الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟ فَقَالَ: لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا مُحَرِّمِهِ» وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ «وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ» .
ــ
[طرح التثريب]
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]
[حَدِيث أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ]
ِ) (الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ) عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟ فَقَالَ لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا مُحَرِّمِهِ» (فِيهِ) فَوَائِدُ (الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا أَبَا دَاوُد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَحْدَهُ بِلَفْظِ «إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ فَقَالَ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَقَالَ النَّسَائِيّ «وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ» وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ «الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا مُحَرِّمِهِ» وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ «لَا أُحَرِّمُ» يَعْنِي الضَّبَّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ» وَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ «قَامَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ» وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِضَبٍّ فَلَمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
يَأْكُلْهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ» وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ سَعْدٌ وَأَتَوْا بِلَحْمِ ضَبٍّ فَنَادَتْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كُلُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي» . لَفْظُ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَفْظُهُ «فَإِنَّهُ حَلَالٌ أَوْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ» شَكَّ فِيهِ.
(الثَّانِيَةُ) : الضَّبُّ دُوَيْبَّةٌ مَعْرُوفَةٌ وَالْأُنْثَى ضَبَّةٌ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْوَرَلَ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ حِرْذَوْنٌ كَبِيرٌ يَكُونُ فِي الصَّحْرَاءِ.
(الثَّالِثَةُ) فِيهِ إبَاحَةُ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحَرِّمْهُ فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ، وَعَدَمُ أَكْلِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِعِيَافَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» ، وَقَدْ رَفَعَ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام «كُلُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ» كُلَّ إشْكَالٍ فَهَذَا نَصٌّ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تَطْعَمُوهُ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى تَحْرِيمِهِ حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الضَّبَّ حَلَالٌ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ كَرَاهَتِهِ وَإِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا هُوَ حَرَامٌ، وَمَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ فَإِنْ صَحَّ عَنْ أَحَدٍ فَمَحْجُوجٌ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ انْتَهَى.
(قُلْت) الْكَرَاهَةُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بِلَا شَكٍّ كَمَا هُوَ فِي كُتُبِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَكْرُوهِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا قَاطِعًا لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الْحَرَامِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ فَظَهَرَ بِذَلِكَ وُجُودُ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلِهَذَا نَقَلَ الْعِمْرَانِيُّ فِي الْبَيَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَحْرِيمَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَزْمٍ وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَكْلَهُ، وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا فَحَكَى ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ وَفِي كُلِّ مَا قِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ التَّحْرِيمُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْجَوَازُ.
(الرَّابِعَةُ)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ قَالَ «كُنْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَأَصَبْنَا ضِبَابًا فَكَانَتْ الْقُدُورُ تَغْلِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا أَصَبْنَاهَا فَقَالَ إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَأَكْفَأْنَاهَا وَإِنَّا لَجِيَاعٌ» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي جَيْشٍ فَأَصَبْنَا ضِبَابًا فَشَوَيْت مِنْهَا ضَبًّا فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعْته بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَخَذَ عُودًا فَعَدَّ بِهِ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ وَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيَّ الدَّوَابِّ هِيَ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَنْهَ» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ وَابْنُ وَدِيعَةَ هُمَا وَاحِدٌ يَزِيدُ أَبُوهُ؛ وَدِيعَةُ أُمُّهُ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ الْمِزِّيُّ هُوَ ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ وَدِيعَةَ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَكَأَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ أَصَحُّ وَيَحْتَمِلُ عَنْهُمَا جَمِيعًا انْتَهَى. وَرَوَى الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ الضَّبَّ أُمَّةٌ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَمَا مَضَى فِي إبَاحَتِهِ أَصَحُّ مِنْهُ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «أُهْدِيَ لَنَا ضَبٌّ فَقَدَّمْته إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُطْعِمُهَا السُّؤَالَ؟ فَقَالَ إنَّا لَا نُطْعِمُهُمْ مِمَّا لَا نَأْكُلُ» . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِمَا سَنَذْكُرُهُ.
أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ فَلَيْسَ فِيهِ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا مَمْسُوخَةٌ وَإِكْفَاؤُهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَالْوَرَعِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إكْفَاءَ الْقُدُورِ بِالضِّبَابِ خَوْفَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَقَايَا مَسْخِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلًا وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ» ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَكْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِلضَّبِّ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ قَالَ وَهَذَا هُوَ النَّاسِخُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ إلَّا بَعْدَ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَلَمْ يَغْزُ بَعْدَهَا إلَّا تَبُوكَ وَلَمْ تُصِبْهُمْ فِي تَبُوكَ مَجَاعَةٌ أَصْلًا وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ خَبَرَ ابْنِ حَسَنَةَ كَانَ قَبْلَ هَذَا انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَقَدِّمُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ فَتَقَدَّمَ عَنْ الْبَيْهَقِيّ تَضْعِيفُهُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِيهِ ضُعَفَاءُ، وَمَجْهُولُونَ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمَذْهَبِهِمْ فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ:
هُوَ إنْ ثَبَتَ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِهِ ثُمَّ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُطْعِمَ الْمَسَاكِينَ مِمَّا لَا يَأْكُلُ انْتَهَى وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة: 267] ، وَقَدْ ظَهَرَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ احْتِمَالَ الْمَسْخِ قَدْ أُمِنَ وَزَالَ التَّعَلُّلُ بِهِ.
وَأَمَّا الْعِيَافَةُ فَلَا تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَفِي عِبَارَةِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ إشَارَةٌ إلَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ الْعَائِفِ فَإِنَّهُ قَالَ وَلَكِنْ يَبْقَى حَلَالًا لِمَنْ اعْتَادَهُ فَإِنْ صَحَّ فَسَبَبُهُ خَشْيَةُ الضَّرَرِ بِالْقَرَفِ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ «عليه الصلاة والسلام لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» وَقَالَ إنَّ الضَّبَّ مَوْجُودٌ بِمَكَّةَ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ إنَّ فِيهِ تَكْذِيبَ الْخَبَرِ وَأَنَّ النَّاقِلَ لِوُجُودِهَا بِمَكَّةَ كَاذِبٌ أَوْ سُمِّيَتْ لَهُ بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا كَلَامُهُ وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَيَوَانَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَكْلَهُ أَيْ لَمْ يَشِعْ أَكْلُهُ بِأَرْضِ قَوْمِي.
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ أَهْلَ تِهَامَةَ تَعَافُهَا» قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ كِتَابِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَرِهَهُ لِرَائِحَتِهِ فَقَالَ «إنِّي يَحْضُرُنِي مِنْ اللَّهِ حَاضِرَةٌ» يُرِيدُ الْمَلَائِكَةَ فَيَكُونُ هَذَا كَنَحْوِ مَا قَالَ فِي الثُّومِ «إنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» قَالَ وَلَا بُعْدَ فِي تَعْلِيلِ كَرَاهَةِ الضَّبِّ بِمَجْمُوعِهَا.
(الْخَامِسَةُ)(إنْ قُلْت) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ «دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ فَقَرَّبَ إلَيْنَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا فَآكِلٌ وَتَارِكٌ فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ الْغَدِ فَأَخْبَرْتُهُ فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا آكُلُهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِئْسَمَا قُلْتُمْ مَا بُعِثَ نَبِيٌّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا مُحِلًّا