المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(ما يعارض به ما أورده النبهاني مما فيه استغاثة والتجاء بغير الله تعالى) - غاية الأماني في الرد على النبهاني - جـ ٢

[محمود شكري الألوسي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثاني

- ‌فاتحة الجزء الثاني

- ‌[الكلام على كتاب "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" لابن القيم]

- ‌ترجمة هذا الفاضل

- ‌ترجمة هذا الفاضل

- ‌ترجمة هذا الأديب الأريب

- ‌ذكر من ألّف في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌[ثناء القاضي نور الدين محمود بن أحمد العيني على شيخ الإسلام]

- ‌[ثناء الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي على شيخ الإسلام]

- ‌(فصل في ثناء الأئمة على ابن تيمية)

- ‌(فصل في تصانيف ابن تيمية وسعة حفظه وقوة ملكته رحمة الله عليه)

- ‌(فصل في بعض مآثره الحميدة على سبيل التلخيص وإلا فبسطها يستدعي طولاً)

- ‌(فصل في تمسك ابن تيمية بالكتاب والسنة)

- ‌(فصل في محنة ابن تيمية رحمه الله تعالى وتمسكه بطريق السلف)

- ‌(ذكر خروجه لمصر)

- ‌(ذكر ما وقع للشيخ ابن تيمية بعد عوده لدمشق المحروسة)

- ‌(ذكر حبس الشيخ بقلعة دمشق إلى أن مات فيها)

- ‌(وهذا صورة السؤال وجواب الشيخ عنه)

- ‌(ذكر انتصار علماء بغداد للشيخ)

- ‌(جواب آخر لعلماء الشافعية)

- ‌(جواب آخر لبعض علماء الشام المالكية)

- ‌(كتاب آخر لعلماء بغداد)

- ‌(فصل في ذكر وفاة الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى)

- ‌(فصل فيما رثي به الشيخ من القصائد بعد موته وذلك كثير لا ينحصر)

- ‌(خاتمة نصيحة وموعظة)

- ‌(سؤال آخر وجواب الشيخ أيضاً عنه متعلق بهذا الباب)

- ‌(ما يعارض به ما أورده النبهاني مما فيه استغاثة والتجاء بغير الله تعالى)

- ‌(ذكر بعض آيات تدل على المقصود وما فسرت به)

- ‌(الكلام على سوء خاتمته)

الفصل: ‌(ما يعارض به ما أورده النبهاني مما فيه استغاثة والتجاء بغير الله تعالى)

(ما يعارض به ما أورده النبهاني مما فيه استغاثة والتجاء بغير الله تعالى)

اعلم أن ما ذكره النبهاني من الأحزاب ليس في جميعها ما يدل على ما زعمه، فقد ذكرنا أن بعضها مشتمل على توسل والتوسل غير الاستغاثة على ما حققه الشيخ، ومنها ما فيه صلوات وهي أيضاً من هذا القبيل، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لها فوائد عظيمة ذكرها الحافظ ابن القيم في كتابه (جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام) ومنها ما فيه مقصده ولكن لا يحتج بقول أصحابها، وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم، وقد فصلنا الكلام في ذلك بعض التفصيل بحمد الله. ونحن نورد في هذا المقام ما نعارض به كلام هؤلاء الذي أورده النبهاني بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام المتبعين له:-

(أما القرآن الكريم) وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأعظم مقاصده إفراد الإله سبحانه وتوحيده بخصائصه، فلا تجد سورة من السور إلا وهي منادية على وجوب توحيده وإفراده بالعبادة، وترى الأدعية والأذكار التي اشتمل عليها القرآن كلها خالصة لله كقوله:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} 1 وكقوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} 2.

وهكذا أدعية نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى وعيسى، وغيرهم من الأنبياء والرسل كلهم، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، وليس فيها التجاء إلى غيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل

1 سورة البقرة: 286.

2 سورة آل عمران: 193- 194.

ص: 354

كلهم أخلصوا الدعاء له، وخصوه بالالتجاء والاستغاثة والاستعانة دون من سواه، فلو استوعبنا ذكر ذلك كله طال الكلام وضاق عنه المقام.

ونحن نذكر بعض السور والآيات الناطقة بوجوب الالتجاء إلى الله وعدم الميل إلى ما سواه مع بيان ما قاله المفسرون وأهل العلم في تفاسيرهم، والقرآن كله يدل على وجوب عبادة الله والبراءة من عبادة ما سواه، وإسلام الوجوه له على اختلاف أنواع الدلالات مطابقة وتضمناً والتزاماً وقياساً صحيحاً.

