الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تغتروا به. وأطال الكلام في ذلك بحيث انفصل الأمر من عند نائب السلطنة أن كل من خرج منهم عن الكتاب والسنة ضربت عنقه.
ثم ظهر الشيخ المنبجي بمصر وشاع أمره، فقيل للشيخ ابن تيمية إنه اتحادي، فكتب إليه الشيخ نحو ثلاثمائة سطر بالإنكار عليه، فاعتز الشيخ نصر قضاة مصر وعلماءها على ابن تيمية، وقال إنه سيء العقيدة مبتدع معارض للفقراء وغيرهم، وطعنوا فيه عند السلطان، فورد مرسوم السلطان لدمشق بسؤال الشيخ عن عقيدته، فعقد المجلس للمناظرة ثامن رجب سنة خمس وسبعمائة بحضرة العلماء والقضاة كما مر، ولا يبعد أن يكون الروافض وغيرهم قد برطلوا عليه، ثم لم يقنع ذلك الشيخ نصر المنبجي بل اجتمع مع طائفة من علماء مصر للجاشنكير الذي تسلطن بمصر، فأوهمه الشيخ نصر أن ابن تيمية يخرجهم من الملك ويقيم غيرهم وأنه مبتدع، فورد مرسوم السلطان إلى دمشق بإحضار ابن تيمية إلى مصر خامس شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة، فلما طلب إلى الديار المصرية مانع نائب الشام وقال عقد له مجلسان بحضرتي وحضرة القضاة والفقهاء وما ظهر عليه سوء، فقال الرسول لنائب دمشق أنا ناصح لك، وقد قيل: إنه يجمع الناس عليك وعقد لهم بيعة فجزع من ذلك وأرسله إلى القاهرة على البريد.
(ذكر خروجه لمصر)
قالوا: ولما توجه الشيخ من دمشق المحروسة لمصر في يوم الإثنين ثاني عشر رمضان سنة خمس وسبعمائة وكان يوماً مشهوداً غريب المثل في كثرة ازدحام الناس لوداعه ورؤيته حتى انتشروا من باب داره إلى قريب الحبودة فيما بين دمشق والكسوة التي هي أول منزل، وهم ما بين باك وحزين ومتعجب ومتنزه ومزاحم متغال فيه، ودخل الشيخ مدينة مصر غرة يوم السبت وعمل في جامعها مجلساً عظيماً.
وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان وصل الشيخ والقاضي إلى
القاهرة، وفي ثاني يوم بعد صلاة الجمعة جمع القضاة وأكابر الدولة بالقلعة لمحفل الشيخ وأراد الشيخ أن يتكلم فلم يمكن من البحث والكلام على عادته، وانتدب له الشمس ابن عدلان خصماً احتساباً، وادعى عليه عند القاضي ابن مخلوف المالكي أنه يقول إن الله فوق العرش حقيقة، وأن الله يتكلم بحرف وصوت،- زاد الحافظ الذهبي- وأن الله يشار إليه الإشارة الحسية، وقال اطلب عقوبته على ذلك، فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقال له القاضي: أجب، ما جئنا بك لتخطب، فقال: ومن الحاكم في، قيل له: القاضي المالكي، قال: كيف يحكم في وهو خصمي، وغضب غضباً شديداً وانزعج، فأقيم من ساعته وحبس في برج أياماً، ثم نقل منه ليلة عيد الفطر إلى الحبس المعروف بالجب هو وأخواه شرف الدين عبد الله وزين الدين عبد الرحيم، ثم إن نائب السلطنة سيف الدين سلار بعد أكثر من سنة وذلك ليلة عيد الفطر من سنة ست وسبعمائة أحضر القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي، وتكلم في إخراج الشيخ من الحبس، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ست مرات وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس وانصرفوا من غير شيء.
وفي شهر ذي الحجة سنة ست وسبعمائة طلب أخوة الشيخ تقي الدين شرف الدين وزين الدين من الحبس إلى مجلس نائب السلطنة سلار، وحضر القاضي زين الدين ابن مخلوف المالكي وجرى بينهم كلام كثير، وأعيدا إلى مواضعهما بعد أن بحث الشيخ شرف الدين مع القاضي المالكي وظهر عليه في النقل وخطأه في مواضع، وفي ثاني يوم أحضر الشيخ شرف الدين وحده إلى مجلس نائب السلطنة وحضر ابن عدلان وتكلم معه الشيخ شرف الدين وناظره وبحث معه وظهر عليه.
