الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْأَصْبَهَانِيِّ نَزِيلِ نَيْسَابُورَ، وَأَحَدِ الْحُفَّاظِ الْمُجَوِّدِينَ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالدِّينِ حَيْثُ قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ رَوَاهَا لَنَا قَالَ فِيهَا: أَنَا أَبُو عَمْرِو ابْنُ حِمْدَانَ، أَنَّ أَبَا يَعْلَى أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيَّ أَخْبَرَهُمْ، وَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ، أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ، وَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مُحَمَّدَ بْنَ سُفْيَانَ الصَّفَّارَ أَخْبَرَهُمْ. فَذَكَرَ لِي أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ سَمَّعَهَا عَلَى شُيُوخِهِ فِي جُمْلَةِ نُسَخٍ نَسَبُوا الَّذِينَ حَدَّثُوهُ بِهَا فِي أَوَّلِهَا، وَاقْتَصَرُوا فِي بَقِيَّتِهَا عَلَى ذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ. بِأَنَّ قَوْمًا مِنَ الرُّوَاةِ كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا أُجِيزَ، يَعْنِي لِشُيُوخِهِمْ: أَنَا فُلَانٌ، أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُمْ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي: كَيْفَ يَقُولُ مَنْ رَوَى بِالْمُنَاوَلَةِ؟ قُبَيْلَ قِسْمِ الْمُكَاتَبَةِ، مَعَ حِكَايَةِ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الصَّنِيعَ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ: فَاسْتَعْمِلْ مَا ذَكَرْتُ، فَإِنَّهُ أَنْفَى لِلظِّنَّةِ. يَعْنِي فِي كَوْنِهِ إِجَازَةً، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فِي الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدًا، وَحِينَئِذٍ، فَأَوْلَاهَا - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - هُوَ، ثُمَّ " يَعْنِي "، ثُمَّ " إِنَّ "، ثُمَّ إِيرَادُ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا، وَمَنْ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى لَا يُجِيزُ الْأَخِيرَ.
[الرِّوَايَةُ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي إِسْنَادُهَا وَاحِدٌ]
(661)
وَالنُّسَخُ الَّتِي بِإِسْنَادٍ قَطُ
…
تَجْدِيدُهُ فِي كُلِّ مَتْنٍ أَحْوَطُ
(662)
وَالْأَغْلَبُ الْبَدْءُ بِهِ وَيُذْكَرُ
…
مَا بَعْدَهُ مَعْ وَبِهِ وَالْأَكْثَرُ
(663)
جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضًا بِالسَّنَدْ
…
لِآخِذٍ كَذَا وَالْإِفْصَاحُ أَسَدْ
(664)
وَمَنْ يُعِيدُ سَنَدَ الْكِتَابِ مَعْ
…
آخِرِهِ احْتَاطَ وَخُلْفًا مَا رَفَعْ
[تَجْدِيدُ الْإِسْنَادِ عِنْدَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ النُّسَخِ] :
الْفَصْلُ التَّاسِعُ: (الرِّوَايَةُ مِنْ) أَثْنَاءِ (النُّسَخِ الَّتِي إِسْنَادُهَا وَاحِدٌ) .
(وَالنُّسَخُ) وَالْأَجْزَاءُ (الَّتِي) مُتُونُهَا (بإِسْنَادٍ)
وَاحِدٍ (قَطُ) أَيْ: فَقَطْ، كَنُسْخَةِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ، وَنُسْخَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنُسْخَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (تَجْدِيدُهُ) أَيِ: الْإِسْنَادِ (فِي كُلِّ مَتْنٍ) مِنْهَا (أَحْوَطُ) كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَيُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ الْقَدِيمَةِ، بَلْ أَوْجَبَهُ بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ.
(وَ) لَكِنِ (الْأَغْلَبُ) أَيِ: الْأَكْثَرُ مِنْ صَنِيعِهِمْ، (الْبَدْءُ بِهِ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِهَا، أَوْ فِي أَوَّلِ كُلِّ مَجْلِسٍ مِنْ سَمَاعِهَا، (وَيُذْكَرُ مَا بَعْدَهُ) مِنَ الْأَحَادِيثِ (مَعْ) بِالسُّكُونِ، قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا:(وَبِهِ) أَيْ: وَبِالْإِسْنَادِ السَّابِقِ أَوِ السَّنَدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، (وَالْأَكْثَرُ) وَمِنْهُمْ وَكِيعٌ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، (جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضًا) مِنْ أَحَادِيثِهَا مِنْ أَيِ مَكَانٍ شَاءَ (بِالسَّنَدْ) الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ (لِآخِذٍ كَذَا) أَيْ جَوَّزَ ذَلِكَ لِمَنْ سَمِعَهَا كَذَلِكَ.