ومن أمثلة ذلك ما قاله أهل العلم في معنى البسملة وتفسيرها، قالوا في الباء من (بسم الله) إن معناها الاستعانة، ورجحوا هذا القول لوجوه مقررة في محلها، وقالوا: قد جاءت السنة بأن "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه (ببسم الله الرحمن الرحيم) فهو أبتر أو أجذم أو أقطع"1 وذكروا فيه روايات، والمعنى أنه لا يكمل أمر ولا يحصل تمامه إلا بذكر الله، ولا يكون أصله ولا يوجد منه شيء إلا بمعونته.

قالوا: وقد قالت طائفة من أهل العلم أن البسملة من الفاتحة، وقالت طائفة أخرى هي آية من القرآن فاصلة بين السور.

وعلى القول الأول: فالإتيان بها من العبادات الواجبة، والاستعانة هي مضمونها، فتكون واجبة به تعالى.

وعلى القول الآخر: يكون الإتيان بها مستحباً والاستعانة بالله واجبة لا بخصوص هذا اللفظ.

ثم قالوا: إن المتعلق يتعين أن يقدر مؤخراً لإفادة الحصر والاختصاص، وهذا يدل على القول بوجوب الاستعانة، لأن ما اختص به تعالى واستحقه دون ما سواه لا يصرف لغيره، والقاعدة العربية تفيد أن تقديم المتأخر وتأخير المتقدم يقتضي الحصر، فهذان موضعان يدلان على وجوب الاستعانة به وحده في أول حرف من كتاب الله مع متعلقة.

1 وهو حديث ضعيف؛ انظر: "الإرواء"(1، 2) .

ص: 355

الموضع الثالث من الأبحاث: في الباء وتأخير متعلقها، قولهم: إن الحصر هنا حصر إفراد وقصره لا قصر قلب، ورجحه أساطينهم بأن المشركين إنما اعتقدوا الشركة لآلهتهم لا الاستقلال، فالحصر باعتبار معتقدهم حصر إفراد، قالوا وأكثر الكفار اعتقدوا الشركة لآلهتهم لا الاستقلال، فمعنى التسمية عند الموحد إفراده بالاستعانة عما عبد معه من الآلهة، وعلى القول بأن الاختصاص والحصر للقلب إنما يتجه باعتبار معتقد من يدعي الاستقلال لمعبوده كمعطلة الصانع.

البحث الرابع في اسم الله " قولهم: إنه من أَلِهَ إلهة وألوهية، فهو إله فعّال، بمعنى مفعول بمعنى عبد يعبد عبادة، والمستعين بغير الله متأله عابد، لاسيما فيما لا يقدر عليه إلا الله، وإذا ثبت أن الاستعانة تأله وأن التأله عبادة فالبرهان قائم على أن العبادة لا يستحقها غير الله تعالى.

الخامس: قول ابن عباس وتفسيره للاسم الشريف الأقدس بأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. وقد أخذه المفسرون وقرروه واستحسنوه، فإذا كان تعالى هو صاحب ذلك ومستحقه فصرفه إلى غيره شرك، وصرف للحق في غير موضعه وهذا يدخل فيه جميع العبادات التي يصدق عليها التأله والألوهية والعبادة والعبودية لاسيما الدعاء فإنه من أجل أنواعه.

قال الإمام البخاري في (كتاب الإيمان) من صحيحه: باب دعاؤكم إيمانكم، وساق حديث ابن عمر. وكثيراً ما يترجم بما صح عنده ولم يكن على شرطه.

السادس: قولهم في اسمه الرحمن أنه الموصوف بغاية الرحمة ومنتهاها، وأنه وصف ذات لا ينفك عنه كسائر أوصافه المقدسة الذاتية، ودعاء غير الموصوف بهذا الوصف وقصده من دونه والتعرض للوسائط والشفعاء سوء ظن بصفات كماله ونعوت جلاله، وإنما دعا إلى عبادته ودعائه والاستعانة به بما اتصف به من الصفات المقدسة، والنعوت الكاملة الجميلة، واستدلوا على ذلك بقول الخليل عليه السلام لقومه:{فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 1 قالوا: أي فما

1 سورة الصافات: 87.

