الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اقْتَضَاهَا تَرْوِيعُ الْأَثِيمِ حِينَ سَمِعَهَا، فَلَمَّا كَانَ الْمَحْكِيُّ هُنَا الْقَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الْأَثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [الْحَج: 19] الَّذِي هُوَ إِخْبَارٌ عَنْهُمْ فِي زَمَنٍ هُمْ غَيْرُ سَامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ إِذْ لَا مُقْتَضَى لَهَا.
وَجُمْلَةُ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أَوْ يُقَالُ لَهُ.
وَالذَّوْقُ مُسْتَعَارٌ لِلْإِحْسَاسِ وَصِيغَةُ الْأَمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِهَانَةِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهَكُّمِ بِعَلَاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
وَالْمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أَيْ أَنْتَ الذَّلِيلُ الْمُهَانُ، وَالتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنَى التَّهَكُّمِيِّ. وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنَّكَ. وَقَرَأَهُ الْكِسَائِيُّ بِفَتْحِهَا عَلَى تَقْدِيرِ لَامِ التَّعْلِيلِ وَضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ الْمُنْفَصِلِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ فِي إِنَّكَ وَلَا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ الْمُتَّصِلِ إِلَّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ بَقِيَّةُ الْقَوْلِ الْمَحْذُوفِ، أَيْ وَيُقَالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ فِي الدُّنْيَا. وَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّنْدِيمِ وَالتَّوْبِيخِ وَاسْمُ
الْإِشَارَةِ مُشَارٌ بِهِ إِلَى الْحَالَةِ الْحَاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أَيْ هَذَا الْعَذَابُ وَالْجَزَاءُ هُوَ مَا كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا.
وَالِامْتِرَاءُ: الشَّكُّ، وَأَطْلَقَ الامتراء على جزيتهم بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفَاءِ الْبَعْثِ لِأَنَّ يَقِينَهُمْ لَمَّا كَانَ خَلِيًّا عَنْ دَلَائِلِ الْعِلْمِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الشَّكِّ، أَيْ أَنَّ الْبَعْثَ هُوَ بِحَيْثُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلَى نَحْوِ مَا قَرَّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [الْبَقَرَة: 2] .
[51- 53]
[سُورَة الدُّخان (44) : الْآيَات 51 إِلَى 53]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (53)
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الْكَلَامُ مِنْ وَصْفِ عَذَابِ الْأَثِيمِ إِلَى وَصْفِ نَعِيمِ الْمُتَّقِينَ لِمُنَاسَبَةِ التَّضَادِّ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي تَعْقِيبِ الْوَعِيدِ بِالْوَعْدِ وَالْعَكْسُ.
وَالْمُقَامُ بِضَمِّ الْمِيمِ: مَكَانُ الْإِقَامَةِ. وَالْمَقَامُ بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَكَانُ الْقِيَامِ وَيَتَنَاوَلُ الْمَسْكَنَ وَمَا يَتْبَعُهُ. وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الْمِيمِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْمِيمِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَقَامِ الْمَكَانُ فَهُوَ مَجَازٌ بِعَلَاقَةِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ.
وَالْأَمِينُ بِمَعْنَى الْآمِنِ وَالْمُرَادُ: الْآمِنُ سَاكِنُهُ، فَوَصْفُهُ بِ أَمِينٍ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التِّين: 3] . وَالْأَمْنُ أَكْبَرُ شُرُوطِ حُسْنِ الْمَكَانِ لِأَنَّ السَّاكِنَ أَوَّلُ مَا يَتَطَلَّبُ الْأَمْنَ وَهُوَ السَّلَامَةُ مِنَ الْمَكَارِهِ وَالْمَخَاوِفِ فَإِذَا كَانَ آمِنًا فِي مَنْزِلِهِ كَانَ مُطْمَئِنَّ الْبَالِ شَاعِرًا بِالنَّعِيمِ الَّذِي يَنَالُهُ. وَأَبَدَلَ مِنْهُ بِأَنَّهُم ي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
وَذَلِكَ مِنْ وَسَائِلِ النُّزْهَةِ وَالطِّيبِ. وأعيد حرف ي
مَعَ الْبَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ.
وَالْجَنَّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. وَالْعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [60] ، فَهَذَا نَعِيمُ مَكَانِهِمْ. وَوَصَفَ نَعِيمَ أَجْسَادِهِمْ بِذِكْرِ لِبَاسِهِمْ وَهُوَ لِبَاسُ التَّرَفِ وَالنَّعِيمِ وَفِيهِ كِنَايَةٌ عَنْ تَوَفُّرِ أَسْبَابِ نَعِيمِ الْأَجْسَادِ لِأَنَّهُ لَا يَلْبَسُ هَذَا اللِّبَاسَ إِلَّا مَنِ اسْتَكْمَلَ مَا قَبْلَهُ مِنْ مُلَائِمَاتِ الْجَسَدِ بَاطِنَهُ وَظَاهِرَهُ.
وَالسُّنْدُسُ: الدِّيبَاجُ الرَّقِيقُ النَّفِيسُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ مُعَرَّبٌ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ وَقِيلَ عَرَبِيٌّ.
أَصْلُهُ: سِنْدِيٌّ، مَنْسُوبٌ إِلَى السِّنْدِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَالسُّنْدُسُ يُلْبَسُ مِمَّا يَلِي الْجَسَدَ.
وَالْإِسْتَبْرَقُ: الدِّيبَاجُ الْقَوِيُّ يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيَابِ وَهُوَ مُعَرَّبُ اسْتَبَرَهْ فَارِسِيَّةٌ، وَهُوَ الْغَلِيظُ
مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ بِغَلِيظِ الدِّيبَاجِ، ثُمَّ عُرِّبَ.
وَتَقَدَّمَا فِي قَوْلِهِ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [31] فَارْجِعْ إِلَيْهِ. ومِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَالْمُبَيَّنُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ يَلْبَسُونَ. وَالتَّقْدِيرُ: ثِيَابًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ.