الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى مُعْجِزَةٌ لِلْمَسِيحِ أَيْضًا، كَنَفْخِ الرُّوحِ فِي الطَّيْرِ الْمُصَوَّرِ مِنَ الطِّينِ، فَكَانَ إِذَا أَحْيَا مَيِّتًا كَلَّمَهُ ثُمَّ رَجَعَ مَيِّتًا، وَوَرَدَ فِي الْأَنَاجِيلِ أَنَّهُ أَحْيَا بِنْتًا كَانَتْ مَاتَتْ فَأَحْيَاهَا عَقِبَ مَوْتِهَا. وَوَقَعَ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي الْإِصْحَاحِ 17 أَنَّ عِيسَى صَعِدَ الْجَبَلَ وَمَعَهُ بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا أَخُوهُ وَأَظْهَرَ لَهُمْ مُوسَى وَإِيلِيَاءَ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ أَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمُ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا أَكَلُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمَا عِنْدَهُمْ مُدَّخَرٌ فِيهَا، لِتَكُونَ هَاتِهِ الْمُتَعَاطِفَاتُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُعْجِزَاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أُنَبِّئُكُمْ لِأَنَّ الْإِنْبَاءَ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا آيَاتٍ تَدْعُو إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْإِيمَانَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ دَأْبُكُمُ الْمُكَابَرَةَ.
وَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ مِنْهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّهُمْ بَادَرُوا دَعْوَتَهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالشَّتْمِ.
وَتَعَرُّضُ الْقُرْآنِ لِذِكْرِ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ تَعْرِيضٌ بِالنَّصَارَى الَّذِينَ جَعَلُوا مِنْهَا دَلِيلًا عَلَى أُلُوهِيَّةِ عِيسَى، بِعِلَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَةِ الْبَشَرِ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا فَهُوَ الْإِلَهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ سُفِسْطَائِيٌّ أَشَارَ اللَّهُ إِلَى كَشْفِهِ بِقَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَقَوْلِهِ: بِإِذْنِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ. وَقَدْ رَوَى أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ نَصَارَى نَجْرَانَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ لَدَى النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم.
[50، 51]
[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 50 إِلَى 51]
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)
عَطْفٌ عَلَى «بِآيَةٍ» بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: «بِآيَةٍ» ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ جِئْتُكُمْ فَيُقَدَّرُ فِعْلُ جِئْتُكُمْ بَعْدَ وَاوِ الْعَطْفِ، وَمُصَدِّقاً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُقَدَّرِ مَعَهُ، وَلَيْسَ عَطْفًا عَلَى قَوْله: وَرَسُولًا [آل عمرَان: 49] لِأَنَّ رَسُولًا مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، وَمُصَدِّقاً مِنْ كَلَامِ عِيسَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ.
وَالْمُصَدِّقُ: الْمُخْبِرُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ، وَأُدْخِلَتِ اللَّامُ عَلَى الْمَفْعُولِ لِلتَّقْوِيَةِ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَصْدِيقٍ مُثْبَتٍ مُحَقَّقٍ، أَيْ مُصَدِّقًا تَصْدِيقًا لَا يَشُوبُهُ شَكٌّ وَلَا نِسْبَةٌ إِلَى خَطَأٍ. وَجُعِلَ التَّصْدِيقُ مُتَعَدِّيًا إِلَى التَّوْرَاةِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ.
وَمَعْنَى مَا بَيْنَ يَدَيَّ مَا تَقَدَّمَ قَبْلِي، لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ السَّابِقَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الْجَائِي فَهُوَ هُنَا تَمْثِيلٌ لِحَالَةِ السَّبْقِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ أَزْمِنَةٌ طَوِيلَةٌ، لِأَنَّهَا لَمَّا اتَّصَلَ الْعَمَلُ بِهَا إِلَى مَجِيئِهِ، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَسْبِقْهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وَيُسْتَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْ كَذَا فِي مَعْنَى الْمُشَاهَدِ الْحَاضِرِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَعُطِفَ قَوْلُهُ وَلِأُحِلَّ عَلَى رَسُولًا وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَحْوَالِ: لِأَنَّ الْحَالَ تُشْبِهُ الْعِلَّةَ إِذْ هِيَ قَيْدٌ لِعَامِلِهَا، فَإِذَا كَانَ التَّقْيِيدُ عَلَى مَعْنَى التَّعْلِيلِ شَابَهَ الْمَفْعُولَ لأَجله، وشابه الجرور بِلَامِ التَّعْلِيلِ، فَصَحَّ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهَا مَجْرُورٌ بِلَامِ التَّعْلِيلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَيَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ جِئْتُكُمْ. وَعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يُنَافِي التَّصْدِيقَ لِأَنَّ النَّسْخَ إِعْلَامٌ بِتَغَيُّرِ الْحُكْمِ. وَانْحَصَرَتْ شَرِيعَةُ عِيسَى فِي إِحْيَاءِ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَمَا تَرَكُوهُ فِيهَا وَهُوَ فِي هَذَا كَغَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي تَحْلِيلِ بَعْضِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَعْيًا لِحَالِهِمْ فِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَبِهَذَا كَانَ رَسُولًا. قِيلَ أَحَلَّ لَهُمُ الشُّحُومَ، وَلُحُومَ الْإِبِلِ، وَبَعْضَ السَّمَكِ، وَبَعْضَ الطَّيْرِ: الَّذِي كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ قَبْلُ، وَأَحَلَّ لَهُمُ السَّبْتَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ مَا حُلِّلَ لَهُمْ، فَمَا قِيلَ: إِنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الطَّلَاقَ فَهُوَ تَقَوُّلٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا حَذَّرَهُمْ مِنْهُ وَبَيَّنَ لَهُمْ سُوءَ عَوَاقِبِهِ، وَحَرَّمَ تَزَوُّجَ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ وَيَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ مَا لَا تَخْلُو مِنْهُ دَعْوَةٌ: مِنْ تَذْكِيرٍ، وَمَوَاعِظَ، وَتَرْغِيبَاتٍ.
وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.
وَقَوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمرَان: 49] . وَإِنَّمَا عُطِفَ بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ أُرِيدَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَحْصُلُ