المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث السادس: الضمان السادس) : أن الشريعة ألغت تصرفات الزوج الضارة بالمرأة مما كان سائدا في الجاهلية، وعاقبت عليها، كالظهار، والإيلاء - ضمانات حقوق المرأة الزوجية

[محمد يعقوب الدهلوي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌المدخل

- ‌الفصل الأول: الصمانات العامة لحقوق المرأة الزوجية

- ‌المبحث الأول: (الضمان الأول) : أن حقوق المرأة الزوجية ثابتة بأحكام شرعية توعد الله من اعتدى عليها، أو قصر في أدائها

- ‌المبحث الثاني: (الضمان الثاني) : أن من الحقوق الزوجية، ما لا يمكن التنازل عنه شرعا

- ‌المبحث الثالث: (الضمان الثالث) : أن الشريعة أبطلت التنازل عن الحقوق الزوجية إذا كان مشتملا على الإكراه أو الغرر

- ‌المبحث الرابع: (الضمان الرابع) : أن الشريعة أبطلت التنازل عن الحقوق الزوجية مسبقا

- ‌المبحث الخامس: (الضمان الخامس) : أن الشريعة حرمت الأنكحة التي فيها ضرر مادي أو معنوي للمرأة

- ‌المبحث السادس: الضمان السادس) : أن الشريعة ألغت تصرفات الزوج الضارة بالمرأة مما كان سائداً في الجاهلية، وعاقبت عليها، كالظهار، والإيلاء

- ‌الفصل الثاني: الضمانات الخاصة لحقوق زوجية معينة

- ‌المبحث الأول: (الضمان السابع) : أن الشريعة منعت الولي من عضل موليته إن أرادت أن تنكح

- ‌المبحث الثاني: (الضمان الثامن) : أن الولاية تتحول من الولي الأقرب إلى الولي الأبعد

- ‌المبحث الثالث: (الضمان التاسع) : أن الشريعة جعلت لها الحق في أن تشترط من الحقوق المادية والمعنوية ما فيه مصلحتها

- ‌المبحث الرابع: (الضمان العاشر) : أن المرأة لو زوِّجت من غير رضاها كان لها حق الفسخ

- ‌المبحث الخامس: (الضمان الحادي عشر) : أن الشريعة الإسلامية ضمنت للمرأة مهرها، بأوجه عدة

- ‌المبحث السادس: (الضمان الثاني عشر) : أن الشريعة جعلت أمر الطلاق بيد الرجل

- ‌المبحث السابع: (الضمان الثالث عشر) : أن الشريعة جعلت أمر الطلاق بيدها بالاشتراط

- ‌المبحث الثامن: (الضمان الرابع عشر) : أن الشريعة جعلت لها الخيار، إذا لحقها ضرر مادي أو معنوي من قبل الزوج

- ‌المبحث التاسع: (الضمان الخامس عشر) : أن الشريعة أباحت للمرأة طلب الخلع إن لم تطق العيش مع زوجها

- ‌المبحث العاشر: (الضمان السادس عشر) : أن الشريعة أمرت ببعث الحكمين للإصلاح بين الزوجين

- ‌المبحث الحادي عشر: (الضمان السابع عشر) : أن الشريعة فرضت لها الميراث ولو طلقت طلاقا بائنا، إذا اتهم زوجها بقصد حرمانها من الميراث

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌المبحث السادس: الضمان السادس) : أن الشريعة ألغت تصرفات الزوج الضارة بالمرأة مما كان سائدا في الجاهلية، وعاقبت عليها، كالظهار، والإيلاء

‌المبحث السادس: الضمان السادس) : أن الشريعة ألغت تصرفات الزوج الضارة بالمرأة مما كان سائداً في الجاهلية، وعاقبت عليها، كالظهار، والإيلاء

.

تمهيد:

من ضمانات حقوق المرأة الزوجية أن الشريعة أبطلت التصرفات القولية للزوج والتي كانت معروفة في الجاهلية، لما اشتملت عليه من ضرر بمصالح المرأة، بجعلها معلقة، أو ممنوعة من حقوقها.

ومن تلك التصرفات الضارة، الظهار، والإيلاء، إذ كان الرجل في الجاهلية إذا غضب على زوجته ظاهر منها، أو حلف على ترك وطئها، فتبقى محرومة من أهم حق من حقوقها الزوجية، وكانوا يعتبرون ذلك طلاقا، فتحرم عليه تحريما مؤبدا، ومع ذلك لا يحق لها أن تتزوج بغيره،1 فعالجت الشريعة ذلك التصرف السيئ من الزوج بإلغائه، وفرض العقوبة المناسبة على المظاهر والمولي، مع الإبقاء على النكاح، فكان في ذلك ضمان لحقوق المرأة.

1 انظر: شرح الخرشي (4/101) .

