الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
108 ـ
قرن التوبة بالاستغفار، وقرن الاستغفار بالتوحيد
لقد كان حديثُنا السابق عن التوبةِ وبيانِ فضلِها وعِظمِ شأنِها وشدَّةِ احتياجِ العبد إليها، وعن بعضِ الأحكام المتعلِّقةِ بها، وكثيراً ما تأتي التوبةُ في النصوصِ مقرونةً بالاستغفار، كقوله تعالى:{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} 1، وقول هود لقومه:{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} 2، وقول صالح لقومه:{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} 3، وقول شعيب:{وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} 4.
وفي هذا دلالةٌ على عِظم التلازم بين الاستغفار والتوبة، وشدَّةِ احتياج العبد إليهما للوقاية من شرور الذنوب وغوائلها، والذنوب نوعان:
" ذنبٌ قد مضى، فالاستغفار منه: طلبُ وقايةِ شرِّه، وذنبٌ يُخاف وقوعُه، فالتوبة: العزمُ على أن لا يفعله، والرجوعُ إلى الله يتناول النوعين، رجوعٌ إليه ليقيَه شرَّ ما مضى، ورجوعٌ إليه ليقيَه شرَّ ما
1 سورة هود، الآية:(3) .
2 سورة هود، الآية:(52) .
3 سورة هود، الآية:(61) .
4 سورة هود، الآية:(90) .
يستقبل من نفسه وسيِّئات أعماله.
وأيضاً فإنَّ المذنبَ بمنزلةِ مَن ركب طريقاً تؤدِّيه إلى هلاكه، ولا توصله إلى المقصود، فهو مأمور أن يولِّيها ظهره، ويرجع إلى الطريقِ التي فيها نجاته، والتي توصله إلى مقصوده، وفيها فلاحه، فههنا أمران لا بدَّ منهما: مفارقة شيء والرجوع إلى غيره، فخُصَّت التوبةُ بالرجوعِ، والاستغفارُ بالمفارقةِ
…
"1.
أمَّا إذا أُفردت التوبةُ بالذِّكر أو أُفرد الاستغفار، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما يتناول معنى الآخر.
والاستغفار له شأنٌ عظيم ومكانةٌ عاليةٌ، فهو كما بيَّن شيخ الإسلام " يُخرج العبدَ من الفعلِ المكروه إلى الفِعلِ المحبوبِ، ومن العمل الناقصِ إلى العمل التامِّ، ويرفعُ العبدَ من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فإنَّ العابدَ لله، والعارفَ بالله في كلِّ يوم، بل في كلِّ ساعة، بل في كلِّ لحظة يزدادُ علماً بالله وبصيرةً في دينه وعبوديَّتِه، بحيث يجدُ ذلك في طعامه وشرابه ونومِه ويَقَظتِه وقولِه وفعلِه، ويرى تقصيرَه في حضورِ قلبِه في المقامات العالية وإعطائِها حقّها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطَّرٌ إليه دائماً في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد؛ لِما فيه من المصالحِ وجلب الخيرات ودفعِ المضرَّات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية "2.
1 مدارج السالكين لابن القيم (1/308) .
2 مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/696) .
وممَّا يُبيِّن عِظَمَ شأن الاستغفار ورفيع مكانته أنَّه كثيراً ما يأتي في النصوص مقروناً مع كلمة التوحيد لا إله إلَاّ الله التي هي خيرُ الكلمات وأفضلُها وأجلُّها على الإطلاق، كقوله تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ} 1، وقوله:{أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} 2، وقوله:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} 3، وقوله:{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} إلى قوله: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} 4، وكقوله صلى الله عليه وسلم في كفَّارة المجلس:" سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلَاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك "5، وكقوله صلى الله عليه وسلم عقِب الانتهاء من الوضوء:" أشهد أن لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، اللَّهمَّ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين "6، وكقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه الذي كان يختم به الصلاةَ: " اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر
1 سورة محمد، الآية:(19) .
2 سورة هود، الآية:(3) .
3 سورة فصلت، الآية:(6) .
4 سورة هود، الآيات:(50 ـ 52) .
5 سنن أبي داود (رقم:4857) ، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (4487) .
6 سنن الترمذي (رقم:55) ، وصححه الألباني رحمه الله في الإرواء (1/134) .
لا إله إلَاّ أنت "1، والنصوصُ في هذا المعنى كثيرة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وقد ثبتت دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد، واقترانها بشهادة أن لا إله إلَاّ الله، مِن أولِّهم إلى آخرهم، ومن آخرهم إلى أوَّلِهم، ومن الأعلى إلى الأدنى، وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلِّهم، وهم فيها درجات عند الله، ولكلِّ عاملٍ مقامٌ معلوم، فشهادةُ أن لا إله إلَاّ الله بصِدق ويقين تُذهبُ الشركَ كلَّه، دقَّه وجلَّه خطأه وعمده، أوَّلَه وآخرَه، سِرَّه وعلانيتَه، وتأتي على جميع صفاتِه وخفاياه ودقائِقه، والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته، ويَمحو الذنبَ الذي هو من شُعب الشرك، فإنَّ الذنوبَ كلَّها من شعب الشرك، فالتوحيد يُذهبُ أصلَ الشرك، والاستغفار يمحو فروعَه، فأبلغ الثناء قولُ لا إله إلَاّ الله، وأبلغُ الدعاء قول أستغفر الله "2.
وقد جمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين التوحيد والاستغفار في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه المخرَّج في سنن الترمذي يقول صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنَّك ما دعوتَني ورَجوتَني غفرتُ لك ما كان منك ولا أُبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبُك عنانَ السماء ثمَّ استغفرتني غفرتُ لك، يا ابن آدم إنَّك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثمَّ لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتُك بقُرابِها مغفرة "3.
1 صحيح مسلم (رقم:771) .
2 مجموع الفتاوى (11/696 ـ 697) .
3 سنن الترمذي (رقم:3540)، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة (رقم:127) .
وهو حديث عظيمٌ جامعٌ لأهمِّ وأعظم أسباب مغفرة الذنوب، حيث تضمَّن الحديثُ ثلاثةَ أسباب عظيمةٍ يحصُلُ بها مغفرةُ الذنوب:
أحدها: دعاءُ الله مع رجائه، فمِن أعظم أسباب المغفرة أنَّ العبدَ إذا أذنبَ ذنباً لَم يرج مغفرته من غير ربِّه، ويعلم أنَّه لا يغفر الذنوب إلَاّ الله.
الثاني: الاستغفار، فإنَّ الذنوبَ ولو عظُمت وبلغت من الكثرةِ عنانَ السماء، فإنَّ اللهَ يغفرُها إذا طلبَ العبدُ من ربِّه المغفرةَ.
الثالث: التوحيد، وهو السببُ الأعظمُ للمغفرة، فمَن فقده فقد المغفرة، ومَن جاء به فقد أتى بأعظمِ أسباب المغفرة، ولهذا قال الله تعالى:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} 1، فمَن جاء يوم القيامة موحِّداً فقد أتى بأعظمِ أسباب المغفرةِ2.
فهذه أبوابُ الخير مفتوحةٌ، ومداخلُه مشرعةٌ، ومناراته ظاهرةٌ، فنسأله سبحانه الهداية إليها والتوفيق لتحقيقها.
1 سورة النساء، الآية:(48، 116) .
2 انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص:367 ـ 375) .