المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ربيع الآخر - 1354ه - مجلة المنار - جـ ٣٥

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (35)

- ‌ربيع الأول - 1354ه

- ‌فاتحة المجلد الخامس والثلاثين

- ‌حرمان البنات من الإرثوتعارض القرآن والإجماع

- ‌كتاب الوحي المحمدي

- ‌خطاب الشيخ الأكبر في الجامع الأزهر

- ‌الهمزية في مدح خير البرية

- ‌كتاب الوحي المحمدي

- ‌شاعر العربالشيخ عبد المحسن الكاظمي

- ‌تفاقم شر الطلاق في أميركا

- ‌العقبة من الحجازفي عهد الدولة العثمانية

- ‌وزير مسيحي يصف الشريعة الإسلامية

- ‌تقريظ المطبوعات

- ‌سبب تأخر هذا الجزء من المناروسيكون ما بعده أكبر وأحسن

- ‌ربيع الآخر - 1354ه

- ‌سؤالان عن الربا في دار الحربوعن كون الإسلام دين سياسة أم لا

- ‌الربا والزكاة والضرائبودار الحرب

- ‌فتاوى المنار

- ‌حفلة الأزهر بشيخه الأستاذ الأكبرالشيخ محمد مصطفى المراغي

- ‌إلى فضيلة الأستاذ الأكبربمناسبة خطابه في حفلة التكريم

- ‌تفسير المنارالجزء الثاني عشر

- ‌نعي فقيد الإسلام والمسلمين

- ‌كلمة الأستاذ علوبة باشا وزير المعارف

- ‌كلمة لا بد منها

- ‌الوهابيونوالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المحرم - 1354ه

- ‌حفلة تأبين فقيد الإسلامالمرحوم السيد محمد رشيد رضا

- ‌خطبة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر

- ‌قصيدة الأستاذ الهراوي

- ‌خطبة الأستاذ الشيخ على سرور الزنكلوني

- ‌كلمة الأستاذ عبد السميع البطلفي حفلة تأبين الفقيد

- ‌خطبة الأستاذ محمد أحمد العدوي

- ‌خطبة الأستاذ حبيب جاماتي

- ‌قصيدة الشيخ إسماعيل الحافظفي تأبين السيد الإمام

- ‌قصيدة الأستاذ عبد الله عفيفي

- ‌تعزية الجمعية السورية العربية

- ‌مصاب المسلمين في أعظم علمائهم

- ‌تعزية جمعية الرابطة العلوية

- ‌كلمة الدكتور عبد الرحمن شهبندرفي حفلة التأبين

- ‌تأبين الإمام السيد محمد رشيد رضا

- ‌عواطف ابن زيداننحو فقيد الفضل والعرفان

- ‌وصف المقطم لحفلة التأبين

- ‌كلمة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس

- ‌كلمة الأستاذ محمد لطفي جمعة

- ‌كلمة المجاهدين السوريين في الصحراءبوادي السرحان

- ‌المحرم - 1354ه

- ‌المستشرقون والإسلام

- ‌الفصل الأولأسباب ونتائج

- ‌الفصل الثانيمحمد قبل البعث

- ‌الفصل الثالثالتحليل النفسي لحياة محمد قبل البعث

- ‌الفصل الرابعمحمد صلى الله عليه وسلم وروح الاجتماع عند البعث

- ‌الفصل الخامسالتوحيد هو روح الحرية

- ‌الفصل السادسأثر التوحيد الاجتماعي

- ‌الفصل السابعتعليقات المستشرقين على التوحيد وحياة محمد

- ‌الفصل الثامنحكاية فنسنكوالمجمع اللغوي الملكي

- ‌الفصل التاسعحكاية فنسنك [

- ‌جمادى الآخرة - 1358ه

- ‌تصدير

- ‌في الميدان من جديد

- ‌بين طائفتين من المؤمنين

- ‌نشأة المنار والحاجة إليه

- ‌موقف العالم الإسلامي السياسي اليوم

- ‌بين الشرق والغرب

- ‌ما أحوجنا في هذا الزمان إلى هداية القرآن

- ‌تطور الإسلام

- ‌صاحب المنارالسيد محمد رشيد رضا

- ‌فلسفة النفاقالمنافقون في فلسطين وحكمهم

- ‌كلمة الأستاذ الإمام في المنار

- ‌المنار والإصلاح

- ‌اتجاه محمود في الشرق العربي

- ‌ظهور المنار ودلالته

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌رجب - 1358ه

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌دعوى علم الغيبومنابذتها لأصول الإسلام

- ‌وصف الدنيا

- ‌الشيخ محمد عبده(1)

- ‌من كلام الإمامعلي رضي الله عنه

- ‌انتقاد المنارحول فتوى آيات الصفات وأحاديثها

- ‌موقف العالم الإسلامي السياسي

- ‌تعليق

- ‌السيد محمد رشيد رضا

- ‌ استحضار الأرواح

- ‌ربيع الأول - 1359ه

- ‌الأحمدية(القاديانية واللاهورية)

- ‌ماذا في إندونيسيا

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌أسرار البلاغة في علم البيان

- ‌في محيط الدعواتتحليل ومقارنة

- ‌مشكلة المرأة في مصر

- ‌ربيع الثاني - 1359ه

- ‌احتجاب المنار

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌خطيئة آدم

- ‌في محيط الدعوات(2)

- ‌براءة من القاديانية

- ‌الشيخ محمد عبده [*](2)

- ‌انتقاد المنار

- ‌السيد الكامل آل رضارحمه الله

- ‌جمادى الآخرة - 1359ه

- ‌ حكم الدخان والتنباك

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌السيد الإمام محمد رشيد رضاناظر دار الدعوة والإرشاد بمصر

- ‌من مشكاة النبوة

- ‌في الإسراء والمعراج

- ‌شعبان - 1359ه

- ‌أسرار البلاغة في علم البيان

- ‌ حكم الصلاة في النعلين

- ‌موقف العالم الإسلامي السياسي اليوم

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌المرأة المسلمة(2)

- ‌إلى الأخ الأستاذ السيد عبد الرحمن عاصم

- ‌بيان الحكومة المصريةعن سياستها الداخلية والخارجية بدار النيابة

- ‌من كلام الإمام علي في نهج البلاغة

الفصل: ‌ربيع الآخر - 1354ه

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌فاتحة المجلد الخامس والثلاثين

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ

الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: 105) .

{إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَاّ القَوْمُ الكَافِرُونَ} (يوسف: 87) .

{وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّالُّونَ} (الحجر: 56) .

نرجو أن ندخل بهذه السَّنة في عهد جديد لدعوة القرآن نفتتح بها المجلد 35

من المنار المجلد 13 من تفسير القرآن الحكيم والطبعة الثالثة من كتاب الوحي

المحمدي، بعد أن بينَّا للمسلمين في السنين الخالية جميع الأسباب والعلل التي فقدوا

بها هداية دينهم ومجد ملكهم وحضارته بالإعراض عن تدبر القرآن وجميع ما يجب

عليهم من علم وعمل لاستعادة ذلك بالقرآن، وإقامة الحجج والآيات على ذلك من

كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في تبليغه وتنفيذه؛ وسنة

خلفائه الراشدين في فتوحه، وتأسيس دولته، وإقامة أحكامه بين الشعوب المتباينة

الأجناس واللغات، والملل المختلفة الأصول والمذاهب والحضارات.

وإننا نذكِّر القراء بخلاصة من ذلك:

أمة موسى وأمة محمد والتوراة والقرآن:

في مدة أربعين سنة انقرض جيل من بني إسرائيل في التيه، ونشأ جيل آخر:

انقرض الجيل الذي تعبَّده فرعون واستذله، فقال زعماؤه لموسى لما دعاهم إلى

دخول الأرض المقدسة، التي كتبها لهم، ووعدهم بالغلبة على أهلها إذا دخلوها:

{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 24) ، ونشأ جيل جديد أخذ

التوراة بقوة، ودخلوا البلاد، ففتحها الله كما وعدهم.

وفي عشرين سنة أسس محمد رسول الله وخاتم النبيين - صلى الله

عليه وسلم - بدعوته دينًا كاملاً وأمة متحدة ودولة قوية عادلة، فقد ربَّى الجيل الأول

من قومه بالقرآن من أول يوم، فأخرجهم بدعوته من الظلمات إلى النور في عشر

سنين، وفتح بهم جزيرة العرب في عشر سنين، وفتح خلفاؤه من بعده ملك

كسرى وقيصر في عشرين سنة، ولم ينقضِ القرن الأول من هجرته إلا وقد تمَّ

لأمته نشر ملكهم ودينهم من آخر حدود أوربة في الغرب إلى جدار الصين في

الشرق، وأدى لهم " فغفور " الصين الجزية.

بماذا فعل المسلمون هذه المعجزات في الفتح الديني الاجتماعي السياسي؟ ما

فعلوها إلا بأخذهم القرآن بقوة، كما أخذ بنو إسرائيل التوراة بقوة، وكان تأثير كل

من الكتابين بقدْره: التوراة هداية لشعب صغير، وُعِد بوطن صغير إلى أجل معلوم

ففتحوه، وتمكنوا فيه إلى أجل معلوم، ثم عاقبهم الله بظلمهم وإفسادهم في الأرض

فسلط عليهم من شاء من عباده إلى أجل آخر، ثم سلب ملكهم ببغيهم. والقرآن

هداية عامة لجميع الشعوب والقبائل، وُعد أهله بخلافة الأرض كلها: {وَهُوَ

الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْض} (الأنعام: 165) {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا

الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ

الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ

بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} (النور: 55) ووفَّى لهم بما وعدهم في

أكثر الأرض التي عرفوها ما أقاموا القرآن بإقامة الحق والعدل في الناس والشكر

لله، ثم سلب منهم أكبر ما أعطاهم بكفر هذه النعمة والفسوق عن هذه الهداية.

ومن العجب أن يفعل اليهود اليوم ما لا يفعل العرب لاستعادة مجدهم.

ولكن أمة محمد ليسوا شعبًا صغيرًا كقوم موسى - عليهما الصلاة والسلام -

بل أمة دعوته جميع البشر، وأمة الإجابة له هم المهتدون بالقرآن وسنته في إقامته،

وما وعدهم به هو الأرض كلها لا أرض فلسطين، ودينهم عام باقٍ إلى يوم القيامة،

لا خاص مؤقت محدود.

فتح العرب العالم بالقرآن:

إن المسلمين كفروا هذه النعمة قبل أن يتم لهم فتح أكثر الغرب كما

فتحوا أكثر الشرق، بأن استبدلوا بهداية القرآن بدعًا سَرَت إليهم نظرياتها الباطلة

من الأديان والفلسفة والأدب التي كان عليها الشعوب التي فتحوا بلادها بقوة القرآن

لا بقوة السيف والسَّنان، فقوة العرب الحربية كانت دون قوة الرومان، ودون

قوة الفرس، اللتين كانتا أقوى دول الأرض، وكان يدين لهما كثير من

العرب المجاورين لبلادهما، وكانت أضعف من البربر في شمال إفريقية ومن

القوط (والإسبانيول) في غرب أوربة ومن الغال في جنوب فرنسة من الغرب،

ومن الهنود في الشرق، وناهيك ببعد المسافات بين جزيرة العرب وبين هذه

الأقطار، وما يزعمه بعض الإفرنج ومقلديهم من أن سبب فوز العرب بذلك الفتح

السريع الواسع هو ما كان طرأ على تلك الدول والأمم من الفساد والضعف، فهو

تعصب ظاهر؛ فمهما تكن عليه تلك الأمم من ضعف وفساد فالعرب كانوا أفسد

وأضعف من كل واحدة منها قبل الإسلام، وبه سادتها كلها؛ وما هو إلا نور

القرآن.

عصر الصحابة ومنتهى علمهم:

إن الصحابة الكرام رضي الله عنهم هم الذين أسسوا هذا الملك الإسلامي

العظيم العادل الرحيم، فيما يسمى العالم القديم، وكان أكثرهم أميين، لم يكن عندهم

كتاب يهتدون به في فتوحهم وحكمهم إلا هذا القرآن وحده. وما كانوا يعتمدون في

فهمه إلا على مَلكَة لغته وما بيَّنه لهم النبي صلى الله عليه وسلم من هداية

القول والفعل، وهو سنته وهديه؛ تلاهم التابعون الذين حفظوا عنهم القرآن

والسنن والآثار؛ فكانوا في الدرجة الثانية لدرجتهم إيمانًا وعلمًا بالإسلام، وعملاً

وتخلقًا به، وجهادًا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وفتحًا للأمصار، وحكمًا بين

الناس بالحق والعدل؛ وقلَّ فيهم الأميون، وكثر المتعلمون، ولكن لم يكن في أيديهم

كتاب غير القرآن، يهتدون به في تزكية أنفسهم وإصلاحها، ويهدون به غيرهم من

الشعوب التي كانت تدخل في دين الله أفواجًا. ويجدون الإسلام خيرًا مما كانوا عليه

هدى وصلاحًا، وعلمًا وعدلاً، وأدبًا وفضلاً.

عصر التابعين في هديهم وحكمهم وفتحهم:

وبدأ التابعون بكتابة السنن والآثار حفظًا لها من الضياع، بيد أنهم لم يتخذوا

منها كتابًا مدونًا مع القرآن يدينون الله بالعمل به في عبادتهم الشخصية وفي قضاء

حكومتهم وسياستها، بل ظلوا يهتدون بالقرآن وبما كان عليه الصحابة من سنن

النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وبسيرة خلفائه الراشدين في الفتح والسياسة

والقضاء، ومن ذلك الاجتهاد فيما ليس فيه نص قطعي من القرآن أو سُنَّة عملية لا

تختلف فيها الأفهام والآراء: اجتهاد الأفراد لأنفسهم في الأحكام الشخصية الخاصة،

واجتهاد أولي الأمر من الأئمة والقضاة وقواد الجيوش في الأحكام العامة، مع

مراعاة الشورى فيها؛ فكانوا على منهاج الصحابة في ذلك كله، وناهيك بكتب عمر

وعلي إلى عمالهما: ككتاب عمر إلى شريح في القضاء، وكتاب عليّ إلى الأشتر

النخعي في السياسة العامة.

عصر العلم وما يجب من النظام الواقي من الشقاق فيه:

ثم جاء عصر التدوين والتصنيف للحديث والسير الآثار والفقه، تلا ذلك

تدوين اللغة وفنونها ووقائع التاريخ، وترجمة علوم الأوائل بأنواعها: كالرياضيات

والتاريخ الطبيعي، والطب، والفلك، والفلسفة بأقسامها، والتصوف بنوعيه الخلقي

والفلسفي، ودرسوا هذه العلوم واجتهدوا فيها، ونقدوا ونقحوا، وأتموا ما كان

ناقصًا، وزادوا على من كان قبلهم؛ عملاً بإرشاد القرآن إلى النظر في آيات

السموات والأرض وما بينهما وما خلق الله من شيء وسنن الله في الأمم.

كان من سنة العمران وطبيعة الاجتماع في ذلك أن تصير علوم الدين والدنيا

كلها فنونًا صناعية، وأن يختص بكل جنس منها طوائف من الناس للتوسع والنبوغ

فيها، وأن يكون لكل منها تأثير في أنفس النابغين فيه، قد يعارض غيرهم باختلاف

الفهم والقصد من العلم وموضوعه وفائدته.

وكان يجب في هذه الحال أن يكون للتعليم نظام جامع يوجه كل علم إلى الغاية

منه؛ دينيه كانت، أو عقلية، أو علمية، كما أرشد إليه القرآن الحكيم، وأن يظل

القرآن والأسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه وتربية الأمة، كما

كان في عهده وعهد خلفائه الأربعة هديًا إلهيًّا علميًّا لا نزاع فيه وينزه عن أن يكون

صناعة بشرية، وفنًّا جدليًّا يضرب بعضه ببعض لتأبيد المذاهب والشيع الدينية

والسياسية، وأن تكون حرية الدين على أكملها فيما هو من كسب البشر ونتائج

أفكارهم وأفهامهم؛ فالإسلام أباح لأهله الحرية في هذا دون ما هو فوقه وفوق كل

شيء بشري، وهو كلام الله اليقيني القطعي الرواية أو الدلالة من الدين الذي شرعه

الله لهم، وأما ما كان ظنيَّ الرواية أو الدلالة منه فقد أباح لهم الاجتهاد فيه بشرط ألا

يكون اختلاف الفهم والرأي سببًا لتفرق الأمة والشقاق بين أهلها، ولو فعلوا ذلك

لاتقوا الشقاق والتفرق بما حدث من البدع في الدين، ولكنهم لم يفعلوا فَضَلُّوا

وابتدعوا، فتفرقوا واختلفوا، وفسقوا وضعفوا.

كان هذا التأليف بين العلوم والفنون والدين أول واجب على الإمام الأعظم

خليفة المسلمين، ولكن خلفاء العباسيين أطلقوا العنان أولاً فلم يقوموا بالواجب، ثم

نصروا بعض المتفرقين في الدين على بعض بما أضعف سلطان الدين في الهداية،

وفوائد العلوم والفنون في الحضارة، وأنَّى للمعتصم العامي، وكذا المأمون العالم

المتفنن أن يفهم حكمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في عقاب صبيغ المجادل

المشكك في القرآن، ونفيه من المدينة إلى البصرة، وأمر الناس بهجره حتى تاب،

تلك جناية فوضى العلم في العرب، وجنايتها على هداية القرآن بالابتداع والتفرق

والاختلاف.

حضارة العرب وتأثير الإسلام فيها:

وقد كانت للمسلمين من جملة ذلك كله حضارة عربية زاهية زاهرة، جمعوا

فيها بين زينة الدنيا ونعمتها والاستعداد لسعادة الآخرة، ألطف مثل لها ما حُكِي عن

امرأة كانت ترفل في حليها وحللها، مخضبة الكفين، مطرفة البنان، وهى تسبح

الله تعالى وتذكره، فرآها رجل ناسك فقال لها: ما هذا مع هذا؟ ! فقالت:

ولله مني جانب لا أضيعه

وللهو مني والخلاعة جانب

وكانت قيانهم ووصائفهم تحفظ القرآن، وتروي الحديث بالأسانيد، وتنظم

الشعر وتلحنه، وما كان من إسراف بعضهم وفسوقهم تجد تجاهه غلو آخرين في

دينهم، وانقطاعهم إلى العبادة وجهاد النفس بحرمانها من الطيبات المباحة.

كان أهل بغداد في عهد حضارة العباسيين يتنزهون في زوارق دجلة أصيل

كل يوم، كما يتنزهون في هذه الأيام، فاتفق أن اقترب قاربان منها في أحدهما مغنٍّ

يعزف على عوده، وفي الآخر قارئ يرتل سورة التكوير، فأنصت المغني واستمع

للقرآن يتدبره، حتى إذا بلغ القارئ قوله تعالى:{وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} (التكوير: 10) ضرب بعوده جانب الزورق فكسره ورماه في دجلة خاشعًا

متصدعًا من خشية الله، فكان ترتيل القرآن أفعل في نفسه من توقيع الألحان،

ومثل هذا لا يقع الآن، والقوم هم القوم، ولكنهم ضعفوا في لغتهم، فلم يبقَ للقرآن

سلطان على قلوبهم، وغلوا في الدين والحضارة معًا؛ فحرَّم السماعَ بعضُهم،

واتخذه آخرون عبادة.

لو جرى المسلمون في حضارتهم وعلومها وفنونها على صراط القرآن بكفالة

الخلافة لاستفادوا من فلسفة اليونان وتصوف الهند وفنون الروم والفرس وصناعاتهم

وتنظيم حكومتهم ما يزيدهم إيمانًا بالله وبصيرة في دينه وقوة في دولتهم، واعتدالاً

في نعمة حضارتهم، ولما وجدت بدع النظريات الفلسفية والصوفية وفتن السياسة

الشعوبية سبيلاً إلى التفريق بينهم في دينهم وحكمهم، ولكنهم نكبوا عنه فانقلبوا بعد

ألفتهم وتوادهم أعداء يتنازعون في متشابه القرآن الذي ألَّف بين قلوب سلفهم بعد

تعاديهم وتقاتلهم، فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا، وهم يقرءون قوله عز وجل:

{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} (آل عمران: 7) الآية، وقوله: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ

فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً

بَيْنَهُم ْ} (البقرة: 213) الآية، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ

وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء:

59) .

سنن الاجتماع في قلب الإسلام لنظم الأمم السريع:

كل ما جرى للأمة الإسلامية كان مقتضى سنن الاجتماع في دين قلَب نظم

الأمم والملل كلها في أديانها ودنياها في جيل واحد، ودخل فيه أفواج لا تحصى من

كل جنس وكل ملة وكل حضارة وكل بداوة، قضى شرعه أن يكونوا إخوانًا

متساوين في جميع الحقوق، لا يتفاضلون إلا باستعدادهم الشخصي؛ فمنهم من فهمه

بلغته وثقافة من جاء به، وهم العرب؛ لأنه لم يكن عندهم ما يزاحمه من التقاليد

الدينية والعادات المدنية، بل كانوا كما قيل:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا

ومنهم مَنْ لم يفهم منه إلا بعض تقاليده الظاهرة، ولم يره إلا في مرآة ما كان

عليه قومه من دين وحضارة، ومنهم من كان مخلصًا فيه، ومن كان يكيد له

عصبية لقومه وملته ودولته التي قضى عليها، ومن كان يبتغي به الحياة الدنيا

وسلطانها وزينتها، ومن كان يريد به وجه الله والدار الآخرة.

حكمة الله في ترتيب الخلفاء الأربعة:

وكان من حكمة الله ورحمته أن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه

خير أصحابه علمًا وحكمة وإخلاصًا؛ ليكونوا قدوة لمن بعدهم وحجة لله عليهم،

وألهم أهل الحل والعقد أن يقدموا أقصرهم فأقصرهم عمرًا من حيث لا يدرون؛

لتستفيد الأمة من كل واحد، وهذه حكمة ألهمني الله تعالى إياها منذ عشرات السنين

لم أروها ولم أسمعها من أحد، وهاك وجه كل واحد منهم، رضي الله عنهم أجمعين.

قدموا أبا بكر أولاً؛ فكان في عهده تمحيص الأمة العربية، وتصفيتها من

النفاق والضعف، وكان هو أولى الناس بتنفيذ هذه التصفية في حروب الردة

ودعوى المتنبئين النبوة وبقايا العصبية الجاهلية، وهو مشهود له بأنه كان أعلم

الناس بأنساب العرب وأخلاقهم وأحوالهم، فتم ذلك بسياسته على أكمل وجه.

وخلفه عمر فكان في عهده فتح الأمصار والقضاء على ملك كسرى برمته،

وملك قيصر الروم في الشرق كله، والاستيلاء على الأمم والملل الكثيرة

وخضوعها للإسلام في دينه وحكمه، أو في حكمه فقط، وقد ظهر لجميع الأمم في

عهده ومن بعده أنه خير من قام بهذا الفتح ونظمه علمًا وعقلاً وعدلاً وقوة وإخلاصًا.

فبحكمة أبي بكر صارت الأمة العربية أمة واحدة موحدة مثقفة، وبحكمة عمر

صارت أمة فاتحة حاكمة عادلة مصلحة للبشر؛ ولما كان من سنن الاجتماع أن

يظهر في هذه الدولة العربية ما هو كامن في بعض أهلها من الاستعداد للفتن

والمطامع، وما ينفخ في ضرمه خصومها الذين قضت على ملكهم، ومن المصلحة

أن يظهر حكم الإسلام في إخماده بالحق والعدل - ألهم الله أهل الشورى أن يقدموا

عثمان على عليّ، وجل عصبة الأول من بني أمية الطامعين في الملك، وجل

عصبة الثاني من بني هاشم الذين يغلب على أكثرهم الزهد في الدنيا، وقد كان

بينهما في الجاهلية ما كان من (التنازع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم)

الذي ألَّف المقريزي فيه مصنفًا خاصًّا بهذا الاسم.

كان عثمان على عدله وفضله شديد الحياء، لين العريكة؛ فغلبه قومه على

وصية عمر السياسي الحكيم له بأن لا يحمل أبناء أبي معيط على رقاب الناس،

فركبوا الرقاب من غير أن يحملهم هو عليها، فنجمت رءوس الفتنة في عهده،

وكان كارهًا لها، إلا أنه لم يستطع كبح جماحها، فكان شهيد أول ثورة على ولي

الأمر في الدولة العربية، وكان هذا أشأم سنة في الحكم الإسلامي.

ثم جاء عليٌّ ونار الفتنة مشتعلة، وكان أولى إمام في الأمة أن يقاومها علمًا

وعدلاً، وإيثارًا للحق على الخلق، وللهدى على الهوى؛ ولو لم يكن لها في تأخر

زمنه - وقد أطال الله عمره - إلا هذه الحكمة والرحمة لكفى؛ فهو قد سنَّ من سنن

الحق والعدل في قتال البغاة والخارجين على حكم الإسلام ما لم يكن يرجى من غيره

مثله، وخيرها اتقاء تكفير أهل القبلة بخطأ الاجتهاد، كما كان هذا التكفير شر ما

فعلوه، فالإيمان والكفر إنما يكونان بالقطع لا بالاجتهاد.

وقد بينَّا من قبل أن التنازع في الإمامة بين شيعة علي وجمهور الأمة قد كان

تنازعًا بين ما يسمى في هذا العصر السلطة الأرستقراطية، أي: حكم الأشراف،

والسلطة الديمقراطية، أي: حكم الأمة الشوري الانتخابي؛ ولذلك كان أشد أنصار

الشيعة من بعده الأعاجم الوارثين للعبودية للملوك، وأن عليًّا لو ولي الأمر من أول

الأمر بسبب قربه من النبي صلى الله عليه وسلم أو بحجة وصيته له ولذريته

من فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم لكانت فتنة عبادته وعبادة آله

ودعوى عصمتهم قضت على توحيد الإسلام من أول وهلة إن ثبتت.

استحالت خلافة النبوة بعد عليّ والحسن عليهما السلام ملكًا عضوضًا، كما ورد

وهو من سنن الاجتماع، وكان بنو أمية وقد صفا لهم الملك من أقدر قريش على

استمرار الفتح وتوسيع دائرة الدولة وعظمتها؛ ولكن تحويل زعيمهم الأول

(معاوية) لحكم الإسلام الشوري (الديمقراطي) إلى عصبية النسب (الأرستقراطية)

كان سُنَّة سيئة دائمة قضت على دولتهم قبل أن يتم لها قرن كامل، وهم الذين

أحدثوا بسياستهم الجنسية فتنة الشعوبية فكانت عاقبة هذه العصبية أنْ آل الحكم إلى

الأعاجم، وصار قائمًا على قوة العصبية دون أصل الشرع، وزال سلطان الإمامة

الديني الذي تخضع الأمة له بوازع العقيدة، فصار الحكم الإسلامي عسكريًّا مذبذبًا،

لا أرستقراطيًّا ولا ديمقراطيًّا.

هذه جملة أسباب ترك الدول الإسلامية لهداية القرآن وهداية السُّنة وجماعة

الأمة، ولو ظلت الأمة متبعة لهما لأكرهت الدولة على هذا الاتباع في أي وقت

تجتمع به كلمتها؛ ولكن جمهور الأمة تحولوا عن هذا الاتباع بفساد التعليم،

وتقصير العلماء في بيانه، والدعوة إليه والعمل به، ومطالبة الحكومات بالتزام

هدايته، بل إلزامهم إياها بنظام تكفله الأمة، وتيسير السبيل لذلك بجعل لغته مَلَكة

راسخة في الأمة بتعلمها بالعمل، كما كان عليه أهل العصر الأول، ولم يفعلوا شيئًا

من هذا، وهو الذي أضاع حكم القرآن من ناحية السلطان.

وهو ما نوهنا به في تصدير الطبعة الثالثة التي نشرناها في هذا الشهر،

وصرحنا فيه بأنه حدث لنا به أمل جديد في حياة المسلمين الملية، لا تعرف حقيقتها

إلا بتجربة عملية جديدة، وهو ما عزمنا عليه في هذه السنة.

الدعوة الجديدة هي أساس الإصلاح كله:

سيكون المنار منذ هذا العام لسان جماعة للدعوة إلى الإسلام وجمع كلمة

المسلمين، أنشئت لتخلف جماعة الدعوة والإرشاد في أعلى مقصديها، أو فيما عدا

التعليم الإسلامي المدرسي منه، الذي ضاق زمان هذا العاجز عن السعي له،

وتولي النهوض به، فتركه لمن يعده التوفيق الإلهي له من الذين يفقهون دعوة

القرآن وتوحيده ووحدة أهله وجماعته، ولا يصلح له غيرهم.

لما ألَّفنا جماعة الدعوة والإرشاد، وأنشأنا مدرستها وجدنا عقلاء المسلمين

وأذكياءهم في مصر، وإستانبول، وأمصار الهند الإسلامية الكبرى، وبغداد،

وسوريةَ متفقين على أنها أعظم عمل إسلامي لا يُرجى الإصلاح المنشود بدونه؛

حتى إن كبار رجال الترك أكبروه، وعلموا أنه يحيي الدولة العثمانية حياة جديدة إذا

هي كفلته ونفذته على الوجه الذي اقترحته عليها وقررته الجمعية التي أسست له من

أذكى رجال الدولة، ولكن زعماء جمعية الاتحاد والترقي - الملاحدة منهم - كانوا

قد أجمعوا أمرهم على إسقاط دولة آل عثمان وخلافتهم، وإقامة دولة تركية لا دينية

على أنقاضها، ولولا ذلك لما منعوا الحكومة من تنفيذه بعد أن صدر به أمر مجلس

الوزراء، وقرر أن تكون نفقات المدرسة السنوية في ميزانية وزارة الأوقاف.

وكان الأمير عباس حلمي باشا خديو مصر علم بالأمر وأكبره، فلما عدت من

إستانبول والأمر مقرر رسميًّا، أقنعني بأنه هو يكفل مساعدتي على تنفيذه في

مصر، وبأن الدولة العثمانية إن أرادت تنفيذه في إستنابول فإن من السهل أن يكون

في كل من العاصمتين مدرسة تابعة لمقاصد الجمعية ومنهاجها، ففعلت وصدق هو

وعده، وفتحت المدرسة أبوابها لجميع الشعوب الإسلامية، وتعاون على نفقتها

ديوان الأوقاف الخيرية العامة ومصلحة الأوقاف (الملكية) الخاصة، حتى إذا ما

اشتدت سيطرة الإنكليز على مصر في عهد الحرب الكبرى، كادوا للمدرسة كيدهم،

وأوعز عميدهم إلى وزير الأوقاف (إبراهيم فتحي باشا) وكان من صنائعه؛

فقطع الإعانة التي كانت قررت لمدرسة الدعوة والإرشاد، وتعذر عودة الخديو إلى

مصر، فاضطررت بعد صبر جميل إلى تعطيلها.

وجملة القول أنني على هذه التجارب وما هو أوجع منها وألذع من أمر

مشتركي المنار، وعلى ما أقر به من عجزي عن النهوض بالأعمال المالية الخاصة

والعامة بالأولى، وعلى دخولي في سن الشيخوخة وضعفها، لم أرد إلا ثقة ورجاء

بنجاح السعي لأهم أصول الإصلاح الإسلامي وجديد أمر الدين بما يظهره الله به

على الدين كله، حتى تعم هدايته وحضارته جميع الأمم، ولم أيأس من قيام طائفة

من المسلمين بذلك؛ تصديقًا لبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بأنه لا يزال في أهله طائفة ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، حتى تقوم

الساعة (رواه الشيخان في الصحيحين وغيرهما بألفاظ من عدة طرق) . وهذه

الطائفة كانت في القرون الأخيرة قليلة متفرقة، وإنني منذ سنتين أكتب عناوين

خيار الرجال المتفرقين في الأقطار، الذين أرجو أن يكونوا من أفرادها على

اختلاف ألقابهم وصفاتهم وأعمالهم لمخاطبتهم في الدعوة إلى العلم، وأرجو من كل

من يرى من نفسه ارتياحًا إلى التعاون معهم على هذا التجديد والجهاد أن يكتب إلينا

عنوانه، وما هو مستعد له من العمل معهم، إلى أن تنشر دعوتهم الرسمية.

وأهم ما يرجى من الخير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذا العصر

الذي تقارب فيه البشر بعضهم من بعض، فهو في تعارف هذه الطائفة القوامة على

أمر الله، وتعاونها على نشر الدعوة، وجمع كلمة الأمة، بعد وضع النظام لمركز

الوحدة الذي يرجى أن نثق به؛ فهي لا ينقصها إلا هذا، وقد طال تفكيري فيه،

وعسى أن أبشرها قريبًا بما يسرها منه.

وأعجل بحمد الله تعالى أن تجدد لي على رأس هذه السنة ما كان لي ولشيخنا

الأستاذ الإمام (قدس الله روحه) من الرجاء في مركز الأزهر - وهو ما يعبر عنه

في عرف عصرنا بشخصيته المعنوية - وقد قضى هو يائسًا مما كان يحاول فيه،

وظللت أجاهد في سبيل إصلاحه على ما عرض من أسباب اليأس منه، التي تفاقم

أمرها أخيرًا، وكتبت فيها بضع مقالات في المقطم، ثم (كتاب المنار والأزهر)

وما هذا إلا لأنني لم أيأس، وهذا الرجاء الذي تجدد بتوسيد أمره إلى الشيخ محمد

مصطفى المراغي عظيم، أشرت إليه في تصدير الطبعة الثالثة من كتاب الوحي

المحمدي، بعد أن كتبت عنه في الجزء الماضي من المنار ما كتبت.

كان الأزهر كَنْزًا خفيًّا، أو جوهرًا مجهولاً عن أهله وحكومته، وعقلاء بلده

لم يفطن أحد قبل الأستاذ الإمام لإمكان إصلاح العالم الإسلامي كله به، والاستيلاء

على زعامة جميع الشعوب الإسلامية في الدين والأدب واللغة بإصلاح التعليم العام

فيه، ولكن تعليم الإمام رحمه الله وأفكاره هما اللذان أحدثا هذا الرجاء في

طائفة من شيوخه، والاستعداد في جمهور طلابه، ولم يبق إلا العمل الجادّ، ولله

الحمد.

_________

ص: 1

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌حرمان البنات من الإرث

وتعارض القرآن والإجماع

(س1) لصاحب الإمضاء في مصر القاهرة:

حضرة صاحب السيادة: مولانا الأستاذ الأكبر السيد محمد رشيد رضا،

صاحب المنار الأغر - نفعنا الله بعلمه وفضله.

عرض بعض فقهاء المسلمين في مصر إلى مسألتين: الأولى احتيال الآباء

على حرمان بناتهم من أموالهم بطريق النزول عنها إلى أولادهم الذكور ببيع ما

يملكونه لهم، حتى إذا ماتوا لا تجد البنات ما ترثه من أموال آبائهن.

فقال بعض الفقهاء بجواز هذا، ونشرت قوله كذلك في " الوطنية "، وقال آخر

بالتحريم، ونشرت قوله كذلك في الوطنية؛ فأصبح المسلمون في حيرة من أمرهم

بين هذين القولين المتناقضين، وقد لجأت إلى فضيلة مفتى الديار المصرية ليكون

حَكَمًا بينهما، فأحالني على سيادتكم، وأجَّل فتواه إلى ما بعد اطلاعه على فتواكم.

تعارض القرآن والإجماع

المسألة الثانية: إذا تعارض القرآن والإجماع في أمر؛ فبأيهما نأخذ؟ قال

بعض العلماء: نأخذ بالقرآن، وقال أحد كبار الفقهاء: نأخذ بالإجماع. واستشهد

الفقيه المشار إليه على صحة رأيه بقوله: إن القرآن فرض نصيبًا من الصدقة

للمؤلفة قلوبهم، وجاء الإجماع فقرر إلغاء هذا النصيب؛ لأن الإسلام أصبح قويًّا

ومنتشرًا، وليس بحاجة إلى تأليف القلوب؛ فماذا ترون سيادتكم في هاتين

المسألتين، فإن العالم الإسلامي ومفتي الديار في انتظار فتوى سيادتكم في كلتيهما؟

...

...

...

...

أيوب صبري

...

...

...

... صاحب جريدة الوطنية

(1)

الاحتيال لحرمان البنات من الميراث:

الاحتيال لحرمان البنات من الميراث ببيع المورث بعض عقاره أو كله للذكور

من الوارثين بيعًا صحيحًا في الظاهر، أو هبته لهم في غير مرض الموت أو بغير

ذلك من الوسائل - هو كالاحتيال لمنع الزكاة أو أكل الربا المحرم قطعًا - حرام لا

شك فيه، وقد حررنا هذه المسألة في الكلام على الحيلة لأكل الربا، وأشد الفقهاء

جمودًا على ظواهر الأحكام يصرحون بحرمة هذا إذا قصد به تعطيل حكمة الشارع؛

وإنما يكابر من يكابر في حكم ظاهر العمل بصرف النظر عن النية فيه. وقد أمر

النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل والمساواة بين الأولاد في عطايا الدنيا،

فضلاً عن الميراث المقرر في كتاب الله تعالى، ففي حديث الصحيحين وغيرهما أن

النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قال عَلَى الْمِنْبَرِ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً،

فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ (يعني أمه) : لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى

اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ

ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَعْطَيْتَ

سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ لا، قَالَ:(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ)، قَالَ:

فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. وفي رواية لمسلم زيادة: (لا تشهدني على جَوْر) وفي

أخرى: (فلا تشهدني فإني لا أشهد على جور) وفي أخرى (اعدلوا بين أولادكم

في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر) والنِّحَل: جمع نِحْلة بالكسر،

وهي العطية التي لا مقابل لها.

والظاهر أن هذه التسوية واجبة، وإن قال بعض الفقهاء إنها مندوبة،

واختلف في صفتها فقيل: لا فرق فيها بين الذكر والأنثى، وقيل هي كالميراث،

ويتجه التفصيل فيما كان من طعام أو زينة، وما يعطى من الدراهم في الأعياد

فالظاهر فيه المساواة لاستواء الحاجة؛ ولأن التفضيل يسوء البنات، وما يُقتنى

ويدخر أو يستغل لكثرته فالظاهر فيه أنه يراعَى فيه نصيب كلٍّ في الميراث؛ لأنه

أقرب إليه، وعلى الأول يحمل حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعًا:

(سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحدًا لفضلت النساء) رواه سعيد بن

منصور، والبيهقي من طريقه وإسناده حسن، كما قال الحافظ ابن حجر.

* * *

(2)

التعارض بين القرآن والإجماع:

إني لأستنكر هذا التعبير، وأقول: إن القرآن أعظم وأجل من أن يعارضه

دليل، وكل ما خالفه فهو خطأ مردود، ومن سوء الأدب أن يقال إنه معارِض له،

وأسوأ من ذلك أن يقال إنه يرجح عليه.

وما ذكر في السؤال من سقوط سهم المؤلفة قلوبهم من مستحقي الزكاة لا يصح

بل هو باقٍ، ولو صح لما كان حكمه معارضًا للقرآن وراجحًا عليه، بل يقال فيه

إن حكمه قد تعذر تنفيذه بفقد المستحق له، كما يقال في غيره من غير حاجة إلى

ادعاء الإجماع: كالغارمين وابن السبيل، إذا فقدوا من بعض البلاد، ومثل ذلك

كفارة العتق في البلاد التي فقد منها الرقيق.

قد بينت في تفسير آية الصدقات أن المؤلفة قلوبهم عند الفقهاء قسمان:

(1)

كفار، وهم ضربان. (2) مسلمون، وهم أربعة: وأنه حدث في

عصرنا أقسام أخرى أولى بالتأليف (فإننا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد

جمع المسلمين، وفي ردهم عن دينهم، يخصصون من أموال دولهم سهمًا للمؤلفة

قلوبهم من المسلمين؛ فمنهم من يؤلفونه لأجل تكفيره وإخراجه من حظيرة الإسلام،

ومنهم من يؤلفونه لأجل الدخول في حمايتهم ومشاقة الدول الإسلامية أو الوحدة

الإسلامية، ككثير من أمراء جزيرة العرب وسلاطينها! ! أفليس المسلمون أولى

منهم بهذا؟ !) (ص495، ج10 تفسير المنار) .

وقلت: إنه روي عن أبي حنيفة أنه قد انقطع سهم قسم من الكفار بإعزاز الله

للإسلام، كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم هوازن، ثم

منعهم عمر، وقلت: إن هذا اجتهاد من عمر رضي الله عنه أي: فهو يختلف

باختلاف الزمن، وقد استمر في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما.

(وأما من ادعى أنه منسوخ بالإجماع لما تقدم من عمل الخلفاء والسكوت

عليه من سائر الصحابة فدعواه ممنوعة: لا الإجماع ثابت بما ذكر، ولا كونه حجة

على نسخ الكتاب والسنة صحيحًا، وإن اختلف فيه الأصوليون بما لا محل لذكره

هنا) .

وجملة القول: إن سهم المؤلفة قلوبهم ضروري في هذا الزمان بأشد مما كان

في أو ل الإسلام؛ لضعف المسلمين ودولهم، وضراوة الأجانب بهدم دينهم وملكهم،

وأنه لا إجماع على ما ذكر في السؤال، وأن الإجماع الأصولي يختلف في إمكانه

وفي وقوعه وفي العلم بوقوعه إن وقع، وفي كونه حجة.

_________

ص: 30

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌كتاب الوحي المحمدي

(تصدير الطبعة الثالثة)

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد والشكر، إياه نعبد وإياه نستعين

أما بعد: فقد أصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في موعد ذكرى مولد

النبي صلى الله عليه وسلم من ربيع الأول سنة 1352؛ تيمنًا بظهور نوره

المُشرق، الذي أضاء الكون كله، وإنما أضاءه بزوغ شمس هذا الوحي الإلهي،

ونزوله عليه؛ فما أتى على صدوره بضعة أشهر إلا وكانت نسخه قد نفدت،

فأعدت طبعه في تلك السنة منقحًا مزيدًا فيه قدر الثلث ونيفًا، ولولا خوف الملل

على القارئين لزدته ضعفًا أو أضعافًا؛ ولذلك وعدت بأن أجعل له ثانيًا، وأصدرت

الطبعة الثانية في يوم عرفة الذي أنزل الله عليه في حجة الوداع: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ

لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينا} (المائدة: 3) تفاؤلاً

بتجديد هذا الكتاب لدعوته صلى الله عليه وسلم. فما جاء يوم عرفة الثاني

(سنة 1353) إلا وكانت نسخ الطبعة الثانية قد نفدت. وشرعت في الطبعة الثالثة،

وتعمدت تأخير إتمامها كالتي قبلها؛ لنشرها في موعد الأولى من هذه السنة

(1354)

.

وفي غضون السنة الماضية تمت ترجمة الكتاب باللغة الأوردية، ونشرت في

الهند، وهي مترجمة من الطبعة العربية الأولى. وتمت ترجمته باللغة الصينية فيها

أيضًا مرتين، ويتولى طبع الأولى في قبودان مترجمها الأستاذ صاحب مجلة ضياء

الهلال، وحمل الثانية مترجَمَةً الأستاذ بدر الدين الصيني من الهند إلى مصر،

وعرضها عليَّ. وكان يريد إرسالها إلى بلد آخر في الصين لطبعها فأشرت عليه

بأن يزيد فيها كل ما زدته في الطبعة الثانية؛ لأنها أجمع وأنفع، ولعلها لا تطبع إلا

وقد نفدت نسخ الترجمة الأولى، ولعله يعيد تنقيحها بمعارضتها على هذه الطبعة

الثالثة فإنها أصح وأكمل. ولم يبلغني أن أحدًا غير هؤلاء قد أتم ترجمته بلغة أخرى.

وزدت في هذه الطبعة قليلاً من الفوائد، وإيضاحًا لبعض المسائل، وجعلت

أكثرها في الحواشي، كما ترى في الحاشية الثانية من ص157، والأولى من ص

158، والحاشية (2) من ص 181، وما جعلته في الصلب أشرت إليه غالبًا

كشرعية عتق الرقيق من غير المؤمنين، وليس فيها شيء من المقاصد الأصلية

المقصودة بذاتها.

علمنا إذن أنه أتى على ظهور الكتاب سنتان كاملتان، فأما انتشاره بالعربية

فهو فوق المعتاد في الكتب الدينية، وقد قررت وزارة المعارف العمومية في هذه

السنة صرفه لطلبة دار العلوم العليا، وهو يدرس في بعض المدارس الإسلامية في

دمشق وبيروت.

ويرجى نشره في السنة المدرسية الجديدة أيضًا بين طلاب الأزهر والمعاهد

الدينية بمصر، وقد تولى رياستها شيخ الإسلام وخليفة الأستاذ الإمام (الشيخ محمد

مصطفى المراغي) الذي كان أول من قدر الكتاب قدره، وقرأ نصفه في جلسة

واحدة، وأتمه في جلسة أخرى، ثم كتب في وصفه تلك الكلمة البليغة التي يراها

قراؤه في صدر التقاريظ، وقد تنبأ أو بشَّر بأنه سيطبع في كل عام.

ترجمة الكتاب باللغات الإفرنجية:

ولكن قَصَّر المسلمون فيما يجب عليهم من ترجمته بسائر لغاتهم وبلغات

شعوب الحضارة التي دعوناها به إلى الإسلام، وهي الإنكليزية والفرنسية والألمانية

وهو واجب كفائي صرح بتمنيه كثير من أهل العلم والغيرة، وصرح بوجوبه

بعض مقرظي الكتاب؛ فمنهم من تعسف وطالبني بهذه الترجمة أو بالسعي لها،

ومنهم من أنصف وطالب به الأمة الإسلامية أو جمعياتها.

أما الأمة فلا تنهض بالأعمال العامة إلا بزعمائها أو جمعياتها، وأما هذه

الجمعيات عندنا فلا تزال في سن الطفولة، ولا يرجى من أمثالها عمل عظيم كهذا،

فهي أفقر وأضعف همة من جمعيات المرتدين عن الإسلام جملته وتفصيله

كالبهائية، والملاحدة المدعين للنبوة والمسيحية فيه، كالقاديانية، دع جمعيات

النصارى التعليمية والتنصيرية التي تملك مئات الملايين من الجنيهات، وقد بثوا

تعاليمهم في جميع أقطار الأرض، وهم يطمعون في تنصير المسلمين، على حين

تتسلل شعوبهم من النصرانية سراعًا بسلطان ونظام كالشعب الجرماني، أو لواذًا

بدون سلطان دولي ولا نظام كسائر الشعوب، وهي تمهد السبيل لنسخ الإسلام لها،

وحلوله محلها.

ولقد كان أرجى الجمعيات الإسلامية لهذا العمل في مصر، جمعية الدفاع عن

الإسلام، التي هدمت باسم أقوى معول من معاول الإسلام قبل أن يتم بناؤها؛ وإنما

كان هذا الرجاء فيها منوطًا برئيسها الشيخ محمد مصطفى المراغي، وما كان

السعي لهدمها إلا سعيًا لهدم اسمه، وحرمان المسلمين من استعداده، ولكن الله

نصره، وخذل من ناهضه، وجعل معول الهدم الذي كان بأيديهم سيفًا لنصر

الإسلام بيده، فإذا بعصا موسى تلقف ما يأفك سحرة فرعون {فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ

مَا كَانُوا يَعْمَلُون} (الأعراف: 118) ، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ

لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40) .

فإن كان أهلاً للرجاء بأن يسعى لترجمة كتاب الوحي المحمدي ببعض لغات

العلم الغريبة تمهيدًا لتبليغ الدعوة الإسلامية للناطقين بها - وتلك القوة الرسمية تكيد

له - فأجدر به أن يكون أقدر على تحقيق ذلك بالفعل، وتلك القوة الرسمية وما

وراءها من القوة الحقيقية طوع يده، ولن تكون ترجمة هذا الكتاب في موضع الثقة

بها عند جميع الشعوب كما إذا كانت من قِبَل شيخ الإسلام وتحت إشرافه، وكان

نشره وبث الدعوة به بإرشاده أو إجازته، مع العلم بأن مؤلفه قلم من أقلامه، وعلم

من أعلامه، وأحمد الله عز وجل أن جدد لي وللأمة بعودته إلى مشيخة

الأزهر ذلك الأمل بالزعامة الإسلامية العاملة التي فقدناها بوفاة الأستاذ الإمام منذ

ثلاثين سنة.

إن الأمة لم تفقد بوفاة ذلك الإمام شيئًا من علم الإسلام، وإنما فقدت زعيم

الإصلاح العارف بحاجة زمانه، الذي نال الزعامة بسمو عقله، واستقلال رأيه

وفهمه، وعلو همته وشجاعته، وإنصافه بإعطاء كل ذي حق حقه من العلم

الصحيح والإخلاص فيه، وما كان يعوزه للنهوض بالإصلاح العام إلا الاستقلال

بالزعامة التي تمكّنه من العمل؛ ولهذا كنا نسعى، ولكل قدر أجل، ولكل أجل

كتاب.

إذن لقد كان من حكمة الله أن (كتاب الوحي المحمدي) لم يترجمه بلغات

الإفرنج مَنْ ليسوا أهلًا لترجمته، حتى لا أضطر إلى تخطئتهم، فيكون ذلك محبطًا

لعملهم، أو مضعفًا للثقة بترجماتهم؛ وادخرها العليم الحكيم لمن هو أحق بها وأهلها.

بلوغ الدعوة لأحرار الإفرنج، والمستشرقون منهم:

لن يكون بلوغ الدعوة صحيحًا مرجوًّا إلا بوصولها إلى الأحرار، مستقلي

الفكر من هذه الشعوب بلغاتهم، وأكثر أفراد المستشرقين الذين تعلموا العربية ليسوا

من هؤلاء الأحرار المستقلين المنصفين؛ فإنهم ما درسوا العربية، ولا مارسوا كتب

الإسلام ليعرفوا حقيقته ويعرفوا غيرهم بها، بل ليبحثوا عن عورات يتلمسونها فيها

لينفروا أقوامهم عنه بتصويرها لهم بالصور المشوهة التي ينكرونها، كما نرى فيما

اطلعنا عليه من كتبهم وفي معجمهم العلمي الذي سموه بدائرة المعارف الإسلامية،

ومن خيبة الآمال بعلمهم ومصنفاتهم أن وجدت كتاب (مفتاح كنوز السُّنة) على

غير ما كنت ظننت، وخلاف ما قلت في التعريف به، فإنني لم أستفد منه أدنى

فائدة.

وأما المستقلون منهم - وهم الأقلون - فقد غلبتهم الأفكار المادية على عقولهم،

فقضاياها عندهم مسلمات كأنها لا مجال للبحث فيها، وقد قربنا مسافة الخلف بيننا

وبينهم بما أقمناه في هذا الكتاب من البينات العلمية القطعية، على أن القرآن لا

يمكن أن يكون من كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا من مدارك عقله الظاهر،

ولا ما يسمونه العقل الباطن؛ فإذا فرضوا أن للإنسان عقلاً باطنًا لا تعرف حقيقته

يدرك به من علم الغيب والشهادة ما هو خفي وخارق للعادة في السنن المعروفة

لكسب العلم من الحواس والفكر، وعللوا به ما يسمونه قراءة الفكرة ومراسلة الأفكار،

وإدراك المنوم بالاستهواء المغناطيسي - وقد بينا لهم أنه لا يكفي لتعليل الوحي

المحمدي - فأي بُعد بين هذا العقل الخفي المفروض في باطن الإنسان وبين وجود

عقل خفي مثله في خارجه (وهو ما نسميه الملك كما نسمي الأول الروح) يكون

الوحي الحقيقي باتصال أحدهما بالآخر كاتصال الكهربائية الإيجابية بالسلبية، وتولد

النور من اتصالهما، فإن ما زعموه من انقداح وحي القرآن من عقل محمد الباطن

وحده محال كما قررنا، وهذا أقرب التعليلين، والفرق بينهما قريب جدًّا؛ فما ثَمَّ إلا

اختلاف الأسماء.

وفوق هذا وذاك قيام البراهين الكثيرة على وجود الله الخالق لكل شيء، الذي

دون الإيمان به لا يمكن القطع بشيء من مسائل الكون وسننه، فإنهم كلما أثبتوا

شيئًا عادوا فنفوه، وكلما أبرموا أمرًا نقضوه.

لقد قرب ظهور الحق لأحرار هذه الشعوب، وسنراهم بعد ترجمة هذا الكتاب

يدخلون - إن شاء الله - في دين الله أفواجًا، وقد بطلت ثقتهم بكل ما عداه من

الأديان.

لعل كتاب الوحي المحمدي قد وصل إلى جميع هؤلاء المستشرقين الذين

يعرفون العربية، فإنني أهديته إلى من عرفت عناوينهم، وأرسله غيري إلى أناس

منهم، ومن عاداتهم أن يبحثوا عن كل كتاب جديد له شأن، وقد شكر لي بعضهم

هذه الهدية بكلمة لم يزد عليها (كصاحب مفتاح كنوز السنة، الدكتور فنسنك)

وانفرد العلامة الدكتور موريتس الألماني منهم بإبداء رأي فيه، فأنشر هنا نص

كتاب الشكر الذي تفضل به، وهو:

برلين 8 سبتمبر سنة 1933

جناب الشيخ العلامة السيد محمد رشيد رضا المحترم.

بعد التحية والاحترام: فتفضلتم بإرسال إليَّ نسخة كتابكم الجديد (الوحي

المحمدي) فالرجاء قبول جزيل الشكر على هذه الهدية النادرة القيمة،

وبالخصوص على ما أظهرتم بها من عدم نسيان شخصي، ولا حاجة للتأكيد لكم

أني اطلعت عليه بغاية الاهتمام، ولا ريب عندي أنه يجد كمثله في عالم العلماء.

وفي أثناء هذا الاطلاع قد عثرت على جملة مسائل ونقط تستحق ملاحظات، لكن

نظرًا لحجم هذا الجواب الذي لا يتسع أن أدخل في جميعها، أقتصر بواحدة منها،

أي في معنى كلمة نبيء الأصلي (ص21) عند العبرانيين القدماء، فكان (نبيأ)

في أوائل عصرهم المتكلم بصوت عالٍ، ثم الناطق في أمور أمته القضائية

والسياسية، أي مثل ناصح ومستشار لإرشادها، لكن شيئًا فشيئًا تتبعًا لتقدم الدين

الإسرائيلي تغير موقعه وصفته فصار واعظًا وناصحًا في الأمور الدينية؛ لأنه كان

معتقدًا أن هذه الوظيفة صارت له، بناء على أمر من الله بذلك، وأنه المتكلم باسم

الله، والدليل على ذلك أنه يستعمل في أول كلامه - أي نبوته - هذه الكلمات:

هكذا قال ياهُو (وهو اسم إله بني إسرائيل وغيرهم من الأمم الشرقية المنتشرة

بين الحجاز وبين سوريا الشمالية)

إلخ.

وفي الختام أكرر لكم الشكر الواجب مع تمنياتي الصميمة.

...

...

...

...

... المخلص

...

...

...

...

دكتور موريتس

يقول هنا العلامة الكبير: إن هذه الهدية نادرة القيمة، وأنه اطلع على الكتاب

بغاية الاهتمام، وأنه لا يرتاب في أنه يجد في عالم العلماء ما ينبغي لكتاب مثله،

فهؤلاء العلماء قد بلغتهم دعوته، وفهموا ما تحديتهم به من الآية الكبرى على نبوة

محمد صلى الله عليه وسلم وما نزل عليه من وحي القرآن، ولم يقدر أحد منهم

أن ينقضها، أو يأتي بتعليل لهذه المعجزة الدالة على إتيان محمد - صلى الله عليه

وسلم - بهذا القرآن في أسلوبه ومعانيه، وما فيها من العلوم العالية التي لخصتها

في المقاصد العشرة ولتأسيس أقوم دين وأقوى دولة وأمة في عشر سنين قَلَبا أعظم

دول الأرض وأديانه في ثلث قرن.

وما ذكره الدكتور من الملاحظة على بعض مدلول لفظ (النبي) عند اليهود

فهو منقول من قاموس الكتاب المقدس للدكتور بوسط، وقد ذكرت المعنى الذي أشار

إليه في كلامي على النبوة من الطبعة الثانية (ص 25) وهو في (41) من هذه

الطبعة الثالثة.

ولا أزال أتمنى لو يتفضل عليّ بغير هذه الملاحظة، وأخص بالذكر ما عساه

ينتقده من جوهر الموضوع ولبابه، وإذن أرويه عنه بنص وأبلغه جوابي عنه.

تعادي الأمم والدول وحاجتها إلى الإسلام:

لا تزال دول أوربة وأمريكة وشعوبهما على ما وصفتهما به في مقدمة هذا

الكتاب من الشقاء والشقاق، والرياء والنفاق، وقد عقدوا في هاتين السنتين مؤتمرًا

بعد مؤتمر واتفاقًا بعد اتفاق، ولا يزالون كحمار الرحى يدور ولا يبرح مكانه،

ليس للحق ولا للصدق عندهم قيمة، فقد ظلوا منذ عقدوا عهد (فرسايل) يجرون

فيه مع ألمانية على قاعدة البرنس بسمارك (المعاهدات حجة القوي على الضعيف)

حتى إذا اضطروها إلى نقضها سرًّا، كما نقضوها جهرا. وتجديد قوة حربية جوية

يرهبونها، أذعنوا لمساواتها لهم في الحقوق والكرامة الدولية كرهًا، وكانوا يمارون

فيها ويأبونها طوعًا، بل صاروا يخافونها أن تسطو عليهم، ويجددون المحالفات

الدفاعية التي أفضت إلى الحرب العامة السابقة، حتى ذلوا لمحالفة الدولة الشيوعية

عدوتهم كلهم، وأنَّى لهم الفرار من حكم كتاب الله في الأمر بالوفاء بالعهود والنهي

عن جعلها دخلاً وخداعًا لأجل أن تكون أمة هي أقوى من أمة، فتكون المعاهدات

أنكاثًا لا مندوحة عن نقضها كما بينا ذلك في محله [1] .

بغوا واستعلوا على ألمانية وهم يعلمون أنها تعلوهم علمًا وصناعة ونظامًا،

وفرائصهم ترتعد فَرَقًا من استعدادها السري للحرب، وقد ذاقوا بطشتها القاهرة،

التي كادت تفتك بهم كلهم من قبل، ولكنهم اتكلوا على خداع معاهدتهم الخاطئة

الكاذبة، وعلى تجديد محالفاتهم التي قصدوا بها أن يكونوا إلبًا واحدًا عليها، وأن

تكون في عزلة لا تجد فيها وليًّا ولا نصيرًا.

صاح زعيمها المجدد (هتلر) صيحة بنقض تلك المعاهدة، وتجديد السلاح

الجوي والبحري والتعبئة؛ فراعتهم كزئير الأسد يجفل الغنم، وقالوا: إن سلم

أوربة وحربها رهن يديه، وعمرانها وخرابها بين شفتيه، ظلوا يصيخون السمع لما

سيقوله في خطابه السياسي العام، حتى إذا ما ألقاه كان حجة بالغة له، دامغة

لخصومه، وصادعة لآخر حصن لدول الاتحاد الثلاث في وجهه (اتفاق ستريزا)

فعادت إنكلترة تفاوض ألمانية في قواتها الجوية والبحرية، وكانت تستكبر عن هذا،

وكشرت عن أنيابها لإيطالية فيما تحشره من جيوش وذخائر للعدوان على دولة

الحبشة المعتصمة معهم بعهد عصبة الأمم، الذي هو في نظرها كسائر العهود

الأوربية حجة القوي على الضعيف، وقد رأوا كيف رفضته بل رفسته كل من

اليابان وألمانية برجلها، ولكن البلية كل البلية في تعارض مطامع الأقوياء، فزعيم

إيطالية مغتر بقوتها، جانح لفتح الحبشة أو نقصها من أطرافها. وإنكلترة أعز منها

وأقوى، وإن هذا لصدع في اتحاد هؤلاء الأحلاف لا يلتئم؛ فهذا الزعيم المعتز

بسلطانه الشخصي يرى خيبته بعد الشروع في وسائل الزحف قضاء على نفوذه،

وأمته في اضطراب لا ينقذها منه إلا فوزه فيه، وألمانية لابد لها من استعادة جميع

مستعمراتها، وهي أقدر على إخضاع إنكلترة في الهواء والماء. وماذا تفعل فرنسة

إذا تركته إنكلترة؟

وجملة القول أن هذه الدول وشعوبها لا تزال - ولن تزال - على ما وصفناها

به في مقدمة الطبعة الأولى للكتاب من فساد لا علاج له إلا هداية الإسلام، دين

الأخوة الإسلامية والعدل والرحمة والسلام؛ فيجب المبادرة إلى تبليغ دعوته،

وإقامة حجته، وهو قد أعد عقلاء المسلمين لتعميم هذه الدعوة عندما ينهض زعيم

مسلم لكفالتها وتوحيد النظام لها، ويرى قارئه الشواهد على هذا فيما نشرناه من

التقاريظ في آخره، وفي مقدمتها قول شيخ الإسلام المراغي لمؤلفه: إنكم وفقتم

لفتح جديد في الدعوة إلى الدين الإسلامي.. . إلخ، وسائرها مؤيد لقوله، يدل على

استعداد في الأمة لتنفيذه.

استعداد المسلمين لدعاية الإسلام:

ذكرت في آراء شيخنا الأستاذ الإمام من تاريخه (ص939، ج1) أن أمم

الحضارة في الغرب سيذوقون من فتن مدنيتهم ومفاسدها السياسية ما يضطرهم إلى

طلب المخرج منها، فلا يجدونه إلا في الإسلام - إسلام القرآن والسنة لا إسلام

المتكلمين والفقهاء - وأنه صرح بهذا مرارًا في دروسه في الأزهر وفي غيره.

وأقول الآن: لكنه ما سمع لقوله هذا صدًى، ولا وجد على نار المسلمين

هدًى، فكان يرجح أن هداية القرآن ستظهر في غيرهم من الشعوب الحية، وأن

هؤلاء المسلمين الجغرافيين سيطلبون إسلام القرآن والسنة منهم تقليدًا لهم كما

يقلدونهم في الزينة والإباحة والإسراف في الشهوات الذي أفسدهم جميعًا.

وسمعت مثل هذا الرأي من الأستاذ المراغي وغيره من الأفراد، ولعلي أوسع

علمًا واختبارًا لمسلمي الأقطار من كل هؤلاء، وأجدر منهم بسوء الظن فيهم، ولكن

ظهر لي بتقبل عقلائهم لكتاب (الوحي المحمدي) بما تقبلوه به من إيمان وشهادة

ورجاء وثناء ودعاء، أن استعدادهم لهداية القرآن والدعاية له قد دخل في طور

جديد، ألم تر كيف تجاوبت أصوات المقرظين له في مصر وسورية والعراق

وغيرها من الأقطار بقول القائلين إنهم كانوا يفكرون ويتمنون ويتساءلون قبله عن

كتاب يصلح للدعوة إلى الإسلام فلا يجدون، حتى إذا رأوه وجدوه الضالة التي

ينشدون؛ أو لم تر كيف شاركهم فيها أئمة المسلمين وملوكهم المتقون؟

فعلم من هذا أن المسلمين لا يمكن أن تعود إليهم الحياة إلا بمثل ما بدأ به

سلفهم من روح القرآن وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام مالك:

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وما ذلك إلا أن يكونوا على علم

بالقرآن يوقنون به أنه مصلح لجميع البشر، وأن حملته يجب أن يكونوا أئمة البشر

وهداتهم، والمصلحين لما أفسدته المدنية المادية من عقائدهم وأخلاقهم، فإن لم

يملكنهم هذا اليقين فلا رجاء في دينهم ولا دنياهم، ولكن نشر هذا اليقين فيهم يتوقف

على نظام وزعامة يثق بها الخاص والعام، وسيرون الدعوة له تبث في هذا العام،

وسنرى قد استعدادهم لتأييدها بأموالهم وأنفسهم فيسرنا - إن شاء الله -: {إِنَّمَا

المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ

اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحجرات: 15) .

...

...

...

...

محمد رشيد رضا

...

...

...

...

منشئ مجلة المنار

_________

(1)

راجع ص 148 طبعة أولى، وص 252 طبعة ثانية، وص 270 طبعة ثالثة.

ص: 33

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌خطاب الشيخ الأكبر في الجامع الأزهر

نَوَّهْنَا في الجزء الماضي بحفاوة الأزهر بعودة الشيخ المراغي إلى رياسة

مشيخة الأزهر والمعاهد الدينية ومشاركة جميع طبقات الأمة لهم فيها، وقد وعدهم

بأن يرد لهم الزيارة في الجامع الأزهر نفسه ويلقي عليهم خطابًا عامًّا، ووفّى بوعده

فكان يومًا مشهودًا ألقيت فيه الخطب والقصائد في تهنئة الأزهر وأهله بإمامهم

المصلح الأكبر، ثم ألقى عليهم الأستاذ الخطاب الآتي الجامع لمقاصد الإصلاح

والتجديد وكانت آلة مضخمة الصوت توصل كلامه إلى أقصى أولئك الألوف

المجموعة كأدناهم، وهذا نص الخطاب، والعناوين في أثنائه من وضع المنار:

بسم الله الرحمن الرحيم

له الحمد على نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه..

وبعد: فقد رأيت واجبًا عليّ أن أزور الأزهر قبل بدء الدراسة لأحيي علماء

الأزهر والمعاهد، وطلبة العلم في الأزهر والمعاهد في دارهم كما حيوني في داري،

والأزهر دار خاصة لكل من ينتسب إلى العلم، ودار عامة للمسلمين،

وقصدت أيضًا إسداء النصيحة إلى إخواني العلماء وأبنائي الطلبة بنسيان ما قد يكون

باقيًا في نفوسهم من ضغائن وإحن سببتها الحوادث الأخيرة التي تعرفونها؛ لنستقبل

الحياة العلمية في صفاء، ونقبل على العلم بقلوب مخلصة لله ورسوله، نقية من

دنس الغل والحقد، عامرة بالإيمان.

والأزهر مكان يستحق الإجلال؛ فقد كان - ولا يزال - مصباحًا تستضيء

به جميع الأمم الإسلامية، ومنبعًا صافيًا لعلوم الدين، ومستودع فنون العربية

وأسرارها وبعض العلوم العقلية.

وقد اضطلع بحمل عبء المعارف الإسلامية وغيرها، وخاصة بعد سقوط

بغداد وضياع ذخائرها العلمية، وصار المثابة الأخيرة، والكعبة التي يؤمها طلاب

العلم من جميع الأقطار، وما من بلد في مصر، بل وما من بلد في أي قطر من

الأقطار الإسلامية إلا وهو مدين للأزهر بما يعرفه أهله من الدين الإسلامي، وبما

بقي عندهم من علوم العربية.

حمل الأزهر هذا العبء وأدى الأمانة كاملة، وله الفضل على المعاهد العلمية

القائمة بجواره في مصر؛ فهو أستاذها، وهو شيخ هذه المعاهد جميعها.

نعم: قد استقلت عنه بعض المعاهد أخيرًا، ولكنه لا يزال له نصيب عظيم

من التثقيف في المعارف الإسلامية وفنون العربية في أكثر هذه المعاهد؛ فلَكُمْ أن

تفخروا بتاريخ طويل كله مجد وعظمة لهذا المعهد الذي تنتسبون إليه: تاريخ ظهر

فيه من الأئمة والعلماء والمؤلفين من خريجي الأزهر من لا يحصيهم العد، وقد

كانوا سبّاقين للخيرات، وكّلوا أمرهم إلى الله - جل شأنه - فحفظهم ورعاهم،

وشرح صدورهم، وأنار عقولهم؛ فترسموا آثار الرسول الأكرم - صلوات الله

عليه - وتخلقوا بأخلاقه، واعتصموا بهديه، وانتفع الناس بعلمهم وتأدبوا، وحلت

آثارهم في البلاد جميعها كما يحل ضوء الشمس ونور القمر.

أولئك آباؤنا وأجدادنا في سلسلة النسب العلمي، رضي الله عنهم ونفعنا بهم.

يجب أن نذكر هذا المجد ونفاخر به، ونحرص على الانتساب إليه كما

يحرص الأشراف على أنسابهم، وأن نحافظ على هذا المجد ونضيف إليه مجدًا

طارفًا، اقتداء بأولئك الآباء والأجداد.

قد يسأل بعض الناس ما فائدة الأزهر؟ أو ما هي رسالة الأزهر كما يقال

اليوم؟ فأقول لهؤلاء: رسالة الأزهر هي حمل رسالة الإسلام، ومتى عرفت رسالة

الإسلام عرفت رسالة الأزهر.

موضوع الإسلام واتفاقه مع علوم العصر والحاجة إليها:

الإسلام دين جاء لتهذيب البشر، ورفع مستوى الإنسانية، والسمو بالنفوس

إلي أرفع درجات العز والكرامة، قد طوح بالوسطاء بين الناس وربهم، ووصل

بين العبد وربه، ولم يجعل لأحد فضل على أحد إلا بالتقوى، وقدس العلم والعلماء،

وقرر في غير لبس ما يليق بذات الخالق من الصفات. وما قرره في ذلك هو

منتهى ما سمت إليه الحكمة، ووصل إليه العقل، وأتى بتعاليم كلها ترجع إلى

تهذيب النفس، وتلطيف الوجدان، وأبان أصول الأخلاق، وشرع حل التمتع

بالطيبات، ولم يحرم إلا الخبائث، ووضع حدودًا تحدُّ من طغيان النفوس ونزوات

الشهوات، ورسم أصول النظم الاجتماعية وأصول القوانين، قواعد كلها لخير

البشر وسعادة المجتمع الإنساني.

هذه صورة مصغرة جدًّا للدين الإسلامي، ورسالة الأزهر هي بيان الدين

الإسلامي، وشرح قواعده وأسراره، ومتى أدى هذه الرسالة على وجهها فقد أدى

نصيبًا عظيمًا من السعادة والخير للجمعية الإنسانية.

في القرآن الكريم حثٌّ شديدٌ على العلم، وعلى معرفة الله، وعلى تدبر ما في

الكون؛ وليس هناك علم يخرج موضوعه عن الخالق والمخلوق، فالدين الإسلامي

يحث على تعلم جميع المعارف الحقَّة، وليس في المعارف الحقَّة الصحيحة المستقرة

شيء يمكن أن يناقض أصول الدين ويهدمها.

نعم: قد توجد معارف تناقض بعض ما وضعه العلماء في شرح القرآن

والحديث والفقه وغيرها، ولكنا لا نهتم لهذا؛ فليَسِر العلم في طريقه، ولنصحح

معارف الماضين، لكن على شريطة أن يكون ما يخالف معارفنا من العلم البرهاني

المستقر.

ولست أقصد بحديثي هذا أن يكون الأزهر مدرسة طب أو هندسة، أو كلية

للكيمياء أو ما يشبه هذا، ولكني أعني أن هناك علومًا ومعارف لها صلة بالدين

وثيقة تعين على فهمه، وتبرهن على صحته، ويدفع بها عنه الشبهات، هذه العلوم

يجب أن يتعلمها العالم الديني، أو يتعلم منها القدر الضروري لِمَا يوجِّه إليه.

هذا وقد تغيرت في العالم طرق عرض السلع التجارية، وأصبح الإعلان عنها

ضروريًّا لنشرها وترغيب الناس فيها، ولديكم الحوانيت القديمة ومخازن التجارة

الحديثة: وازنوا بينها تدركوا ما في طريقة العرض الحديثة من جمال يجذب

النفوس إليها، وما في طريقة العرض القديمة من تشويه ينفر الناس عنها، وقد

توجد في الحوانيت القديمة سلع أحسن صنفًا، وأغلى قيمة، وأمتن مادة، ومع ذلك

هي في كساد.

تغيير طريقة التعليم والتصنيف:

وكما تغيرت طريقة عرض السلع تغيرت طريقة عرض العلم، وأحدث

العلماء طرائق تبعث الرغبة الملحة في العلم، وتنفي الملل والسأم.

حدثت هذه الطرق في إلقاء الدروس والمحاضرات، وحدثت في تأليف الكتب

أيضًا، وهذا المثل ينطبق علينا: ففي جميع الكتب التي تدرس في الأزهر، وفي

جميع العلوم التي تدرس في الأزهر أعلاق نفيسة لا تحتاج إلا إلى تغيير طريقة

العرض في الدرس والتأليف، وفي الفقه الإسلامي نظريات تعد الآن أحدث

النظريات عند رجال القانون، وفي الفقه الإسلامي آراء يمكن أن يسير عليها الناس

الآن من غير حرج، وتحقق العدالة في أكمل صورها؛ ولكن هذه النظريات البالغة

منتهى الجمال والحكمة يحجبها عن الناس أسلوب التأليف القديم.

على الأزهر أن يسهل فهم علومه على الناس، وأن ييسر لهم هذه المعارف،

وأن يعرضها عرضًا حديثًا جذَّابًا مشوقًا.

تطهير الإسلام من البدع:

ومسألة أخرى يجب أن يعنى الأزهر بها: تلك هي تطهير الدين الإسلامي من

البدع وما أضيف إليه بسبب الجهل بأسراره ومقاصده. هناك آراء منثورة في كتب

المذاهب وفي غير كتب المذاهب يحسن سترها، ضنًّا بكرامة الفقه والدين.

ومن الواجب أن يعترف بأن المذاهب الإسلامية جملة تغني عن الاجتهاد في

المسائل التي عرضت من قبل متى تخير العلماء منها.

وأذكر قصة طريفة تجدونها في كتاب (الولاة والقضاة) للكندي:

(كان في مصر قاضٍ شافعي المذهب في عصر الإمام الطحاوي، وكان

يتخير لأحكامه ما يرى أنه محقق للعدل من آراء الأئمة ولا يتقيد بمذهب، وكان

مرضي الأحكام، لم يستطع أحد أن يطعن عليه في دينه وخلقه، سأل ذلك القاضي

الإمام الطحاوي عن رأيه في واقعة من الواقعات، فقال الطحاوي: أتسألني عن

رأيي أو عن رأي أبي حنيفة؟ فقال القاضي: ولم هذا السؤال؟ قال الطحاوي:

ظننتك تحسبني مقلدًا، فقال القاضي: ما يقلد إلا عصبي أو غبي؟

فتَخيُّر الأحكام نوع من الاجتهاد، ولكنه الاجتهاد الذي لم يغلق الناس أبوابه.

إصلاح التعليم في الأزهر واجب اجتماعي لإصلاح الأمم الإسلامية في

مختلف أقطارها وأجناسها، وعلى كل مسلم أن يساهم فيه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

بل أقول: إن هذا الإصلاح ضروري للأمم غير الإسلامية كلها بما يؤديه من

الخدمة للحضارة الإنسانية العصرية التي تنقذها مما هي عرضة من خطر الإباحة

المادية والإلحاد، اللذين يبثهما في الأمم دعاة البلشفية والتعطيل الجاحدين لوجود

الخالق والبعث والجزاء على الخير والشر؛ فهذا الخطر لا علاج له إلا هداية

الدين [1] .

وأنا أرجو الله سبحانه أن يوفق العلماء وطلاب العلم إلى الإخلاص في

النهوض بالأزهر، فإن الإخلاص في ذلك إخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين، وللدين

الحق، الذي وعد الله أن يظهره على الدين كله، وجعله هداية عامة لجميع البشر.

احترام حرية الرأي:

ونصيحة أقدمها للعلماء وطلاب العلم في الأزهر راجيًا تدبرها، وهي احترام

حرية الرأي، والتحرج من الاتهام بالزندقة والكفر.

ولا أطالب بشيء يعد بدعة، ولا أحدث في الدين حدثًا بهذه النصيحة؛ فهي

موافقة للقواعد التي وضعها سلف الأمة رضي الله عنهم وترونها مبسوطة

واضحة في كتب الأصول وفي جميع كتب الإمام الغزالي.

وحاصلها - على ما أذكر - أن المسائل الفقهية يكفر منكر الضروري منها [2]

كالصلاة، والزكاة، وحرمة الزنا وشرب الخمر وقتل النفس والربا.

أما إنكار أن الإجماع حجة، وخبر الواحد حجة، والقياس حجة، فلا يوجب

الكفر، وما عدا ذلك من المسائل الفقهية لا إثم في إنكاره مطلقًا، على شرط أن

يكون الإنكار غير مصادم لنص أو إجماع.

على هذا أجمع الصحابة رضي الله عنهم وأجمع عليه الأئمة، ولم

يعرف أن بعضهم أثم بعضًا.

وإجمال القول أنه ما دام المسلم في دائرة القرآن لا يكذب شيئًا منه، ولا

يكذب ما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم بطرق قاطعة، فهو مسلم لا

يحل لأحد أن يتهمه بالكفر.

عرضت لهذه النصيحة؛ لأنها تسهل على أهل الأزهر معاشرة الناس،

والعمل بها يمكِّن من نشر الدعوة ومن الجدل بطرقه المقبولة، والعلم على خلافها

منفر يحدث الشقاق ويورث العداوة.

أسأل الله أن يهبنا رشدًا، وأن يملأ قلوبنا خشية وهيبة من جلاله، ويملأها

عطفًا وشفقة ورحمة لعباده.

وإذا كانت مهمة الأزهر حمل رسالة الإسلام للعالم، فمن أول واجب على

أهله أن يعدوا أنفسهم لتعلم اللغات: لغات الأمم الإسلامية، والله لم يرسل رسولاً إلا

بلسان قومه ليبين لهم.

فليحقق الأزهر القدوة، وليرسل إلى الناس رسلاً يفقهونهم في دينهم بلسانهم،

وسأُعنَى بهذه المسألة، كما أُعنَى بتثقيف إخواننا الذين أسماهم القانون (أغرابًا)

فإن لهم من الحقوق والحرية في هذا الوطن ما لكل فرد من أهل البلاد، وأرجو

أن يفكروا طويلاً فيما يفرضه عليهم دينهم من الهداية والإرشاد وإسعاد المجتمع.

وخليق بنا أن نذكر ما لحضرة صاحب الجلالة ملك مصر المعظم من منن وأيادٍ

بيضاء على المعاهد الدينية، وأن نسأل الله - جلَّت قدرته - أن يسبغ عليه نعمة

العافية، ويديم على هذه المعاهد خيره وبره، وأن يحفظ حضرة صاحب السمو

الملكي أمير الصعيد، ولي عهده المحبوب، والسلام عليكم ورحمة الله.

_________

(1)

هذه الجملة مما زاده الشيخ الأكبر في خطابه ولم يكن مكتوبًا فيه، ولكننا سمعناه منه.

(2)

المنار: المراد من الضروري: المعلوم من الدين بالضرورة، لا الضروري في العمل، أي الذي يضطر الناس إلى العمل به، واشترطوا في هذا المعلوم بالضرورة مكفرًا أن يكون مجمعًا عليه، وهو يشمل العقائد والأحكام، ولعل الشيخ الأكبر خص المسائل الفقهية بالذكر لأجل التفصيل الذي ذكره بعدها.

ص: 41

الكاتب: محمد توفيق علي

‌الهمزية في مدح خير البرية

والدفاع عن الدين، والرد على المبشرين

(نظمت بمناسبة احتفال الأمة الإسلامية بالمولد الشريف لعام 1354)

بقلم (الأديب الشاعر) اليوزباشى محمد توفيق علي

النور المحمدي - الشريعة السمحة - تحريم الخمر - نجاسة الكلب

والخنزير - حكمة الطلاق - حكمة تعدد الزوجات - تبشير الإنجيل والتوراة بنبي

الإسلام صلى الله عليه وسلم المبشرون بعيسى صلى الله عليه وسلم نقائض معقدة - مقارنة بين معجزات المسيح ومعجزات غيره من الأنبياء والرسل - وجوب توحيد الخالق جلَّ وعلا - التجاء الناظم إليه تعالى.

* * *

النور المحمدي

ذلك النور ساطعًا والضياء

وصفه عنه يقصر البلغاء

نور من سبح الحصى في يديه

وجرى منهما وفاض الماء

أكمل الخلق صورة يبدع اللـ

ـه تعالى من نوره ما يشاء

مرسل جاوز السموات سبعًا

وإليه تناهت العلياء

وارتقى حيث لا ملائكة اللـ

ـه تعالى ارتقت ولا الأنبياء

صاعدًا في معارج القرب يحدو

هـ السنا ضافيًا ويغشى البهاء

ذو محيا يصبو له البدر عشقًا

وله تنتمي ضياءً ذكاء

رحمة كله وعلم وحلم

ووقار ونجدة وسخاء

مثل من أنجبت (كريمة وهب)

لم تلد عاقر ولا عذراء

* * *

الشريعة السمحة

ذو أتى بالنعيم ذكرًا حكيمًا

فإذا الأرض جنة والسماء

وحيه للعقول رَوح وريحا

ن وفيه من كل داء شفاء

آية منه تعجز الإنس والجـ

ـن ولو أن كلهم فصحاء

لم يكذب موسى وعيسى، وبغيًا

كذبته الشرور والأهواء

كيف تأتي على الشرائع آيا

ت وِضاءٌ وسمحة غرَّاء

وكتاب مفصل عربي

ليس يرضى بذلك البخلاء

كلما يرتقي الزمان يرى الخيـ

ـر أفاضته ملة سَحَّاء

سكبت صفوة الشرائع في كأ

س بها ترتوي العقول الظماء

* * *

الخمر

وأشهد اليوم ضجة تنكر الخمـ

ـر وكأس عنها سلا الندماء

بؤرة الشر والجرائر والآثام

أفتى بذلك الحكماء

رب بيت أقامت الخمر فيه

أجفلت عن رواقه السراء

فالعقول اشتكت إلى الله منها

والكلى والكبود والأحشاء

حرمتها دهرًا حكومة أمريـ

ـكا ونادى برجسها الفضلاء

ثم عادت تلغي أوامرها بعـ

ـد اهتداء وضلت الآراء

وسيأتي يوم قريب تزول الـ

ـخمر فيه وتصرع الفحشاء

ويرى الناس أن شرع أبي القا

سِمِ خير ونعمة وهناء

* * *

الكلاب والخنازير

أثبت الطب فضل شرعك والمجـ

ـهر والباحثون والعلماء

فلعاب الكلاب سم زعاف

ولحام الخنزير داء عياء [1]

* * *

الطلاق

واشتراع الله الطلاق أصبح في الـ

ـدنيا مباحًا يقرّه الفقهاء

عانقته كرهًا محاكم أوربا

ونادى بنفعه الأذكياء

كيف عيش الزوجين خانهما الـ

ـحب ولج الأذى وحال الصفاء

أعدوَّان يقرنان بحبل؟

حالة لا يطيقها السجناء

* * *

تعدد الزوجات

(جنسهن اللطيف) يزداد عدًّا

ذلكم ما يقوله الإحصاء [2]

فغدا اليوم الاجتماع مريضًا

واعتناق الزوجات فيه الدواء

ليس في غيرة النساء من المحـ

ـظور ما تستثيره البأساء

كيف تقوى فُضلى على عنت الدهـ

ـر وما قد يجره الإغواء

فتراهن من ثلاث ومثنى

ورباع شعارهن الإخاء

فمن العدل بينهن وفاق

والمساواة ألفة وهناء

وهو فرض على المعدِّد لا يقـ

ـوى على حمل ثقله الضعفاء

إن في رفق شرع أحمد بالأنـ

ـثى لفضلاً يجلّه الشرفاء

وقديمًا حمى الضعاف ونجّا

هن مما يخفنه الأقوياء

* * *

تبشير الإنجيل والتوراة بنبي الإسلام

صلى الله عليه وسلم

عظُمت تلكمو الأناجيل والتو

راة لولا تقوُّلٌ واجتراء

أيّ عهد، لكنهم ضيعوه

إنما يحفظ العهودَ الوفاء

بدلوا الوحي والرسالة إطفاء

لنور ما إن له إطفاء

شهد الصادق المسيح عليهم

في الأناجيل أنهم أشقياء

في ثياب الحملان منهم ذئاب

خاطفات فما همو أنبياء

فاحذروهم وإن أتوا بالأعاجيب

فليسوا مني وهم أدعياء

لست أرضى من قال يا رب منهم

لي ولكن يرضيني الحنفاء

ذلكم ما رواه إنجيل (متّى)

فليراجع نصوصه القراء [3]

* * *

المبشرون بعيسى

عجبًا للمبشرين بعيسى

أمةً دينها الهدى والصفاء

بعد ما بشر المسيح بهاديها

كما بشرت به الأنبياء

فهو (نور الحق) الذي لفت النا

س إليه المسيح وهو (العزاء)

وليراجع من شاء إنجيل (يوحنا)

ففيه للباحثين الرضاء [4]

وهو ذاك النبي يسأل في الإنـ

ـجيل عنه يحيى فأين الخفاء [5]

فلقد بشرت ببعثته التو

راة لولا جحودهم والمراء

فهو ذو من (جبال فاران) مبعو

ث ومن تلكم الجبال (حراء)[6]

أينع الوحي وازدهى في ذراه

وتغنى فأطرب الإنشاء

وتجلى على البسيطة نور

وكسا الكون رونق ورواء

حِكَمٌ حين أُنزلت ختم الوحـ

ـي وتمت على الورى النعماء

وطوت معجزاتِ كل رسول

ولها الخلد وحدها والبقاء

* * *

نقائض معقدة

يا لها من نقائض تحرج الفهـ

ـم عليها لَبسٌ وفيها التواء

واعتقاد مُعقد ذَنَب الضَّبِّ

لديه محجة واستواء

يُصلَب الرب في خطيئة عبد

كيف يرضى بذلك العقلاء

لِمَ لَمْ يغفر الخطيئة غفرا

نًا له فيه عزة وإباء

إن يكن ربَّكم فمن كان يدعو

ربه وهو خاشع بكّاء

أإله في وجهه يبصق الأشرار

هزؤًا ويزدرَى ويُساء

لِمَ لَمْ يُقطِّع اليهود أبوه

كيف تنسى حنوَّها الآباء

وبِكَمْ باع ذا الجلال يهوذا

واشترى منه ربَّه الأعداء

(أثلاثون فضة) ثمن الله

تخطاه بيعهم والشراء

بل أحبوك مسرفين وغالَوْا

في ولاءٍ هُداك منه براء

***

مقارنة بين معجزات المسيح وغيره من الأنبياء

عليهم الصلاة والسلام

أم لأن المسيح قد أنجبته

ذات طهر صِدِّيقة عذراء

مثله آدم: فهل كان ربًّا

آدم؟ أو إلهة حواء؟

أم لأن المسيح أحيا فتاة

إذ دعا اللهَ فاستُجيب الدعاء

" حزقيال " النبي أنشر جيشًا

عاث في البلى وجال الفناء [7]

أم مشى فوق لجة يتهادى

فارعوى خاشعًا وقرَّ الماء

فالعصا قد علمتم انفلق البحر

لموسى بها وحل القضاء [8]

وله البينات والجبل المنتوق

والمن واليد البيضاء

ولخير الورى المكمل صلى

الله

والمتقون والأصفياء

معجزات ما أن يلم بها الحصـ ـر ولايستطيعها استقصاء

نصرته الرياح والرعب في (الخنـ

ـدق) حتى تشتت الحلفاء [9]

وتراءى جبريل يسطع في (بد

ر) تليه كتيبة شهباء

وله الجذع حنَّ والقمر انشـ

ـق وظهر البراق والإسراء

ومشت أيكة إليه دعاها

تسحب الجذع غضة خضراء

ولكَم سحّ -إذ دعا ربه- الغيث

ولانت لوطئه صفواء [10]

ما له إن مشى على الأرض ظل

ساطع النور ما له أفياء [11]

وظللته -بل منه ظللت- الشمس

لزامًا غمامة وطْفاء [12]

كم دعا الله والغذاء قليل

فنما واستفاض ذاك الغذاء

* * *

وجوب توحيد الخالق جل وعلا

آن للأرض أن تقدس ربًّا

واحد الذات ما له أجزاء

آدم عنده ونوح وموسى

والمسيح الذي نجلّ سواء

وغنيٌّ عن العباد جميعًا

ما له زوجة ولا أبناء

وله الخلق أجمعون عبيد

وله المجد كله والبهاء

ورءوس الطغاة موطئ نعليـ

ـه [13] وتلك الجلالة القعساء

ملأ الكائنات حسنًا ولكن

لا ترى الشمسَ مقلةٌ عمياء

فهو نور سطا على كل نور

خفيت في ظهوره الأشياء

تتلاشى الشموس فيه وتخبو

وتغيب البروج والأضواء

أيها المشرك المعدِّد وحِّد

إن قول المعددين هُراء

لو مع الله في السموات والأ

رض شريك لقامت الشحناء

بل هو الله واحد ما له في الـ

ـمُلك ثانٍ ولا له أكفاء

أيها الجاحد المعطل صدِّق

لا يكن من هداتك الأغبياء

وانظر الأرض والسماء وفكِّر

هل بلا صانع يقوم البناء؟

إنما الأرض ذرة في رحيب الـ

ـمُلك فالملك شاسع والفضاء

فاعبد الله -لست شيئًا- ولا تكـ

ـفُر وتذهب بلبِّك الخيلاء

أنت رد على جحودك قاض

فصلته العروق والأعضاء

* * *

التجاء الناظم إليه تعالى

ما الذي تبلغ النوائب مني

يا مليكى ولي إليك التجاء

أنت درعي وأنت سيفي ورمحي

ونبالي وعسكري واللواء

لا أبالي وذو الجلال نصيري

أن خصمي الملوك والوزراء

لست بالأقوياء أحفل لكن

إن شكاني لعدلك الضعفاء

لك يا رب بطشة إن تعاقب

عندها الأرض والسماء هباء

إن تكن غاضبًا عليّ تعاليـ

ـت فلا ناصر ولا شفعاء

عملي سيئ وظلمي لنفسي

ولغيري تضج منه السماء

أستحق الصليّ في النار لكن

لي في عفوك الكريم رجاء

ليس مثلي لجنة الخلد أهلاً

كيف ترنو لمذنب حوراء

ذلك الفضل في غنى عن طلوحي

إنما يستحقه الصلحاء

رُب نُعمى على جحود تولَّت

ما لنُعمى على جحود بقاء

كيف آسى على سرور تولى

ويَسارٍ أودت به ضراء

إن من كنتَ كنزه وغناه

يستوي الضيق عنده والرخاء

ليست الكيمياء منا بعيدًا

إنما حمد ربنا الكيمياء

لست أخشى ضلالة ولقلبي

بسنا وجهك الكريم اهتداء

فاهدنا للفلاح والخير والتقـ

ـوى فمنك الهدى ومنك الحِباء

واحمنا في بلادنا من أوربا

سيلها جارف ونحن الغثاء

(انتهى)

_________

(1)

انتشر إنشاء المستشفيات للمعالجة من داء الكلب، وأثبت العلم وجود ديدان سامة في لحم الخنزير لا تقتلها درجة الغليان.

(2)

ومن ذلك الإحصاء ما جاء بالصفحة السابعة بالعمود الخامس من جريدة الأهرام الغراء الصادرة في 3 - 5 - 1935 تحت عنوان (النساء كثيرات) من أنه يوجد في ألمانيا وحدها مليونان ومائتا ألف امرأة زيادة عما فيها من الرجال.

(3)

جاء بالإصحاح السابع من إنجيل متّى عدد 15 و 21 و 22 و 23 قول المسيح: (احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان لكنهم من داخل ذئاب خاطفة ليس من يقول لي: يا رب، يدخل ملكوت السماء، بل الذي يفعل: إرادة أبي الذي في السموات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم أني لم أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم) .

(4)

ورد بالإصحاح الخامس عشر من إنجيل يوحنا بالآيتين 26 و 27 قول المسيح عليه السلام: (ومتى جاء (المعزى) الذي سأرسله أنا إليكم من الآب (روح الحق) الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضًا؛ لأنكم معي من الابتداء) وجاء بالإصحاح السادس عشر منه بالآية 6 قوله عليه السلام: (لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم (المعزي) وبالآيتين 13 و 14: (وأما متى جاء ذاك (روح الحق) فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به) .

(5)

(6) يحيى بن زكريا عليهما السلام وهو المعروف في الإنجيل باسم يوحنا المعمدان، فإنه لما جاء قومه - كما هو مذكور بإنجيل يوحنا بالإصحاح الأول بالآيات 19 و20 و21 و22 - وسألوه: آنت النبي؟ أجاب نفيًا، وهذا نص الآيات سالفة الذكر:(19 وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت 20 فاعترف ولم ينكر وأقر أني لست أنا المسيح 21 فسألوه: إذًا ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب: لا) وإذًا فقد كانوا يترقبون بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما هو مذكور عندهم بالتوراة من أنه يبعث رسول من جبال فاران، وهي جبال بمكة، منها جبل حراء الذي ما زال ينقطع فيه صلى الله عليه وسلم للعبادة إلى أن أوحي إليه.

(7)

من أنبياء بني إسرائيل وقصته مبسوطة في سفره من العهد القديم وليس بثابت عندنا.

(8)

المنتوق: المرفوع.

(9)

الحلفاء: قريش، وغطفان، ويهود.

(10)

الصفواء: الصخرة الملساء.

(11)

الأفياء: الظلال.

(12)

الوطفاء: المسترخية الجوانب لكثرة مائها.

(13)

المنار: هذا كناية عن قهره تعالى لهم، وهو تعبير يتوقف على النص، ولم يرد، ولكن ورد لفظ (القدم) في قهر جهنم.

ص: 47

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌كتاب الوحي المحمدي

لداعية الإصلاح العالم المستقل، والمناظر المستدل

الأستاذ الشيخ مصطفى أحمد الرفاعي اللبان

بأسيوط

وهو مما جاءنا بعد الطبعة الثانية (قال) :

نظر أبو العلاء المعري إلى نفسه فرآها وقد صفت ونجت من مزالق معظم

النفوس، وأدرك عقله نقيًّا من الخرافات والأوهام التي أضلت العقول، وألفى

روحه غنية بالفلسفة الصحيحة، التي ترى في المادة ستارًا كثيفًا يسدل على الحقائق،

ووجد شعريته فياضة بأرقِّ المعاني، في أدق الألفاظ والمباني، فهتف من أعماق

قلبه منشدًا:

وإني وإن كنت الأخير زمانه

لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل

ونحن بدورنا ننظر إلى نفس السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار فنراها

وقد أشربت حبَّ الدين الإسلامي الحنيف والدفاع عنه إشرابًا، ونرى عقله وقد

أدرك أسرار الإسلام إدراكًا، ونلفي روحه صافية تقية نقية قد أنجبت أسمى الآثار

إنجابًا، ونسبَحُ في مؤلفاته فنعلمه الطود الأشم والفارس المجلَّى، والمحقق النادر

المثال، والكاتب المبخوت، الذي لا يُشَق له غبار، ثم نقع في سياحتنا على كتابه

(الوحي المحمدي) فنقف طويلاً، ونهتف مثل ما هتف المعري منشدين مخاطبين

السيد الرشيد المرشد:

وأنت وإن كنت الأخير زمانه

أتيت بما لم تستطعه الأوائل

ولقد كنا نؤمن بأن الله تعالى أوحى إلى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

ما أوحى، مستدلين بنصوص القرآن الكريم وببعض البراهين العقلية التي تخير (؟)

الوحي إلى النفوس الصافية الراقية، ولكنا ما كنا قادرين أن نقنع بهذا ذوي

العقول العصرية، وأولي البحوث الدقيقة القوية؛ فإذا دار النقاش بيننا وبين فريق من

هؤلاء لم يعجبهم كثيرًا مما ندلي به وألقوا في سبيلنا عقابًا، وافتجروا [1] حفرًا،

وأقاموا متاريس، وغرسوا أشواكًا؛ فتنتهي المناظرة ولا اقتناع ولا رضاء وينشر عنا

العجز عن بيان وجه الحق في هذه المسألة مع أهميتها ونفاستها ونفعها العظيم إذا

أحسن تبيانها، وأتقن توجيهها وعرضها على طالبيها، فكان كتاب (الوحي المحمدي)

للسيد الشريف والمصلح الكبير، أستاذنا محمد رشيد رضا، صاحب المنار - وافيًا

بالمطلب على أتم وجوهه، كافيًا في الإقناع لأكبر متشبث متعنت، حجة صادقة لا

تُدفع على صحة الوحي الرباني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العالمين

وخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.

يرى قارئ " الوحي المحمدي " مقدمة وجيزة بديعة تجمل الكتاب وتبرز مغزاه

في صورة مستملحة جزلة طيبة، يعلم منها ما يحجب الإفرنج عن الإسلام: من

الكنائس المعادية، والسياسية الخادعة، وحال المسلمين الواهية، وما يعوق

الأجانب عن فهم القرآن: من جهل بلاغته، وقصور ترجمات القرآن عن إدراك

غايته، وعدم وجود دولة إسلامية تدافع عن هدايته، ويفهم منها القصد من الكتاب

على أتم وجه من وجوه الصواب.