ص: 65

وسأذكر - بعون الله تعالى - فيما يلي ما يتعلق بضمان حقوق المرأة بمعالجة الشريعة لحالتي الظهار والإيلاء، وفرض الكفارة على المظاهر، والمولي خروجا له من تصرفه السيئ، وذلك في فرعين:

ص: 66

الفرع الأول: تعريف الظهار وحكمه:

أولا: الظهار لغة واصطلاحا:

الظهار لغة: الظهر من كل شيء خلاف البطن، والظهر من الإنسان، من لدن مؤخر الكاهل إلى أدنى العجز عند آخره، و (ظهر) الشيء (يظهر) (ظهورا) : برز بعد الخفاء.

و (ظاهر) من امرأته (ظهارا) ، مثل قاتل قتالا، و (تظهر) : إذا قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي.، وكان في الجاهلية طلاقا، قيل: إنما خص ذلك بذكر الظهر دون البطن والفرج؛ لأن الظهر من الدابة موضع الركوب، والمرأة مركوبة وقت الغشيان، فأقام الركوب مقام النكاح؛ لأن الناكح راكب، فركوب الزوجة مستعار من ركوب الدابة، ثم شبه ركوب الزوجة بركوب الأم الذي هو ممتنع، وهو استعارة لطيفة، فكأنه قال: ركوبك للنكاح حرام عليَّ، وقيل: إنهم أرادوا: أنت عليَّ كبطن أمي، أي: كجماعها، فكنوا بالظهر عن البطن للمجاورة. 1

واصطلاحا: هو: "تشبيه الزوجة، أو جزء منها شائع، أو معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه، من المحرمة على التأبيد، ولو برضاع، أو

1 لسان العرب (6/192) والمصباح المنير (ص 388) والنهاية في غريب الحديث والأثر (3/164) والمفردات في غريب القرآن (ص318) ، والمطلع على أبواب المقنع (ص 345) ، وحلية الفقهاء (ص 177) .

ص: 67

صهرية.1 وأن صريحه بالإجماع: "أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي"2.

ثانيا: حكم الظهار وما يجب فيه على المظاهر

1-

حكم الظهار

الظهار محرم؛ لأنه منكر من القول وزور، وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة: فأما الكتاب:

فقول الله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} 3.

وأما السنة فأحاديث منها:

ما رواه الترمذي، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصَارِيِّ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلا قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ فَرَقًا مِنْ أَنْ أُصِيبَ مِنْهَا فِي

1 شرح فتح القدير (4/85)، وللعلماء أقوال في الألفاظ التي تندرج تحت حكم الظهار من غيرها انظر للتفصيل: شرح الخرشي (4/101) وما بعدها، ونهاية المحتاج (7/76) وما بعدها، والمغني (11/54) وما بعدها.

2 الإجماع لابن المنذر (ص 47) .

3 الآية 2من سورة المجادلة.

ص: 68

لَيْلَتِي فَأَتَتَابَعَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَنِي النَّهَارُ وَأَنَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَنْزِعَ فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْدُمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأُخْبِرَهُ بِأَمْرِي، فَقَالُوا: لا وَاللَّهِ لا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ، أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، قَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، قَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ وَهَا أَنَا ذَا فَأَمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ فَإِنِّي صَابِرٌ لِذَلِكَ، قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً، قَالَ: فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي فَقُلْتُ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، قَالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلا فِي الصِّيَامِ، قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ وَحْشَى مَا لَنَا عَشَاءٌ، قَالَ اذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقًا سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى عِيَالِكَ"، قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السَّعَةَ وَالْبَرَكَةَ، أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ فَادْفَعُوهَا إِلَيَّ فَدَفَعُوهَا إِلَيَّ"1.

1 سنن الترمذي (9/188-191، التحفة) . قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وصححه الألباني في الإرواء (7/176) .

ص: 69

وقد نزلت سورة المجادلة في خولة بنت حكيم؛ ففي مسند أحمد عن خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ وَاللَّهِ فِيَّ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ

" الحديث1. وهو قول الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} 2.

2-

ما يجب فيه على المظاهر:

أ - من ظاهر من امرأته حرم عليه وطؤها إجماعا،3 ووجب عليه إن أراد أن يرجع إليها، أن يكفر كفارة ظهار المذكورة في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 4.

1 المسند (6/410)، وقال الألباني: صحيح. إرواء الغليل (7/173) .

2 الآية 1 من سورة المجادلة.

3 قوانين الأحكام الشرعية (ص 267) .

4 الآيتان 3،4 من سورة المجادلة.

ص: 70

وهي كفارة على الترتيب المذكور في الآية، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان1.

