الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن المعتز أو قدامة، ومنهم من يخلط بين هذا الفن البديعي والاعتراض.
وخير من عرض لموضوع «الالتفات» في نظرنا هو ضياء الدين ابن الأثير، فقد عالجه بوضوح وفهم لأسراره البلاغية، ولهذا آثرنا أن ننقل هنا خلاصة لكلامه عن «الالتفات» توضح حقيقته ووظيفته البلاغية، وتجنبنا الخلط الكثير الذي وقع فيه غيره من البلاغيين.
يستهل ابن الأثير كلامه، عن هذا الفن من فنون البديع المعنوي ببيان حقيقته فيقول: «وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقيل بوجهة تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة، لأنه
ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة كالانتقالات من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.
ويسمى أيضا «شجاعة العربية» ، وإنما سمي بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات» (1).
أقسام الالتفات
ثم يقسم ابن الأثير الالتفات ثلاثة أقسام هي:
1 -
القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة.
(1) كتاب المثل السائر ص 167، ويتورد ما لا يتورد سواه: أي يعلو قرنه بما لا يعلوه سواه.
2 -
القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
3 -
القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالفعل الماضي.
وفيما يلي خلاصة لكلام ابن الأثير عن كل قسم من هذه الأقسام.
…
1 -
فعن القسم الأول، وهو الخاص بالرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة يورد ابن الأثير أولا آراء بعض علماء البلاغة في السبب الذي قصدت العرب إليه من وراء استعمال هذا الأسلوب، ثم يعقب عليها برأيه.
فعامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبة قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامهم. وهذا القول عنده عكاز العميان كما يقال.
كذلك لم يرتض جواب الزمخشري عن هذا السؤال بأن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلام والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه.
وعند ابن الأثير أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكون إلا لفائدة اقتضته. وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها.
فالانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد يكون الغرض منه تعظيم شأن المخاطب، وقد يستعمل ذات الغرض للضد، أي للانتقال من الخطاب
إلى الغيبة، ومن ذلك يفهم أن الغرض الموجب لاستعمال «الالتفات» لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه. وفي الأمثلة التالية توضيح ذلك.
أ- فمن الالتفات بالرجوع والعدول عن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (1). وإنما قيل:
لَقَدْ جِئْتُمْ وهو خطاب للحاضر بعد قوله وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل على قائلي هذا القول بالجرأة على الله، والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم وموبخا لهم.
ومن هذا النوع أيضا، أي من الالتفات بالرجوع أو العدول عن الغيبة إلى الخطاب قول القاضي الأرّجاني:
وهل هي إلا مهجة يطلبونها؟
…
فإن أرضت الأحباب فهي لهم فدى
إذا رمتمو قتلي وأنتم أحبتي
…
فماذا الذي أخشى إذا كنتمو عدى؟
فالبيت الثاني قد جاء وهو خطاب للحاضر بعد البيت الأول وهو خطاب للغائب. فالغرض البلاغي من وراء الالتفات بالعدول عن الاستمرار في الإخبار عن الغائب إلى مخاطبته هو تمثل أحبابه الغائبين في البيت الأول كأنهم حاضرون أمامه ليقرّعهم ويلومهم على عدم معاملته بالمثل، وذلك بالمقابلة بين مشاعرهم نحوه: هو على أتم استعداد لأن يفديهم بمهجته إن أرضاهم ذلك، وهم يرومون قتله بالتمادي في هجرانه
(1) الإدّ بكسر الهمزة وتشديد الدال: الأمر الفظيع المنكر، وأده الأمر بتشديد الدال: أثقله وعظم عليه.
والإعراض عنه كما لو كان عدوا لهم.
…
ومما ينخرط في هذا السلك الالتفات بالرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
فالآية مثال للالتفات بالعدول عن الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال وَزَيَّنَّا بعد قوله ثُمَّ اسْتَوى وقوله فَقَضاهُنَّ- وَأَوْحى.
والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس لأنه مهمة من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه.
…
ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن مخاطبة النفس إلى مخاطبة الجماعة، قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. وقد وضع قوله وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي مكان قوله «وما لكم لا تعبدون الذي فطركم» بدليل قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ولولا أنه قصد ذلك لقال «الذي فطرني وإليه أرجع» .
***
ب- ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الخطاب إلى الغيبة، قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
فإنه إنما قال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ولم يقل: «فآمنوا بالله وبي» عطفا على قوله: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه. وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب. فقرر أولا في صدر الآية أني رسول الله إلى الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين: الأول منهما إجراء تلك الصفات عليه، والثاني الخروج من تهمة التعصب.