ويجول القارئ بعد ذلك في جنة الكتاب الغنَّاء فيعرف معنى النبوة والوحي

والرسالة وحاجة الناس إليها، ويدرك عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -

ومقدار ما جنت عليها كتب السابقين بما يجرئ على الشرور والمفاسد، ويتيقن

وجوب إيمان الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتباعه هو الدواء

الناجع لأدواء الهيئة الاجتماعية.

ويتنقل القارئ من شجرة النبوة الوارفة الظلال إلى أن نبوة الرسول - صلى

الله عليه وسلم - هي الممتازة، فنبوة الأنبياء الإسرائيليين كانت - على قولهم -

أشبه بصناعة تتلقى في مدارس خاصة، ونبوة موسى الكليم عليه السلام قد

ينكرها الملاحدة؛ لأنه تربى في بيت فرعون وهو بيت علم وتشريع، فلا عجب

إذا جاء بشريعة كالتوراة. ونبوة المسيح عليه السلام يعقب عليها الملاحدة

أيضًا فينقصون قدرها ويغضون من قيمتها، ويقولون إنه لم يأت بشيء جديد. أما

نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الطعن عليها بمثل هذا؛ لأن سيدنا

محمد صلى الله عليه وسلم كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يتصل ببيئة علم

أو شريعة، فمجيئه بهذا الدين دليل صدقه وحقيقة رسالته، والحقيقة أن نبوة

الرسول صلى الله عليه وسلم مثبتة لغيرها من النبوات لا تصح إلا من طريقها

ومشكاة نورها.

ويمتلئ القارئ بعد هذا علمًا وتحقيقًا حين يقرأ الفصول البليغة عن الأدلة

العقلية والكونية على صدق الوحي المحمدي الإلهي فيطمئن قلبه وتستريح نفسه،

وينشرح صدره، ويشكر لله توفيق السيد رشيد حتى ألف هذا الكتاب الذي أنار

طريق الوحي بآلاف المصابيح الكهربائية الساطعة القوية، ثم يرتوي القارئ من

نهر فياض، عذب صافٍ، يجري منه التحقيق ذهبيًّا عسجديًّا، فيعرف مقاصد

القرآن الكريم وهدايته للبشر وإظهار الحق في الإيمان بالله تعالى وفي عقيدة البعث

والجزاء، ويلمس الإصلاح القرآني العظيم للنفس والروح والجسد والأفراد

والجماعات، والنهضة التي أزجاها في الدولة السياسة والاجتماع والاقتصاد

والآداب وحياة الأسرة. فإذا انتهى من الكتاب خرج منه بكنز ثمين من العلم

الصحيح النقي، وانتقل إلى جو من السعادة فسيح بما وصل إليه من هدوء في نفسه

واطمئنان في قلبه، واقتناع في عقله لا يملك نفسه أن يصيح: حياك الله أيها

السيد الرشيد، لقد سدت بإصلاحك، ورشدت بمباحثك القيمة الدالة على إشراق نور الحق في قلبك، فهنيئًا لك عملك، ومشكور لك سعيك.

ولقد استوعبت كتاب الوحي المحمدي وهنئت باغترافه وارتشافه عدة مرات

فرأيته رحيقًا من العلم، مختومًا ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وأنا

أشهد صادقًا أن السيد أدى بكتابه إلى العالم الإسلامي أجلَّ الخدمات، وعبَّد للباحثين

من الغربيين والعصريين منهج البحث الهادي الرزين، القوي المبين، وأسقط حجج

الذين كانوا يحتجون بأنهم غير واجدين من يقدم لهم المطالب سائغة ميسورة.

وسيكون له - إن شاء الله - أثر جليل في توجيه المباحث الدينية وجهة طيبة في

صالح الإسلام ومستقبله العتيد بإذن الله.

ولقد ظهر إخلاص السيد في كتابه فطبع مرتين في أشهر، وأقبل عليه الشرق

والغرب، وتُرجم إلى عدة لغات. أدام الله نفعه، ونشر شذاه وعرفه، وأطال عمر

السيد ليتحف العالم الإسلامي بدرره الغالية وتحقيقاته السامية، إنه أكرم مسئول

وعلى كل شيء قدير.

...

...

...

مصطفى أحمد الرفاعي اللبان

(المؤلف) : فات المقرظ الكلام في دعوة علماء شعوب الحضارة إلى

الإسلام وتحديهم بمعجزات القرآن.

* * *

الوحي المحمدي

بقلم

الأستاذ العلامة المتكلم الفقيه الكاتب النظار

إبراهيم الطفيش الميزابي الجزائري

أجل كتاب في علوم القرآن، وأفخم سفر في جلال القرآن، ومعجزة من

معجزات القرآن - كتاب (الوحي المحمدي) . طالع أيها المعتز بالقرآن، ويا

طالب منهاج الهداية المحمدية هذا السفر الجليل ترَ أبدع مؤلَّف وأسنى ما جاء به

القرآن من هداية البشر أجمعين. إن (الوحي المحمدي) علم وفق الله إليه مؤلفه

العلامة الجليل السيد رشيد رضا، علم مستخرج من كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه

الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لقد كُتب في علوم القرآن كتب كثيرة، ولكنها لم

تبلغ أن تأتي بما جاء في الوحي المحمدي حتى أصبح هذا الكتاب آية في الإبداع،

وغاية في كشف معاني الكتاب المنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. فيه

الحجة على البشر أجمعين.

إن القرآن يدعوهم إلى الانضواء تحت لوائه، ضامنًا لهم كمال السعادة

والشمول بالنعم الرحمانية وجلال العزة، إن هم أخذوا بما جاء به من عند الله الرحمن

الرحيم. كشف هذا الكتاب مناهج السعادة للأمم، وسبل الهداية الشاملة لطبقات البشر

وأجناسه، حتى أصبح عَلَمًا برأسه، يجب أن يعتنى بتدريسه بين الفنون العالية

لتخريج رجال عالميين في الهداية إلى شريعة الله التي أكملها وأتم بها نعمته

على خلقه.

لقد أخرج المصنف هذا الكتاب للأمم، وهو أحسن ما أخرج للناس من جهود

العلماء، فلا ريب أن العلماء في جميع الأمم ستتلقاه بالقبول، وسيترجم إلى جميع

اللغات؛ لأنه هو الكتاب الذي تنشده اليوم العقول السليمة في كل الشعوب،

وسيهتدي بهداه من أراد الله له السعادة من بين أولئك العقلاء الذين يسعون وراء

الحق لأنه الحق، ويدركون أن القرآن كتاب من عند الله هدى وبشرى لأولي

الألباب، لا سعادة للبشر إلا به، ولا سلام إلا باتباع هديه.

ولعلي أكون قد أديت واجبًا إذا لاحظت للمؤلف الجليل أن يعيد النظر في

مسألة الرقيق، فإن الإسلام جعلها حكمًا مستمرًّا ما فيه من حكمة اجتماعية، ولم

يوجد وضعًا لإبطال الرقيق بالتدريج السريع، ولكن الرقيق يبطل بطبيعته إذا دخل

كافة الشعوب في الهداية الربانية، فوجدوه وعبدوه واتبعوا النور الذي أنزل على

محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله.

* * *

أول كتاب من حضرة صاحب السعادة

هارون سليم باشا أبو سحلي

(مدير المنوفية في ذلك المعهد)

سيدي الأستاذ الأجلّ السيد محمد رشيد رضا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فقد وصلني كتاب الوحي المحمدي الطبعة الثانية يوم سفري في رحلة بحرية

إلى مرسيليا، وكانت فرصة لمطالعته كله، وقد خرجت منه بأنه خير ما أخرج

للناس في موضوعه، وقد أعطيت التعليمات لمجلس المديرية لطلب 66 نسخة

ليكون في كل مدرسة أولية وابتدائية نسخة، ولما كان واجب كل مسلم نشر هذا

الكتاب بأوسع ما يمكن أرجو أن ترسلوا باسمي 300 ثلثمائة نسخة على محطة

شبين الكوم لتوزيعها، وثمنها 30 جنيهًا حسب البيان الوارد في كتابكم، نرسلها

عند إتمام التوزيع، وأختم كتابي هذا بتوجيه واجب الشكر لكم تلقاء هذا المجهود

العظيم المضني، وإني في انتظار الجزء الثاني، ولكم وافر التحية من المخلص.

...

...

...

... هارون سليم

...

...

...

في 31 أغسطس سنة 1934 م

(المؤلف) : إن هارون باشا هذا من خير رجال حكومتنا عناية بالدين علمًا

وعملاً، بل لا نعرف له في رجال الإدارة مثلاً، وقد طلب منا بعد ما تقدم مائتي

نسخة، ثم أرسل ثمنها، ولما كان المعهود من أمثاله رجال الإدارة أن يوزعوا على

وجهاء مديرياتهم كثيرًا من الكتب غير النافعة محاباة لأصحابها فيقبلها الوجهاء

إرضاء للمدير على كراهة موضوعها وغلاء أثمانها، وكان يعلم أن مثلي ينكر ذلك

عليهم - كتب إليّ أنه لم يتبع سننهم، وإنما بين للوجهاء موضوع الكتاب في إقامة

حجة الدين وبيان حقيقته، وأنه يعتقد أن قراءته واجبة عليهم وعلى أولادهم، ولا

سيما تلاميذ المدارس، ويخيرهم، وأني إذا شئت كتب إليّ أسماء من اشتروه لأسألهم،

فكتبت إليه: لا إنكار على من يدعو إلى الله فيما يتخذ من حض الناس على معرفة

عقيدتهم وأصول دينهم، فإنه يصدق على هؤلاء ما صح في حديث من (يقادون

إلى لجنة بالسلاسل) ، ثم اتفق أن رأيت نقيب الأشراف للمنوفية بمصر فأخبرني

مسلك المدير في الترغيب في الكتاب، وكيف تلقوه بالقبول شاكرين.

***

تقريظ جريدة حضارة السودان

أهدتنا إدارة مجلة المنار الغراء كتاب (الوحي المحمدي) الذي ألفه العلامة

المحقق مصباح الإسلام السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار الغراء.

وقد جاءت مباحث هذا الكتاب كسائر مباحث مؤلفه الثمينة؛ سواء في تفسيره

القرآن الكريم، أو في مباحث مجلة (المنار) نورًا وهدى للناس في تبيان حقائق

الدين الإسلامي؛ فهو بلا ريب فتح جديد في الدعوة إلى هذا الدين الحنيف القويم،

وقد تمكن مؤلفه، وهو ذلك العبقري الديني الذي سيط دين الإسلام بلحمه ودمه،

من أن يوفق بين الدين والعلم بطريقة يعجز غيره عن الإتيان بها، فالرجل عالم

قوي الإيمان، وناهيك ما تنتجه قوة الإيمان إذا توافر معها العلم، والكتاب نفذت

نسخ طبعته الأولى قبل أن يحول الحول على طبعها لتهافت العوالم الإسلامية على

النهل والعلل من مورده العذب، وقد صدَّر طبعته الثانية بمقدمة استغرقت عشرة

مباحث هي وحدها تعد كتابًا، ثم أتى بعدها بفاتحة لها قد اشتملت على أربع مسائل،

ثم انتقل إلى الفصل الأول؛ وهو يشمل ست مسائل، فالفصل الثاني وفيه عشرة

مسائل، فالفصل الثالث وقد اشتمل على 17 مبحثًا، فالرابع وقد اشتمل على ستة

مباحث، فالفصل الخامس وقد اشتمل على 75 مبحثًا. وما من مبحث من هذه

المباحث يمر عليه المطلع إلا ويشعر أنه في أشد الحاجة إلى تفهمه من الوجهتين

الدينية والمدنية.

وقد ذُيلت طبعته الثانية بنحو 23 تقريظًا في مقدمتها تقريظًا للعاهلين العربيين

ملكي الإسلام: الإمام يحيى حميد الدين إمام اليمن، وصاحب العظمة السلطان عبد

العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد، في كتابين موجهين من لدنهما إلى المؤلف،

وتقريظ صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي المصلح

الإسلامي الكبير المعروف لدى سكان هذه البلاد، وتقريظ أمير البيان المشهور

الأمير شكيب أرسلان، وغيرهم من الأئمة الأعلام ورجال العلم والدين.

وإنا لنرى أن هذا السِّفر واجب على كل مسلم وجوبًا عينيًّا أن يطلع عليه وأن

يتفهمه ليتذوق منه حلاوة الإسلام، ويرى بمرآته بهجة القرآن ونوره ساطعًا يهدي

إلى سواء السبيل.

...

...

...

... عن حضارة السودان

...

...

...

بتاريخ 29 أكتوبر سنة 1934م

***

كتاب للفاضل الغيور الشيخ

محمد عثمان

- في إِلدورت - غنيا

بسم الله

حجة الله على العالمين فضيلة الأستاذ الأفخم، والمصلح الأعظم، السيد محمد

رشيد رضا، المجدد لدين الله والناشر لوحيه، أمد الله له في الحياة منصورًا، ولا

زال لإعلاء كلمة الله ظهيرًا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فأرفع لفضيلتكم بأنه وافاني كتابكم (الوحي المحمدي) فخررت ساجداً لله

شكرًا عندما ظهر لي انتصار نوره الساطع، المنذر من لا يؤمن به بعذاب واقع،

ما له من دافع، وكم كان فرحي عظيمًا، وسروري جسيمًا، لا أستطيع أن

أشرحهما، فتلوته مرارًا، وكلما كررته ازداد شغفي حبًّا لتلاوة كتاب الله وتدبر

معانيه، وزادني همة ونشاطًا في تبليغه إلى أبناء وطني المهاجرين، وحضهم

على نشر الدين في هذه المستعمرة وأحيائها التي تقلص منها ظل الإسلام السائد

سابقًا، وتهدمت فيها لغة القرآن، وتقوض منها مجد الإسلام العربي الزاهر، في

العصر الغابر، بسبب تفريط مسلميه في نصرته، وركونهم إلى التوسل بأصحاب

القبور والتقرب إليهم بالقرابين والنذور، والآن بفضل الله وإرشاد مناركم الأغر،

شرعت تتلاشى البدع والخرافات، وتضمحل العقائد الفاسدة في أبناء الناطقين

بالضاد.

نعم يا صاحب الفضيلة، لقد أرهقتمونا بنعمكم الروحية، وتعاليمكم الدينية،

التي أخرستنا حيرة بأي لسان نقدم شكرًا، وجوارحنا وإحساساتنا كلها ألسنة شكر،

يا ليت شعري كيف أشكر، ويا ويح قلبي كيف أثني وأحمد بعد أن أثنت عليكم

نجوم الهدى، وكواكب الإرشاد، وشموس البلاغة، وأعلام الإسلام، وأرباب

الأقلام، وأمراء البيان، ولا يسعني والضعفاء إلا الدعاء لكم بما يحبه الله ويرضاه،

وأن أهنئكم بأصدق التهاني على نجاحكم الباهر في هذه المساعي الجليلة للإسلام

وأهله التي سيشتاقها كل سيد، ويقصر عن إدراكها المتناول، لاسيما إبرازكم لهذا

الوحي المحمدي المقدس أمام الأديان والملل نقيًّا من الخرافات والبدع التي ألصقها

بها علماء السوء المبتدعون، وكن عليه حجابًا من اهتداء العقلاء ومفكري الأمم

الراقية بهديه المبين، ووسائل لمطاعن الملحدين، ومثالب المكذبين، ولمَّا مزقت

هذه الحجب الجسام ببيانك، ودمغت حججهم ببلاغته السماوية، انقلبوا على أعقابهم

خاسئين، بتحدي آياته الكونية وعجائبه العصرية، ومعجزاته السرمدية؛ فأخرست

أفواههم عن الجدال، وبهرت أعينهم عن الاحتقار، ودككت عقائدهم عن النضال،

حتى آمنت القلوب، ولكن الألسنة والأفواه بآيات الله يجحدون

إلخ.

* * *

كلمة الأستاذ العلامة النقادة الشيخ

محمد البشير النيفر التونسي

(من علماء جامع الزيتونة الأعلام من كتاب طويل له في رمضان سنة 1353)

وكنت في أثناء هذه المدة أطالع مناركم المنير، وما يتخلف عني من أعداده

أشتريه من إحدى المكتبات، وكان فيما قرأت من مباحث التفسير ما كتبتم عن

الوحي المحمدي، فحمدت الله أن كان في علماء المسلمين في هذا العصر مثلكم،

وكنت أقول: لو قرأ هذا منكرو الرسالة المحمدية بإنصاف وفهموه حق فهمه لآمنوا

بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كلهم أجمعون.

وقد كنت قرأته في المنار متفرقًا، ثم أعدت قراءاته متصلاً في الجزء الحادي

عشر من التفسير، فجزاكم الله أفضل ما جزى به خادمًا لدينه، وبارك في عمركم

تخرجون للناس أمثاله، فتكون كلمة الحق هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

وما أنكرت فيه إلا كلمات في آيات الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أذكر أنني

رأيت مثلها في إحدى مقالاتكم في (شبهات النصارى وحجج الإسلام) ا. هـ.

قد اختصرت في هذه الطبعة الثالثة أكثر التقاريظ التي نشرت فيما قبلها،

وحذفت بعضها لطولها وما فيها من التكرار ونقل بعض مسائل الكتاب للتنويه بها أو

مشاركة أصحابها لنا فيها، وبهذا وجدنا مكانًا لغيرها، ولم نتصرف بشيء من ذلك

بزيادة ما، ولا باختصار يغير المعنى.

* * *

حكمة نشر هذه التقاريظ

(ختمت بها تقاريظ الطبعة الثالثة)

الغرض من نشر هذه التقاريظ إعلام قراء الكتاب من غير المسلمين (ومن

الجامدين على تقليد المتقدمين منهم، الذين إذا رأوا كتابًا في الدين لمؤلف عصري

أعرضوا عنه ولم يقرءوه لظنهم أن الأحياء لا يوثق بعلمهم) أن ما فيه من أصول

الإسلام وحكمته متفق عليه ليس رأيًا مني فيه، وإن كان فيه ما لا يوجد في غيره.

ذلك بأن الأحرار المستقلي الفكر منهم يقيسون دين الإسلام على غيره من

الأديان فيظنون أنه أكثر عقائده وأصوله مسلمات غير متفقة مع العقل والعلم

الصحيح والمصالح العامة، ويظنون أن ما يسمعون من حكماء المسلمين موافقًا لذلك

هو رأي لهم، كما قال بعضهم في رسالة التوحيد للأستاذ الإمام إنها فلسفة الشيخ

محمد عبده سماها إسلامًا، وقال لي مستر متشل أنس الإنكليزي الذي كان وكيلاً

للمالية بمصر مرارًا عندما كنت أشرح له بعض أصول الإسلام وحكمته: هذا

فلسفة لا دين، حتى قال لي مرة: إذا كان علماء الأزهر يوافقونك ويوافقون الشيخ

محمد عبده على ما تقولون فأنا أعلن أني مسلم.

وهذا كتاب فيه من حكم الإسلام في أهم أصوله وفروعه أكثر مما في رسالة

التوحيد ومما كان يسمعه مني متشل أنس وأمثاله، وفيه من شواهد القرآن ما لا

يمكن أن يقال معها إنه من رأيي، وقد اتفق على الشهادة له العلماء والأدباء والكتاب

في الأقطار ومن جميع الطبقات، وفي مقدمتهم شيخ الأزهر بما هو صريح في

تفضيله على جميع الكتب في موضوعه (إثبات الوحي والنبوة وإعجاز القرآن

وأصول الإسلام الدينية والمدنية) ، وسيرون من فائدته في دعوة غير المسلمين إلى

الإسلام وفي تثبيت المسلمين في دينهم ما هو فوق ذلك - إن شاء الله تعالى - ولله

الفضل والمنة: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس: 58) ، وصلوات الله وسلامه على رسوله محمد خاتم النبيين وآله

وصحبه الهادين المهديين، وجميع المهتدين بهديه إلى يوم الدين، وسلام على

المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

_________

(1)

افتجر الكلام: اختلقه لم يتبع به أحدًا ولم يتابعه عليه أحد، فلعل الأصل افتجروا شبهًا واحتفروا حفرًا.

ص: 55

الكاتب: محمد زهران

كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم

الحكم بين المختلفين فيه

(2)

المنكرات التسعة التي خصها بالذكر الأستاذ الشيخ

محمد زهران

أبدأ بكلام وجيز على هذه المنكرات، فأبين أنه ليس فيها شيء مما عبر عنه

الأستاذ الشيخ محمد زهران بصوادم الحجج القاطعة، التي لجأ إليَّ لاستئصال

شأفتها ببواهر البراهين الساطعة، ثم أعود إلى مسألة أحاديث المعجزات وهي أهم

وأكبر فأقول:

(1)

قصة أبرهة والكعبة في الصفحة 64:

لم أر في هذه الصفحة شيئًا يصح أن يقال: إنه من الإلحاد، ولا من صوادم

البراهين القاطعة، ولا مما هو من مخالفة أصول الإسلام ولا فروعه. وخلاصة ما

فيها أن أبرهة أجمع أمره على هدم البيت الحرام، وأن عبد المطلب ومن معه دعوا

واستنصروا آلهتهم وانصرفوا، وخلت مكة منهم، وكان وباء الجدري قد تفشَّى في

جيش أبرهة، وفتك بهم فتكا ذريعًا لم يُعهد من قبل قط، وأصابت العدوى أبرهة

ملكهم فأمر قومه بالعودة إلى اليمن، وبلغ هو صنعاء وقد تناثر جسمه من المرض

حتى لحق بمن مات من جيشه. قال: (وبذلك أرَّخ أهل مكة بعام الفيل هذا وقدسه

القرآن بذكره) وذكر السورة بنصها ولم يقل في تفسيرها شيئًا، فمهما يقل فيه

فهو لا يرد عليه.

(2)

أسطورة شق الصدر: هكذا عنوانه ص 72:

أخطأ الدكتور محمد حسين هيكل أن نقل خبر هذه المسألة عن مؤلف أصل

كتابه بالفرنسية، وسيرة ابن هشام، واعتمد على نقدهما له، واستشكال وقوع ذلك

في بني سعد؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة، وكان المخبر لحليمة

الخبر أخوه ابنها الرضيع للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في سِنِّه.

وقد أخرج هذا الحديث عنها ابن إسحاق وغيره من طريق عبد الله بن

جعفر بن أبي طالب، وهو لم يسمع من حليمة، وإنما قال الذين أخرجوه عنه أنه

قال: حُدثت عن حليمة، ولم يذكر من حدثه. وقد أخرجه ابن إسحاق من طريق

نوح بن أبي مريم وهو ممن ثبت عنهم الكذب ووضع الحديث. وعبد الله بن جعفر

ولد في الحبشة في عهد الهجرة إليها.

وأخرج البيهقي وابن عساكر حديثًا آخر عن حليمة فيه هذه المسألة مطولة

مخالفة للرواية الأولى في سياقها وفي موضع وقوعها، وهي التي يذكرونها في

بعض قصص المولد. وهو من طريق محمد بن زكريا الغلابي وقد قال الدارقطني

مخرجه عنه أنه كان يضع الحديث، وصرح غيره بكذبه أيضًا. فمن اطلع على

هذه الروايات في تعارضها فله العذر في الطعن عليها مع استشكال متنها وكونه غير

معقول.

ولكن مسلمًا أخرج عن أنس ما يقوي معنى رواية عبد الله بن جعفر من

طريق شيبان بن فروخ عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عنه، وشيبان كان يَهِمُ،

أي يخطئ، وحماد هذا من أثبت من روى عن ثابت، ولكنّ ثابتًا تركه البخاري

وقد تغير بعد كبر سنه وساء حفظه، ويقال إن مسلمًا تحرى من رواية حماد عن

ثابت ما سمعه منه قبل تغيره. على أن أنسًا نفسه كان بعد كبر سنه ينسى بعض ما

حدث به، وهو لم يرفع حديثه هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أيضًا عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك

يحدثنا عن ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة

نفر قبل أن يوحى إليه - وهو نائم بالمسجد الحرام - وساق الحديث بقصته نحو

حديث ثابت البناني، وقدم فيه وأخر، وزاد ونقص، ورواية شريك أخرجها

البخاري في كتاب التوحيد برمتها، وفيها أن قصة الإسراء والمعراج في جملتها -

ومنها شق الصدر - كانت رؤيا منامية. وقد غلطوا شريكًا فيها من جهات خالف

فيها من هو أوثق منه.

وأقوى الروايات في شق الصدر حديث الإسراء والمعراج الطويل الذي

أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة - وليس لمالك غيره

- وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث عن ليلة أسري به قال: (بينما أنا في

الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعًا إذ أتاني آتٍ فقدَّ - قال: وسمعته يقول

فشق - ما بين هذه وهذه - أي وأشار إلى ثغرة نحره وآخر بطنه - فاستخرج

قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملؤءة إيمانًا وحكمة فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد

إلخ) .

وفي رواية شريك بن أبي نمر أنه جاءه ثلاثة نفر وهو نائم، وهم الذين تعاونوا

على عملية شق الصدر، وأشرنا إليها آنفًا.

فأنى للدكتور هيكل أن يحيط بهذه الروايات وأسانيدها واختلاف متونها الدال

على روايتها بالمعنى في موضوع من الخوارق، ويحكم فيها بين ما حكاه عن

المستشرقين وغيرهم حكمًا معقولا؟ ولقد كنت سئلت عنها فلخصت الروايات بأوسع

مما هنا، واستظهرت من مجموعها أنه تمثيل لتطهير قلب النبي صلى الله عليه وسلم

وحفظ نفسه من كل ما لا يليق به من وسوسة الشيطان والشهوات والأهواء، كما

تمثل له كثير من المعاني والحقائق في تلك الليلة وفي رؤاه الصادقة بصورة مناسبة

لمعانيها، ولعالم المثال في الكشف الروحاني شأن عظيم عند أهله. ومن المعلوم

بالضرورة أن الإيمان والحكمة اللذين حشيا في قلبه صلى الله عليه وسلم

ليسا من المواد الجسمانية التي توضع في الطست ثم تحشى في القلب. ومن

شاء التفصيل في المسألة فليراجع الفتوى 12، من المجلد 19، ص 529 -

537، ودونها في 8، ج 4، م 33.

وجملة القول أن الدكتور محمد حسين هيكل لم يطلع على حديث يعتقد صحته

ويعبر عنه بأنه أسطورة، فإن كان مقصرًا في هذا الاطلاع فليس بمليم بأكثر مما

يُلام أكثر علماء هذا العصر، ومما تلام عليه مجلة الأزهر (نور الإسلام) بما

تذكره كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، وكذا الموضوعة أحيانًا. فلا يصح أن يجعل

طعنًا في دينه.

(3)

مسألة بدء الوحي ص 95:

لا أدري ما الذي أنكره الأستاذ زهران من كلام الدكتور هيكل في هذه المسألة،

وأما أنا فإنني أنكرت عليه متابعته فيها (لإميل درمنغام) مؤلف الأصل بما يستدل

به الماديون على دعوى الوحي النفسي الذي بسطته، ورددت عليه في كتاب الوحي

المحمدي بالتفصيل، كما أشرت إليه في مقدمة المقالة الأولى وسأعود إليه، فإنني

رأيت المنكرين على كتاب هيكل والمعجبين به سواء في عدم فهم هذه المسألة

المهمة وهي أساس الدين؛ ولهذا أقول إنه يجوز أن يكون مثلهم؛ لم يفطن لكون تلك

المسائل العشر شبهات يستدل بها الماديون على أن ذلك الوحي ذكاء نفسي وعمل

كسبي استعد له محمد صلى الله عليه وسلم بما زعموه من الروايات الباطلة والآراء

المخترعة، التي فندناها في كتاب الوحي المحمدي تفنيدًا.

وأنكرت عليهما مع العلم بعذرهما الاعتماد على رواية سيرة ابن هشام في

مسألة بدء الوحي، وما صورا به جزئياتها من التخيل الشعري الذي تعارض بعضه

الروايات، ولا شك في حسن نية هيكل فيها ومراعاته للأدب الواجب، فإن كان

الأستاذ زهران ينكر شيئًا كتبه بعينه فعليه أن يكتبه لنا، لا أن يكلفنا قراءة الكتاب

كله والرد على كل ما أنكره هو منه لظنه أن رأينا فيه كرأيه، ولكننا أقدر على الرد

عليه بما (يروق الكافة، ويخلب ألباب الخاصة والعامة) كما قال، ورب شيء

أنكره أنا من هذه السير لا ينكره الأستاذ زهران، وقد ينكر إنكاري إن لم يقف على

دليلي مفصلاً.

إنني يا أخي أُنكر كل ما رواه ابن إسحق، وما تبعه به ابن هشام مخالفًا

لرواية الصحيحين في بدء الوحي، حتى رواية عبيد بن عمير التي قال شيخنا

الأكبر في الحديث (الحافظ ابن حجر) إنه يمكن الجمع بينها وبين حديث البخاري

في أول صحيحه. وما أظن أنك أنت ولا أمثالك من المبالغين في الإنكار على كتاب

(حياة محمد) تنكرون مثلي رواية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ملك الوحي في

المنام، وتلقيه منه أول سورة العلق مكتوبة في صحيفة أقرأه إياها، وهي مرسلة

لا ندري لعل الساقط من سندها أحد زنادقة اليهود، وأُنكر كذلك جميع الروايات

التي في كتب السير ودلائل النبوة في أنه صلى الله عليه وسلم كان يرى ويسمع

من الإرهاصات ما اعتقد به أنه سيكون نبي هذه الأمة فتعلق به رجاؤه، وأنا أعهد

أن أمثالكم يطعن على من ينكرها أشد الطعن إلا من طريق علمي: كجرح الرواية

أو معارضة المتون بمخالفة القرآن مطلقًا والضعاف منها للصحاح، كما فعلت في

كتاب الوحي المحمدي مما تلقاه كل قارئيه بالقبول.

(4)

ما نسبه إلى السيدة خديجة ص 100:

يعني الأستاذ زهران بهذه المسألة قول الدكتور هيكل: إن خديجة قالت للنبي

صلى الله عليه وسلم عندما فتر الوحي: (ما أرى ربك إلا قد قلاك) أي أبغضك.

وقد تابع بهذا درمنغام، وهما لم يخترعاه اختراعًا. وكان من شأن المنكِر عليهما أن

يعلم أن ابن جرير رواه مرسلاً عن طريقين قيل إن رواتهما ثقات، ولكنهما

معارَضان بما رواه الشيخان عن جندب قال: اشتكي النبي فلم يقم ليلة أو ليلتين،

فأتته امرأة فقالت له: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك؛ فأنزل الله:

{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضحى: 1 -

3) اهـ.

وأقول إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب عدوته صلى الله عليه وسلم،

وما قيل في الجمع بينها من أن خديجة قالت له ذلك توجعًا وأم جميل قالته شماته فهو

مردود، وكان يجب على هيكل ألا يأخذ كلام درمنغام قضية مسلمة، ولو بحث

وراجع لعرف الصحيح، وعلم أن هذه الفترة القصيرة في الوحي ليست هي التي

استوحش لها النبي صلى الله عليه وسلم وكبر عليه الأمر، بل تلك الفترة هي التي

كانت بين بدء الوحي في حراء وبين الأمر بالتبليغ، وهي ثلاث سنين، كما بينته

في كتاب الوحي المحمدي وكان ينبغي للدكتور هيكل أن يتأمله ويعتمد عليه فهو لباب

التحقيق.

بل هذه الفترة مشهورة في كتب الحديث وكتب السير لا ينبغي لمن يجهلها أن

يكتب مصنفًا في حياته صلى الله عليه وسلم، يدعي أنه يتحرى فيه الحقائق؛ فماذا

فعل بالكتب التي طالعها لأجله؟

(5)

ما قاله في الإسراء والمعراج ص 153:

أجمل الأستاذ زهران إنكاره على ما كتبه الدكتور في هذه المسألة، وكلفني أن

أبين ما أُنكره منها وأُثبت ما أعرفه، وهو إرهاق يتقاضاني أن أصنف كتابًا أو

رسالة طويلة فيها، وقد سبق لي أن ارتجلت محاضرة فيها استغرقت ساعتين ونيفًا

في جمعية مكارم الأخلاق؛ إذ كانت في قاعة دار السادات.

الدكتور يثبت الإسراء والمعراج، وينقل فيهما ما هو مشهور بين الناس من

الاختلاف بين العلماء؛ هل كان في النوم أو اليقظة؟ وبالروح والجسد، أم بالروح

فقط؟ وينفرد بتعليل القصة بأنها من مشاهد وحدة الوجود الخيالية، ويصف هذه

الوحدة بغير ما يصفها به أهلها من الصوفية الغلاة الذين يُعرفون بصوفية الحقائق؛

لأنه موضوع ليس من علمه، كما أن التمييز بين صحاح الروايات وضعافها

ومنكراتها واختلاف متونها وتعارضها في المعراج ليس من شأنه بالأولى، وقد

أشرت إلى بعضها آنفًا في الكلام على حديث شق الصدر، والجمع بينها متعذر

حتى قيل بتعددها وهو لا يعقل.

ومما أخطأ فيه - كما نرى - ما نقله عن (موسيو أميل درمنغام) في

وصف المعراج وقد خلط فيه بين الروايات المضطربة، فلم يميز بين صحيحها

ومنكرها.

ووصفها وصفًا شعريًّا خلب الدكتور ببلاغته الفرنسية، فعرج هو من أفقه إلى أفق

أبعد منه في التخيل الشعري وهو أفق وحدة الوجود، التي يعجز صوفية الهند

ومقلدتهم من الإفرنج أن يبلغوا فيها شأوَ محيي الدين بن عربي في نثره وعمر بن

الفارض في شعره، وقد قال الدكتور فيها بما لم يعقله من الجمع بين الأزل والأبد.

مسألة وحدة الوجود عقيدة هندية قديمة لا تتفق هي وعقيدة الإسلام في كون

الخالق تعالى فوق جميع خلقه بائنًا منهم، وخلاصتها أن وجوده تعالى وتقدس عين

وجودها، وهي مظاهر له كمظاهر الماء من جامد ومائع وبخار وغاز، كما قال

عبد الكريم الجيلي:

وما الخلق في التمثيل إلا كثلجة

وأنت لها الماء الذي هو نابع

وأقرب مما ذهب إليه الدكتور في تصوير مسألة الإسراء والمعراج أو تقريبها

إلى الأذهان، يوافق العلوم العصرية - هو ما ثبت عند القائلين باستحضار

الأرواح من تمثل أرواح الموتى المجردة بصور جسدية من الأثير تتكاثف أحيانًا بما

تستمده من مادة الكون أو من جسم الوسيط، حتى يمكن تصويرها بالآلة العاكسة للنور

وقد قرأنا في كتاب (المذهب الروحاني) وغيره من الكتب والصحف شواهد

على ذلك، وأصل هذا معروف عند أهل الدين بما ثبت من تمثل أرواح

الملائكة والشياطين بصور البشر وغيرهم وأمثلته كثيرة في كتب أهل الكتاب

المقدسة وفي القرآن العظيم والأحاديث الصحيحة، ويحكون في كتب الصوفية أن

بعض الروحانيين منهم يتجردون من أجسادهم الكثيفة ويتمكنون من تحويلها إلى

أجساد أثيرية لطيفة أحيانًا تقطع المسافات البعيدة في طرفة عين وتنفذ من الأجسام

الكثيفة، فالمسألة معروفة مسلمة عند غير الماديين من المليين، وغيرهم من

الروحانيين.

فعلى هذا يمكن أن يقال إن روح النبي صلى الله عليه وسلم أعطيت من القوة

في تلك الليلة ما كانت به كقوة روح جبريل الذي كان يتمثل له صلى الله عليه وسلم

بصورة دحية الكلبي وغيره، وتمثل للسيدة مريم عليها السلام بشرًا سويًّا، وفي

هذه الحالة تتصرف الروح بجسدها الأثيري اللطيف فتحمله من مكة إلى بيت

المقدس، ومنه إلى حيث شاء الله من السموات العلى إلى سدرة المنتهى، وقد

بينت هذا من قبل في المنار وفي محاضرتي الطويلة التي أشرت إليها آنفًا، وقلت

إنه مذهب الصوفية الموافق لقول جمهور المحدثين إن الإسراء والمعراج كانا

بالروح والجسد.

ولعل هذا ما أشار إليه الأستاذ الأكبر المراغي في التعريف بالكتاب بقوله:

(وعلم استحضار الأرواح فسَّر للناس شيئًا كثيرًا مما كانوا فيه يختلفون، وأعان على

فهم تجرد الروح وإمكان انفصالها، وفهم انفصالها، وفهم ما تستطيعه من السرعة

في طي الأبعاد، وقد انتفع الدكتور بشيء من هذا في تقريب قصة الإسراء فأتى

بشيء طريف) ا. هـ.

اشتبه بعض قراء هذه العبارة المجملة الوجيزة في فهمها فظنوا أن الأستاذ

وافق المؤلف على القول بأن الإسراء كان بالروح منفصلة من الجسم، وعلى مسألة

وحدة الوجود، ولكن قوله:(فأتى بشيء طريف) لا يدل على فهمهم هذا؛ ولذلك

لم يقل: (بشيء طريف فيه) ، بل هو يشير إلى ما قلته.

وجملة القول: أن الدكتور هيكلاً نقل بعض أقوال علماء المسلمين في مسألة

الإسراء والمعراج وقول درمنغام من غير تمحيص ولا تحقيق، كما فعل بعض أهل

السير وغيرهم من المسلمين، وزاد عليها مسألة وحدة الوجود بعبارة مبهمة تدل

على أنه لا يعتقد أنها مخالفة لنصوص الكتاب والسنة لخفائها المعروف، فلا يباح

لمنكريها عليه الطعن في دينه، ولا يصح للمعجبين به أن يقولوا: إنه محقق لروايات

السيرة.

(6)

ما عقب به معجزة الغار ص 177:

يعني الأستاذ الناقد المنكر بهذه المعجزة ما نقله الدكتور هيكل عن أميل

درمنغام عن بعض كتب السير كالسيرة الحلبية: من أن النبي صلى الله عليه

وسلم حين دخل مع صاحبه الغار وجاء المشركون يبحثون عنه وجدوا شجرة تدلت

فروعها إلى فوهته، وبيتًا من العنكبوت يستر من فيه، وحمامتين باضتا عند بابه.

وذكر أن وجه المعجزة في هذه الأشياء أنها لم تكن موجودة، وإنما وجدت وقتئذ،

وأن درمنغام قال: (هذه الأمور الثلاثة هي وحدها المعجزة التي يقص التاريخ

الإسلامي الجد (كذا) ، وهي أعاجيب ثلاث، لها كل يوم في أرض الله نظائر) .

(أقول) : حديث هذه الثلاث أخرجه ابن سعد وابن مردويه والبيهقي

وأبو نعيم عن أبي مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم

والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدثون أن النبي e ليلة الغار أمر الله بشجرة فنبتت في

وجه النبي e فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي e فسترته،

وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا في فم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن

رجل بعصيهم وهراويهم وسيوفهم

إلخ.

قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان بعد ذكر حديث أبي مصعب هذا: قال

العقيلي مجهول ذكره في ترجمة عون بن عمرو. وذكر الحافظ في ترجمة عون هذا

أنه منكر الحديث مجهول، وذكر حديثه هذا عن أبي مصعب وقال إنه لا يعرف.

فهذه المعجزات لم يصح بها الخبر، بل انفرد بروايته مجهول منكر الحديث

عن رجل لم يعرف قط، فالظاهر أنه هو الذي وضعه عليه، ولو كان له أصل

لأمكن أن يقال من ذا الذي حقق أن هذه الثلاث وجدت عند دخوله e في الغار،

وأنها لم تكن من قبل، وكيف كان عبد الله بن أبي بكر وراعي غنمه مولاه عامر

ابن فهيرة يدخلان الغار في كل ليلة؟ ولِمَ لمْ يحدِّثا بها أحدًا ولا حدث بها من أكرمه

الله بها وهو النبي صلى الله عليه وسلم وكذا صاحبه رضي الله عنه حتى حدث

بها أبو مصعب المجهول الذي أعيا رجال الجرح والتعديل أن يعرفوه أو يعرفوا عنه

شيئًا، ولم يحدث بها عنه إلا عون بن عمرو المنكَر الحديث؟ وأي حاجة إليها في

حفظ من كفل الله حفظه، وعبر عن ذلك بأنه تعالى معه ومع صاحبه؟ ههنا يظهر

الفرق بين شعور الأستاذ زهران والدكتور هيكل وأمثالهما:

الفريق الأول يرتاح إلى روايات خوارق العادات مطلقًا، ويرون أنها أعظم

الحجج على إثبات النبوة، فلا يعنون بتحقيق رواياتها.

والآخرون ينفرون منها لكثرتها عن جميع الملل ولا يرون فيها حجة قاطعة

على النبوة كالآيات العلمية والعقلية وأعظمها القرآن؛ ولذلك يميلون إلى تكذيب

روايات تلك الخوارق، وسنبين تحقيق الحق في ذلك.

(للنقد بقية)

_________

ص: 64

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌شاعر العرب

الشيخ عبد المحسن الكاظمي

فاجأنا في ضحوة يوم شديد الحر من هذا الشهر المحرم (سنة 1354 -

مارس سنة 1935) نبأ وفاة شاعر العرب المطبوع وعلم الفصاحة المرفوع الشيخ

عبد المحسن الكاظمي بعد مقاساة أمراض طال أمدها عدة سنين، صبر عليها صبر

الكرام، ويحزنني أنه لم يتح لي تشييع جنازته، وقد قمت بكل ما استطعت من

حقوق مودته (المادية والأدبية) في أكثر من ثلث قرن، حتى إنني عرضت نفسي

لمرض طويل كاد يكون مزمنًا بزيارتي له ليلاً وأنا مصاب بنزلة صدرية شديدة،

وكان يزورني في وسط العهد بيننا في يوم الجمعة من كل أسبوع، وقد يزيد عليها

لأسباب عارضة، وإنني أنشر هنا ما كتبته في شأنه بعد تعارفنا بمصر بأيام قليلة،

وهو ما تراه في ص 328 من مجلد المنار الثالث، بتاريخ ربيع الأول سنة

1318، يوليو سنة 1900 بعنوان:(القديم في الحديث، والأول في الآخر)

وهذا نصه:

(ذهبت بلاغة الشعر العربي بذهاب دول العرب حتى صار القرن يمضي

كله ولا يظهر فيه شاعر عربي الأسلوب بليغ الكلام، وحتى صرنا نعد وجود مثل

سعادة محمود سامي باشا البارودي من قبيل ما يسميه الحكماء بالرجعة، كأن السليقة

العربية رجعت إليه بالوراثة لأحد أجداده الأولين من غير عناء في كسب ملكتها،

والظاهر أن بلاد العراق لا تزال أقرب إلى السليقة العربية من أهل هذه البلاد،

وأن النابغين فيها أكثر منهم في غيرها.

ولقد وافى هذه البلاد من أشهر رجل فاضل جدير بلقب (الأديب) وقلَّ

الجدير به في العصر، ألا وهو الشيخ أبو المكارم عبد المحسن الكاظمي (نسبة إلى

الكاظمية بلدة في ضواحي بغداد) لقيناه فلقينا الأدب الصحيح والأخلاق الحسنة من

الشاعر المفلق، العذب المنطق، الذي ناهز المقدمين، وخاطر المقرمين، ومن

السجايا الفاضلة الظاهرة فيه الإباء وعزة النفس، حتى إنك لا تشعر في أول عهدك

به بما عنده من لطف المعاشرة ورقة الطبع ولين العريكة.

قال صاحب السعادة إسماعيل باشا صبري وكيل الحقانية وأحد أركان الأدب

في مصر: (إنني عندما لقيته أول مرة ظننت أنه لا تطيب معاشرته، فلما خبرته

علمت أنه لا تطيب مفارقته) ا. هـ.

وما أجدره بقول شاعرنا أحمد بن مفلح المشهور بابن منير الطرابلسي:

إباء فارس في لين الشام مع الظر

ف العراقي واللفظ الحجازي

أما شعره فعلى الطريقة العراقية العذبة القديمة، طريقة الشريف الرضي

ومهيار الديلمي، وأما إنشاده فهو يناسب شعره في التأثير الذي هو المقصود الأهم

من بلاغة القول) ا. هـ.

ونشرت بعد هذا قسمًا من قصيدته العينية، وهي أول ما سمعناه من إنشاد

شعره، ونشرت القسم الآخر منها في جزء آخر، ولعمري إن إنشاده للشعر لأبلغ

من نظمه له في إثارة الشعور، بما شاء من شجو وشجن، وحنين إلى سكن ووطن،

وشوق إلى لقاء حبيب، وحزن على فراق عشيق أو صديق، وإن أنسَ فلن أنسى

إنشاده إيانا قول الشاعر:

وارحمتا للغريب في البلد النازح

ماذا بنفسه صنعا

فارق أحبابه فما انتفعوا

بالعيش من بعده وما انتفعا

فلئن قال ابن المنير في يائيته:

وما المدامة بالألباب ألعب من

فصاحة البدو في ألفاظ تركي

فإن لنا أن نقول: ما لعب المدامة بالعقول، ولا عزف الفارابي بالقانون، بما

أضحك الثغور وأثار الشجون، وأجرى الشئون وران على العيون، ولا نعي جميل

لبثينة أمام دارها، ولا كلمتها للناعي سافرة نابذة لوقارها - بأعظم سلطانًا على

القلوب من إنشاد الكاظمي لهذين البيتين بصوته الرخيم ولهجته العراقية، وتقطيعه

للبيت بغير أوزانه الشعرية، كوقوفه على كلمة الغريب، والنازح، والعيش، فإني

لأتذكر الآن خفقات قلبي لسماعهما، فأجد الذكرى تعيدها سيرتها الأولى، ولقد

كانت كلمة بثينة أشجى كلمة سمعتها من كلام البشر، ولا بأس بذكرها هنا.

لَمَّا شعر جميل العذري بدنو أجله في مصر عهد إلى رجل أن ينعاه إلى بثينة

في حي أهلها، وأعطاه حلته آية لها، فوقف فأنشد هنالك:

صرخ النعيّ وما كنى بجميل

وثوى بمصر ثواء غير قفول

فخرجت حاسرة وقالت: يا هذا إن كنت كاذبًا فقد فضحتني، وإن كنت

صادقًا فقد قتلتني! ! فأخرج لها حلته فأنشدت:

وإن سلوي عن جميل لساعة

من الدهر لا حانت ولا حين حينها

سواء علينا يا جميل بن معمر

إذا مت بأساء الحياة ولينها

هكذا كان الكاظمي يخلب ألبابنا بإنشاده العراقي الشيعي، وكل أدباء العراق

يخلبون الألباب بضروب الإنشاد، وإن كان لأشجى من سمعنا منهم، ولقد أحببناه

لإنشاده ولشعره معًا، ثم اتصل بشيخنا الأستاذ الإمام وخصه بمدائحه المؤثرة،

وكان بالمدائح ضنين، فعشقناه لتنويهه بالإصلاح وإمامه، وقد ذكرته في تاريخ

الأستاذ الإمام منوهًا بما كان من عطف الإمام عليه ومواساته له، ومما لم أذكره أنه

كان له منه راتب شهري قدره عشرة جنيهات ما عدا الهدايا، وكان أنكر ما عددته

عليه من كنوده عدم رثائه له، وكان يعتذر لنا بوجده وكمده، ثم علمنا أنه إنما كان

يخشى غضب الخديوي عليه إذا هو رثاه، إذ سعى له صاحب المؤيد عند سموه

براتب من الأوقاف.

إنني كنت صدقت الكاظمي زعمه أن شدة الحزن والأسى على الإمام أخرست

لسانه، وحيرت وجدانه، وأطاشت جنانه، فأمسى عاجزًا عن رثائه لا يستطيع منه

شيئًا. وظللت سنين مصدقا له، وأرى من حق الوفاء لأستاذنا عليّ بره والوفاء

له، على أنه حدثني فيما كان يقصه عليَّ من سيرته الشخصية أن الخطوب ليس

لها على نفسه سلطان، وأن الحزن ليس له في شجون قلبه ولا في شؤون عينيه

مكان، وأنه كاد هجومها عليه يغلبه على جَلَده، مرة أو مرتين، ففطن لذلك فكان

لإرادته الغلب والرجحان، فكان عصي الدمع شيمته الصبر، ليس للحزن عليه

نهي ولا أمر.

ولقد كان يقول لي إنه لم يجد بعد الأستاذ الإمام من أخلص له الوفاء مثلي،

ويظهر لي أنه على رأيي ومذهبي فيما أدعو إليه، وأحيا لأجله من الإصلاح

الإسلامي والوحدة العربية، وكان ينشدني بعض قصائده في مدح من يرجو برهم

ويقف لي عندما تتضمنه من الإشارة إلى ما أحب من المصلحة العامة، في

تضاعيف ما أكره من المدائح الشخصية، بله ما نظمه في المسألة العربية ورجالها،

ومنه ما يخصني بزعمه دون غيري، ولم أكن لأحفل بالتصريح بشيء يخصني؛

فكيف أحفل بالتلويح والتعريض الذي لا يكاد يفهم المراد منه أحد؟ ولكن خطر

ببالي كثيرًا ما لم أذكره له ولا أشرت إليه من تقصيره في رثاء شقيقي اللوذعي

الأحوذي السيد حسين الشاعر الأديب الخطيب، وقد كان عشقه للكاظمي غرامًا،

ووده له لزامًا، وكان وكيلي في إدارة المنار مدة غيبتي في الآستانة عامًا كاملاً لم

يكد يفارقه فيه يومًا، ثم عاد إلى سورية فقتل بيد مجرم أثيم، فكان من إكبار خطبه

عندي أن قلت في تأبينه إنه ليعز علي أن أرثيه، وكنت أرجو أن يرثيني، وأكبر

المصاب فيه أهل الفضل والأدب في جميع البلاد العربية، وعقدوا له في بيروت

حفلة رثاء وتأبين تبارى فيها أدباء الطوائف الدينية بما كان أقوى مظهر لرابطة

الأدب الجامعة، فكانت حفلة نادرة في ذلك الوقت، ولكن كان صديقي وصديقه

أبخل بشعره عليه منه بدمعه، وهو الغني المليء بالشعر، الفقير الشحيح بالدمع،

وإنما يجود بالشعر حيث يرجى به النوال الجزل.

لقي الملك فيصلاً في مصر فرأى من لطفه وتواضعه وتكريمه له ما أحدث له

أملاً بأن يحيا بجوده حياة جديدة من الإتراف والسعة، أقلها أن يكون له راتب

شهري كبير وهو في مصر، أو ينقل إلى منصب كبير في بغداد، فمدحه كما مدح

أخاه الأمير عبد الله وبيتهم الشريف بقصائد غر، كان ينشدها كلها أو بعضها قبل

إرسالها، ويحاول إرضائي وأنا المنكر لسياستهم البريطانية بما فيها من التنويه

بالإصلاح والوحدة العربية، حتى إذا ما خاب أمله فيهم، وغلبهم ابن السعود على

الحجاز، وحدث له من الرجاء في جوده وسخائه ما يئس من مثله منهم، طفق

يمدح هذا وآله؛ ويعرض، بل يصرح، بهجو أولئك، ومن ذلك قصيدة في الفرق

بين الفيصلين فيصل بن عبد العزيز وفيصل بن الحسين، وكان يدعي أنه لم يكن

له من باعث على هذا وذاك إلا ما يهمنا جميعًا من مصلحة العرب والإسلام.

كذلك كان يستشيرني في القصائد التي كان ينظمها في القضية العربية، التي

يقيمها حزب الاتحاد السوري، فاللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني؛ ويكل

إليَّ السعي لما يرجوه من الجائزة عليها من الوجيه ميشيل بك لطف الله، وهي من

غر قصائده.

وكثيرًا ما كان يزيد في هذه القصائد التي نظمها ولم يكتبها، وكثيرًا ما كان

يرتجل غيرها، فقد ثبت عندنا أنه أوتي من ملكة الارتجال ما يساهم به فحول

العرب من الجاهليين والمخضرمين والمولدين، وهو يعد من فصحائهم لا من بلغائهم،

فشعره فحل في لغته وأسلوبه، دون فلسفته وتأثيره الروحي.

وما كان لي أن أطمع بإرجاعه عما يبغيه من الكسب بشعره، وهو بضاعته

الرائجة، فكنت أحمد من قصائده ما فيها من الآراء العامة، وأقتصد في الإنكار

على المبالغة الشعرية في المدح فيوافقني على ما أقول، ولا أدري ما يكتبه بعد ذلك

ويرسله، وما يثبته في ديوانه الذي يدخره لمستقبله وورثته؛ فقد كان يحفظ كل ما

ينظمه، وينشدني وينشد غيري من حفظه، وقد ينقح ما ينتقده عليه السامع في

المجلس، ويزيد فيه ما شاء وينقص منه؛ وكان يرجو أن يبذل له أحد الملوك أو

الأمراء أو الكبراء ما يكفي لوفاء ما يذكر من دَينه وطبع ديوانه، فإن لم يتح له ما

يرجو، وَكَل أمر طبعه من بعده إلى أبر الأوفياء له، الذي اختار أن يجعله وصيًّا

على كريمته الرباب، وإياي كان يعني.

هذه خلاصة ما يقال في شعره وأدبه ومودته وكسبه، ولقد علمت أنه كان له

كسب نسائي خفي من كتابة التمائم للحب والبغض، وكان أمين سره في هذا العمل

صديقه المرحوم توفيق أفندي الرافعي، وأول من أفشاه لنا امرأته الأولى التي عشق

أختها وتزوجها، حملت إلى أهل بيتنا بعض هذه التمائم فأبيت أن أنظر فيها،

وحدثتْهن عن إسرافه في النفقة، وما كان يوهمني (قبل بنته الرباب) من أن له

عيالاً ينفق عليهم، وقد سمعت منه ورأيت ما يعد من عجائب إسرافه، فلقد كان

يشتري ثمر المنجا الجيدة بالعشرات أو مائة بعد مائة وهي أغلى الثمار ثمنًا، وكان

دائمًا يشكو الحاجة أو الضرورة، ويطرق أبواب الكبراء الواسعة والضيقة، وقد

لجأ أخيرًا إلى المرحوم سعد باشا زغلول ومدحه بالقصائد الفياضة التي ذكر فيها

الأستاذ الإمام أول مرة بعد وفاته، ثم لجأ إلى زعيم الوفد من بعده، وظهر في هذه

الأثناء بشعر بنته الرباب، وقد شبت على استبدال البرنيطة بالحجاب.

وجملة القول فيه أنه كان شاعر العرب المرتجل المفلق، كما كان قال قبل

اختيار هذا اللقب لنفسه.

لتُخلِ القوافي ميادينها

فقد عصف الشاعر المفلق

وكانت حياته الشخصية في داره ومع أصدقائه وزواره مفاكهات أدبية أكثرها

في شعره وأغراضه منه، ثم لم يكن يتحدث في السنين الأخيرة إلا عن مصائبه

وأمراضه وخُلته، حتى صار مملولاً بالطبع. نذكر هذا للعبرة والموعظة، ونسأل

الله تعالى لنا وله العفو والمغفرة والرحمة الواسعة.

ويسرنا جد السرور عناية الحكومة العراقية بإكمال تربية كريمته، وعناية

أدبائها وأدباء فلسطين وسورية بتأبينه، وهمَّ بعض أصحابنا بإقامة حفلة تأبين

حافلة، ثم أرجؤوها إلى انتهاء هجير الصيف، وما كان لمصر أن تهضم حق أدبه

وما كان ظهوره واشتهاره إلا فيها.

_________

ص: 72

الكاتب: مراسل الأهرام في أمريكا

‌تفاقم شر الطلاق في أميركا

لمراسل الأهرام في أمريكا

أشرت في إحدى رسائلي الماضية إلى القاضي بن لندسي في مدينة لوس

أنجلوس بولاية كليفورنيا الملقب بقاضي الطلاق لتساهله في تسهيل سبله على

الطالبين، ولكثرة عدد الذين أعتقهم من ربقة الزواج كما يعتق السجناء حال انتهاء

المدة المحكوم عليهم بها، وقد أعلن هذا القاضي اليوم اعتقادًا جديدًا أبداه بشكل

نبوءة مفادها إمحاق عهد الزواج بهذه البلاد في وقت غير بعيد؛ إذ قال:

(إن الزواج في هذه البلاد صائر إلى حالة توجب الأسف وتحمل على

الاحتساب، فإن لم نفتح عيوننا للحقائق، ونصرح بها غير متهيبين، ونعمل على

تغيير ما نفهمه من علائق الجنسين، تصبح الإباحة في الحب والفوضى في الزواج

والتطرف في حسبان الطلاق من ضروريات المعيشة الهنيئة شيئًا سهلاً وواجبًا،

وإن كان مخالفًا لما قررته الأديان وأوجبته قوانين الهيئة الاجتماعية) .

(فالزواج عندنا قد أصبح ألعوبة أو مهزلة بحيث لا يختلف عن شركة

تجارية يعقدها شخصان، ويبقيان فيها متعاونين ما بقيت رابحة، وما اتفق ذوقاهما

وينفصلان عندما يشعران بالخسارة أو بالنفور المتبادل. ولا ريب في أن البواعث

الطارئة على تمدننا في هذا الزمان تعمل على تقويض أركان التوازن الديني

وتشويه آداب المجتمع، وتمهد السبل للطبيعة البشرية الميالة إلى الشر في طغيانها

فتتمادى فيه بلا وازع من الدين ولا رادع من القانون. والقاضي الذي تبدو له هذه

المساوئ في القضايا المختلفة لا يرى سوى علاج واحد ناجع وهو أن تستعين

الهيئة الاجتماعية بالدين والعلم والتهذيب على استئصال ما طرأ في هذا العصر

من التطورات الغريبة العاملة على خراب الحياة الزوجية وفساد أخلاق الناشئة) .

(وقد يحسبني بعضهم من المفكرين المتفوقين في هذا الباب بالنظر إلى كثرة

عدد الذين أفلتوا من قيود الزواج في محكمتي، فأنا على الرغم مما يقال من تساهلي

في حل ما عقده الشرع، من أشد الناس تمسكًا بزي الزواج القديم القائل ببقاء

الاثنين جسدًا واحدًا إلى أن يفرقهما الموت، ولا يحل هذا الشكل إلا العمل بهذه

القاعدة، وأعتقد أن أجدادنا كانوا أسعد حالاً وأهنا عيشًا من الوجهة الزوجية مما

نحن عليه الآن) .

(ومهما كان اعتقادنا بنظرياتهم فإن تلك النظريات قد انطوت ومعها الحياة

الزوجية القديمة المبنية عليها، أو أنها تنطوي الآن بسرعة، وحل محلها جنوح [1]

لا يعترف بقيود، خالٍ من كل مسئولية ومن الحب الحقيقي في تعاقد الجنسين

بحيث أصبح الناس يعتقدون أن الزواج قضية مؤقتة يحافظون عليها ما وفرت لهم

الغبطة، وضروب الشهوات والمسرات، فإذا عدمت هذه الميزات ذهبوا إلى

المحامي) .

ويظن هذا القاضي أن الحالة الاقتصادية في الحياة العصرية التي تزاحم فيها

المرأة الرجل في الأعمال على اختلافها، والتي جعلت الزواج صعبًا أو مستحيلاً

على الشبان من سن 20 إلى 30 لقلة دخلهم - هي التي سببت هذا التشويش

والفوضى في الطلاق أيضًا؛ لأن الزوجة التي تفرك [2] ، أو يحاول زوجها

التخلص منها، قلما تعارض لانفتاح أبواب العمل أمامها بخلاف ما كانت الحال

عليه في الماضي.

وتنبأ القاضي لندسي من سبع سنوات عن أن عدد المطلقين في السنوات

العشر التالية سيضارع عدد الذين يتزوجون، وقد مضى من تلك الأعوام سبعة وبقي

ثلاثة، ومع ذلك فقد تم ما خمنه قبل انتهائها حسبما يقول. اهـ.

(المنار)

إن سوء عاقبة هذا الفساد أكبر مما يحسب هذا القاضي ويقدر، وإن له أسبابًا

وعللاً كثيرة، وإن علة العلل كلها انحلال العقيدة الدينية وما تعقبه مع الحرية

الواسعة من إباحة الشهوات، وقد كان الدين عندهم نظامًا اجتماعيًّا أدبيًّا، تكفله

التربية والتعليم، وتحميه القوانين، فضعفت الكفالة والحماية بحرية التعليم العالي

للنساء والرجال معًا، فصار من المتعذر أن يدين هؤلاء بالنصرانية المبنية على

التسليم بما يقال لهم من غير برهان معقول مقنع، وهذا الدين لا يجدونه إلا بالإسلام؛

فهو العلاج الوحيد لجميع مفاسد الحضارة الغربية، كما فصلناه في كتاب الوحي

المحمدي.

_________

(1)

كذا، والجنوح الميل، ومنه ميل السفينة إلى حيث ترتطم بوحل فتقف.

(2)

فركت المرأة: أبغضت زوجها، فهي فارك وفروك.

ص: 78

الكاتب: شكيب أرسلان

‌العقبة من الحجاز

في عهد الدولة العثمانية

حضرة الأستاذ العلامة حجة الإسلام بهذا العصر، وقائد كتيبة المحققين الذي

كُتب له النصر، السيد رشيد رضا، أطال الله بقاءه ونفع به:

قرأت في الجزء المؤرخ في 30 المحرم 1354 من المنار فصلاً وافيًا عن

العقبة، وفيه كلام نقلتموه عن أمين أفندي سعيد معناه أن العقبة أدخلت سنة 1906

ضمن الحدود العثمانية وألحقت بلواء الكرك (شرقي الأردن اليوم) وصارت

جزءًا من أجزائه.

والذي أعرفه أنا أن العقبة لم تلحق في وقت من الأوقات بلواء الكرك، وهذا

هو أصل المعترك، فإن الإنجليز يريدون أن يجعلوا العقبة من البلاد التي كانت

الدولة العثمانية ألحقتها بلواء الكرك حتى يقولوا: إنهم لم يغيروا شيئًا من الوضع

القديم، بل أبقوا العقبة تابعة للخطة التي كانت تابعة لها من قبل. والحقيقة أنه لما

تشكل لواء الكرك ألحقوا به قصبة معان وتوزيعها ما عدا العقبة، وكان ذلك من

الدولة قصدًا وعمدًا، حتى لا تجعل العقبة تخرج من أرض الحجاز نظرًا لاستثناء

الحجاز من أمور كثيرة، كان متفقًا عليها بين الدولة والدول الأجنبية، ومن جملتها

عدم جواز تملك الأجانب. وقد كنت مرة في دمشق في أيام ولاية ناظم باشا وعلمت

من المرحوم محمد فوزي باشا المعظم وكان هو عمدة مجلس الإدارة أن ولاية

سورية راجعت الباب العالي في أن العقبة باتصالها بأرض معان وبكونها ميناء

لمعان وبلاد الشراة يجب إلحاقها بمتصرفية الكرك تسهيلاً للأشغال.

فأجاب الباب العالي ولاية سورية قائلاً: (إن هذه الملاحظة لا تخفى علينا،

ولكن هناك ملاحظات سياسية أهم منها، وهي: أنه إذا ألحقت العقبة بلواء الكرك

صارت من ولاية سورية ودخلت تحت المعاهدات التي بين الدولة والدول الأجنبية،

فصار يجوز للأجانب أن يتملكوا فيها بخلاف ما إذا كانت تابعة للحجاز، فليس

للأجانب حق أن يتملكوا شيئًا في الحجاز، وهو أمر متفق عليه بين الدولة والدول،

فبقيت العقبة إذن تابعة للحجاز، ولم تتبع الكرك كما طلبت ولاية سورية، فقصدت

أن أصحح هذه الرواية التي نقلتموها عن أمين أفندي سعيد والتي لو صحت لما كان

محل للتعجب من سعي الإنكليز بإلحاق العقبة بشرقي الأردن لأنهم يكونون حينئذ

بنوا على أساس قديم. والحال أن هذا الأساس لم يوجد، وأن العقبة كانت ولم

تخرج من الحجاز لا أولًا ولا أخيرًا ووضعها الحاضر لا يستند على شيء قانوني.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

...

...

...

...

شكيب أرسلان

...

...

...

...

... جنيف

(المنار)

هذا ما يقال من جهة ما يسمى التشكيلات الإدارية في الدولة. وأما من الجهة

الشرعية الإسلامية فالعقبة وما حولها من الحجاز. وبصفة أوسع نقول: من جزيرة

العرب التي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بألا يبقى فيها دينان كما بيناه مرارًا،

فاحتيال إنكلترة للاستيلاء عليها أفظع اعتداء على دين الإسلام.