أَمَّا وَكِيعٌ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: الْمُحَدِّثُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ. ثُمَّ يَقُولُ فِيمَا بَعْدَهُ: وَعَنْ مَنْصُورٍ. فَهَلْ يُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لَا بَأْسَ بِهِ.
وَأَمَّا ابْنُ مَعِينٍ فَقَالَ: أَحَادِيثُ هَمَّامٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْطَعَهَا. وَقَالَ - إِذْ قِيلَ لَهُ: إِنَّ وَرْقَاءَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ: عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ. يَعْنِي ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ، فَهَلْ تَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْرِجَهَا إِنْسَانٌ فَيَكْتُبَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؟ -: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَأَمَّا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ يَجُوزُ إِذَا جُعِلَ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ لِعِدَّةٍ مِنَ الْمُتُونِ أَنْ يُجَدَّدَ الْإِسْنَادُ لِكُلِّ مَتْنٍ.
وَمَنَعَ مِنْهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ فِي الْأَسْئِلَةِ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا الْحَافِظُ أَبُو سَعْدِ بْنُ عَلِيَّكَ. وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ الْإِسْنَادُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا لِمَنْ سَمَاعُهُ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ.
وَكَذَا مَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَرَآهُ تَدْلِيسًا، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ إِيهَامِهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ سَمِعَ بِتَكْرَارِ السَّنَدِ، وَأَنَّهُ كَانَ مُكَرَّرًا تَحْقِيقًا لَا حُكْمًا وَتَقْدِيرًا، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ التَّحَمُّلِ. وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ ; لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ لَهُ حُكْمُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ تَقْطِيعِ الْمَتْنِ الْوَاحِدِ فِي أَبْوَابٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْمَتْنِ، وَقَرِيبُ الشَّبَهِ بِالنَّقْلِ مِنْ أَثْنَاءِ الْكُتُبِ الَّتِي يَقَعُ إِيرَادُ السَّنَدِ بِهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَوِ الْمَجْلِسِ، وَكَذَا فِي آخِرِهِ غَالِبًا لِأَجْلِ مَنْ يَتَجَدَّدُ مِنَ السَّامِعِينَ، وَيُكْتَفَى فِي كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: وَبِهِ. حَيْثُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ لَا فَرْقَ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْعُ عَلَى التَّنْزِيهِ وَمَا يُخَالِفُ الْأَوْلَى، لَا عَلَى التَّحَتُّمِ ; إِذْ لَا وَجْهَ لِلْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: بَابُ الرِّوَايَةِ اتِّبَاعٌ لَا ابْتِدَاعٌ، وَهُوَ لَمْ يُرْوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ التَّفْرِقَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ مُبْتَدَعَاتِهَا لَا مِنَ اتِّبَاعَاتِهَا.
[صَنِيعُ الشَّيْخَيْنِ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ صَحِيفَةِ هَمَّامٍ] :
(وَالْإِفْصَاحُ) بِصُورَةِ الْحَالِ وَإِنْ جَازَ مَا تَقَدَّمَ (أَسَدْ) بِالْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَقْوَمُ وَأَحْسَنُ، كَمَا يَفْعَلُهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيفَةِ هَمَّامٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ سِيَاقِ إِسْنَادِهِ إِلَى هَمَّامٍ: إِنَّهُ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا نَصُّهُ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَذَا. وَيَسُوقُ الْمَتْنَ الَّذِي يَرُومُ إِيرَادَهُ، وَلَمْ يَعْدِلْ عَنْ هَذَا فِيمَا يُورِدُهُ مِنَ النُّسْخَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرُبَّمَا قَدَّمَ أَوَّلَ حَدِيثٍ مِنَ الصَّحِيفَةِ، وَهُوَ حَدِيثُ (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ) . ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرِيدُهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ، وَلِذَا قَلَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى مَقْصِدِ الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى التَّكْلِيفِ بَيْنَ مُطَابَقَةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَاسْتَعْمَلَ قُوَاهُ فِي ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَمْ يَطَّرِدْ عَمَلُهُ لَهُ فِي جَمِيعِ مَا يُورِدُهُ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ، بَلْ أَوْرَدَ مِنْهَا فِي الطَّهَارَةِ، وَفِي الْبُيُوعِ، وَفِي النَّفَقَاتِ، وَالشَّهَادَاتِ، وَالصُّلْحِ، وَقِصَّةِ مُوسَى، وَالتَّفْسِيرِ، وَخَلْقِ آدَمَ، وَالِاسْتِئْذَانِ، وَفِي الْجِهَادِ فِي مَوَاضِعَ، وَفِي الطِّبِّ، وَاللِّبَاسِ، وَغَيْرِهَا، فَلَمْ يُصْدِرْ شَيْئًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ بِالْحَدِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.
وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ جَوَازَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، لَكِنْ قَدْ فَعَلَهُ