الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث العاشر: (الضمان السادس عشر) : أن الشريعة أمرت ببعث الحكمين للإصلاح بين الزوجين
إن الأصل في العلاقات الزوجية أن يتم حل الخلافات الناشئة بين الزوجين فيما بينهما، وأن يحصر نزاعهما داخل بيت الزوجية، لأن إظهار المشاكل العائلية خارج نطاق الزوجين من شأنه تفاقم الأزمة بينهما، ولذا نجد أن القرآن الكريم خاطب الزوج أولا، لإصلاح ما بينه وبين زوجته، فقال تعالى:{وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} 1.
كما خاطب الزوجة بذلك قال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} 2.
إلا أن المشكلة بين الزوجين قد تتعاظم، حتى يخشى منها حصول الشقاق بينهما، ولم يمكن إصلاحها فيما بينهما، فحينئذ يأمر الله سبحانه
1 من الآية 34 من سورة النساء.
2 من الآية 128من سورة النساء.
وتعالى ببعث حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة للإصلاح بينهما.
ولا يخفى ما في هذا الحكم من ضمان لحقوق المرأة المتعلقة بحياتها الزوجية، بل وفيه ضمان لحق الزوجين بمحاولة الإبقاء على بيت الزوجية؛ لأن الإبقاء على العلاقة مقصد هام من مقاصد الشريعة.
وتوضيح ذلك أن الزوجين في حالة الشقاق يدعي كل منهما الحق لنفسه، وقد يؤدي ذلك إلى هضم صاحب الحق حقه، وتُظلم المرأةُ حينئذ أو تَظلم، وفي كلتا الحالتين ليس الخير في جانبها، فبعث الحكمين ضمان لها من الوقوع في الظلم أو التظلم. وقد خاطب الله الأمراء والحكام1 ببعث الحكمين لإصلاح الشقاق بين الزوجين في قوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} 2.
وقد اشترط العلماء في الحكمين:
- أن يكون أحدهما من أهل الزوج، والآخر من أهلها.
- وأن يكونا عدلين مسلمين.
- وممن عرفوا بالاستقامة والصلاح والإصابة في الرأي.
1 تفسير فتح القدير للشوكاني (1/463) .
2 من الآية (34) من سورة النساء.
- وأن يتفقا على حكم واحد ليكون نافذا، وأما إذا اختلفا فلا اعتبار لحكمهما.
وعلى الحكمين أن يبذلا وسعهما لمعرفة سبب الشقاق، وإزالته، وإصلاح ما بين الزوجين، 1 فإن رَأَيا أن النشوز من قبل الزوجة ذكراها الله ونصحاها لترجع إلى رشدها، وإن رَأَيا أن النشوز من قبل الزوج فَعَلا معه مثل ذلك، فإن وفقهما الله للإصلاح فهو المبتغى، وأما إن لم يقدرا على الصلح بينهما، فهل لهما أن يفرقا بين الزوجين إن رأيا المصلحة في ذلك؟ 1
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول: إن رأيا التفريق بين الزوجين، كان حكمهما نافذا، دون حاجة إلى إذن الزوجين بالتفريق، أو إذن من الحاكم. وهو قول الجمهور (المالكية والشافعية والراجح عند الحنابلة)
القول الثاني: أنه ليس للحكمين أن يفرقا بينهما، وإنما لهما أن يصلحا بينهما.
1 انظر: المغني (10/264) .
2 انظر: شرح الخرشي (4/8) ، وحاشية قليوبي وعميرة (3/306) ، والمغني (10/264) .
وهو قول الحنفية ورواية عند الحنابلة1
ومناط الخلاف بين القولين هو خلافهما في اعتبار الحكمين، هل الحكمان بمثابة وكيلين عن الزوجين، فلا يكون لهما التفريق إلا بتوكيل بذلك، أم أنهما قائمان مقام الحاكم، فلهما حينئذ سلطة التفريق؟
الراجح:
يبدو رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن لهما السلطة في اتخاذ ما يرونه مناسبا لحالهما من جمع أو تفريق، بشرط أن يتفقا على رأي واحد، وكانا أهلا للحكم.
وذلك لأن لفظ القرآن يدل على ذلك، حيث سماهما الله سبحانه وتعالى بالحكم لا الوكيل، والوكيل لا يسمى حكما، وجعل تعيينهما إلى الأمراء والحكام لا الزوجين2
ويؤيد ذلك ما رواه الدارقطني عن عبيدة قال:" جاء رجل وامرأته إلى علي رضي الله عنه، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فلما بعث الحكمين قال: رويدكما حتى أعلمكما ماذا عليكما، هل تدريان ما عليكما إنكما
1 انظر: أحكام القرآن للجصاص (2/191) والمغني (10/264) .لم أذكر أدلة القولين المذكورين في حكم التفريق من قبل المحكمين لأن أصحاب القولين لم يستدلوا لهما وقد حللت ما رجحته بالدليل.
2 انظر لترجيح المسألة ما ذكره ابن القيم رحمه الله من كلام قيم: زاد المعاد (5/189) وما بعدها.
إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، ثم أقبل على المرأة وقال: أرضيت بما حكما؟ قالت: نعم قد رضيت بكتاب الله علي ولي، ثم أقبل على الرجل فقال: قد رضيت بما حكما قال: لا، ولكني أرضى أن يجمعا، ولا أرضى أن يفرقا، فقال له: كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بمثل الذي رضيت به".