ص: 356

ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره، وما الذي ظننتم به حتى جعلتم له شركاء، أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء يعرفونه بها كالملوك؟ أم لا يقدر وحده على الاستقلال بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة؟ أم محتاج إلى ولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منه ومنها؟ تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً، ولو قدره المشركون حق قدره لما أشركوا به.

وكذلك اسمه تعالى الرحيم، فإنه يدل على أنه بالغ في الرحمة غايتها، وإن رحمته عمت عباده ووسعت خلقه، فما بهم من النعم والإحسان والعطايا الباطنة والظاهرة فآثار رأفته ورحمته، ومن هذا فعله وهذا وصفه كيف يعدل المضطر إلى غيره في ضروراته وحاجاته وملماته؟ وفي الحديث القدسي:"كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" الحديث بطوله. ومن رحمته وتودده إلى عباده أنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الحديث معرف مشهور.

وفي بعض الإسرائيليات أن الله تعالى يقول: ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء.

وهذا قرروه بهذا المعنى في التفسير وفي الكلام على شرح الأسماء الحسنى، وفي الكلام على أحوال القلوب وسيرها وتوجهاتها إلى الملك العلي الأعلى.

وعبارة البيضاوي في الكلام على أول فاتحة الكتاب: وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها، فيتوجه

ص: 357

بشراشره إلى جانب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستمداد به عن يغره.

قال البيضاوي: "وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى- من كونه موجداً للعالمين رباً لهم منعماً عليهم بالنعم كلها باطنها وظاهرها، عاجلها وآجلها، مالكاً لأمورهم يوم الثواب والعقاب- للدلالة على أنه الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه، بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يتأهل لأن يحمد فضلاً عن أن يعبد ليكون دليلاً على ما بعده.

فالوصف الأول لبيان ما هو الموجب للحمد وهو الإيجاد والتربية، والثاني والثالث للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه ليس يصدر منه الإيجاب بالذات أو وجوب عليه قضيت لسوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد، والرابع لتحقيق الاختصاص، فإنه لا يقبل الشركة فيه، وتضمين الوعد للحامدين والوعيد للمعرضين" انتهى.

وإن شئت المزيد على هذا ولم تكتف بما ذكرناه من التمثيل بالبسملة وما فيها من الأبحاث فنتكلم على فاتحة الكتاب بما قاله أهل العلم والتأويل لينتفع بذلك من وقف على كتابنا هذا.

فاعلم أن (الحمد) على ما أفاده بعض المحققين: ذكر محاسن المحمود على وجه الثناء عليه بها مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يحمده من أعرض عن محبته والخضوع له، أو جعل له شريكاً في ذلك، ولا يرضى عنه من أعد غيره لحاجته وفاقته، واستغاث به في شدته وضرورته، وهذا الحد أتم وأكمل من تعريف بعضهم له بأنه اصطلاحاً فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لوجوه لا تخفى على الذكي، فلا نطيل بذكرها، وإذا كانت أل فيه للاستغراق وعموم الأفراد كما هو الراجح، فجميع أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال التي يحمد من قامت به ثابت لله أكملها لكمال صفاته وكثرتها، ولهذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء

ص: 358

عليه، وبها استدل على إلهيته، وأنه الإله الحق، ولذلك يستدل تعالى على بطلان إلهية ما سواه بفقد صفات الكمال التي يستحق بها أن يعبد ويعظم ويقصد، كما قال عن خليله في مخاطبته لأبيه:{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} 1 وقال في عباد العجل: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} 2 فجعل نفي صفات الكمال موجباً لبطلان إلهيته وعبادته، وهذا يعرف بالفطر والعقول فهذه ثلاثة مواضع في أول كلمة من كتاب الله دلت على بطلان دعاء غيره وعبادته والاستعانة بسواه، والعبد وإن علت درجته وارتفعت رتبته فهو فقير إلى باريه وفاطره، لا نسبة لقدرته وعلمه وحكمته وفضله وكرمه وحياته إلى ما اتصف به خالقه وإلهه الحق من صفات الكمال، ونعوت الجلال.

قال شيخ الإسلام:

والفقر لي وصف ذات لازم أبداً

كما الغنى أبداً وصف له ذاتي

(وأما اسمه الله) فهو دال على الإلهية المتضمنة لسائر صفات الإلهية والكمال، مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال بالوضع والمطابقة على كونه مألوهاً معبوداً، تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، ومفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، بخلاف من آله سواه ممن لا يستحق الإلهية ولم يخرج عن رتبة العبودية، وصار مفزعه في الحوائج والنوائب إليه، واعتماده في المهمات والملمات عليه.