_________

ص: 80

الكاتب: أحد محرري المقطم

‌وزير مسيحي يصف الشريعة الإسلامية

خطب الأستاذ فارس بك الخوري الوزير السوري الأسبق ومن كبار مسيحيي

سوريا في إحدى الحفلات التي أقيمت بدمشق لإحياء ذكرى المولد النبوي، ومما

قاله:

(إن محمدًا أعظم عظماء العالم، ولم يَجُدْ الدهرُ بعدُ بمثله، والدين الذي

جاء به أوفى الأديان وأتمها وأكملها، وإن محمدًا أودع شريعته المطهرة أربعة آلاف

مسألة علمية واجتماعية وتشريعية، ولم يستطع علماء القانون المنصفون إلا

الاعتراف بفضل الذي دعا الناس إليها باسم الله، وبأنها متفقة مع العلم، مطابقة

لأرقى النظم والحقائق العلمية) .

(إن محمدًا الذي تحتفلون به وتكرمون ذكراه أعظم عظماء الأرض سابقهم

ولاحقهم، فلقد استطاع توحيد العرب بعد شتاتهم، وأنشأ منهم أمة موحدة فتحت

العالم المعروف يومئذ، وجاء لها بأعظم ديانة عينت للناس حقوقهم وواجباتهم

وأصول تعاملهم على أسس تُعَدُّ من أرقى دساتير العالم وأكلمها) .

...

...

...

...

...

(المقطم)

_________

ص: 81

الكاتب: محمد تقي الدين الهلالي

مأساة أميرة شرقية

بقلم الأستاذ العلامة الشيخ محمد تقي الدين الهلالي

نزيل البصرة

(2)

ونحن مع احترامنا للنبي المكرم عيسى نقول: قد أجاد الأستاذ في تنظيره

وتمثيله، ألا يعلم لويس أن شرب الدخان في النارجيلة أو غيرها إنما حدث بعد

اكتشاف كولومبوس أمريكا، ولم ينتشر إلا في الأزمنة الأخيرة، بل في هذا الزمان

نفسه لو دخلت مجلس أمير من بني تميم أهل اليمامة لم تر فيها نارجيلة فضلاً عن

الخمر؛ فهل بلغ به هوان نفسه عليه أن يزعم أن مجالس أمراء أبي بكر وعمر

كانت محتوية على الخمر؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، فأي رجل من زنوج إفريقية،

بل قبائل إسكيمو يلقي نظرة إجمالية على التاريخ ويتوهم وجود الخمر في مجالس

أمراء الخلفاء ولم تمضِ على انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى إلا أيام قلائل ولم

يروِ لنا التاريخ شرب الخمر في مجالس الأمراء إلا بعد ذلك بأزمان طويلة؟

وليس مقصودي أن أبرئ خالدًا من الوجهة الدينية، أو أدعي له العصمة

الواجبة للأنبياء؛ لأن الكاتب لم يتصدَّ لهذا الأمر إلا من الوجهة التاريخية والأدبية؛

ولذلك أحصر ردي عليه فيهما؛ فهل يستطيع أن ينقل لنا كلمة واحدة من التواريخ

المعتبرة يثبت بها ما افتلعه؟ هيهات ذلك.

لقد كنا نظن أن مجلاتنا الأدبية لمَّا تصل بعد إلى المستوى الأعلى من التحقيق

في التاريخ والأدب، وأن كتابنا لا تزال بضائعهم مزجاة في ذلك، ولكننا بعد ما

رأينا هذا المقال اغتبطنا أيما اغتباط بمجلاتنا وكتابنا. وكنا نظن أن كاتبًا شهيرًا قد

تصدى لكتابة سلسلة مقالات في التاريخ والشرقيين في أشهر المجلات الإنكليزية في

الهند وعرضها على علماء الشرق والغرب يربأ بنفسه أن يرتكب الخلط والخبط

والكذب البحت، ولكن أبى الله إلا أن يفضح هذا الأديب الكبير ليعلم مطايا الإفرنج

ومقلدوهم أن أدباءهم ليسوا معصومين كما يزعمون من الوهم والغلط والجهل

والكذب، بل ربما فاقوا غيرهم في ذلك، وسترى في الرد على مقاله ما يجلو كل

شك ويلاشي كل ريب.

ومن العجيب أن الأديب " كرهام " جعل من خالد خالدَيْنِ، ولرجل واحد

صورتين، فالصورة الأولى التي تقدم الكلام عليها تخالف تمامًا صورة خالد التي

نشر تحتها ترجمة خالد بن الوليد وأعماله وسيرته في المجلة نفسها، في جزء 8

أكتوبر 1933 فخالد الأول مستطيل الوجه مائل إلى الاستدارة، ذو لحية مقصوصة

قصًّا غير بليغ؛ وأما الثاني فإن وجهه صغير مخروطي، وملامحه مخالفة أشد

المخالفة لملامح الأول، ذو لحية فرنسية مخروطية منهوكة بلا عارضين، فهكذا

يكون التخبط، وإلا فلا.

* * *

الرد على مقاله

ومناقشته الحساب

(1)

زعم الكاتب الكاذب أن ليلى بنت الجودي الغسانية كانت زوجًا لمالك

بن نويرة ثم تزوجها خالد بن الوليد ثم تعشقها وغنى بحبها عبد الرحمن - يعني ابن

أبي بكر الصديق - ومازال ملحًّا في طلبها إلى أن ظفر بها أخيرًا، ففتن بها حتى

أعرض عن نسائه وسراريه وجعلها سيدة البيت، ثم لم يلبث أن هجرها وفارقها

فرجعت إلى بيت والدها بدمشق، وقضت بقية حياتها فيه، هذا ملخص قصة ليلى

بزعمه.

أقول: وهذا كذب محض، وجهل فاضح؛ فإن ليلى بنت الجودي لم

يتزوج بها مالك بن نويرة، وكيف يتزوج بها وهو من أهل اليمامة في قلب جزيرة

العرب وكان وثنيًّا مشركًا، وليلى بنت الجودي نصرانية، وأبوها أحد رؤساء

النصرانية في دمشق. وامرأة مالك بن نويرة التي تزوجها خالد بعد قتل زوجها

اسمها أم تميم بنت المنهال، لم يتعشقها عبد الرحمن، ولم يتغن بحبها ولا تزوجها.

وقد التبس الأمر على هذا الكاتب المسكين لفقره في الأدب الشرقي، فمزج امرأتين

وعجنهما وجعلهما شيئًا واحدًا لحول في عين بصيرته، وسيجيء الكلام على

ليلى بنت الجودى في آخر الرد، إن شاء الله.

(2)

زعم أن ليلى زوجة مالك بن نويرة وقعت مع زوجها في أسر خالد،

وهو كذب أيضًا؛ إذ لم يذكر أحد من المؤرخين (فيما نعلم) أن خيل خالد أخذت

مع مالك زوجته، والحقيقة - كما في الطبري والكامل وابن خلدون وغيرها - أن

خالد ابن الوليد نزل بالبطاح، وبث سراياه، فجاءته الخيل بجماعة من بني يربوع،

منهم مالك بن نويرة، فسأل خالد الذين جاءوا بهم: أهم مسلمون فيبقيهم أم

مرتدون فيقتلهم؟ فاختلفوا فشهد أبو قتادة ونفر أنهم مسلمون، وأنهم أذَّنوا وصلوا

معهم وشهد آخرون أنهم غير مسلمين فأمر بهم خالد فقتلوا، ولم يذكر أحد أنه

كانت معهم امرأة، مع أن الرواة ذكروا كل شيء، حتى إنهم لم يغفلوا عن ذكر أن

ذلك كان ليلاً، وأن البرد كان شديدًا.

(3)

زعم أن امرأة مالك كانت قد وهبت قلبها لزوجها، وأزمعت أن تبذل

كل مرتخص وغالٍ في فدية زوجها، فتزينت بحليها وحللها وذهبت إلى خالد لتشفع

لزوجها؛ فلما رآها عشقها، وأصدر أمره بقتل زوجها، ودعوة إمام لعقد النكاح،

وخلق لها عباءة كثيفة، وزعم أن النساء يومئذ كن محتجبات وكان كشف وجوههن

عارًا، وهذا كله كذب وجهل، فإن الحجاب لم يكن له وجود في ذلك الزمان حتى

في نساء المسلمين؛ فكيف بنساء المرتدين؟ وإنما حدث الحجاب بعد ذلك بزمن

طويل. (انظر كتابنا: الإسفار في مسألة الحجاب والسفور) ولم يكن عقد النكاح

يتوقف على إمام المسجد في بلاد العرب في ذلك الزمان ولا في هذا أيضًا، وإنما

هي عادة من عادات المسلمين في الهند وفي كثير من البلاد الإسلامية، وليس ذلك

بمشروع في الإسلام، ويكفي لعقد النكاح أن يشهد شاهدا عدل من المسلمين، ولكن

أهل البلاد المتحضرة يحضرون القاضي أو نائبه عادة، وأما خالد فلم يكن له إمام،

بل هو القائد والإمام كما هي العادة في ذلك الزمان أن يكون الأمير هو الإمام، ولم

يدخل خالد بامرأته في تلك الليلة، بل تركها حتى تنقضي عدتها كما في ابن جرير:

مجلد 64، ص 192.

(4)

لو فرضنا أن أم تميم ذهبت إلى خالد لتشفع في زوجها لما أمكن أن

يتصور متصور - حتى في هذا الزمن - أن امرأة شريفة زوج أمير تنزين بما

عندها من حلي وحلل وتذهب في الليل البهيم، فتدخل على رجل أجنبي يملك

ناصيتها، وتخلو به في خيمته، لأمور:

(أ) أن التجمل والتحلي إنما يكون وقت الفرح لا وقت الحزن، ولا سيما في

ذلك الوقت العصيب حين أحب الأحباب إليها تحت خطر الموت، ينتظر كلمة

تخرج من بين شفتي القائد تحييه أو تقتله، فتزينها في ذلك الوقت مما لا يعقله أحد

يعرف عادات العرب وأحوالهم؛ لأنها لو فعلت ذلك لقضت على نفسها وعلى خالد؛

إذ الخلوة بالأجنبية - ولا سيما في الليل - فسق موجب للعزل والتعزير، ولا يمكن

لامرأة عرفت بذلك أن تكون زوجة لسيد من سادات العرب، بل ولا من أوساطهم

ولا لرجل عرف بذلك أن يكون أميرًا لأبي بكر.

(ب) أن (الديمقراطية) عند العرب كانت في عنفوان شبابها، ولم يكن

الجنود يخضعون ولا يطيعون الأمير إذا رأوا منه منكرًا، والدليل موجود في نفس

القصة وهو شيئان:

(الأول) : أن بعض الجند - وهم الأنصار - اختلفوا مع قائدهم خالد في

التوجه إلى البطاح [1]، فقال لهم خالد: لا أكره أحدًا منكم، أما أنا فذاهب؛ فتخلفوا

عنه وذهب، ثم بعد ذلك ندموا ولحقوا به.

(الثاني) : أن أبا قتادة أعلن إنكاره على خالد في قتل مالك وأصحابه،

حتى ذهب مغاضبًا له إلى المدينة، واشتكى لأبي بكر الصديق الخليفة ما رأى من

خالد، واستعان بعمر واجتهدا أن يحملا أبا بكر على عزل خالد فلم يفعل.

(ج) لو أن أبا قتادة ومن وافقه من الناقمين على خالد، وفيهم عمر بن

الخطاب الذي كان كالوزير لأبي بكر، وكان إذ ذاك مجتهدًا في حمل أبي بكر على

عزل خالد، وبقيت في قلبه حزازة على خالد حتى إنه حين تولى الخلافة عجل

بعزله، فلو أن قتادة رأى خالدًا قد خلا بامرأة مالك ليلاً قبل عقد النكاح، بل في

حياة زوجها، لأخبر بذلك عمر، وكانت حجته قائمة على فسق خالد، ثم لشنع

عمر بذلك على خالد، وألزم أبا بكر عزله، فلا يجد منه بدًّا.

(4)

ربما تكون العادة عند الأوروبيين - قوم الكاتب - أن المرأة إذا أرادت

أن تشفع عند أمير تجملت وتزينت وتغنجت وتدللت لتسبي قلب ذلك الأمير،

فيقضي حاجتها، وأما العرب فإن العادة عندهم على خلاف ذلك، فإن المرأة إذا

ذهبت إلى رجل أجنبي ولم يكن أميرًا تذهب إليه حزينة متبذلة باكية حيية خاشعة،

وأما المرأة التي تتزين وتتبرج وتذهب للأجانب فهي في نظر العرب بغيّ فاجرة،

لا تتمكن من الدخول على الأشراف.

(5)

زعم " كارهام لويس " أن تلك الليلة كانت ليلة هياط ومياط، وأكل

وشرب، وسكْر ورقص، وخلاعة وبطر؛ احتفالاً بالنصر والظفر، وقد زل

حماره في الطين في هذا أيضًا، ولو أشرف إشرافة على التاريخ الإسلامي أو ألمَّ

إلمامة به، ولا سيما في أوله لعلم أنه كاذب، ولخجل من نفسه (كما يقول الإنكليز)

قبل خجله من الناس. لو كانت الجنود المحمدية يا مستر كراهام تحتفل عند

الانتصار بالأكل والزمر والخمر والعهر، ما أكلت جنود أسلافكم وسادتكم الذين

استعبدوكم قرونًا - أعني الروم الجبابرة - في ربع قرن أو أقل على قلة

عددهم وعُددهم.

إني أرثي لجهلك يا مستر كراهام، وأتمنى أن تعلم - ولو قليلاً - سيرة محمد

وأصحابه الأبرار الأطهار. أفتظن أن أصحاب محمد كأصحاب نابليون وكجنودكم

في الوقت الحاضر: كلما انتصروا فزعوا إلى اللهو والفواحش كالدواب؟ إن

أصحاب محمد كانوا يحيون لياليهم في معسكرهم بالصلاة وتلاوة القرآن اقتداء

بنبيهم، اقرأ يا كراهام في سورة السجدة من القرآن: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ

المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (السجدة: 16) ثم

اقرأ في سورة الفتح: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ

بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ

السُّجُودِ} (الفتح: 29) ثم اقرأ في سورة الذاريات: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا

يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (الذاريات: 17 - 19) وكذلك كان هدي نبيهم وإمامهم كما وصفه الشاعر بقوله:

وفينا رسول الله يتلو كتابه

إذا انشق معروف من الفجر ساطع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا

به موقنات أن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه

إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

_________

(*) نشرها (كرهام لويس) المستشرق الإنكليزي في جريدة المصور الأسبوعي للهند، صور فيها الصحابي خالد بن الوليد القائد الحربي الأعظم في فسطاط كمجالس راجات الهند تدار فيه كؤوس المُدام، واصطفت نراجيل دخان التبغ، وصور ليلى بنت جويد متزينة بأحدث أزياء نساء أوربة وحلي الشرق، تدخل عليه لتشفع لمالك بن نويرة زوجها بزعمه إذ أسرها معه في حرب الردة، فعشقها، وأمر بقتله وتزوجها. وقد نشرنا الفصل الأول في ج 7 م 34.

(1)

أرض بني يربوع، قوم مالك بن نويرة.

ص: 82

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌تقريظ المطبوعات

(تأخر عدة أشهر)

(كتاب المُحلى للإمام أبي محمد علي بن حزم)

من حسنات المطابع في هذا العصر أن يسرت لكل مشتغل بفقه الحديث أن

يقتني كتاب المحلى مطبوعًا أحسن طبع على أجود ورق في أحد عشر جزءًا، بعد

أن كان من كنوز أغنى الخزائن، وأندر الذخائر، وحسبك من فضله ونفعه شهادة

سلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبد السلام أنه هو والمغني لابن قدامة أحسن ما

كتب المسلمون في الفقه؛ فهي تغني عن وصفه وبيان إمامة مؤلفه وفضله، وثمن

النسخة منه 150 قرشًا، وهو يطلب من طابعه الأستاذ الشيخ محمد منير الدمشقي

ومن مكتبة المنار.

* * *

(كتاب الفتح الرباني

لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني

وكتاب بلوغ الأماني، من أسرار الفتح الرباني)

الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - إمام أئمة السنة حفظًا ورواية ودراية وفقهًا،

وجرحًا وتعديلاً، ومسنده أوسع الأصول في الحديث وأعمها فائدة، والمسانيد

موضوعة لحفاظ الحديث، يشق على غيرهم الاستفادة منها، فإن كان تلاميذه منهم

لم يحتاجوا إلى ترتيب أحاديثه على أبواب كتب السنن كما فعل الحافظ أبو داود

السجستاني من أعلامهم، فالفقهاء من أتباعه كانوا أحوج الناس إلى ذلك، ونحن لا

ندري هل وجد فيهم من قام بهذه الخدمة أم لا، وإنما ندري أنه ليس في الأيدي

شيء من ذلك، وكأن الله تعالى ادخرها لأحد إخواننا أصدقاء المنار وهو الأستاذ

الفاضل خادم السنة السنية الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، ولعمري

أنه قد قاسى من العناء في هذا الترتيب ما لم يكن يُظن أن أحدًا يطيقه في هذا

العصر، وسلك فيه سبيلاً لم يُسبق إلى مثله: جعل الكتاب كله اثني عشر جزءًا،

وكل جزء منه أربعين ملزمة (كراسة) من ملازم الطبع بالقطع الكامل، وعد

أحاديث كل كتاب بالأرقام، واقتصر في السند على اسم الصحابي، وطبعها بحرف

كبير مضبوط بالشكل الكامل؛ فهذا كتاب الفتح الرباني. وأما كتاب بلوغ الأماني

فهو شرح وجيز له في أدنى الصفحات بحرف أصغر من حرف المتن. يبدأ فيه

بذكر السند، فتفسير غريب الحديث، فالضروري من معناه، فتخريجه فنحث

المهتدين بالسنة على المبادرة إلى اقتنائه.

_________

ص: 87

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌سبب تأخر هذا الجزء من المنار

وسيكون ما بعده أكبر وأحسن

أخرنا هذا الجزء، وهو الأول من هذا العام؛ انتظارًا لأجوبة المشتركين

الذين خيرناهم في الجزء الماضي بين أكرم الخصال وأشرف الخلال، ولم أرضَ

لأحد منهم إلا ما يرضاه الله عز وجل للذين أورثهم الكتاب من عباده

المصطفين لدينه: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ

اللَّه} (فاطر: 32) ويؤسفنا أن كثيرًا منهم رضي لنفسه ما لا يرضاه الله لأحد

من أهل دينه وارثي كتابه، حتى أدنى الطبقات وهم الظالمون لأنفسهم، رضوا بأن

يأكلوا حقه بالباطل سحتًا، واختاروه على أكله حلالاً عن سماح ورضا، وعفوا عما

مضى؛ كما علم كل من قرأ الجزء الماضي، ومنهم من وفّى واعتذر فقبلنا عذره،

ومنهم من وعد وطلب النظرة إلى الميسرة فأنظرناه، ومنهم من طلب العفو والسماح

فسامحناه، ولكن أكثر مشتركي هذا القطر لم يردوا لنا جوابًا، فهؤلاء لا نرسل

إليهم هذا الجزء، وإن جاز أن يكون بعضهم لم يقرأ خطاب التخيير بعد، وأما أهل

الأقطار البعيدة، ولا سيما جزائر الهند الشرقية، فموعد رجع الخطاب منهم قد صار

قريبًا.

وعَدت بتجديد حياة المنار صورة ومعنى، فأما الورق فكما يرى القراء جودة

وحسنًا، وأما الحروف فلما يتم كل ما أوصينا عليه منها، وأما الصحائف فقد زدنا

في هذا الجزء كراسة، ونرجو أن نزيد فيما بعده أيضًا حتى يعود مجلده كما كان -

إذ كانت سنته اثني عشر شهرًا أو أكثر - إن وفَّى لنا المشتركون في تجديد النظام،

وصاروا يؤدون قيمة الاشتراك في أوائل العام، ونفتح لهم فيه الأبواب الأدبية

والعلمية التي عزمنا عليها.

ونحمد الله أن الذين يعرفون قدر المنار لا يعدلون به غيره من المجلات

الدينية التي قلما يجدون فيها شيئًا إلا منقولاً من الكتب المطبوعة الرخيصة، يمكن

أن يستغنوا به عنها، وما يجدونه فيه من حقائق التفسير وحل المشكلات بالفتاوى

وغيرها لا يجدونه في غيره ألبتة، وإنما يجدون شيئًا تطمئن به القلوب، وتنشرح

له الصدور، كما تراه في تفسير أمر يعقوب عليه السلام أبناءه بالدخول من

أبواب متفرقة، والحاجة التي كانت في نفس يعقوب فقضاها بهذه الوصية، فاقرأ

جميع التفاسير من أقدمها إلى أحدثها، ثم ارجع إلى تفسير المنار، وكذلك سائر ما

تقدم وما تأخر من هذه السورة وغيرها، واسأل عقلك، واستفت قلبك في ذلك كله.

_________

ص: 88

الكاتب: محمد مصطفى المراغي

‌تصدير

بقلم فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي

شيخ الجامع الأزهر

كانت مجلة المنار مرجعًا من المراجع الإسلامية العالية، تُحل فيها مشاكل

العقائد، والفقه، وتحيط بالمسائل الاجتماعية الإسلامية، وأخبار العالم الإسلامي

وما فيه من أحداث، وأمراض، وعلل، وكان صاحبها السيد رشيد رضا - رحمه

الله - رجلاً عالمًا عاملاً غيورًا مخلصًا للإسلام، محبًّا لكتاب الله وسنة

رسوله وآثار السلف الصالح. وقف حياته لخدمة دينه والأمم الإسلامية، وكان

شجاعًا في الحق، لا يهاب أحدًا، ولا يجامل، ولا يحابي.

نشأ على هذا واستمر فيه إلى أن لقي ربه واحتجبت بعد ذلك مجلة المنار،

فأحس العالم الإسلامي بفداحة الخطب وشدة وقع المصاب؛ فإنه لا يوجد - فيما

أعلم الآن - ذلك الرجل الذي له من سعة الاطلاع، وحسن التدبير، وحكمة الرأي،

وقوة الإدراك في السياسة الشرعية الإسلامية ما يضارع به المرحوم السيد رشيد.

ذلك ماضٍ جليل نودعه من الفخر به والأسى عليه، والآن قد علمت أن الأستاذ

حسن البنا يريد أن يبعث المنار ويعيده سيرته الأولى، فسرني هذا؛ فإن الأستاذ

البنا رجل مسلم غيور على دينه، يفهم الوسط الذي يعيش فيه، ويعرف مواضع

الداء في جسم الأمة الإسلامية، ويفقه أسرار الإسلام، وقد اتصل بالناس اتصالاً

وثيقًا على اختلاف طبقاتهم، وشغل نفسه بالإصلاح الديني والاجتماعي على

الطريقة التي كان يرضاها سلف هذه الأمة.

(وبعد) فإني أرجو للأستاذ البنا أن يكون على سيرة السيد رشيد رضا،

وأن يلازمه التوفيق كما صاحب السيد رشيد رضا، والله هو المعين، عليه نتوكل،

وبه نستعين.

روائع

من قطعة للرافعي رحمه الله في وصف الصحابة يفتحون مصر:

إن هؤلاء المسلمين هم العقل الجديد الذي سيضع في العالم تمييزه بين الحق

والباطل، وإن نبيهم أطهر من السحابة في سمائها، وإنهم جميعًا ينبعثون من حدود

دينهم وفضائله، لا من حدود أنفسهم وشهواتها، وإذا سلوا السيف سلُّوه بقانون،

وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون

ولأن تخاف المرأة على عفتها من أبيها أقرب من

أن تخاف عليها من أصحاب هذا النبي؛ فإنهم جميعًا في واجبات القلب، وواجبات

العقل، والضمير الإسلامي في الرجل منهم يكون حاملاً سلاحًا يضرب صاحبه إذا

همَّ بمخالفته.

_________

ص: 1

الكاتب: حسن البنا

‌في الميدان من جديد

بعونك اللهم وفي رعايتك وتحت لواء دعوتك المطهرة وفي ظل شريعتك

القدسية وعلى هدي نبيك الكريم العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تستأنف

هذه المجلة (المنار) جهادها وتظهر في الميدان من جديد.

رحمة الله ورضوانه ومغفرته (للسيد محمد رشيد رضا) منشئ المنار الأول

ومشرق ضوئها في الوجود، فلقد كافح وجاهد في سبيل الدعوة إلى الإسلام والدفاع

عنه وجمع كلمة المسلمين وإصلاح شئونهم الروحية والمدنية والسياسية، وهي

الأغراض التي وضعها أهدافًا لجهاده الطويل حتى جاءه أمر ربه بعد أن قضت

المنار أربعين عامًا كانت فيها منار هداية ومنهج سداد.

ولقد ترك السيد رشيد فراغه واسعًا فسيحًا وقضى وفي نفسه آمال جسام

وشاهد قبل وفاته تطورًا جديدًا في حياة الأمة الإسلامية فاستبشر بهذا التطور الجديد

وشام منه خيرًا وأمل فيه كثيرًا، وعزم على أن يساير هذا التطور بالمنار ودعوة

المنار، وأن يجعل منها في عامها الجديد (الخامس والثلاثين) لسان صدق لجماعة

جديرة (بالدعوة إلى الإسلام وجمع كلمة المسلمين) تخلف جماعة الدعوة والإرشاد

وتقوم على الاستفادة بالظروف الجديدة التي تهيأ لها المسلمون في هذا العصر، وقد

كتب رحمه الله في هذا المعنى في فاتحة هذا المجلد ما نصه: (سيكون المنار

منذ هذا العام لسان جماعة للدعوة إلى الإسلام وجمع كلمة المسلمين، أنشئت لتخلف

جماعة الدعوة والإرشاد في أعلى مقصديها أو فيما عدا التعليم الإسلامي المدرسي

منه الذي ضاق زمان هذا العاجز عن السعي له وتولي النهوض به فتركه لمن يعده

التوفيق الإلهي له من الذين يفقهون دعوة القرآن وتوحيده ووحدة أهله وجماعته،

ولا يصلح له غيرهم

) .

ثم ذكر بعد ذلك طرفًا من تاريخ مدرسة الدعوة والإرشاد وما لقيت من عقبات

ومعاكسات انتهت بالقضاء على فكرتها الجليلة، ثم قال بعد ذلك: (وجملة القول

إنني على هذه التجارب وما هو أوجع منها وألذع من أمر مشتركي المنار، وعلى

ما أقرّ به من عجزي عن النهوض بالأعمال المالية الخاصة والعامة بالأولى، وعلى

دخولي في سن الشيخوخة وضعفها لم أزدد إلا ثقة ورجاء بنجاح سعيي لأهم أصول

الإصلاح الإسلامي وتجديد أمر الدين بما يظهره على الدين كله حتى تعم هدايته

وحضارته جميع الأمم، ولم أيأس من قيام طائفة من المسلمين بذلك تصديقًا

لبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه (لا يزال في أمته طائفة ظاهرين على

الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة) رواه الشيخان في الصحيحين

وغيرهما بألفاظ من عدة طرق.

وهذه الطائفة كانت في القرون الأخيرة قليلة متفرقة، وإنني منذ سنتين أكتب

عناوين خيار الرجال المتفرقين في الأقطار الذين أرجو أن يكونوا من أفرادها على

اختلاف ألقابهم وصفاتهم وأعمالهم، لمخاطبتهم في الدعوة إلى العمل، وأرجو من

كل من يرى من نفسه ارتياحًا إلى التعاون معهم على هذا التجديد والجهاد أن يكتب

إلينا عنوانه وما هو مستند له من العمل معهم إلى أن ننشر دعوتهم الرسمية، وأهم

ما يرجى من الخير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذا العصر الذي تقارب فيه

البشر بعضهم من بعض فهو في تعارف هذه الطائفة القوامة على أمر الله وتعاونها

على نشر الدعوة وجمع كلمة الأمة بعد وضع النظام لمركز الوحدة الذي يرجى أن

تثق به، فهي لا ينقصها إلا هذا وقد طال تفكيري فيه وعسى أن أبشرها قريبًا بما

يسرها منه.

وأعجل بحمد الله - تعالى - أن تجدد لي على رأس هذه السنة ما كان لي

ولشيخنا الأستاذ الإمام (قدس الله روحه) من الرجاء في مركز الأزهر، وهو الذي

يعبر عنه في عرف عصرنا بشخصيته المعنوية، وهذا الرجاء الذي تجدد بتوسيد

أمره إلى الشيخ محمد مصطفى المراغي عظيم. كان الأزهر كنزًا خفيًّا أو جوهرًا

مجهولاً عند أهله وحكومته وعقلاء بلده، لم يفطن أحد قبل الأستاذ الإمام لإمكان

إصلاح العالم الإسلامي كله به والاستيلاء على زعامة الشعوب الإسلامية في الدين

والأدب والفقه بإصلاح التعليم العام فيه؛ ولكن تعليم الأستاذ الإمام رحمه الله

وأفكاره هما اللذان أحدثا هذا الرجاء في طائفة من شيوخه والاستعداد في جمهور

طلابه ولم يبق إلا الجد، ولله الحمد. انتهى.

هكذا قضى السيد محمد رشيد حياته وفي نفسه هذه الآمال الجسام: أن يكون

المنار بعد سنته هذه لسان حال جماعة للدعوة إلى الإسلام، وأن تتألف هذه الجماعة

من ذوي العقل والدين والمكانة في الشعوب الإسلامية، وأن يشد الأزهر أزر هذه

الجماعة وتشد أزره فيكون من تعاونهما الخير كله.

ولقد كان السيد رحمه الله صادق العزم مخلص النية في آماله هذه

فاستجابها الله له، وشاءت قدرته وتوفيقه أن تقوم على المنار (جماعة الإخوان

المسلمين) وأن يصدره ويحرره نخبة من أعضائها، وأن ينطق بلسانها ويحمل

للناس دعوتها.

يا سبحان الله، إن جماعة الإخوان المسلمين هي الجماعة التي كان يتمناها

السيد رشيد رحمه الله. ولقد كان يعرفها منذ نشأتها ولقد كان يثني عليها في

مجالسه الخاصة ويرجو منها خيرًا كثيرًا، ولقد كان يهدي إليها مؤلفاته فيكتب عليها

بخطه: من المؤلف إلى جماعة الإخوان المسلمين النافعة؛ ولكنه ما كان يعلم أن الله قد

ادخر لهذه الجماعة أن تحمل عبئه وأن تتم ما بدأ به، وأن تتحقق فيها أمنية من

أمانيه الإصلاحية وأمل من آماله الإسلامية، لقد تمنى السيد رشيد رضا في الجماعة

التي اشترطها أن تقوم بأعلى مقصدي جماعة الدعوة والإرشاد أي ما عدا التعليم

المدرسي، ثم رجا أن توفق الجماعة الجديدة لهذا أيضًا، وستحقق جماعة الإخوان

المسلمين هذا الرجاء بتوفيق الله، فإن إصلاح التعليم المدرسي الرسمي من أخص

مقاصدها وإن أثرها في طلاب الجامعة المصرية والمدارس المدنية من ثانوية

وخصوصية لعظيم، وسنواصل الجهد حتى نصل إلى الغاية - إن شاء الله - ويصبح

التعليم كله مركّزًا على أصول سليمة مستمدة من روح الإسلام وسماحة الإسلام

وتعاليم الإسلام وحضارته ومجده، والله المستعان.

ولقد أدرك الإخوان المسلمون منذ نشأتْ دعوتهم أهمية التواصل بين عقلاء

المسلمين، فأخذوا يعملون لهذا وأصبح لهم - بحمد الله - عدد عظيم من كل قطر

يعطف على فكرتهم ويؤيد دعوتهم، ولقد اقترح علينا أخونا المفضال السيد أنيس

أفندي الشيخ من وجهاء بيروت أن نعمل ما عمله السيد رشيد فنجمع عناوين ذوى

المكانة من عقلاء العالم الإسلامي ونتصل بهم ونكتب في جرائدنا عنهم حتى

يتعرف بعضهم إلى بعض، والآن ننتهز هذه الفرصة فنوجه الرجاء الذي وجهه

صاحب المنار من قبل إلى كل من يأنس من نفسه الغيرة على الإصلاح الإسلامي

والاستعداد للعمل له من رجالات المسلمين أن يكتب إلينا عن الناحية التي يؤمل أن

يعمل فيها، وحبذا لو تكرم فأضاف إلى ذلك إرسال صورته الشخصية وسنفرد

لنشر هذه العنوانات والصور صحيفة خاصة بالمنار نسميها (صحيفة التعارف)

بين أنصار الدعوة إلى الإسلام، حتى إذا تكامل جمع يعتمد عليه فكرنا في

الطريقة المثلى لتبادل الآراء والأفكار.