قال القرطبي رحمه الله: "ذكر الله عز وجل الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم.2

فإن وطئ قبل أن يكفر كان عاصيا، وعليه الكفارة، في قول أكثر أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن قدامة رحمه الله.3

ب - إن امتنع المظاهر عن الكفارة كان للزوجة مطالبته بها، والعود إلى الوطء، فإن امتنع عن التكفير كان لها أن ترفع الأمر إلى القاضي ليأمره بأداء الكفارة، فإن امتنع أجبره على أدائها، أو أن يطلق4.

وفي ذلك رفع للضرر الواقع على المرأة بسبب الظهار ومعاقبة للمظاهر.

1 تفسير القرآن العظيم (4/322)، وانظر كذلك: شرح منتهى الإرادات (3/200) .

2 الجامع لأحكام القرآن (17/285) .

3 المغني (11/110)، وانظر كذلك: شرح فتح القدير، وشرح العناية إلى الهداية، والهداية، مع الشرح (4/86) وما بعدها، وحاشية الدسوقي (2/445) ، وما بعدها، وروضة الطالبين (8/268) وما بعدها.

4 انظر: بدائع الصنائع (3/234) ، والاختيار لتعليل المختار (3/162) ، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (2/433)

ص: 71

الفرع الثاني: تعريف الإيلاء وحكمه:

هذا هو النوع الثاني من أنواع التصرفات التي كانت تصدر من الزوج في الجاهلية، ويقصد به إيقاع الضرر بزوجته وإيذائها عند المساءة إظهارا لغضبه، فكان الرجل إذا غضب على زوجته حلف أن لا يطأها السنة والسنتين، أو أن لا يطأها أبدا، فتمضي زوجته تلك المدة دون أن يقربها زوجها، أو يطلقها حتى تتزوج من آخر، فتبقى معلقة، لا هي مستمتعة بحقوقها الزوجية، ولا هي مطلقة، فتتزوج بغيره، فرفع الإسلام الظلم الواقع عليها بفرض أحكام الإيلاء.

وسأذكر فيما يلي بعض تلك الأحكام المتعلقة برفع معاناة الزوجة في حالة الإيلاء، وذلك بعد

تعريف الإيلاء لغة واصطلاحا.

أولا: الإيلاء لغة واصطلاحا:

لغة: الإيلاء من (آلى)(إيلاء)، مثل آتى إيتاء: إذا حلف، وهو رباعي، فالإيلاء: مطلق الحلف.1

واصطلاحا: اختلف الفقهاء في تعريف الإيلاء، وذلك بناء على اختلافهم في مدة الإيلاء.

فالإيلاء عند الحنفية: هو الحلف على ترك قربانها أربعة أشهر أو أكثر.2

1 المصباح المنير (ص20) ، وكتاب شرح غريب ألفاظ المدونة (ص 89) .

2 البحر الرائق (4/65) .

ص: 72

والإيلاء عند الجمهور: هو الحلف على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، أو بإطلاق.1

ثانيا: حكم الإيلاء وما يجب فيه على المولي:

حكم الإيلاء:

الإيلاء يمين على ترك واجب، ولذا كان حراما.2

والأصل في الإيلاء هو قول الله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 3.

وما رواه البخاري، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ:" آلَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَكَانَتِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَجَلَسَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ".4

1 انظر: حاشية الدسوقي (2/426) ، وروضة الطالبين (8/229) ، والمغني (11/5) .

2 انظر: شرح منتهى الإرادات (3/189) ، وفتح الباري (5/427) .

3 الآيتان 226،227 من سورة البقرة.

4 صحيح البخاري مع فتح الباري (5/116) .

ص: 73

هذا ويلاحظ أن العلماء يذكرون أن ما آلى به النبي صلى الله عليه وسلم غير الإيلاء المعروف لدى الفقهاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما حلف أن لا يدخل بيت أزواجه، لا أنه لا يجامعهن1.

ما يجب فيه على المولي:

إذا حلف الرجل بالله عز وجل، أو بصفة من صفاته أن لن يطأ زوجته، فإن حاله لا يخلو من أن يكون قد حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر، أو يكون قد حلف أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، أو حلف أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر2 فها هنا ثلاث حالات:

1 انظر للتفصيل في المسألة فتح الباري (9/427) .

2 اتفق العلماء على أن من حلف أن لا يطأ زوجته أقل من أربعة أشهر، أنه لا يكون موليا، كما أن من حلف أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، أنه يكون موليا.

واختلفوا بعد ذلك في مدة الأربعة أشهر، هل يكون الحالف بها على عدم الوطء موليا، أم لا؟

فيرى جمهور العلماء من (المالكية والشافعية والحنابلة) أن من حلف أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر، أنه لا يكون موليا، وأن مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر (انظر: حاشية الدسوقي 2/428، وروضة الطالبين 8/246، وشرح منتهى الإرادات 3/192) .