فمن كان هكذا كعباد الملائكة والأنبياء والصالحين لم يعط هذا الاسم الشريف حقه من العبودية وإفراد الله بالإلهية.

(وأما الرب) فهو دال على ربوبيته لجميع مخلوقاته، وكمال الربوبية هو بما اتصف به من صفات كمال كقدرته وعلمه ورحمته وقيوميته، وهو يرب عباده

1 سورة مريم: 42.

2 سورة الأعراف: 148.

ص: 359

بالخلق والتدبير والملك، وهو من أكبر الأدلة وأوضحها وأجلاها على وجوب عبادته تعالى، وأن إلهية ما سواه وعبادة غيره من أبطل الباطل وأضل الضلال، ولهذا يستدل على إلهيته تعالى ووجوب توحيد بأفعاله الصادرة عن ربوبيته كخلقه وقيوميته، قال تعالى:{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 1 وقال تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} 2 وقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} 3. وهذا كثير في القرآن، ولكن يحول بين عباد القبور والصالحين وفهمه ما على قلوبهم من رين الشرك وطابعه.

(وأما اسمه الرحمن) فهو كما تقدم دال على أن الرحمة وصفه وصف ذات لا ينفك عنه، ولهذا لا يطلق على غيره.

(والرحيم) هو الراحم لعباده البالغ في إيصال الرحمة، لأن فعيل من صيغ المبالغة، لكن فعلان أبلغ، فسعة الرحمة وكثرتها وإحاطتها من أدلة عظمة الموصوف وكمال صفاته ووجوب عبادته وإلهيته وإنابة القلوب إليه، فالمستغيث بغيره الراغب إلى سواه فيما لا يقدر عليه غيره من الأمور المهمة العظام، وما ليس من جنس الأسباب العادية -كمن يستغيث بالأنبياء والصالحين والملائكة ويرجع إليهم في حاجاته وملماته- ما أعطى هذا الاسم حقه، ولا آمن به حق الإيمان الواجب، ولو استشعر شيئاً من كمال مدلوله وسعته وإحاطته لما عدل بربه سواه، ولا التفت إلى غير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.

ومشهد الأسماء الحسنى والصفات العليا مشهد عظيم لا يعرفه ولا يسير به إلا الصديقون العارفون بالله وما يجب له وما يستحيل عليه، وأما من تعلق على غيره والتفت إلى سواه وصار مبلغ علمه وغاية حذقه وفهمه تعلقه على الأولياء والصالحين ورجاء رحمتهم وإحسانهم وعطفهم فهو محجوب عن هذا غير عارف

1 سورة النحل: 17.

2 سورة الرعد: 33.

3 سورة الأحقاف: 4.

ص: 360

بربه جاهل بصفات كماله ونعوت جلاله، قال تعالى:{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} 1 فسجل على من أمر بدعاء الصالحين والاستغاثة بهم بالجهالة، سواء سمى ذلك توسلاً وتشفعاً واستنصاراً وكرامة أو لم يسمه.

(وأما مالك يوم الدين) فهو وصف كمال ومجد يقتضي وجوب معاملته وحده لا شريك له، وإسلام الوجه له، لأن الاختصاص والانفراد بالملك يوجب خوفه ورجاءه وطاعته، والتعلق على المملوك المقهور الذي لا شركة له ولا ملك بوجه من الوجوه، وقصده في طلب الإعطاء والمنع، والخفض والرفع، والنجاة من النار، والفوز بدار الأبرار سفه وضلال مبين. قال تعالى:{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} 2 وقد تمدح سبحانه باختصاصه بملك هذا اليوم في مواضع من كتابه مع أنه الملك المالك في الدنيا والآخرة لسر اقتضى ذلك وحكمة أوجبته، وهي انقطاع العلق والأسباب والمؤاخاة والوصل التي يتعامل بها أهل الدنيا في دنياهم، قال تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} 3 فاعرف ما في هذا الخطاب من العموم، وما دل عليه التنكير من الشمول المتناول لكل معبود مع الله ولو نبياً أو ملكاً، وما يجري على يد الشفعاء ذلك اليوم لا يرد على الآية، ولا ينفي العموم، لأنه لا يقع إلا بإذنه فيمن يرضى قوله وعمله، فعاد الأمر له جل ذكره بدءاً وعوداً، أولاً وآخراً.

