الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الحادي عشر: اللعب بالمسابقة بالجري ونحوه وبالمصارعة ونحوها
هو جائزٌ حيث لا مالَ من الجانبين ولا قِمار، والأصل فِي ذلك أَنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تسابَقَ هو وعائشة؛ رواه الشافعي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سابَقتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقتُه، فلمَّا حملت اللحم سابقته، فسبقني، فقال:((هذه بتلك)) (1).
واختُلِف فيه على هشامٍ، فقيل هكذا، وقيل: عن رجل، عن أبي سلمة، وقيل: عن أبيه، وعن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها (2).
وأنَّه صلى الله عليه وسلم صارَع ركانة على شاة؛ رواه بو داود، والترمذي [من حديث أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة:](3) أنَّ ركانة صارَع النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال ركانة:
(1) أخرجه أبو داود (2578)، وابن ماجَهْ (1979)، وأحمد (6/ 39)، والنسائي في "السنن الكبرى"(5/ 303 رقم 8942)، والحميدي (1/ 128 رقم 261)، والطبراني في "المعجم الكبير"(23/ 47)، وصححه ابن حبان (4691) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.
وأحمد (6/ 280)، وابن أبي شيبة (6/ 531 رقم 33590)، وابن الجعد (1/ 480 رقم 3331) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة رضي الله عنها.
وأبو داود (2578)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 17) من طريق هشام بن عروة عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عائشة رضي الله عنها.
وابن أبي شيبة (6/ 531 رقم 33590) من طريق هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
"تلخيص الحبير"؛ لابن حجر (4/ 298) ط مؤسسة قرطبة.
(3)
ما بين المعقوفين استُدرِك مِمَّن نقل عنه المصنف، وفي المخطوطتين: رواه أبو داوُد، والترمذيُّ عن محمد بن رُكانةَ أنَّ ركانة صارعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال ركانةُ
…
وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((فرق ما بيننا وبين أهل الكتاب العمائمُ على القلانس)) (1).
وقال الترمذي: غريبٌ، وليس إسناده بالقائم (2).
وروى أبو داود في "مراسيله" عن سعيد بن جبير قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبَطحاء، فأتى عليه يزيد بن ركانة - أو ركانة بن يزيد - ومعه أعنزٌ له، فقال له: يا محمد، هل لك أن تصارعني؟ قال:((ما تسبقني؟)) قال: شاة من غنمي، فصارعه فصرعه، فأخذ شاة، فقال ركانة: هل لك في العود؟ ففعل ذلك مرارًا، فقال: يا محمد، والله ما وضع جنبي أحدٌ إلى الأرض، وما أنت بالذي تصرعني؛ يعني: فأسلم، فردَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم غنمَه (3).
إسناده صحيح إلى سعيد بن جبير لكنَّه لم يُدرِك ركانة ولا يضرُّه؛ لأنَّه جاء موصولاً من طريقٍ أخرى، فقد رواه أبو بكرٍ الشافعي، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مطولاً (4)، ورواه أبو نعيم [في "معرفة
(1) أخرجه أبو داود (4078)، والترمذي (1784)، وأبو يعلى (3/ 5 رقم 1412)، والطبراني في "الكبير"(5/ 71 رقم 4614)، والبيهقي في "الشعب"(5/ 175 رقم 6258)، والحاكم في "المستدرك"(5903)، والبخاري في "التاريخ الكبير"(1/ 82 رقم 221)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى"(1/ 374) من طريق أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفرٍ محمد بن علي بن ركانة عن أبيه، وقال البخاري: محمد بن ركانة القرشي إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض، وقال الترمذي: هذا حديثٌ إسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني، ولا ابن ركانة.
(2)
"تلخيص الحبير"؛ لابن حجر (4/ 299) ط مؤسسة قرطبة.
(3)
أخرجه أبو داود في "المراسيل"(1/ 235)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (6/ 250) وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيحٌ إلى سعيد بن جبير.
(4)
أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة"(4/ 28) من طريق حسين بن حسن الأزدي قال: ثنا محمد بن حبيب، عن هشام - يعني: ابن الكلبي - عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عرَض على ركانة بن عبديزيد بن هاشم بن المطلب بن عبدمناف الإسلام، ودعاه إلى الله - تعالى - وكان ركانة من أشد العرب، لم يصرعه أحدٌ قط، فقال: لا يسلم حتى تدعو شجرة فتُقبِل إليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لشجرةٍ وهو بظهر مكة:((أقبلي بإذن الله عز وجل) وكانت طلحة أو سمرة قال: فأقبلت ورُكانة يقول: ما رأيت كاليوم سحرًا أعظم من هذا، مُرْها فلترجع، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ارجعي بإذن الله - تعالى)) فرجعت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أسلم)) قال: لا والله حتى تدعو نصفَها فيُقبِل إليك، ويَبقى نصفها في موضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصفها:((أقبل بإذن الله - تعالى)) فأقبل وركانة يقول: ما رأيت كاليوم سحرًا أعظم من هذا، مُرْها فلترجع، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ارجعي بإذن الله عز وجل) فرجعت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أسلم))، فقال له ركانة: لا حتى تصارعني؛ فإنْ صرعتني أسلمت، وإنْ صرعتك كففت عن هذا المنطق قال: فصارعه النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه، وأسلم رُكانة رضي الله عنه بعد ذلك.