وفي مصر سنة سبع وسبعمائة اجتمع القاضي بدر الدين ابن جماعة بالشيخ
تقي الدين في دار الأحدى بالقلعة بكرة الجمعة وتفرقا قبل الصلاة وطال بينهما الكلام.
وفي ربيع الأول من سنة سبع دخل الأمير حسام الدين مهني بن عيسى ملك العرب إلى مصر وحضر بنفسه إلى الجب، فأخرج الشيخ تقي الدين يوم الجمعة إلى دار نائب السلطنة بالقعلة وحضر بعض الفقهاء وحصل بينهم بحث كثير وفرقت بينهم صلاة الجمعة، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان، وحضر جماعة من الفقهاء كثيرة، كنجم الدين ابن الرفعة، وعلاء الدين الباجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعز الدين النمراوي، وشمس الدين ابن عدلان، ولم يحضر القضاة وطلبوا واعتذر بعضهم بالمرض وبعضهم بغيره، وانفصل المجلس على خير، وبات الشيخ عند نائب السلطنة، وكتب كتاباً إلى دمشق بكرة الاثنين يتضمن خروجه، وأنه أقام بدار سفير بالقاهرة، وأن الأمير سيف الدين سلار رسم بتأخيره عن الأمير مهنى أياماً ليرى الناس فضله، ويحصل لهم الاجتماع به، وكان مدة مقام الشيخ في الجب ثمانية عشر شهراً، وفرح خلق كثير بخروجه وسروا سروراً عظيماً، وحزن آخرون، وامتدحه الشيخ الإمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي بقصيدة منها:
فاصبر ففي الغيب ما يغنيك عن حيل
…
وكل صعب إذا صابرته هانا
ولست تعدم من خطب رميت به
…
إحدى اثنتين فأيقن ذاك إيقانا
تمحيص ذنب لتلقى الله خالصة
…
أو امتحاناً به تزداد قربانا
يا سعد إنا لنرجو أن تكون لنا
…
سعداً ومرعاك للزوار سعدانا
وإن يضر بك الرحمن طائفة
…
ولت وينفع من بالود والانا
يا أهل تيمية العالين مرتبة
…
ومنصباً فرع الأفلاك تبيانا
جواهر الكون أنتم غير أنكم
…
في معشر أشربوا في العقل نقصانا
لا يعرفون لكم فضلاً ولو عقلوا
…
لصيروا لكم الأجفان أوطانا
يا من حوى من علوم الخلق ما قصرت
…
عنه الأوائل مذ كانوا إلى الآنا
إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم
…
عليك دهر لأهل الفضل قد خانا
إني لأقسم والإسلام معتقدي
…
وأنني من ذوي الإيمان إيمانا
لم ألق قبلك إنساناً أسر به
…
فلا برحت لعين المجد إنسانا
في أبيات كثيرة غير هذه يمدح فيها الشيخ ويذم أعداءه.
وفي يوم الجمعة صلى الشيخ في جامع الحاكم وجلس، فاجتمع عليه خلق عظيم، فسئل منه الوعظ، فاستعاذ وقرأ الفاتحة وتكلم في تفسير {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 1وفي معنى العبادة والاستعانة، إلى العصر.
ثم لم يزل الشيخ رحمه الله بمصر يعلم الناس ويفتيهم ويذكر بالله ويدعو إليه ويتكلم في الجوامع على المنابر بتفسير القرآن وغيره من بعد صلاة الجمعة إلى العصر إلى أن ضاق منه خلق كثير.
وقال الحافظ الذهبي: أقام بمصر يقرىء العلم، واجتمع خلق عنده إلى أن تكلم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود وهم ابن سبعين وابن عربي والقونوي وأشباههم، فتحزب عليه صوفية وفقراء وسعوا فيه، واجتمع خلائق من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا على أن يشكوا الشيخ للسلطان، فطلع منهم خلق إلى القلعة وخلق تحت القلعة وكانت لهم ضجة شديدة حتى قال السلطان: ما لهؤلاء؟ فقيل له: جاؤوا من أجل الشيخ ابن تيمية يشكون منه ويقولون إنه يسب مشائخهم ويضع من قدرهم عند الناس، واستغاثوا منه وأجلبوا عليه، ودخلوا على الأمراء في أمره ولم يبقوا ممكنا، وأمر أن يعقد له مجلس بدار العدل، فعقد له يوم الثلاثاء في عشر شوال الأول سنة سبع وسبعمائة، وظهر في ذلك المجلس من علم الشيخ وشجاعته وقوة قلبه وصدق توكله وبيان حجته ما يتجاوز الوصف وكان وقتاً مشهوداً.
