الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البلاغة» وجمع ما تناثر فيهما من القواعد البلاغية وتنظيمها وحصر فروعها وأقسامها.
ولكنه في محاولته لم يقتصر على ذلك، وإنما نراه يلخص أيضا بديعيات الوطواط وينثر ما أخذه منها في ثنايا فصول كتابه على نحو أدى إلى نوع من الخلط بين مباحث علم البديع، ومباحث علمي المعاني والبديع.
وما دمنا نتابع نشأة البديع وتطوره في عصوره المختلفة، فإن تحليل عمل الرازي في كتابه ونقده والحكم عليه يخرج عن دائرة ما نبغيه منه.
وما نبغيه هو معرفة قدر المساهمة التي أسهم بها في خدمة علم البديع وتطويره، وهذه المساهمة، كما رأينا، ليس فيها جديد يحسب للرازي، وكل ما له أنه استخدم في كتابه بعض فنون البديع المعروفة، وكان مرجعه الأول فيها كتاب «حدائق السحر في دقائق الشعر» للوطواط.
2 - السكاكي:
هو سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن محمد السكاكي المتوفى على الراجح سنة 626 من الهجرة. ويقال إنه بدأ يشتغل بالعلم ويتفرغ له وهو في نحو الثلاثين من عمره، ولهذا أكب على علوم الفلسفة والمنطق والفقه وأصوله واللغة والبلاغة يدرسها حتى أتقنها.
وللسكاكي مصنفات كثيرة أهمها كتاب «مفتاح العلوم» الذي قسمه إلى ثلاثة أقسام أساسية: قصر القسم الأول منها على علم الصرف وما يتصل به من الاشتقاق بأنواعه، كما جعل القسم الثاني منه لعلم النحو أما القسم الثالث فخص به علم المعاني وعلم البيان، وملحقاتهما من البلاغة والفصاحة، والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية.
ولما كانت علوم البلاغة تحتاج إلى علوم المنطق والعروض والقافية فقد أفرد لكل منها مبحثا خاصا وحيزا في كتابه. وبذلك اشتمل «المفتاح» على علوم الصرف والنحو والمعاني والبيان والمنطق والعروض والقافية والمحسنات البديعية.
وشهرة السكاكي ترجع في الواقع إلى القسم الثالث من كتاب المفتاح، وهو القسم الخاص بعلم المعاني وعلم البيان وملحقاتهما من البلاغة والفصاحة، والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية.
ومصدر هذه الشهرة أنه أعطى لأصول العلوم التي أفرد لها القسم الثالث من كتابه الصيغة النهائية التي عكف عليها العلماء من بعده يتدارسونها ويشرحونها مرارا.
وقد كان ما انتهى إليه في ذلك وليد اكتساب ومجهود ذاتي. وتفصيل ذلك أنه استطاع أن يخرج من اطلاعه على أعمال رجال البلاغة المتقدمين عليه بملخص لما نثروه في كتبهم من آراء، أضاف إليها ما عنّ له شخصيا من أفكار، ثم صاغ ذلك كله صياغة محكمة استعان فيها بقدرته المنطقية في التعليل والتحديد والتقسيم والتفريع والتشعيب.
ولعل عبد القاهر الجرجاني والزمخشري وفخر الدين الرازي هم أكثر من أفاد منهم السكاكي في عمله هذا.
والآن ماذا عن البديع عند السكاكي ومجهوده فيه؟ لقد ذكرنا آنفا أنه ألحق البديع في القسم الثالث من كتابه المفتاح بعلمي المعاني والبيان.
ومعنى ذلك أنه لم يكن ينظر إليه كعلم مستقل قائم بذاته، وإلا لكان عليه أن يعامله معاملة علمي المعاني والبيان، وأن يعطيه من العناية ما أعطاه لهما.
ومع ذلك فلعله كان أول من نظر في المحسنات البديعية وقسمها إلى محسنات معنوية وأخرى لفظية، وهذا أمر يحسب بطبيعة الحال للسكاكي لأن من بحثوا قبله في المحسنات البديعية كانوا يوردونها مختلطا بعضها ببعض، وقلما حاول أحدهم أن يفرق بين المعنوي واللفظي منها، كما فعل هو.
وشيء آخر أن السكاكي لم يأت في كتابه المفتاح على كل المحسنات البديعية التي كانت معروفة إلى عصره، وإنما اقتصر منها على ستة وعشرين نوعا، لعلها كانت في نظره أهم من غيرها أثرا في تحسين الكلام لفظا ومعنى، كما أنه لم يزد على المحسنات جديدا من عنده.
والمحسنات البديعية المعنوية التي آثرها على غيرها ووقف عندها في كتابه تبلغ عشرين نوعا، هي: المطابقة، والمقابلة، ومراعاة النظير، والمزاوجة، والمشاكلة، والإيهام، واللف والنشر، والجمع، والتفريق، والتقسيم، والجمع مع التفريق، والجمع مع التقسيم، والجمع مع التفريق والتقسيم، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، والتوجيه، والاعتراض، والالتفات، والاستتباع الذي سماه الفخر الرازي الموجّه، وسوق المعلوم مساق غيره لنكتة كالتوبيخ، وتقليل اللفظ ولا تقليله مما يدخل في بعض صور الإيجاز والإطناب.
أما المحسنات البديعية اللفظية التي أوردها فهي: الجناس، ورد العجز على الصدر، والسجع، والقلب، والاشتقاق، والترصيع.
وكل هذه الفنون البديعية مستمدة بأمثلتها من الفخر الرازي، وقد عقب بعد سردها بقوله: «ويورد الأصحاب هنا أنواعا مثل كون الحروف منقوطة أو غير منقوطة، أو البعض منقوطا والبعض غير منقوط بالسوية، فلك أن
تستخرج من هذا القبيل ما شئت، وتلقب من ذلك بما أحببت».