الصحابة"] (1) من حديث أبي أمامة مطولاً وسندهما ضعيف (2)، ورواه
(1) ما بين المعقوفين استدرك مِمَّنْ نقل عنه المصنف.
(2)
أخرجه أبو نعيم في "معرفة الصحابة"، والبيهقي في "دلائل النبوة"(6/ 252) من طريق محمد بن وهب بن أبي كريمة، أنبأ محمد بن سلمة، عن أبي عبدالرحيم، حدثني أبو عبدالملك، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: كان رجلٌ يقال له: ركانة وكان من أفتك الناس وأشدِّهم، وكان مشركًا، وكان يرعى غنمًا له في وادٍ يُقال له: أضم، فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة ذات يوم فتوجَّه قبل ذلك الوادي فلقيه رُكانة وليس مع نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ، فقام إليه رُكانة فقال: يا محمد، أنت الذي تشتم آلهتنا اللات والعزى، وتدعو إلى إلهك العزيز الحكيم، لولا رحمٌ بيني وبينك ما كلمت الكلام - يعني: حتى أقتلك - ولكن ادعُ إلهك العزيز الحكيم ينجيك منِّي اليوم وسأعرض عليك أمرًا؛ هل لك إنْ صارعتك وتدعو إلهك العزيز الحكيم فيعينك عليَّ، وأنا أدعو اللات والعزى، فإن أنت صرعتَنِي فلك عشرٌ من غنَمِي هذه تختارها؟ فقال عند ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم:((نعم، إن شئت فاتَّحَدا، فدعا نبي الله إلهه العزيز الحكيم أنْ يعينه على رُكانة، ودعا رُكانة اللات والعزى: أعنِّي اليوم على محمد، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فصَرَعه وجلس على صدْره، فقال رُكانة: قُمْ، فلست الذي فعلت بي هذا إنما إلهك العزيز الحكيم، وخذلني اللات والعزى، وما وضع جنبي أحدٌ قبلك، فقال له رُكانة: فإنْ أنت صرعتني فلك عشرٌ أخرى تختارها، فأخذه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ودعا كلُّ واحدٍ منهما إلهه، كما فعَلا أوَّل مرَّة، فصَرَعه النبي صلى الله عليه وسلم وجلس على كَبِدِه، فقال له رُكانة: لست أنت الذي فعلتَ بي هذا، إنما فعله إلهك العزيز الحكيم، وخذلني اللات والعزى، وما وضع جنبي أحدٌ قبلك، فقال ركانة: فإنْ أنت صرعتني فلك عشرٌ أخرى تختارها، فأخذه نبي الله صلى الله عليه وسلم ودعا كلُّ واحد منهما إلهه، كما فعلا أوَّل مرَّة فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم الثالثة، فقال له ركانة: لست أنت الذي فعلت بي هذا، إنما فعَلَه إلهك العزيز الحكيم، وخذلني اللات والعزى، فدونك ثلاثين شاة من غنمي فاخترها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أريدُ ذلك، ولكن أدعوك إلى الإسلام يا رُكانة، وأنفس بك أنْ تصير إلى النار، إنَّك إن تُسْلِم تَسْلَم))، فقال له ركانة: لا، إلا أنْ تريني آية، فقال له نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم:((الله عليك شهيدٌ، لئنْ أنا دعوت ربَّك فأريتك آيةً لتجيبني إلى ما أدعوك إليه؟)) قال: نعم، وقريب منهما شجرة سمر ذات فروع وقضبان، فأشار إليها نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وقال لها:((أقبِلي بإذن الله فانشقَّت باثنين، فأقبلت على نصف ساقها وقضبانها وفُروعها حتى كانت بين يدي نبيِّ الله وبين رُكانة، فقال له رُكانة: أريتني عظيمًا، فمُرْها فلترجع، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((عليك الله شهيد، إنْ أنا دعوت ربي ثم أمرتها فرجعت لتجيبني إلى ما أدعوك إليه؟)) قال: نعم، فأمرها، فرجعت بقضبانها وفروعها، حتى إذا التأمَتْ بشقِّها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:((أسلِمْ تسلَمْ))، فقال له ركانة: ما بي إلَاّ أنْ أكون قد رأيت عظيمًا، ولكني أكره أنْ تسامع نساء المدينة وصبيانهم أنِّي إنما أجبتك لرعب دخل قلبي منك ولكن قد علمت نساء المدينة وصبيانهم أنَّه لم يُوضَع جنبي قط ولم يدخل قلبي رعب ساعة قط ليلاً ولا نهارًا، ولكن دونك، فاختر غنمك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:((ليس بي حاجة إلى غنمك إذا أبيت أنْ تسلم))، فانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم راجعًا وأقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يلتمسانه في بيت عائشة فأخبرتهما أنَّه قد توجَّه قِبَلَ وادي أضم، وقد عرفا أنَّه وادي ركانة لا يكاد يخطئه، فخرجا في طلبه وأشفقا أنْ يلقاه ركانة فيقتله، فجعلا يتصاعدان على كلِّ شرفٍ ويتشرَّفان له، إذ نظَرَا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً فقالا: يا نبي الله، كيف تخرج إلى هذا الوادي وحدك وقد عرفت أنَّه جهة ركانة، وأنَّه من أقتل الناس وأشدِّهم تكذيبًا لك؟ فضَحِكَ إليهما، ثم قال: أليس يقول الله - تعالى - لي: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ؟ إنَّه لم يكن يصل إلَيَّ والله معي، فأنشأ يحدثهما حديثَ ركانة والذي فعل به والذي أراه، فعجبا من ذلك، فقالا: يا رسول الله، أصرعت ركانة، فلا والذي بعَثَك بالحق ما وضع جنبَيْه إنسان قط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((إنِّي دعوت الله ربي فأعانني عليه، وإنَّ ربي أعانني ببضع عشرة وبقوَّة عشرة)).