ولقد أدرك الإخوان كذلك منذ نشأت دعوتهم ما للأزهر من شخصية معنوية،

وأنه أعظم القوى أثرًا في الإصلاح الإسلامي لو توجه إليه، فاعتبروا أنفسهم عونًا له

في مهمته وتوثقت الروابط القوية بينهم وبين شيوخه وطلابه، وكان من هؤلاء

الفضلاء ما بين علماء وطلبة طائفة كريمة لها أبلغ الأثر في نشر دعوة الإخوان

وخدمة فكرتهم التي هي في الحقيقة أمل كل مسلم غيور وواجب كل مؤمن عاقل.

وإننا لنرجو أن نكون أسعد حظًّا من صاحب المنار رحمه الله في حسن

معاملة المشتركين فيها، فإن مال الدعوة مهما كثر قليل بالنسبة لنواحي نشاطها

وتشعب أعمالها فليقدِّروا هذه الحقيقة وسيجدون ما ينفقون في هذه السبيل عند الله هو

خيرًا وأعظم أجرًا.

ستعود المنار - إن شاء الله - إلى الميدان تناصر الحق في كل مكان،

وتقارع الباطل بالحجة والبرهان، وشعارها الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه وجمع

كلمة المسلمين والعمل للإصلاح الإسلامي في كل نواحيه الروحية والفكرية

والسياسية والمدنية. ولقد كان للمنار خصوم وأصدقاء شأن كل دعوة إصلاحية، فأما

أنصارها، فنرجو أن يجدوا في مسلكها الجديد ما يعزز صداقتهم لها وصلتهم

بها، وأما خصومها فإن كانت خصومتهم للحق بالحق فإننا على استعداد تام للتفاهم

معهم على أساس كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل لخدمة هذه

الحنيفية السمحة.

لم يكن الشيخ رشيد رحمه الله معصومًا لا يجوز عليه الخطأ فهو بشر

يخطئ ويصيب، ولسنا ندعى لأنفسنا العصمة فنحن كذلك وما من أحد إلا ويؤخذ من

كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، ولا نريد أن نعرف الحق بالرجال

ولكننا نريد أن نعرف الرجال بالحق ومتى كان ذلك رأينا جميعًا ومتى كان شعارنا أن

نرد التنازع إلى الله ورسوله كما أُمرنا، فقد اهتدينا ووصلنا إلى الحقيقة

متحابين، وانقضت الخصومة وولى الباطل منهزمًا زهوقًا.

على هذه القواعد ندعو الأمة والهيئات الإسلامية جميعًا إلى التعاون معنا،

سائلين الله تبارك وتعالى أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً

ويرزقنا اجتنابه، والله حسبنا ونعم الوكيل.

...

...

...

...

... حسن البنا

* * *

روائع

(إن هذا الدين سيندفع بأخلاقه في العالم اندفاع العصارة الحية في الشجرة

الجرداء. طبيعة تعمل في طبيعة، فليس يمضي غير بعيد حتى تخضر الدنيا وترمي

ظلالها، وهو بذلك فوق السياسات التي تشبه في عملها الظاهر الملفق ما يعد

كطلاء الشجرة الميتة الجرداء بلون أخضر

شتان بين عمل وعمل وإن كان لون

يشبه لونًا) .

* * *

الرافعي في وحي القلم

(لا تكون خدمة الإنسانية إلا بذات عالية لا تبالي غير سموها. الأمة التي

تبذل كل شيء وتستمسك بالحياة جبنًا وحرصًا لا تأخذ شيئًا، والتي تبذل أرواحها

فقط تأخذ كل شيء) .

_________

ص: 3

الكاتب: حسن البنا

‌بين طائفتين من المؤمنين

حول آيات الصفات وأحاديثها ومذهب السلف والخلف

سيدي الأستاذ محرر المنار الأغر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) :

فلعلكم قرأتم ما دار من الحوار بين كتَّاب مجلة الإسلام ومجلة الهدي النبوي

حول آيات الصفات وأحاديثها ومذهب السلف والخلف، فما وجه الحق في هذا

الخلاف؟ وهل يجوز شرعًا أن يتقاذف الفضلاء من المسلمين بهذه التهم على

صفحات الجرائد السيارة، وأن تذاع مثل هذه البحوث على العامة؟ وهلا يمكن أن

تعملوا على التوفيق بين الفريقين حتى تنصرف القوى إلى ما يعود على المسلمين

بالخير؟ أفيدوا مأجورين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

...

...

...

... محمد حلمي نور الدين

...

...

...

... بتفتيش ري الجيزة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة على سيدنا محمد، وعلى آله

وصحبه:

(1)

قرأت ما دار بين الكتاب الفضلاء على صفحات المجلتين المذكورتين

وكثير من حضراتهم أصدقاء لنا، وكلهم يعمل لخدمة الدعوة الإسلامية ويرجو

للمسلمين النهوض من كبوتهم والإقالة من عثرتهم مخلصًا من قلبه، والحق أني أنا

شخصيًّا لا أفهم معنى لإثارة هذا الموضوع في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى

الوحدة والتآزر على إحياء تعاليم الإسلام في نفوس المسلمين.

إن الفريقين مؤمنان أعمق الإيمان بأن ما جاء من هذه الآيات وما صح من

الأحاديث التي تعرضت لصفات الباري عز وجل كلها حق لا جدال في صدقها ولا

خلاف، فقوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5) و {يَدُ اللَّهِ

فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (الفتح: 10) و {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} (القصص: 88)

و {وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (الأنعام: 18) وكل ما نحا هذا المنحى من الآيات

والأحاديث التي تثبت صحتها فنيًّا، كل ذلك موضع إيمان وتصديق وتسليم من

الفريقين كليهما.

الفريقان كذلك مؤمنان أعمق الإيمان بأن قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ

السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى: 11) وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} (الإِخلاص: 4) كل ذلك حق لا مرية فيه، فلا يشبه الباري أحدًا من خلقه في

شيء من صفاته، ولا يشبهه أحد من هؤلاء الخلق كذلك. وحقيقة ثالثة يؤمن بها

الفريقان أيضًا وهي أن ذات الباري - جل وعلا - وصفاته فوق متناول إدراك

العقل البشري الصغير الذي يعجز عن معرفة حقائق ما حوله من عالم الحس فضلاً

عن عالم الروح فضلاً عن الملأ الأعلى فضلاً عن ذات الله - جل وعلا - وصفاته.

وأسوق هنا قول شارل ريشيه المدرس بجامعة الطب في فرنسا سابقًا في

مقدمة كتاب (الظواهر النفسية) .

(لماذا لا نصرخ بصوت جهوري أن كل العلم الذي نفخر به إلى هذا الحد

ليس إلا إدراكًا لظواهر الأشياء، وأما حقائقها فتفلت منا ولا تقع تحت مداركنا. إن

حواسنا من القصور والنقص على حال يكاد معها يفلت من شعورها الوجود كل

الإفلات) .

بل قول الله تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين - {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ

العِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} (الإسراء: 85) .

هذه الحقائق المقررة والمسلَّم بها من الطرفين تجعل الخلاف لا معنى له،

فماذا على كل منهما لو قال (استوى الله على عرشه استواء تعجز عقولنا عن

إدراك حقيقته مع علمنا بأنه لن يكون كاستواء الخلق) وبذلك نرد علم الحقائق لله

تبارك وتعالى ونُصيب بذلك الحق؛ لأن الحق هو أننا في هذا جهلاء أتم

الجهل، وماذا علينا لو سلكنا هذه الطريقة في كل ما ورد على هذا النحو (فيد الله

التي ذكرها في كتابه بأنها من صفاته تعذر عقولنا عن إدراك حقيقتها مع علمنا التام

بأنها لن تكون كأيدينا) وهكذا.

وقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى الواجب في مثل هذه المعاني،

ووضع لنا أساس النظر فيها، فقال: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ

مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ

مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ

آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (آل عمران: 7) فتأمل

قوله - تعالى -: {وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} (آل

عمران: 7) لتعلم هل لنا أن نخوض ونفيض، أم أن الرسوخ في العلم أن نقول

آمنا به كل من عند ربنا؟

استطراد:

لقد أتى على المسلمين حين من الدهر في عصر الانتقال الأول حين نقلتهم

حوادث السياسة والاجتماع من دور الجهاد العملي خلف رسول الله صلى الله عليه

وسلم والأئمة الراشدين المهديين من بعده، حيث كان هم المسلم إذ ذاك أن يؤدي

فريضة ربه ويراقب دخيلة نفسه ويقيم من نفسه حارسًا يحاسبه على كل عمله ثم

يمضى في البلاد مجاهدًا في سبيل الله يعرض روحه على الموت في اليوم ألف مرة

فلا يظفر إلا بالحياة العزيزة، وينشر لواء الله في العالمين حتى يدركه الأجل،

فيودع الدنيا شهيدًا سعيدًا، حين انتقل المسلمون من هذا الدور إلى دور الاستمتاع

بمظاهر دنياهم الجديدة، والإقبال على تنظيم ملكهم الواسع، والاستفادة من ثمار

هذه الحضارات والمدن التي اتصلوا بها ودخلت عليهم آثارها من كل مكان عمرانية

واجتماعية وثقافية وعلمية، فترجموا العلوم الأجنبية وتوسعوا في البحث فيها

ومزجوا كثيرًا منها بتعاليم الدين السمحة السهلة، فسلكوا بدينهم مسلكًا فلسفيًّا قياسيًّا

وقد جاءهم فطريًّا ربانيًّا نبويًّا فوق العلوم والفلسفات يخاطب الفطرة من غير وساطة

ويجذب القلوب بما فيه من جمال وروحانية وصدق توجيه.

في هذا الدور وفي وسط هذه المعمعة انقسم علماء الإسلام إلى معسكرين:

معسكر يدعو إلى تطبيق نظريات الدين على نظريات الفلسفة والمزج بينهما،

وبذلك يصطبغ الدين بآراء الفلاسفة، فيذهب عنه جلال النبوة وروعة الوحي

وسماحة الفطرة، وتتقيد الفلسفة بقداسة الدين وجلال العقيدة فتنزل بذلك عن أخص

خصائصها؛ وإنما الفلسفة تفكير دائم متواصل فيه الخطأ وفيه الصواب، وفيه الشك

وفيه اليقين، والخطأ فيها سلم للإصابة والشك عندها باعث من بواعث الإيمان،

وهذا المعسكر أطلق على نفسه أو أطلق الناس عليه ألقابًا كثيرة؛ فهم أهل الرأي

وهم أهل القياس وهم النظار وهم المتكلمون على تفاوت بينهم في هذه الألقاب وفي

مدى تطبيق هذه الآراء، ومعسكر يدعو إلى أن يظل الدين بعيدًا عن كل هذا يؤخذ

من منابعه الأولى كتاب الله وسنة رسوله، ويرجع في بيانه وتفصيله إلى الطريقة

التي فهمه عليها السلف الصالح - رضوان الله عليهم - وليتناول العقل بعد ذلك ما

شاء من البحوث، ولتجر الفلسفة على أي غرار شاءت، وليخطئ العلماء الكونيون

أو يصيبوا ولكن في ثوب نظري بحت، قياسي بحت، لا يتناول عقائد الناس ولا

يمس عبادتهم ولا يقرب الحقائق الدينية المقررة المكفولة بتسليم العقل بأحقيتها

وصدقها، وأطلق هذا المعسكر على نفسه أو أطلق الناس عليه أهل الحديث أو

السلفيون أو أهل السنة أو أهل الأثر على تفاوت كذلك في هذه الألقاب وفي مدى

الأخذ بهذه الفكرة، ولا شك أن الحق مع هؤلاء، ولا شك أن المسلمين لو سلكوا

هذا السبيل ولم يشتغلوا بهذا الجدل ولم يصبغوا فطرة دينهم بهذه الصبغة ودرجوا

على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكان لهم في ذلك الخير

كل الخير، ولنجوا من انقسامات وفتن كانت من أهم الأسباب لزوال عظمتهم

وتوزيع ملكهم ومجدهم، ولا شك أن كل عاقل يهمه أن يعود للإسلام مجده وعظمته

الآن يدعو المسلمين إلى الأخذ بهذا الرأي وهو ما نعمل عليه، وندعو إليه، ونسأل

الله المعونة فيه، وفتح مغاليق القلوب لفهمه وفقهه.

كان الأخذ والرد والجذب والشد قويًّا عنيفًا بين الفريقين منذ نجم قرن هذا

الخلاف، وأنت خبير بأن خلافًا كهذا في صدر الإسلام أو قريبًا منه - ولما يمض

على المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم أكثر من قرن من الزمان، وهو

يتصل بالعقيدة وهي أغلى ما يدافع عنه الإنسان - لابد أن يصحبه من مظاهر

العنف الشيء الكثير وذلك ما كان؛ فقد تنابز الفريقان بالألقاب واشتد بينهما

التخاصم حتى وصل إلى التكفير والزندقة، ورمى بعضهم بعضًا بأعظم ما يتصور

من التهم، واستخدمت في ذلك الألفاظ المثيرة.

فأهل الرأي والنظر جهمية معطلة مؤولون حشوية زنادقة لا يعرفون لهم ربًّا

ولا يثبتون له صفة، وأهل الحديث والأثر مشبِّهون مجسمون جامدون متعصبون لا

ينزهون الله ولا يقدرون عظمته قدرها ويضعونه في صفة خلقه.

وأُلقيت إلى جانب ذلك عبارات شديدة، وأُلفت كتب، وانتصر كل فريق

لرأيه، وبدت الحدة في كل ما قيل وما ألف؛ لأن تلك طبيعة الموقف ومقتضيات

الخلاف.

كان ذلك في هذا الدور الذي ذكرت لك، ثم نقلت إلينا نحن الآن بعض هذه

الآثار والحال غير الحال، والموقف غير الموقف، والفرق غير الفرق.

ليس فينا أهل رأي وأهل حديث، وأنا أعلم أن هذا الحكم قد يكون محل

خلاف بيني وبين بعض القارئين، فها هم يرون فريقين ينتصر كل منهما لفريق،

فما معنى هذا النفي؟

ولكني أؤكد لحضرات القراء أن طبيعة هذا العصر غير طبيعة العصر الذي

شجر فيه هذا الخلاف بين المسلمين، وأن المشاكل والأفكار التي تشغلنا الآن غير

تلك المشاكل والأفكار، وأن الخلاف في هذه المسائل محصور في نطاق لا يكاد

يذكر في بعض المجالس وفي جدران بعض الهيئات، حتى الأزهر نفسه - وتلك

مهمته - مشغول عن هذا الخلاف.

الأمة الآن معسكرات مختلفة، لكل معسكر فكرته التي يدعو إليها وينادي بها،

فهناك المعسكر الذي يدعو إلى الاندفاع وراء الأفكار والمظاهر الغربية في كل

شيء، وهناك المعسكر الذي يثير المعنى القومي وحده في النفوس ويريد أن يجعله

أساسًا للنهوض، وهناك المعسكر الذي يأخذ بأعناق الناس وجهودهم إلى المسائل

السياسية البحتة التي يراد بها استقرار الحكم في الداخل وحفظ الكرامة في الخارج

ولا يعنيه إلا هذا، وهناك معسكرات غير هذه، ومن وراء ذلك كله معسكر محمدي

قرآني يهيب بكل هؤلاء إن الإسلام كفل لكم من السعادة والقوة كل ما تريدون فهلموا

إليه.

أريد أن أصل من هذا الاستطراد إلى نتيجتين: الأولى أننا ليس بيننا في

حقيقة الأمر خلاف كالذي بين الفلاسفة والسلفيين في القديم فلا معنى للاحتجاج كذلك

بما قال هؤلاء وأولئك، وأولى لنا جميعًا أن نترك ذلك الدور بما كتب فيه وما كان

من أهله في ذمة التاريخ ونرجع جميعًا في ديننا إلى المعين الأصلي الذي ما زال

وسيظل صافيًا نقيًّا، لا تكدره الحوادث، ولا ينال منه الزمن، ولا يزعزعه

الخلاف، ذلك هو كتاب الله وسنه رسوله الصحيحة صلى الله عليه وسلم.

(والثانية) أن ننصرف - في صف مؤمن قوي موحد - إلى معالجة مشاكل

عصرنا، ودعوة الناس إلى محاسن هذا الدين وجلاله، وتقوية معسكرنا معشر

المنادين بالإسلام فوق كل المعسكرات حتى يكون له النفوذ الفكري والعملي، فيعود

للإسلام ما كان له من هيمنة على الأرواح والأعمال.

وبعد - فذلك رأيي أيها السائل في موضع الخلاف.

2 -

أما هل يجوز للفريقين أن يتقاذفا بهذه التهم على صفحات الجرائد

السيارة، وأن تذاع هذه البحوث على العامة - فذلك ما لا أقرهما عليه ولا أوافقهما

فيه، وفي لين القول وحسن الخطاب مندوحة، وهذه بحوث دقيقة أولى بها أن تكون

بين أهل العلم في حلقهم الخاصة ومجالسهم المحصورة، وأذكر الفريقين بما رواه

البخاري في صحيحه عن علي - كرم الله وجهه -: (حدِّثوا الناس بما يعرفون،

أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله؟ !) .

وما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (ما أنت بمحدث قومًا

حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) فإن كان ولا بد من الكلام في هذه

المباحث فليكن ذلك في قول لين وفي بحث هادئ، حتى لا تسرى عدوى الخلاف

والتهاتر من الخاصة إلى العوام وفي ذلك فساد كبير كما هو مشاهد في البلاد التي

تشتد فيها العصبية لبعض الآراء، أقول هذا وأنا أعلم ما سيقال حول هذا الكلام من

أن العقيدة أساس كل إصلاح وأن دين الله تبارك وتعالى جلي واضح لا خفاء

فيه، ولا يليق أن يكتم فيه شيء عن جميع الناس، وبأن هذه خصومة في الحق

وهي جائزة، وهذا هو الغضب لله وهو فضيلة، وهذا هو الدفاع عن دينه وهو

واجب، وهذا من الجهاد بالقول والقلم والقعود عنه إثم، فكيف يراد منا بعد هذا أن

ننصرف إلى إصلاح جزئي والعقيدة فاسدة؟ وكيف يراد منا أن نجعل هذا الكلام

خاصًّا ودين الله عام للناس جميعًا؟

وأحب أن أقول لمن يدور بفكره أو على لسانه وقلبه مثل هذا القول: احترس

أيها الأخ من خداع الألفاظ ومزالق الأسماء؛ فالعقيدة شيء، والخلاف في بعض

المسائل التي لا يمكن لإنسان أن يعرف حقيقتها شيء آخر، وأحكام الدين التي هي

عامة للناس جميعًا شيء والأسلوب الذي تؤدى به وتقدَّم للناس شيء غيرها،

والخصومة والغضب للدين شيء وخلق هذه الخصومة وإثارة الفتنة بها شيء ثان،

ولم لا يكون هذا من الجدل المنهي عنه، ومن المراء الذي أغضب رسول الله أشد

الغضب على المتمارين، حتى جعله يقول:

(1)

(ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم قرأ: {مَا

ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَاّ جَدَلاً} (الزخرف: 58) رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال

الترمذي: حسن صحيح.

(2)

ويقول: (من ترك المراء وهو مبطل بُني له بيت في ربض الجنة،

ومن تركه وهو محق بُني له في وسطها، ومن حسن خلقه بُني له في أعلاها)

رواه أبو داود، والترمذي، والبيهقي، وغيرهم، وحسنه الترمذي.

(3)

وروى الطبراني في الكبير عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،

قال: كنا جلوسًا عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتذاكر، ينزع هذا بآية

وينزع هذا بآية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما تفقأ في وجهه

حب الرمان، فقال: (ما هؤلاء، أبهذا بعثتم أم بهذا أمرتم؟ لا ترجعوا بعدي كفارًا

يضرب بعضكم رقاب بعض) .

(4)

وعن أبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك - رضي الله

عنهم -، قالوا: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ونحن نتمارى

في شيء من أنباء الدين، فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله، ثم انتهرنا فقال:

(مهلاً يا أمة محمد إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ذروا المراء لقلة خيره. ذروا

المراء فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته، ذروا

المراء فكفى إثما ألا تزال مماريًا، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة،

ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رياضها ووسطها وأعلاها لمن

ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة

الأوثان - المراء) رواه الطبراني في الكبير أيضًا، وقد يقال: إن المراء شيء وما

نحن فيه شيء آخر، فأقول: إن لم يكنه فهو نوع منه، ومن حام حول الحمى

أوشك أن يقع فيه، واتقاء الشبهات استبراء للدين، والورع أن تدع ما لا بأس به

مخافة الوقوع فيما فيه بأس، فهل بعد ذلك مذهب لذاهب أيها الإخوان؟

(3)

وأما العمل على التوفيق بين الفريقين فنعمَّا هو، وما أحبه إلى النفس،

وما أعظم فائدته، وإنا لمحاولون ذلك - إن شاء الله - وأعتقد أن كثيرًا من

المختلفين لو التقى بعضهم ببعض وتركوا طريقة التحاور الكتابي إلى طريقة التفاهم

الشفهي لأنتج هذا التعارف خيرًا كثيرًا، ولأدى إلى حل كثير من الخلافات في

هدوء وفي توفير للوقت والمجهود، وحينئذ يستطيع كل رئيس جماعة أن يتقدم إلى

جماعته برأي موحد أو بفكرة عامة فيؤدي ذلك إلى الوحدة المنشودة - إن شاء الله -

وسنترقب الفرصة المناسبة لمثل هذا الاجتماع فنعمل على تحقيقه - إن شاء الله -

والله حسبنا ونعم الوكيل.

...

...

...

...

... حسن البنا

مَنْ هم الإخوان المسلمون؟

وسائلٌ من هم الإخوان؟ هم فئة

باعوا النفوس لباريها عزيزات

هم غضبة ضرمت لله سورتها

فأرسلوها لظى للغاصب العاتي

هم ثورة حميت في الحق جذوتها

فجاهدت باطلًا حم الكتيبات

هم فيلق من جنود الله قد حملوا

لواءه فغدوا نور الدجنات

عزت أخوتهم في الله فانقطعت

من السرائر أسباب الخلافات

يوحدون قلوب المؤمنين لكي

تزداد أمتهم بالله قوات

حتى إذا استمسكت أوصالها

وغدا بنيانها محكمًا صلب العلاقات

تقدموها إلى اليوم الرهيب وللقر

آن في يدهم لمع المضيئات

...

...

...

عن ديوان البواكير لعابدين

_________

ص: 19

الكاتب: عبد الله أمين

‌نشأة المنار والحاجة إليه

للأستاذ عبد الله أمين

المدرس بمدرسة المعلمين بعبد العزيز بالقاهرة

(1)

حال العالم الإسلامي قبيل ظهور المنار.

(2)

حال الدين الإسلامي قبيل ظهور المنار.

(3)

دعاة الإصلاح قبيل ظهور المنار.

(4)

صاحب المنار قبيل ظهور المنار.

(5)

البواعث التي بعثت صاحبه على إصداره.

(6)

وجهة صاحب المنار في تحريره المنار.

(7)

بقاء البواعث على إصدار المنار.

(8)

المجلات الدينية التي يظن أنها تحل محل المنار ومنزلتها.

(9)

حياة المنار ولو نصف حياة خير من موته.

(10)

محاولة لإحياء المنار.

(11)

محاولة جديدة لإحياء المنار مرة أخرى.

* * *

(1)

حال العالم الإسلامي قبيل ظهور المنار:

كان العالم الإسلامي قبيل ظهور المنار لأربعين سنة هجرية خلت يهيم في ليل

دامس وظلام طامس من الضعف والاضمحلال في حياته العلمية، والفنية، والأدبية

وفي مرافقه الزراعية، والصناعية، والتجارية، وفي نظمه الاجتماعية والمنزلية

والحكومية، وفي تقاليده وعاداته وآدابه، وفي أخلاقه وعقائده وشعائره الدينية،

وكان يرسف في قيود الاستبداد وأغلال الاستعباد، وقد قطعت السياسة والمذاهب

الدينية أواصر شعوبه فتفرقوا طرائق وتمزقوا حذائق، وبسط الأجانب عليهم

سلطانهم الاقتصادي والأدبي والعلمي والفني والسياسي، وأصبحوا عبيداً أرقاء بعد

أن كانوا سادة أعزاء.

* * *

(2)

حال الدين الإسلامي قبيل ظهور المنار:

وكان الدين الإسلامي نفسه مبتلى بشر المحن وأقساها:

(1)

منها البدع والخرافات والأوهام، والضلالات التي ابتدعها المسلمون

بالاستحسان والاستقباح على مثال ما ورثوه عن آبائهم السابقين الأقدمين، فغيرت

مظاهره، وحجبت أنواره، وكانت شرًّا عليه من كل شر؛ إذ نفَّرت منه كثيرًا من

أنصاره وأعانت عليه كثيرًا من أعدائه.

(2)

ومنها مطاعن خصومه من السياسيين الذين حكموا عليه ظلمًا وعدوانًا

بأنه دين تأخر وانحطاط لتأخر المسلمين واضمحلالهم، والحقيقة أنه دين قوة ورفعة

وعزة، وما ابتلي المسلمون بالضعف والاضمحلال إلا لانحرافهم عنه وتنكبهم سبيله

القويم وصراطه المستقيم.

(3)

ومنها حرب المبشرين بالمسيحية، الذين تؤيدهم دول الاستعمار العاتية

القوية بساستها وبجنودها وبأموالها؛ لأن الإسلام - وهو دين سيادة وعزة - أكبر

عائق لهم عن الاستعمار.

(4)

ومنها قعود علمائه حينئذ عن رد المطاعن والشبهات عنه، وعن تحريره

من البدع والخرافات، بل ومشاركتهم العامة في كثير منها.

(5)

ومنها شبهات الملحدين الخارجين على الأديان، وهؤلاء منهم الجاهل

الذي غلبته شهوته وشقوته وسئم قيود الدين وتكاليفه فأخذ يحاربه ليتخلص منه،

ومنهم المفتون بأمور ظنية في العلوم يخيل إليه أنها لا تجتمع هي والدين، على

حين أنها لو صارت يقينية ما زعزعت أركان الدين.

* * *

(3)

دعاة الإصلاح قبل ظهور المنار:

وفي هذا الظلام الحالك وفي إبان هذا النوم العميق الذي يشبه الموت تألق في

سماء العالم الإسلامي قمر الإسلام المنير حكيم الشرق السيد جمال الدين الأفغاني،

ثم ما لبث أن تلألأ بجانبه نجم الإسلام الثاقب الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده

المصري، وأخذا يجاهدان أعظم جهاد في حرب الاستبداد والمستبدين، والاستعمار

والمستعمرين، والضلالات والمضلين، والغفلة والغافلين، ويهزان العالم بصوتيهما

على المنابر وفي مجلة العروة الوثقى حتى انقشع الظلام، واستيقظ النيام، وذعر

المستعمرون والمستبدون، وأيقنوا أن للإسلام نورًا لا يطفأ، وحمى لايوطأ، وحماة

غلابين لا تلين لهم قناة، ولا تهزم لهم كتيبة:

فإن نغلب فغلابون قدمًا

وإن نغلب فغير مغلبينا

* * *

(4)

صاحب المنار قبيل ظهور المنار:

وكان السيد الإمام محمد رشيد رضا رضي الله عنه حينئذ عالمًا ناشئًا تقيًّا

غيورًا متحمسًا شجاعاً حاد الذهن كثير العلم والأدب سليم الفطرة لم يبتل بما ابتلي

به أمثاله من التورط في الضلال والخبل، بل نشأ محبًّا للإصلاح بصيرًا به

وبالحاجة إليه، وأخذ يجول ويصول في ميدانه بسوريا جولات صادقات، وما بلغته

دعوة الإمامين الحكيمين الإصلاحية إلا ملكت عليه قلبه وعقله جميعًا؛ إذ كانت هي

ضالته المنشودة، فما أطاق بعدها صبرًا على السكوت، وأخذ ينظر يمينًا وشمالاً

فلا يجد للعالم الإسلامي كله صحيفة إسلامية إصلاحية بعد مجلة العروة الوثقى.

* * *

(5)

البواعث التي بعثت صاحبه على إصداره:

فكانت كل هذه الأمور مجتمعة؛ وهي ما انتاب العالم الإسلامي من اضمحلال

وما أصاب الإسلام من عدوان خصومه وخذلان أنصاره، وقيام الإمامين الحكيمين

بالدعوة إلى الإصلاح، وما فطر عليه السيد الإمام صاحب المنار من الغيرة على

الإسلام، وما تعلق به من حب الإصلاح، كانت هذه الأمور هي البواعث التي

دفعت صاحب المنار إلى القدوم إلى مصر، وكانت تزدان حينئذ بالأستاذ الإمام

الشيخ محمد عبده - قدس الله روحه ونور ضريحه - وكانت أكفل للحرية،

وأخصب للدعوة، وأرحب صدرًا من سوريا وإلى إنشاء المنار فيها ومواظبته وجده

واجتهاده في تحريره ونشره حوالي أربعين سنة هجرية لم تفتر له فيها همة، ولم

تلن له فيها قناة، ولم ينثن له عزم حتى لقي ربه راضيًا مرضيًّا.

* * *

(6)

وجهة صاحب المنار في تحريره المنار:

ولما كان الاضمحلال الذي أحاط بالمسلمين من كل جانب وليد فساد أخلاقهم

وعقائدهم، وكان فساد أخلاقهم وعقائدهم وليد انحرافهم عن أصل دينهم، وكان الله

لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لما كان كل ذلك ما لبث جهد السيد الإمام

محمد رشيد رضا رضي الله عنه أن انصرف كله إلى رد المسلمين إلى أصل دينهم

لتصلح بذلك عقائدهم وأخلاقهم، وبصلاح عقائدهم وأخلاقهم تصلح كل أمورهم

الدينية والدنيوية.

وذلك الإصلاح لا يكون إلا بإشهار حرب عوان على الفساد والمفسدين،

والبدع والمبتدعين، والإلحاد والملحدين، والمشتبهات والمشتبه عليهم، وسد أبوابها

على المسلمين بالاعتماد في بيان أحكام الدين وفضائله على الكتاب والسنة، وعلى

تأويل الأئمة المجتهدين، وعلى نقد ما خالف الكتاب والسنة من تأويلهم وتأويل

غيرهم، وبما فتح الله له من أبواب الفهم السديد الصائب المنقطع النظير، فأبلى في

هذه الحرب بلاءً عظيمًا ولبث يجاهد فيها كل هذا الزمن الطويل، ولقي فيها عنتًا

وأذى كثيرين فما وهن ولا استكان، حتى استشهد في ميدان الجهاد بعد أن أصدر

من المنار أربعًا وثلاثين مجلدة وجزءًا من المجلدة الخامسة والثلاثين وليس بجانبه

صحيفة واحدة إسلامية إصلاحية تشد أزره وتشركه في أمره، وبعد أن انتصر على

أعيان الابتداع والإلحاد والهدم، وبعد أن أصبح المنار أداة لا غنى عنها للدفاع عن

الإسلام والمسلمين وحمياتهما من عدوان المعتدين.

* * *

(7)

بقاء البواعث على إصدار المنار:

فإذا كان الإمام السيد محمد رشيد صاحب المنار - رضى الله عنه وأرضاه -

قد مات، فهل ماتت بموته الحاجة إلى المنار؟ هل ماتت البدع ومات المبتدعون؟

هل مات الإلحاد والملحدون؟ وهل ماتت المشتبهات ومات المشتبه عليهم؟ وهل

ماتت الرذائل والمنكرات ومات أنصارهما؟ كلا. ما مات هؤلاء ولا هؤلاء، بل

لا يزالون أحياء يحاربون الله ورسوله والإسلام والمسلمين، وما ماتت البدع

والمنكرات وغيرها، بل لا تزال في تناسل وتكاثر ونماء وقوة، فلم يكن لدولة

المنكر في أي عصر مضى من الأعوان الأقوياء الأعزاء المسخرين مثل ما لها الآن.