(والدين) هو الجزاء والمكافأة على الأعمال حسنها وقبيحها، وما لم ينزل به سلطان ولم ترد به حجة من الأعمال والديانات يجازى فاعله ويعاقب إن لم يمنع مانع كتوحيد الله والإيمان به وبرسله، وأي توحيد يبقى وينفع مع عبادة الأولياء والصالحين، والاتغاثة بهم وصرف الوجوه إليهم، قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ

1 سورة الزمر: 64.

2 سورة البقرة: 130.

3 سورة البقرة: 123.

ص: 361

لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1. قال جمع: عن شهادة أن لا إله إلا الله. وأما قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ففيها اختصاصه وانفراده بالعبادة والاستعانة، وأن ذلك حق له لا يشركه فيه نبي مرسل ولا ملك مقرب، والعبادة هي الغاية المقصودة من العباد المكلفين، والمؤمنون بالرسل أخلصوا له العبادة وأفردوه بالاستعانة، فهو معبودهم ومستعانهم، وجميع الأعمال داخلة في هاتين الكلمتين الشريفتين، وقد دلت صيغة الحصر والاختصاص فيهما على التوحيد، والعبد همام حارث لا بد له من ذلك، وهمه وحرثه غاية ووسيلة، فيجب أن يكون غاية قصده ومراده وجه الله والتماس طاعته ومرضاته، ويجب أن تكون الوسيلة إلى ذلك استعانة الله وحده والاستغاثة به، وهذا حال أهل الكمال، جمعوا بين عبادة الله واستعانته، بخلاف من عبد غيره واستعان بسواه، أو من عبده لكن قصر وأضاع ما يحصل به مقصوده من الاستعانة، أو من استعان به ولكن على ما لا يحبه وما لم يشرعه من الأعمال الصالحة أو وسائلها. ويدخل في النوع الثاني من تعلق على الأنبياء والصالحين عبادة واستغاثة واستعانة، كعباد القبور، فإنهم لم يعرفوا ما دلت عليه هاتان الكلمتان من وجوب العبادة والاستعانة.

وفي حديث ابن عباس: "ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" الحديث.

وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: إياك أن تستعين بغير الله فيكلك الله إليه.

وقال أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.

والكلام هنا يطول، وغرضنا التنبيه على أن القرآن كله دال على التوحيد، آمر به، مشير إليه، مستلزم له، مقرر لوصف أهله وما لهم من الكرامة في المعاد،

1 سورة الحجر: 92- 93.

ص: 362

ومبين لأحوال من تركه ولم يرفع به رأساً وأشرك في عبادته، وما لهذا الصنف من الجزاء والعقاب والإهانة في الدار الآخرة.

وأما قوله: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعصت عليهم) فهذا فيه توحيد الطريق، وإن من سلك سواه وأراد الوصول من غيره فالسبل والطرق عليه مسدودة قاطعة غير موصلة، وفي حديث ابن مسعود:"خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} "1.

إذا عرف هذا فالصراط المستقيم ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان من أئمة الهدى، ودعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم والتوجه إليهم كل هذا ليس مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، بل وليس عليه أحد من رسل الله وأوليائه وقد توافرت النصوص وتظاهرت على المنع منه، وقد مر منه جملة صالحة، فإذا كان خارجاً عن الصراط المستقيم ناهياً عنه سالكيه ومؤتميه فهو سبيل يفضي بسالكه إلى النيران والدخول في طاعة الشيطان، وأهل هذا الصراط المستقيم دأبهم وشأنهم إفراد الله بالعبادة والاستعانة والاستغاثة والإنابة والخوف والرجاء والتوكل والاعتماد، ومباينتهم في الأوصاف خروج عن صراطهم وطريقهم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كافيته الشافية:

فلواحد كن واحدا في واحد

أعني سبيل الحق والإيمان

فسبيل الله واحد لا متعدد، ولا يمكن أن يأتي أحد بحجة ولا سلطان على أن

1 حديث صحيح. أخرجه أحمد (1/435، 465) أو رقم (4142، 4437- شاكر) والنسائي في "الكبرى"(6/ 343/ 11174) والطيالسي (244) والحاكم (2/218) وابن حبان (1/05 1/6، 7) وغيرهم. وصححه العلامة أحمد شاكر، والعلامة الألباني.