عبدالرزَّاق [عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، أحسبه](1) عن عبدالله بن الحارث، قال: صارَع النبي صلى الله عليه وسلم أبا رُكانة في الجاهليَّة، وكان شديدًا، فقال: شاة بشاة، فصرَعَه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عاودني في أخرى، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عاودني، فصرعه الثالثة، فقال أبو ركانة: ماذا أقول لأهلي؛ شاة أكلها الذئب، وشاة نشزت، فما أقول في الثالثة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((ما كنَّا لنجمع عليك أنْ نصرعك ونغرمَك، خُذْ غَنَمَك)) (2)
(1) ما بين المعقوفين استدرك مِمنْ نقل عنه المصنف.
(2)
أخرجه عبدالرزاق (11/ 427) من طريق مَعْمَرٍ، عن يزيدَ بن أبي زِيادٍ، أحسَبُه عن عبدالله بن الحارثِ.
[ز1/ 52/أ] وسندُه ضعيفٌ، وصَوابه رُكانة لا أبو رُكانة الذي وقَع فيه (1).
(تَنْبِيه) أخْذُه صلى الله عليه وسلم المالَ منه لا يقتضى جَواز أخْذه فِي المُصارَعة ويُوجَّه بوجهين:
أحدهما: أنَّ الظاهر أنَّه صلى الله عليه وسلم إنما أراد أنْ يُبيِّن غلبَه وعجزَه من وجهين صرَعَه وأخذ ماله فلمَّا ظهر ذلك ردَّه إليه.
ثانيهما: لو سلَّمنا خلاف هذا الظاهر لم يكن فيه حجَّة أيضًا؛ لأنَّ رُكانة إذ ذاك كان كافرًا، فهو حربيٌّ يجوزُ أَخْذُ ماله مُطلقًا، ومن ثَمَّ لَمَّا أسلم تفضَّل عليه صلى الله عليه وسلم وردَّ إليه غنمه، ثم بتقدير صحَّة تلك الأحاديث يتعيَّن حملُها على أنهما واقعتان.
(تَنْبِيه ثانٍ) قال الحافظ عبدالغني: ما رُوِيَ من مُصارَعة النبيِّ صلى الله عليه وسلم أبا جهلٍ لا أصلَ له، وحديث رُكانة أمثلُ ما رُوِيَ في مصارعة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم (2).
وليكنْ هذا آخِرَ ما أرَدْناه، ونهايةَ ما قصَدْناه، والحمد لله الذي هَدانا لهذا وما كنَّا لنهتدي لولا أنْ هَدانا الله.
يا ربَّنا لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سُلطانك، حمدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه أبدَ الآبِدين، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارِك أفضل صلاةٍ وأفضل سلامٍ وأفضل بركة على أفضل مخلُوقاتك وزين عِبادك سيدنا محمَّد، وعلى آله وأصْحابه وتابعيهم كلهم بإحسانٍ عدد معلُوماتك أبدًا.
ختَم الله لنا بالحُسنَى في عافيةٍ بلا محنة
…
أمين.
(1)"تلخيص الحبير"؛ لابن حجر (4/ 299) ط مؤسسة قرطبة.
(2)
"تلخيص الحبير"؛ لابن حجر (4/ 299) ط مؤسسة قرطبة.
وحسبُنا الله ونعمَ الوكيل، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العليِّ العظيم.
وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الثلاثاء أربعة وعشرون الحجة 1293 على يد كاتبه علي حسانين غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات
…
آمين (1).
* * * * *
(1) في نهاية (ز2): تَمَّ الكتاب بعون الملك الوهاب، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، تَمَّ وكمل.