وذكر الشيخ علم الدين البرزالي وغيره أن في شوال من سنة سبع وسبعمائة شكى شيخ الصوفية بالقاهرة كريم الدين الآملي وابن عطاء وجماعة نحو الخمسمائة من الشيخ تقي الدين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة فخيروه
1 سورة الفاتحة: الآية 5.
بين الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزماً ما شرط فأجابهم، فأركبوه خيل البريد ليلة ثامن عشر شوال، ثم أرسل خلفه من الغد بريد آخر فركب على مرحلة من مصر ورأوا مصلحتهم في اعتقاله، وحضر عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء، فقال بعضهم له ما ترضى الدولة إلا بالحبس، فقال قاضي القضاة وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدين فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القضاة بحارة الديلم، وأجلس في الموضع الذي جلس فيه القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن في أن يكون عنده من يخدمه، وكان جميع ذلك بإشارة الشيخ نصر المنبجي ووجاهته في الدولة.
ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب يلتهون بها عما هم فيه، كالشَّطرنج والنرد مع تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ ذلك عليهم وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء، وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه ورغبهم في أعمال الخير وحضهم على ذلك، حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيراً من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه حتى كان السجن يمتلىء منهم، واستمر الشيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس، فلما كثر اجتماع الناس به وترددهم إليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم، فسألوا نقله إلى الإسكندرية فنقل إليها مع أمير مقدم على البريد، ولم يمكن أحد من جماعته من السفر معه وحبس ببرج منها، وأشيع بأنه قتل وأنه غرق غير مرة ووصل الخبر إلى دمشق بعد عشرة أيام فحصل التألم وضاقت الصدور وتضاعف الدعاء، واستمر الشيخ بثغر الإسكندرية ثمانية
أشهر مقيماً ببرج مليح مطبق له شباكان، أحدهما إلى جهة البحر يدخل إليه من شاء ويتردد الأكابر والأعيان والفقهاء يقرؤون عليه ويبحثون معه ويستفيدون منه وأرسل صاحب سبتة إلى الشيخ يطلب منه الإجازة.
فلما دخل السلطان الملك الناصر إلى مصر بعد خروجه من الكرك وقدومه إلى دمشق وتوجه منها إلى مصر سنة تسع وسبعمائة بادر لإحضار الشيخ من الإسكندرية في اليوم الثامن من شوال، فخرج الشيخ منها متوجهاً إلى مصر ومعه خلق من أهلها يودعونه ويسألون الله أن يرده إليهم، وكان وقتاً مشهوداً، ووصل إلى القاهرة ثامن عشر الشهر، واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة الرابع والعشرين منه، وأكرمه وتلقاه في مجلس حفل حضر فيه قضاة مصر والشام والفقهاء وأصلح بينه وبينهم.
قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة: أخبرني بعض أصحابنا، قال: أخبرني القاضي جمال الدين ابن القلانسي قاضي العساكر المنصورة ذات ليلة- وقد أشاع الجهلة والمبغضون بأخبار مختلفة- فقلت له: إن الناس يقولون كيت وكيت، وإن الشيخ ربما يخرج من القلعة ويدعى عليه ويعزر ويطاف به، فقال الشيخ: يا فلان هذا لا يقع، ولا يسمح السلطان بشيء من ذلك، وهو أعلم بالشيخ وبعلمه ودينه، ثم قال: أخبرك بشيء عجيب وقع من السلطان في حق الشيخ؛ وهو أنه حين توجه السلطان إلى الديار المصرية ومعه القضاة والأعيان ونائب الشام الأفرم، فلما دخل الديار المصرية وعاد إلى مملكته وهرب سلار والجاشنكير واستقر أمر السلطان، جلس يوماً في دست السلطنة وأبهة الملك وأعيان الأمراء من الشاميين والمصريين حضور عنده، وقضاة مصر عن يمينه وقضاة الشام عن يساره، وذكر لي كيفية جلوسهم منه بحسب منازلهم، قال: ومن جملة من هناك ابن صصري عن يسار السلطان، وتحته الصدر علي قاضي الحنفية، ثم بعده الخطيب جمال الدين، ثم بعده ابن الزملكاني، قال وأنا إلى جانب ابن الزملكاني، والناس جلوس خلفه، والسلطان على مقعد مرتفع، فبينما الناس كذلك جلوس انتهض السلطان قائما، فقام الناس، ثم مشى السلطان فنزل عن تلك المقعدة ولا