ص: 363

دعاء الأولياء والصالحين من أهل القبور أو غيرهم مشروع مسنون أو مباح، ولا يمكن أن تأتي شريعة بهذا، وما يقوله الجاهلون من الشبه الواهية لا يعتد به ولا يلتفت إليه، بل هي قاطعة في الطريق حائلة بين أربابها وبين الصراط المستقيم، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، وإن زعموا أنها أدلة وبينات فهي جهالات وخيالات وضلالات، كما تقدم الكلام على ما أورده النبهاني الزائغ منها ناقلاً لها عن أشياخه وأئمته الغلاة.

وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فغير صفة ونعت لما قبلها من الاسم الموصول على ما وجهه بعض المفسيرن، والمعنى: أن الذين أنعم الله عليهم خالفوا وباينوا المغضوب عليهم والضالين في صفاتهم الشنيعة وأفعالهم القبيحة، فالأولون عرفوا الحق ولم يتبعوه ولم يريدوه، بل آثروا أغراضهم الفاسدة، وشهواتهم القاطعة، واستمتعوا بخلاقهم، ولم يعبؤوا بما عداه مما فيه صلاح العبد وهداه، والآخرون غلبت عليهم الشبهات وتاهوا في أودية الجهالات والضلالات، ولم يهتدوا إلى ما نصبه تعالى من الآيات الواضحات، والأدلة الظاهرات على وجوب توحيده وآلهيته وصمديته، وتنزهه عن الصاحبة والولد، وأحق الناس بالوصف الأول اليهود وبالوصف الثاني النصاري، لغلبة الوصف الأول على اليهود وغلبة الثاني على النصارى، ولذلك جاء في حديث عدي بن حاتم:"اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون"1. لكن هذا الوصف لا يختص بهم، بل كل منحرف عن الصراط المستقيم إيثاراً لهواه ورأيه فله نصيب من الوصف الأول، ومن انحرف لجهله وعدم فقهه فله نصيب من الوصف الثاني، وهذا الانحراف إن بقي معه أصل الدين الذي لا يقوم الإيمان والتوحيد إلا به فهو من أهل الذنوب من المسلمين وأمره إلى الله، وإن كان الانحراف يخل بأصل الدين والإيمان ويمنع التوحيد- كحال من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين مع الله في مهماته وملماته ويعتمد عليهم ويستغيث بهم في شدائده- فهذا له حظ وافر ونصيب كامل من الضلال، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ

1 أخرجه أحمد (4/378، 379) والترمذي (2953، 2954) وغيرهما.

ص: 364

وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} 1.

انظر هذا الاستفهام وحسن موقعه بعدما تقدم من الاستفهامات التي هي حجج وآيات على ما بعدها تعرف به فحش ما جاء به عباد القبور من دعاء الهتهم والاستغاثة بهم في الملمات والشدائد المذهلات، وأن أهل الجاهلية كانوا يخلصون في الشدائد ويعترفون بأنه المختص بإجابة المضطر وكشف السوء، وهؤلاء يشتد شركهم عند الضر ونزول الشدائد.

ثم من المعلوم أن أخص أوصاف النصارى الضالين عبادة الأنبياء والصالحين وجعلهم شركاء لله فيما يختص به ويستحقه، وطاعة علمائهم وأحبارهم في التحليل والتحريم المخالف لما عهد إليهم في الكتب السماوية على ألسنة أنبيائهم، وعباد القبور ضربوا في هذا بسهم وافر، وحصلوا على نصيب من عبادة الأنبياء والصالحين ودعائهم مع الله استحقوا به إطلاق وصف الضلال عليهم فيما أتوا به وابتدعوه من طاعة الدعاة إلى عبادة القبور من المنتسبين إلى العبادة أو العلم.

قال صاحب "منهاج التأسيس" عليه الرحمة- بعد أن ساق ما ذكرناه- وهذه إشارة تطلعك على ما وراءها:

وفي فاتحة الكتاب والسبع المثاني من العلوم والتوحيد والرد على أصناف الضالين وشيع المبطلين ما لا يمكن حصره واستقصاؤه. انتهى.

قلت: من أراد الوقوف على تفاصيل ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة فعليه بكتاب شرح "منازل السائرين" للشيخ الحافظ ابن القيم، ففيه من إظهار كنوز أسرارها ما ينشرح به الخاطر.

1 سورة النمل: 62.

ص: 365