ومن هذا النوع، أي من الالتفات بالرجوع أو العدول عن الخطاب إلى الغيبة قول ابن النبيه:
من سحر عينيك الأمان الأمان
…
قتلت ربّ السيف والطيلسان
أسمر كالرمح له مقلة
…
لو لم تكن كحلاء كانت سنان
فقد عدل عن الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في البيت الثاني لغرض بلاغي قد يكون التفنن في الأسلوب، وقد يكون التمكن من بناء التشبيه الذي يشبه فيه القوام بالرمح، مع المحافظة على سلامة الوزن الشعري.
…
والقسم الثاني من الالتفات، هو الخاص بالرجوع أو العدول عن
الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
ويقول ابن الأثير إن هذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل الأمر وراء ذلك. وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجرى عليه فعل الأمر.
فمن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر قوله تعالى: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ. وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ. وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ. قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ. وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.
فإنه إنما قال: أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا ولم يقل: «وأشهدكم» ليكون موازنا له وبمعناه، لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول- المستقبل- لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن ساءت علاقته به: أشهد عليّ أني أحبك، تهكما به واستهانة بحاله.
…
ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر بغرض التوكيد لما أجرى عليه فعل الأمر لمكان العناية بتحقيقه قوله تعالى:
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.
وكان تقدير الكلام: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك بالالتفات إلى فعل الأمر للعناية بتوكيده في
نفوسهم، فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«الأعمال بالنيات» .
…
أما القسم الثالث والأخير من أقسام الالتفات فهو الخاص بالإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل وعن المستقبل بالفعل الماضي.
فالأول هنا، هو «الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل» . وبيان ذلك أن الفعل المستقبل إذا أتى في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي. والسبب في ذلك أن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها وليس كذلك الفعل الماضي.
وليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض يجري هذا المجرى.
وتفصيل ذلك أن عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين: أحدهما بلاغي وهو إخبار عن الفعل الماضي بمستقبل، والآخر ليس بلاغيا. وليس إخبارا عن فعل ماض بمستقبل، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.
فالضرب الأول كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ.
فإنما قال فَتُثِيرُ مستقبلا وما قبله وما بعده ماض، وذلك حكاية للحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة
…
وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تميز وخصوصية، كحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك.
ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ. فقال أولا خَرَّ مِنَ السَّماءِ بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل وهو «فتخطفه وتهوي» ، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه وهويّ الريح به في مكان سحيق.
ومنه كذلك قول تأبط شرا:
بأني قد لقيت الغول تهوي
…
بشهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت
…
صريعا لليدين وللجران (1)
فتأبط شرا قصد في هذين البيتين أن يصوّر لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول كأنه يريهم إياها مشاهدة ماثلة أمام أعينهم للتعجب من جرأته على ذلك الهول. ولو قال: «فضربتها» عطفا على الفعل الماضي قبله وهو «لقيت» لزال الغرض البلاغي المذكور.
أما الضرب الثاني، وهو الفعل المستقبل الذي يدل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أنه فعل مستمر الوجود
لم يمض فكقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فإنه إنما عطف الفعل المستقبل يَصُدُّونَ على الماضي كَفَرُوا لأن كفرهم كان
(1) الغول بالضم: الحية، والسعلاة، والداهية، وكل ما اغتال الإنسان وأهلكه فهو غول، وكانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات والصحارى تتراءى للناس فتتغول تغولا، أي تتلون تلونا في صور شتى فتضلهم عن الطريق وتهلكهم. وعلى هذا المعنى تكون الغول التي ورد ذكرها في البيت قد تمثلت لتأبط شرا في صورة ناقة أو جمل.
والصحصحان: الأرض المستوية الواسعة، والجران بكسر الجيم: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره، وإذا برك البعير ومد عنقه على الأرض قيل: ألقى جرانه بالأرض.
ووجد ولم يستجدوا بعده كفرا ثانيا، وصدهم عن سبيل الله متجدد على الأيام لم يمض وجوده، وإنما هو مستمر يستأنف في كل حين.
ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. فهنا عدل عن لفظ الماضي إلى المستقبل فقال: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ولم يقل «فأصبحت» عطفا على «أنزل» وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان. فإنزال الماء مضى وجوده واخضرار الأرض باق لم يمض.
وهذا كما تقول: «أنعم عليّ فلان فأروح وأغدو شاكرا له» ولو قلت: «فرحت وغدوت شاكرا له» لم يقع ذلك الموقع، لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى.
…
وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر عن المستقبل الذي لم يوجد بعد، كان ذلك أبلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده، لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد.
وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها. والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل واستحضار صورته ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بالإخبار بالماضي عن المستقبل هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد.
فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، فإنه إنما قال