ويرى الحنفية أن مدة الإيلاء أربعة أشهر فأكثر انظر: البحر الرائق 4/67، وهي رواية عن الإمام أحمد.

(=) وسبب الخلاف بين الجمهور والحنفية، هو اختلافهم في (الفاء) في قوله تعالى {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، هل هو للترتيب الزمني، أو هو للترتيب الذكري؟ والجمهور على أنه للترتيب الزمني، والفرق بين القولين، أنه على رأي الحنفية تطلق المرأة بمضي أربعة أشهر من دون تطليقة، وعلى قول الجمهور إذا مضت أربعة أشهر أوقف، وأمر بالفيء فإن فاء، وإلا طلق عليه، ويرجح ما ذهب إليه الجمهور ما رواه البخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر" إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق"، وقال البخاري رحمه الله: ويذكر ذلك عن عثمان وعلي، وأبي الدرداء، وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. صحيح البخاري مع فتح الباري (9/426)، وروى الدارقطني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يولي من امرأته، قالوا:" ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق" سنن الدارقطني (4/61) ، وذكر الحافظ ابن حجر طرق هذه الرواية، وقال عن بعضها أن سنده صحيح. فتح الباري (9/429) .

ص: 74

فأما الأولى: وهي أن يكون قد حلف أن لا يطأ زوجته أقل من أربعة أشهر، فإنه لن يكون موليا اتفاقا، وله أن يفي بيمينه، فلا يقرب زوجته تلك المدة، ولا شيء عليه في ذلك، أو أن يرجع في حلفه، فتجب عليه حينئذ كفارة يمين.

وذلك لما رُوي من حديث ابن عباس: "لا إيلاء فيما دون أربعة أشهر"، ولابن أبي شيبة من طريق عطاء، عن ابن عباس رضي الله

ص: 75

عنهما: "إذا آلى من امرأته شهراً أو شهرين أو ثلاثة - ما لم يبلغ الحد - فليس بإيلاء"1.

وأما الثانية: وهي أن يكون قد حلف أن لا يطأ امرأته أبدا، أو أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، بقصد الإضرار بها، فإن الشريعة الإسلامية تتدخل في مثل ذلك برفع الضرر عنها، وذلك بإمهاله أربعة أشهر ليرجع عن حلفه، فإن رجع عن حلفه، ووطئ، كان حانثا في يمينه، إذ لم يف بما حلف عليه، وعليه في ذلك أن يكفر كفارة يمين.

وأما إن أصر على إيلائه، فإنه يؤمر بإزالة الضرر عن زوجته بالفيء، أي: بالرجوع عن الحلف، ووطء زوجته، فإن فاء، تحقق الحنث، ووجبت عليه كفارة يمين.

وإن لم يفيء فإنه يؤمر بطلاقها، فإن طلق، وإلا طلق القاضي عليه.

وأما الثالثة: وهي أن يكون قد حلف أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر، فقد اختلف الفقهاء في حكمه2.

فيرى جمهور العلماء من (المالكية والشافعية والحنابلة) أن من حلف أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر، أنه لا يكون موليا، وأن مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر. 3

1 قال الحافظ ابن حجر: "إسناده صحيح". انظر: الدراية في تخريج أحاديث البداية (2/74) .

2 انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/1115) .

3 انظر: حاشية الدسوقي (2/432) ، روضة الطالبين (8/246) ، الإنصاف (9/174-175) .

ص: 76

ويرى الحنفية أن مدة الإيلاء أربعة أشهر فأكثر، وهي رواية عن الإمام أحمد.1

وسبب الخلاف بين الجمهور والحنفية، هو اختلافهم في (الفاء) في قوله تعالى:{فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 2، هل هو للترتيب الزمني، أو هو للترتيب الذكري؟ والجمهور على أنه للترتيب الزمني، والفرق بين القولين، أنه على رأي الحنفية تطلق المرأة بمضي أربعة أشهر من دون تطليقة، وعلى قول الجمهور إذا مضت أربعة أشهر أوقف، وأمر بالفيء فإن فاء، وإلا طلق عليه.

ويرجح ما ذهب إليه الجمهور ما رواه البخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر"إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق"، وقال البخاري رحمه الله: ويذكر ذلك عن عثمان وعلي، وأبي الدرداء، وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.3

وروى الدارقطني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يولي من امرأته، قالوا:"ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق"4.

1 انظر: البحر الرائق (4/69) ، والإنصاف (9/174-175) .

2 من الآية 226 من سورة البقرة.

3 صحيح البخاري مع فتح الباري (9/426) ،

4 سنن الدارقطني (4/61) ، وذكر الحافظ ابن حجر طرق هذه الرواية، وقال عن بعضها أن سنده صحيح. فتح الباري (9/429) .

ص: 77