة الولي الأقرب، فملكه الأبعد، كما لو جُنَّ الولي الأقرب.
2-
ولأنه يفسق بالعضل فتنتقل الولاية عنه، كما لو شرب الخمر.
القول الثاني:
أن ولاية التزويج في حالة عضل الأقرب تنتقل إلى السلطان، لا إلى الولي الأبعد، فلو امتنع الولي الأقرب من تزويج موليَّته بالكفء، قام السلطان أو القاضي بتزويجها.
1 اشتجروا، أي: تنازعوا. (المصباح المنير ص 305)
2 أخرجه أبو داود (2083) ، والترمذي (4/227-228،تحفة الأحوذي) ، وابن ماجه (1/605) ، وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الألباني (الإرواء 6/243) .
3 المغني (9/383) .
وهو قول المالكية ومذهب الشافعية ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله1.
وقد استدلوا لذلك:
1-
بالحديث، "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له"2.
ووجه الاستدلال من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، جعل الولاية في حالة اشتجار الأولياء للعضل وامتناعهم عن التزويج للسلطان، لأن الولي إذا امتنع من التزويج، فكأنه لا ولي لها، فيكون السلطان وليها3، فدل على انتقال الولاية إليه.
2-
ولأن ذلك حق عليه امتنع من أدائه، فقام الحاكم مقامه، كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه4.
الراجح:
بالنظر في أدلة الفريقين يبدو رجحان ما ذهب إليه الفريق الأول القائل بانتقال الولاية إلى الولي الأبعد عند عضل الولي الأقرب، وذلك:
- لقوة ما استدلوا به.
1 قوانين الأحكام الشرعية ص224، وتكملة المجموع (16/163) ، والمغني (9/382-383) .
2 سبق تخريجه (ص 89) .
3 انظر: تحفة الأحوذي (4/228) .
4 المغني (9/383) ، وتكملة المجموع (16/163) .
- ولأن المعتبر في النكاح وجود الولي، لأداء واجب ثبت عليه لموليته، فإذا تقاعس عن أداء ذلك الواجب، ووجد من يتصف بصفة الولاية، وغيرُ ممتنع عن أداء واجبه، فهو أولى بالأداء من السلطان؛ لأنه الأصل في الأداء، والسلطان بدل منه.
- وقد رد ابن قدامة رحمه الله على قياس الولاية على الدَّيْن؛ بأنه قياس مع الفارق من وجوه ثلاثة:
أحدها: أنها حق للولي، والدَّيْن حق عليه.
الثاني: أن الدَّيْن لا ينتقل عنه، والولاية تنتقل لعارض، من جنون الولي، أو فسقه، أو موته.
الثالث: أن الدَّيْن لا يعتبر في بقائه، العدالة، والولاية يعتبر لها ذلك، وقد زالت العدالة بما ذكرنا1.
الفرع الثاني: انتقال ولاية التزويج بسبب الغيبة.
إذا غاب الولي الأقرب، فهل تنتقل ولاية التزويج إلى الولي الأبعد أو إلى السلطان؟
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
1 المغني (9/383) .
القول الأول:
أن ولاية التزويج في حالة غيبة الولي الأقرب تنتقل إلى الولي الأبعد،
فلو غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة1، زوجها الولي الأبعد، لا السلطان، ولا يزوجها السلطان إلا إذا عدم الأولياء جميعا. وهو قول الحنفية والحنابلة2.
واستدلوا لذلك:
1 اختلفت أقوال الفقهاء في مقدار غيبة الولي المؤثرة في انتقال الولاية عنه، إلى أقوال:
فللحنفية آراء مختلفة في ذلك، فمنهم من يرى، أن غيبته مسافة قصر توجب نقل الولاية عنه، ومنهم من يرى أن الولي لو غاب غيبة لا يمكن للخاطب انتظاره فيها، كانت غيبته مؤثرة في انتقال الولاية عنه. أنظر: بدائع الصنائع (2/251) ، والفتاوى الهندية (1/285) .
ويرى المالكية أن المؤثر في ذلك هو الغيبة البعيدة كإفريقية، التي كان بينها وبين مصر ثلاثة أشهر، (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/229)، وفي الشرح الكبير (نفس المرجع) : حددت المسافة بثلاثة أيام.
وأخف المذاهب في ذلك مذهب الشافعية، حيث يرون أن الولي لو غاب غيبة منقطعة، أو مسافة تقصر فيها الصلاة انتقلت الولاية عنه، (تكملة المجموع 16/163) .
واختلفت أقوال الحنابلة في الغيبة المؤثرة، فمنهم من يرى أنها الغيبة المنقطة بحيث لا تصل إليه فيها الرسائل، أو تصله ولا يجيب، ومنهم من يرى أنها مسافة لا تتردد إليها القوافل إلا مرة في السنة، ومنهم من يرى أنها مسافة قصر، (المغني 9/386) .
ولا يخفى أن المسألة اجتهادية بحتة، فللقاضي أو الحاكم أن ينظر فيها بحسب حال الواقعة المعروضة عليه، ليحكم فيها بما يؤدي إليه اجتهاده فيها، والله أعلم.
2 الفتاوى الهندية (1/285) ، والمغني (9/385) .
1-
بحديث "فالسلطان ولي من لا ولي له "1، ووجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الولاية للسلطان لمن لا ولي لها، وهذه لها ولي، فلا يكون السلطان ولياً لها.
2-
ولأن الأقرب تعذر حصول التزويج منه، فتثبت الولاية لمن يليه من العصبات، كما لو جُنَّ أو مات.
3-
ولأنها حالة يجوز فيها التزويج لغير الأقرب فكان ذلك للأبعد، كالأصل2.
القول الثاني:
أن ولاية التزويج في حالة غيبة الولي الأقرب تنتقل إلى السلطان.
فلو غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة، زوجها السلطان لا الولي الأبعد.
وهو قول المالكية والشافعية3.
وقد عللوا لذلك:
1_
بأن الولي الغائب، ولايته باقية لم تنته، فلا تنتقل إلى الولي الأبعد، وإنما يزوجها الحاكم؛ لأنه وكيل الغائب فله أن يزوجها، لا الولي الأبعد4.
1 سبق تخريجه (ص89) .
2 المغني (9/385) .
3 حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/229) ، وتكملة المجموع (16/163) .
4 انظر: تكملة المجموع (16/163) .
2-
ولأن الأبعد محجوب بولاية الأقرب، فلا يجوز له التزويج، كما لو كان حاضرا، ودليل بقاء ولايته أنه لو زوج من حيث هو، أو وكل، صح1.
الراجح:
ويبدو رجحان ما ذهب إليه الفريق الأول القائل بانتقال الولاية إلى الولي الأبعد عند غيبة الولي الأقرب، وذلك:
لقوة تعليلهم واستدلالهم.
ولأن الحديث نص على أن"السلطان ولي من لا ولي له"، فلو جعلنا الولاية للسلطان، مع وجود من يطلق عليه اسم الولي، كان في ذلك مخالفة للحديث، مع ما في ذلك من هضم لحق الولي الأبعد. والله أعلم.
1 المغني (9/385) .