يدرى ما به، وإذا بالشيخ تقي الدين مقبل من الباب والسلطان قاصد إليه، فنزل السلطان عن الإيوان والناس قيام والقضاة والأمراء والدولة، فتسالم هو والسلطان إلى ضفة في ذلك المكان فيها شباك إلى بستان فجلسا فيها حيناً ثم أقبلا ويد الشيخ في يد السلطان، فقام الناس وكان قد جاء في غيبة السلطان الوزير فخر الدين بن الخليس فجلس عن يسار السلطان فوق ابن صصري، وقعد السلطان على مقعده متربعاً، وشرع يثني على الشيخ عند الأمراء ثناء ما سمعته من غيره قط، وقال كلاماً كثيراً والناس يقولون معه ومثله الأمراء والقضاة، وكان وقتاً عجيباً وذلك مما يسوء كثيراً من الحاضرين من أبناء جنسه، وقال في الشيخ من الثناء والمبالغة ما لا يقدر أحد من أخص أصحابه يقوله، ثم إن الوزير أنهى إلى السلطان أن أهل الذمة قد بذلوا للدولة في كل سنة سبعمائة ألف درهم زيادة على الجالية إلى أن يعودوا إلى لبس العمائم البيض، وأن يعفوا من هذه العمائم المصبوغة التي ألزمهم بها ركن الدين الجاشنكير، فقال السلطان للقضاة ومن هناك ما تقولون؟ فسكت الناس، فلما رآهم الشيخ تقي الدين سكتوا جثا على ركبتيه وشرع يتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، ويرد ما عرضه الوزير رداً عنيفاً، والسلطان يسكته برفق وتوقير، وبالغ الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقول مثله ولا بقريب منه حتى رجع السلطان عن ذلك وألزمهم بما هم عليه واستمروا على هذه الصفة، فهذا من حسنات الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله.
قال: وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر أن السلطان- لما جلسنا بالشباك- أخرج فتاوى لبعض الحاضرين في قتله واستفتاني في قتل بعضهم، قال ففهمت مقصوده وأن عنده حنقاً شديداً عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد في دولتك مثلهم، وأما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم، قال: فكان القاضي زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أعفى من ابن تيمية، لم نبق ممكنا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا.
ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، قال الذهبي: ولم يكن الشيخ من رجال الدول، ولا يسلك معهم تلك النواميس، فلم يعد السلطان يجتمع به، وعاد إلى بث العلم ونشره، والخلق يشتغلون عليه، ويقرؤون ويستفتونه ويجيبهم بالكلام والكتابة والأمراء والأكابر والناس يترددون إليه، وفيهم من يعتذر إليه مما وقع، فقال: قد جعلت الكل في حل مما جرى، ولم يزل الشيخ مستمرا على عادته من نفع الناس وموعظتهم والاجتهاد في سبيل الخير.
فلما كان في شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة اتفق أن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه، قال الشيخ علم الدين: ظفر به بعض المبغضين له في مكان خال وأساؤوا عليه الأدب، وحضر جماعة كثيرة مت الجند وغيرهم إلى الشيخ بعد ذلك لأجل الانتصار له فلم يجب إلى ذلك، قال بعض أصحابنا جئت إلى مصر فوجدت خلقاً كثيراً من الحسنية وغيرهم رجالاً وفرساناً يسألوه عن الشيخ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب الممالك على البحر، واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس، وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلق من الحسنية لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا، فقال لهم الشيخ لأي شيء؟ قالوا لأجلك، فقال الشيخ: هذا لا يجوز. قالوا: فنحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس، فقال لهم: هذا ما يحل، قالوا: فهذا الذي فعلوه معك يحل؟ هذا شيء لا نصبر عليه، ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا. والشيخ ينهاهم ويزجرهم، فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء إن شاء.
وأقام الشيخ بعد هذا مدة في الديار المصرية، ثم إنه توجه إلى الشام صحبة الجيش المصري قاصداً الغزاة، فلما وصل معهم إلى عسقلان توجه إلى بيت المقدس، وتوجه منه إلى دمشق، وجعل طريقه على عجلون، ووصل دمشق أول