أكان للخمر والملاهي من الأنصار ومن الموائد والأندية والحفلات والمنازل

والدعاية الطويلة العريضة في الصحف على اختلاف ألوانها ومنازعها - إلا القليل

النادر منها - مثل ما لها الآن؟ أكان تهتك النساء وفجورهن من مظاهر الخيالة

والمسارح والشواطئ وغيرها مثل ما لها الآن؟ أكانت الصحف - إلا القليل منها - لا

تصدر إلا إذا فخرت وتاهت بتحلية صدورها بصور العاريات الخليعات من النساء

الفواجر؟ أكانت دور الخيالة تملأ الرحب من الأرض وتعرض فيها مثل ما يعرض

الآن من مناظر مغرية بالفسق والفجور وارتكاب عظائم الأمور كما انتشرت الآن؟

أكانت الصحف تتبارى وتتنافس في الدعاية الطويلة العريضة للممثلات كما تفعل

الآن؟ ألم يكن كل ذلك وما هو شر من ذلك آلاف المرات في حاجة إلى صحيفة

كصحيفة المنار؟

* * *

(8)

المجلات الدينية التي يظن أنها تحل محل المنار ومنزلتها منه:

ليس في العالم الإسلامي كله مجلة إصلاحية يظن أنها تحل محل مجلة المنار

إلا مجلة الأزهر ، وهذه - لسوء الحظ، قبل عهد مولانا الأستاذ الإمام المصلح

الشيخ محمد مصطفى المراغي - كانت حربًا على المنار لا عونًا له، ثم هي الآن لا

تغني عنه لأنهم مرآة صادقة لمعهد لا يزال في طور انتقال من عهد اضمحلال مضى

عليه قرون إلى عهد قوة ورفعة بسعي مولانا الأستاذ الإمام المصلح الشيخ المراغي،

فهي مجلة رسمية وفي عهد انتقال لا قبل لها بالحرية المطلقة التي لمجلة المنار

المطلقة من كل قيد إلا قيود الكتاب والسنة، ولو قدر لمجلة الأزهر والمنار في

عهدهم الحديث أن تكونا فرسَيْ رِهان في نصرة الإصلاح الديني والاجتماعي ما

كانتا كبيرتين على العالم الإسلامي، بل ولا عشرات المجلات من نوعهما، فأهلاً

وسهلاً بهما.

* * *

(9)

المسئولون عن إصدار المنار:

وإذن لم يكن العالم الإسلامي ولا الإسلام نفسه في غنى عن المنار، فإن

المسئول عن إصداره وإحيائه هم أنصاره وأحباؤه، فقد أصبح أمانة في أعناقهم دون

غيرهم من المسلمين، لا تبرأ ذمتهم منه إلا إذا أحسنوا القيام عليه وأصدروه، فإذا

قام بذلك ولو واحد منهم فقد سقط عن الباقين لأنه من فروض الكفاية. وإن صاحب

المنار ومناره فينا كرجل قوي البنية مفتول الساعدين حفر لنا بئرًا عذبًا ماؤها وليس

لنا ما نستقي منه غيرها وبقى طوال حياته يخرج لنا ماءها بسواعده، أفإن مات

طمسنا البئر، وحطمنا الدلاء، وأمسكنا عن الاستقاء حتى نموت عطشًا لأننا لا نجد

فينا رجلاً مثله قوة جسم، وقوة إرادة، وعزيمة، أم يجب علينا حفظًا لحياتنا أن

نحرص كل الحرص على سلامة البئر، وأن نتعاون على إخراج مائها والارتواء به؟

* * *

(10)

حياة المنار ولو نصف حياة خير من موته:

يقول بعض الأنصار إن المنار مجلة ذاتية؛ حيت بحياة صاحبها الذي استقل

بتحريرها حوالي أربعين سنة هجرية نسجها فيها على منواله، وصبغها بصبغته،

وقدها على مثاله، فأصبحت لا تصلح لغيره ولا يصلح لها أحد من بعده، فلا بد أن

تموت بموته ويجب أن ندعها تموت. وهذا ليس من المنطق السليم في شيء؛ إذ

أن الحياة - ولو كانت ناقصة - خير من الموت، فإن الأطباء لا يمكن أن يدعوا

إنسانًا فقد بعض أعضائه أو كُسِرَها يموت وفي إنقاذه أمل حتى ينقذوه ولو كانت

حياته بعد ذلك شرًّا له ولآله من موته، فكيف ندع المنار صحيفة العالم الإسلامي

يموت ونحن موقنون أن في حياته خيرًا محققًا لا لشيء إلا لأن هذا الخير دون ما

كان له من الخير في حياة منشئه رضى الله عنه وأرضاه؟ كيف ندعه يموت على

مرأى ومسمع من العالم الإسلامي وفيه من يستطيع أن يحييه، ولو بعض الحياة؟

كيف ندعه يموت وقد سن له صاحبه طريق الحياة من بعده؛ إذ فتح في العدد

الأخير من المجلدة الرابعة والثلاثين - وهي آخر المجلدات - أبوابًا جديدة له،

ودعا إلى الكتابة فيها أنصاره؟ وفي مصر وحدها مئات القادرين على الكتابة في

هذه الأبواب بإتقان وإجادة.

* * *

(11)

محاولة لإحياء المنار:

لن يموت المنار ولن ينسى - إن شاء الله تعالى - مادام وراءه أنصاره

ومحبوه، ولقد حاولت دار المنار جاهدة إحياء المنار، وعهدت بذلك إلى حضرة

السيد محيى الدين رضا ابن أخي الفقيد العزيز والمحرر في المقطم الأغر؛ غير أن

هذه المحاولة كانت عسيرة لأن المنار أصعب من أن ينهض به إنسان واحد كالسيد

محيى الدين أفندي ليس في جهده ولا في ماله ولا في أوقاته فضل ينفقه في إحياء

المنار وإصداره؛ ولذلك لم يلبث أن مات مرة أخرى.

* * *

(12)

محاولة جديدة لإحياء المنار مرة أخرى:

ولقد سُرت الدار سرورًا عظيمًا حينما تقدمت جماعة الإخوان المسلمين وعلى

رأسها الأستاذ الكبير حسن البنا طالبة منها أن تتولى إصدار المنار؛ وذلك لما تعهده

في هذه الجماعة من الإخلاص والجد في خدمة الدين والفضيلة، وما تتوسمه فيها

من القدرة على إصدار المنار - إن شاء الله تعالى - في ثوب قشيب نافع، وما تؤمله

من استمرار صدوره.

وإني لأرجو - وقد حيَّ المنار ومات ثم حيَّ ومات - أن يحيا - إن شاء الله

تعالى - هذه المرة، وألا يموت بعدها أبدًا، وأن يثبت الله سبحانه وتعالى

أقدام جماعة الإخوان المسلمين ويهديهم وإيانا سبل الرشاد، وأن يوفقهم لأصلح

الأعمال، ويقدرهم على إصدار المنار ونشره، وعلى إبقائه حيًّا أبد الدهر، إنه

سميع مجيب.

...

...

...

... عبد الله أمين

_________

ص: 27

الكاتب: حسن البنا

‌موقف العالم الإسلامي السياسي اليوم

وواجب أصحاب الجلالة ملوك المسلمين وحكوماتهم

نشبت الحرب الماضية والعالم الإسلامي كله منضوٍ تحت اللواء التركي،

مستظل بظل الخلافة العثمانية، إلا بعض أجزاء اقتطعتها يد المطامع السياسية

الغربية من قبل.

كانت مصر تحت الاحتلال البريطاني، ثم صارت بإعلان الحرب تحت

الحماية، وخاضت البلاد العربية ميادين القتال إلى جانب الحلفاء تصديقًا لوعودهم

وانخداعًا بالأماني المعسولة التي وضعوها أمام الأمة العربية.

ولسنا بصدد اللوم أو العتاب أو تحديد مسئولية المخطئ والمصيب في هذا كله

فقد ذهبت تلك الأيام بما كان فيها وصارت مواقف الرجال والأمم في ذمة التاريخ

يحكم لها أو عليها.

وانجلت تلك الحرب وويل للمغلوب، وغُلبت تركيا على أمرها، وسُلبت حق

سيادتها على الولايات التابعة لها.

وهنا نهضت الشعوب الإسلامية تجاهد وتكافح وتناضل وتطالب بحقها في

الحياة العزيزة الحرة الكريمة.

كانت ثورة الكماليين على أرض الأناضول، وانتهت بتكوين تركيا الحديثة

هداها الله وألهمها الرشد.

وكانت الثورة المصرية في وادي النيل، وانتهت بمعاهدة أغسطس 1936

التي حققت جزءًا ضئيلاً جدًّا من الأماني المصرية، ولازالت مصر تكافح لاستكمال

الباقي.

وكانت الثورة العراقية وانتهت بالمعاهدة العراقية الإنجليزية التي حققت كذلك

جزءًا من الأماني العراقية، ومكَّنت العراق من السير سريعًا إلى استكمال ما بقي،

واستولى الملك عبد العزيز آل سعود على الحجاز وضمَّه إلى نجد وكون منهما

المملكة العربية السعودية.

وكافحت سورية وناضلت، وكاد يتم بينها وبين فرنسا عهد وميثاق كالذي تم

في مصر والعراق مثلاً، لولا أن فرنسا نكثت عهدها بعد أن وثقته وقلبت للسوريين

ظهر المِجَنِّ ولا زالت في موقفها هذا إلى الآن.

وتعقدت قضية فلسطين ونشبت فيها الثورات تباعًا، ولم يفلح ذهب اليهود ولا

خداع الإنكليز في تضليل الشعب الباسل وصرفه عن أهدافه الحقة وعن المطالبة

باستقلاله الكامل في أرض الآباء والأجداد التي رواها دم الصحابة الطاهر فأنبتت

أولئك الأحفاد البررة.

واستمرت طرابلس ثائرة على الحكم الإيطالي الظالم حتى قبض على المجاهد

المؤمن السيد عمر المختار، وضُيق الخناق على المجاهدين فقتل من قتل ونفي من

نفي، وانتهى كل ذلك بأن أعلنت إيطاليا تجنيس طرابلس بالجنسية الطليانية،

وقذفتها بسيل من المهاجرين الطليان يلتهم الأخضر واليابس.

وقامت ثورات في بعض جهات من هذا الوطن المتمرد على الظلم والجور،

كان من أظهرها ثورة الريف المغربي بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم، وانتهت

كلها بتشديد الضغط على خناق الأحرار والعاملين.

هذا بسط موجز لموقف العالم الإسلام من نفسه، ومن غيره من الأمم التي

ظلمته وتدخلت في شأنه واستبدت بأمره واغتصبت حقوقه إلى الآن.

* * *

اختل التوازن الأوربي وجرت الأحداث سراعًا تسابق الدقائق والساعات

وتغير الأفكار والآراء والمواقف والاتجاهات. وانجلت تلك الغمرة عن وجود

معسكرين قويين في أوروبا: معسكر المحور، ويضم ألمانيا وإيطاليا ومن لف لفهما

من دويلات أوربا ومن ورائهما اليابان في الشرق، ومعسكر الدول الديمقراطية

ويضم إنجلترا وفرنسا ومن تبعهما من دول أوروبا ومن ورائها أمريكا في القارة

الجديدة.

وحرب الدعاية والكتابة والتربص والأعصاب - كما يقولون - قائمة على

أشدها بين الفريقين، وكل منهما يتودد إلى العالم العربي والإسلامي ويود أن يكسبه

إلى جانبه، فذلك هو الذي يرجح إحدى الكفتين على الأخرى في آسيا وإفريقية على

الأقل، وإذا رجحت الكفة في هاتين فقد رجحت في أوربة كذلك.

إن دول الشرق الإسلامي قضت عليها الحوادث والظروف الماضية والحاضرة

أن تتصل بالدول الديمقراطية وأن تكون إلى جانبها وأن يرتبط مستقبلها بمستقبل

هذه إلى حد كبير، هذا الوضع - إلى جانب الخصومة القائمة بين المعسكرين في

أوربا - كان يجب أن يجعل الدول الديمقراطية تسارع إلى اكتساب مودة العرب

والمسلمين اكتسابًا نهائيًّا، وأن تسد الطريق على غيرها إلى ذلك الود، وذلك في

وسعها ولا يكلفها عناء وعنتًا، بل لا يكلفها إلا أن تحق الحق وتعترف به لأهله،

وتبطل الباطل وتقاوم الذين يريدونها عليه، فهل فعلت هذا؟

العجب أن الدولتين الديمقراطيتين إنجلترا وفرنسا فعلتا عكسه تمامًا، كأنهما

تتحديان بذلك شعور العرب والمسلمين في كل أنحاء الأرض؛ فأما فرنسا فقد

أساءت إلى سورية أبلغ الإساءة ففصلت عنها الإسكندرونة وقدمتها إلى تركيا رغم

الصرخات العالية والاحتجاجات الكثيرة والأغلبية العربية في هذا اللواء، وتنكرت

لسورية مرة أخرى فعدلت عن إبرام المعاهدة واستبدت بالأمر في داخلية البلاد

استبدادًا أدَّى إلى استعفاء الوزارة عدة مرات، وتعذر قيامها بمهمة الحكم، ثم أدى

أخيرًا إلى استقالة رئيس الجمهورية، وهذا نص استقالته التي رفعها لمجلس النواب

السوري:

إلى رياسة المجلس النيابي السوري الفخيمة:

(منحنى مجلسكم الكريم ثقته وانتخبني في أول جلسة عقدها لرياسة الجمهورية

على أثر عقد المعاهدة وإقامة الصلات بين فرنسا وسوريا على قواعد التحالف

والمودة؛ وذلك لإدراك هذه الأمة الغاية الشريفة التي تسعى إليها من الاستقلال

والسيادة القومية. وقد تعاقبت حكومات في سوريا وأخذت تبذل قصارى جهدها في

سبيل إبرام العهد المقطوع والميثاق المعقود واثقة بأنه ينطوي على الخطة الوحيدة

التي تعزز جانب الوطن السوري وترفع من شأنه، كما توثق الروابط بينه وبين

الجمهورية الفرنسية حتى يسود علائقهما جو من الصفاء والإخلاص، وحتى تقوى

هذه البلاد على مقابلة الأحداث وصد الأطماع؛ غير أن الجهود التي بذلت لم تسفر

عن نتيجة برغم الوعود الرسمية الصادرة من رجال الوزارات التي تعاقبت في

فرنسا منذ سنة 1936 إلى الآن، فذهبت ضياعًا تلك الآمال التي توجهنا بها إلى

سياسة التحالف والتضامن، وشهدنا العودة إلى أساليب قديمة وتجارب جديدة تناقض

ما تعاهدنا عليه ودخلنا الحكم على أساسه. على أن حوادث الماضي وقرائن

الحاضر لا تترك مجالات للشك في أن هذه الخطط - التي يراد اتباعها واستئناف

العمل بها - تؤدي إلى استمرار المشاكل والخلافات، كما أنها تضعف كيان هذه

البلاد وتوهن قواها وتهدد استقلالها. ولذلك لا أرى بدًّا من الاستقالة من المنصب الذي

عهدت إليَّ الآن في القيام به وتحمل أعبائه، راجيًا أن يكون في الأيام المقبلة ما

يخفف عنها الآلام والعناء، وتحقق ما تصبو إليه من الكرامة والمجد) .

وقد عرضت الاستقالة على المجلس فأقرها، ودعا الوزارة إلى الاجتماع،

فاجتمعت وقررت القيام بأعباء الحكم؛ ولكن المندوب السامي تحدَّاها في هذا،

فأصدر قرارًا بتدخل السلطة الفرنسية فورًا وتعطيل الدستور ومجلس الوزراء،

وعين مجلسًا يتولى السلطة باسم فرنسا، وهذا نص قراره:

(قد نشأ عن استقالة مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية في سوريا فقدان تام

للسلطة التنفيذية مما يجعل تدخل الدولة المنتدبة تدخلاً فوريًّا أمرًا لابد منه، وفي

هذه الحالة ترى الدولة المنتدبة نفسها مضطرة إلى وقف تنفيذ الدستور فيما يتعلق

بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، والنظر في نظام مؤقت يمكن من إدارة البلاد إدارة

منظمة طبيعية.

بناء على ذلك قرر المفوض السامي أن يعهد في السلطة التنفيذية - تحت

مراقبته - إلى مجلس مؤلف من مديري مختلف المصالح الوطنية برياسة مدير

الداخلية، ويؤلف مجلس المديرين بقرار من المندوب السامي، ويجوز له أن يتخذ

قرارات بتعيين الموظفين الملكيين، ويجوز له بناء على رأي المجلس أن يصدر

مراسيم لها مفعول القوانين ولا سيما في الشئون المتعلقة بالميزانية، وتتخذ المراسيم

التشريعية بعد موافقة المندوب السامي التي تجعلها نافذة) .

هذا هو موقف فرنسا في سورية، فأما موقفها في بقية مستعمراتها الإسلامية

فعلى ما كان عليه من عسف وجور ونفي للأحرار وتعذيب للوطنيين، وهؤلاء

شباب المغرب وعلى رأسهم الآن محمد بن عبد الكريم لا زالوا في أعماق المنافي

والسجون، وأما إنجلترا فقد أخذت تتلون كالحرباء في حل قضية فلسطين، وانتهى

مجهودها وخداعها بإصدار الكتاب الأبيض الذي لم يُرض أحدًا من الأمم الإسلامية،

حتى أن واحدة من الحكومات لم تشأ أن تتورط في التوسط لدى عرب فلسطين

الباسلين لقبوله.

ولم تكتفِ بهذا بل أخذت جنودها تهاجم اليمن وتحتل أرضًا يمانية بحتة كإقليم

شبوه، وتدعى على لسان محطات الإذاعة فيها أنها ضمن منطقة عدن المحتلة، مما

أدى إلى احتجاج جلالة الإمام لدى ملك إنجلترا احتجاجًا صارخًا هذا نصه:

(من ملك اليمن الإمام يحيى إلى صاحب الجلالة الملك الإمبراطور جورج

السادس المعظم بلندن.

بعد تقديم وتأكيد الإخلاص والتعظيمات لذات عظمتكم، أعرض لجلالتكم

تأثراتي العظيمة من إذاعات راديو لندن باللسان الرسمي الحكومي وادعائها أن

شبوه ومناطقها داخلة في الأراضي العدنية المحتلة، مستندة في ذلك إلى معاهدة

سنة 1940 (كذا من أصل البرقية) .

وقد كنت خاطبت جلالتكم سابقًا بشأن شبوه ومناطقها كلها، وأنه لم يكن لأحد

شأن فيها في أي وقت كان لا من قبل ولا من بعد، وكنت رجوت من عدالة جلالتكم

طلب أوراق المخابرة الواقعة بشأنها من عدن للاطلاع على ما حدث من الوقائع بهذا

الخصوص بين عدن واليمن، فإن ادعاء عدن بشبوه ومنطقتها مخالف لكل الوقائع،

وعارٍ عن كل إثبات، فحكومتي مجبورة للاحتجاج، ولا يمكن لليمن السكوت عن

عمل مغاير للحق ومخالف للصداقة بكل معنى.

ومعلوم لجلالتكم أن شبوه ومنطقتها يمانية منذ خلق العالم إلى اليوم، وسيطرة

اليمن لم تزل عليها ولا هي افترقت يومًا واحدًا عن أمها اليمن، وكل قرار غير

شرعي بشأنها نرده بلا شك، ولم تتعهد اليمن لدولة ولا لشخص بأن تسلمه حقوقها

وملكها، وهل يمكن - يا صاحب الجلالة - بيع أو إهداء أي أرض أو زراعة ممن

لا يصح تصرفه فيها؟ ومن المعلوم أن العثمانيين وغيرهم لم يدخلوا شبوه

ومنطقتها، فلم يتصرفوا بشيء فيها ومنها. وهل من المعقول والمقبول المطالبة

بهدية تقدم من مالكها؟ ومن المعلوم أن جدنا الإمام الهادي هو الذي عمر الحصون

قبل ألف سنة وأن سلفنا الإمام أقام في شبوه. فنحن متسلسلون في شبوه، وسكانها

متعلقون بحكومتنا من جملة إخوانهم بني جابر.

وفي سنة 1914 ابتدأت الحرب العامة وتحاربت إنجلترا مع العثمانيين، ولم

يبق للدولة العثمانية وجود في العالم، وأما تركيا الحاضرة فلم تصل إلى اليمن

وتعمل لليمن شيئًا، فهل يمكن - يا صاحب الجلالة - أن تجيز القوانين الشرعية

والمدنية العالمية الاعتداء على بلاد دولة مستقلة واغتصابها؟

وهل يستطيع أي يمني كان أن يرضى بتسليم أرض أجداده التي حافظوا عليها

إلى هذا اليوم بدمائهم وجهودهم؟ فأرجو من عدالتكم - يا صاحب الجلالة - أن

تنظروا إلى الأمر بعين العدل، ومعلوم جلالتكم أن عرشكم العالي وحكومتكم الجليلة

عقدا برضائها وطلبهما معاهدة الوداد والصداقة مع اليمن.

وتصرح المادة الثالثة من هذه المعاهدة بأنه لا يجوز أن يتبدل أي حال بين

عدن وبين اليمن إلا بالاتفاق بين الطرفين ورضائهما وموافقتهما بالطرق الودية،

وأن تبقى الحالة التي كانت قائمة في تاريخ عقد المعاهدة نافذة المفعول، فهل - يا

صاحب الجلالة - يرضى عدلكم؟ وهل ترضى القوانين الدولية والحقوق السياسية

والإنسانية بعد تلك المعاهدة والشروحات المذكورة الودية، وبعد مرور ست سنوات

من عهدها أن يعتدى على شيء من أرضنا وحقوقنا الطبيعية؟ وهل يمكن موافقتكم

على هذه الاعتداءات والتجاوزات؟

وإني - بكامل احترامي وتعظيمي لذات جلالتكم المعظمة، وبتمام تقديري

لحكومة جلالتكم السنية ولشعبكم المنصف الكريم - أرجو من جلالتكم تحقيق وتدقيق

هذه المعاملة، وإصدار أوامركم العادلة إلى من يلزم بأن يتفضلوا باحترام حقوقنا

وشعبنا بلا جرح قلوب أمتنا، وبلا استحقار أصدقائكم اليمنيين الذين هم ثابتون حالاً

ومستقبلاً في صداقتكم، وبأن لا يكون أي إجحاف بحقوق بلادنا، ولا مخاصمة بين

الدولتين المتضامنتين المتحابتين المتعاهدتين، إن شاء الله.

وتفضلوا يا صاحب الجلالة بقبول عواطف حسن نيتي وصداقتي

وتقديراتي الخالصة الفائقة.

في 11 جمادى الأولى 1358 - 29 يونيو سنة 1939) .

فهل بمثل هذا الاستفزاز تريد الدول الديمقراطية أن تحصل على صداقة

المسلمين والعرب؟

إن الموقف الحالي يستدعي من العالم الإسلامي أشد الاهتمام، وإن الفرصة

سانحة للمسلمين والعرب - لو أرادوا - أن ينتهزوا.

وحضرات أصحاب الجلالة ملوك المسلمين - وبخاصة جلالة الملك فاروق،

والملك عبد العزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الإله الوصي على

عرش العراق، وجلالة الإمام يحيى حميد الدين - هم موضع الرجاء في إفادة

شعوبهم من مثل هذه الحوادث، والله تبارك وتعالى سيسألهم عما استرعاهم،

وكل راعٍ مسئول عن رعيته.

ومن واجب الحكومات الإسلامية أن تتفق جميعًا على خطة حازمة تعلن بها

إنجلترا وفرنسا - في اجتماع وفي حزم وإصرار - أن تبرم المعاهدة السورية على

غرار معاهدة العراق، وأن يكون بين إنجلترا وفلسطين معاهدة تستقل بها الأرض

المقدسة وتظل عربية مسلمة، وأن يكفل استقلال الأوطان الإسلامية الحالية ولا

يتعدى على أي جزء من أرضها.

وأن يكون بين فرنسا وتونس والمغرب معاهدات سياسية كذلك تكفل لهذه

الشعوب المسلمة العريقة أن تصل إلى استقلالها وحريتها، فإن وافقت الحكومات

الديموقراطية على ذلك فهو الخير لها وللناس، وإن أبت إلا الإصرار على الموقف

الظالم فليعمل المسلمون لأنفسهم وحسبهم ما فات.

لقد بدأت العراق والحجاز العمل وقامت مفاوضات بين الحكومتين

الهاشمية والسعودية أغلب الظن أنها تناولت فيما تناولته هذه النواحي الحيوية

للممالك الإسلامية، ولكن كل ذلك لا يكفي فإنا نريد أن يكون الصوت إجماعيًّا

من الحكومات الإسلامية جمعاء أو من معظمها على الأقل، وأن تكون

الخطوات واضحة بيِّنة، والوسائل صريحة حازمة، وفق الله العرب والمسلمين

لما فيه خيرهم وسعادتهم.

...

...

...

...

... حسن البنا

_________

ص: 34

الكاتب: محمد حبيب العبيدي

‌بين الشرق والغرب

أيها الغرب إن للشرق شأنًا

وعلى غابر الزمان العفاء

هبَّ من نومه وكان خليقًا

أن يجافي جفونه الإغفاء

تلك صحف التاريخ تشهد أنَّا

خير نسل أقلت الغبراء

كم عمرنا الديار وهي خرابٌ

وملأنا القفار وهي خلاء

وركبنا البحار وهي طوام

وألفنا الأسفار وهي عناء

يوم لا دق بالحديد تراب

لا ولا شق بالبخار الماء

وملكنا بالسيف ملكًا جسامًا

لم يشد قبل ركنه بناء

أيها الشرق حدِّث الغرب عما

أيقظت من سباتك الأرزاء

وإليك الأبصار من كل قطر

شاخصات وللأمور انتهاء

أنسام الهوان دون المنايا؟

إنما الموت والهوان سواء

ليس دار الهوان للحر دارًا

إنما الحر داره الجوزاء

قد تلونت يا زمان علينا

فحنانيك أيها الحرباء

قرع الدهر نابنا وقرعنا

نحن والدهر لو درى أكفاء

من تفانى في المجد نال بقاءً

وطريق البقاء هذا الفناء

ولقد آن أن يلم شتات

وتسوى أرض ويعلو بناء

...

...

...

...

محمد حبيب العبيدي

...

...

...

...

... (بتصرف)

_________

ص: 41

الكاتب: محمد أحمد جاد المولى

‌ما أحوجنا في هذا الزمان إلى هداية القرآن

بقلم الأستاذ الكبير محمد أحمد جاد المولى بك

كبيرمفتشي اللغة العربية بوزارة المعارف المصرية

قد وضح للمنصفين من العلماء والباحثين أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق

هذا الخلق عبثًا، ولم يتخذه لهوًا ولعبًا: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا

لاعِبِينَ} (الأنبياء: 16) ، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَاّ

بِالْحَقّ} (الحجر:85)، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون: 115) ، {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} (القيامة: 36) ،

{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) .

وسواء أريد بالعبادة ظاهرها، أم معرفة الله - كما ذهب ابن عباس رضي

الله عنهما - فالمعرفة لا تكون بدون عبادة، والعبادة لا تكون بدون معرفة.

لذلك كانت حاجة الناس إلى اهتداء بشريعة الذي فطرهم ضرورية وفوق

حاجتهم إلى كل شيء. ألا ترى أن أكثر العالم يعيشون بغير طبيب؟ ! مثلاً: فأهل

البدو كلهم، وأهل الكفور جميعهم، وعامة بني آدم لا يحتاجون إلى طبيب، وهم

أصح أبدانًا وأقوى طباعًا ممن هو متقيد بالطبيب من أهل المدن الجامعة.

ولقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم، وجعل لكل

قوم عادة وعرفًا في معالجة ما يهجم عليهم من الأدواء، حتى إن كثيرًا من أصول

الطب إنما أخذت من عادات الناس وعرفهم وتجاربهم.

أما الشريعة فقائمة على معرفة الإنسان مواقع رضا الله وسخطه في أعماله

الاختيارية، ولا طريق لهذه المعرفة إلا الوحي المحض، بخلاف الطب فمبناه على

تعرف المنافع والمضار التي للبدن وعليه، وأساسها التجارب والاختبار، وغاية ما

يقدر في جهل تلك المنافع والمضار موت البدن وتعطيل الروح عنه، وأما ما يقدر

عنه فقدان الشريعة ففساد النفس، وتنكبها الصراط السوي، وانغماسها في حمأة

الرذائل؛ مما يودي بها وبالمجتمع الذي تعيش فيه، وشتان بين هذا وهلاك البدن

بالموت.

فالناس أحوج ما يكونون إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم،

والقيام به، والدعوة إليه، والصبر عليه، وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه،

وليس للعالم صلاح بدون ذلك ألبتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز

الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسر، وتاريخ الأمم الإسلامية أيام اعتصامها بحبل

الدين وتهاونها به، وما نراه في الأمم الغربية من الأمراض الاجتماعية والخلقية

المستعصية - مع سبقها وعلو كعبها في شئون المادة - شاهد على ذلك.

وما جاء به الرسول هو الكتاب الكريم والسنة الصحيحة، وذلك هو الإسلام

وهو دين الله وشريعته في جميع الأمم منذ بدء الخلق حتى تقوم الساعة، وقد أخبر

الله بذلك في غير موضع من القرآن {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ} (آل عمران:

19) فدين الإسلام هو دين الأولين والآخرين من النبيين والرسل، وقوله -

تعالى -: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ

الخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85) عام في كل زمان ومكان، فنوح وإبراهيم

ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والحواريين كلهم دينهم الإسلام، وهو عبادة

الله وحده لا شريك له والاستسلام له ظاهرًا وباطنًا، وعدم الاستسلام لغيره، كما

قد بيَّن ذلك القرآن، فدينهم كلهم واحد وإن تنوعت شرائعهم. قال تعالى: {لِكُلٍّ

جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاًَ} (المائدة: 48) .

وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ

فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ

الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (الجاثية: 18-19) .

ولقد جاء القرآن الكريم والسنة الصحيحة بشرائع الإسلام الظاهرة وحقائق

الإيمان الباطلة، ففي مسلم عن عمر رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله

عليه وسلم فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله

إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان،

وتحج البيت؛ والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن

بالقدر خيره وشره؛ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .

فمن لم يقم بشرائع الإسلام الظاهرة امتنع أن يحصل له حقائق الإيمان الباطنة،

ومن حصلت له حقائق الإيمان الباطنة فلا بد أن يحصل له حقائق شرائع الإسلام

الظاهرة، فإن القلب ملك والأعضاء جنوده؛ ومتى استقام الملك وصلح استقامت

جنوده وصلحت. في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا إن

في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد

ألا وهي القلب) .

وإن أصل الإيمان والتقوى الإيمان برسل الله أجمعين، وملاك ذلك الإيمان

بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؛ فالإيمان به يتضمن الإيمان بجميع كتب الله

ورسله.

وأصل الكفر والنفاق هو الكفر بالرسل وبما جاءوا به، وذلك يستوجب

العذاب الأكبر. وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة.

قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (الإسراء: 15) ، {وَمَا

كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} (القصص:

59) .

فالقانون السماوي سبب السعادة، ومن الخطأ الاعتياض عنه بالقانون الأرضي

الإنساني الذي لا يخلو - وإن توافقت عليه الآراء - من أغلاط وأخطاء، لا سيما

إذا كان ممن لا علم عندهم بمعاني كتاب الله، وسنة نبيه الداعي إلى الله على

بصيرة.

حقًّا، إن الاعتياض عن القانون السماوي بالقانون الأرضي من أعظم أسباب

المقت والحرمان، وأكبر موجبات العقوبة والخذلان؛ إذ هو اتخاذ لدين الله هزوًا

ولهوًا ولعبًا، وتبديل النقمة بنعمة الله، والكفران بالشكران. وشرع دين لم يأذن به

الله واتباع لغير سبيل المؤمنين مشاقة ومحادة ومحاربة وخيانة لله ورسوله، وعشو

عن ذكر الرحمن، وإعراض عنه، إلى غير ذلك من المفاسد والمحاذير التي لا

تدخل تحت الحساب ولا تضبطها أقلام الكتاب. قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا

دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا} (الأنعام: 70) ، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا

نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القَرَارُ} (إبراهيم:

28-

29) .

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى: 21)

{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ

نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء: 115) . {أَلَمْ يَعْلَمُوا

أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ} (التوبة: 63) ، {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ

فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ

ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة: 33) .

فإذا كان هذا حكم الباغين المحاربين الخارجين عن طاعة الإمام الذين شقوا

عصا الجماعة؛ فما بالك بمن دعا الناس كافة عربًا وعجمًا، مؤمنهم وكافرهم، إلى

قانون اخترعه هو أو غيره من جنس الخيالات الباطلة، فخرج هو - وأخرج به -

عن طاعة الله وطاعة الرسول، وحاربهما وحادهما وشاقهما بمخالفه أمرهما؟ بلى

وربك، فإنه رأس الفساد، وأم الشرور والخبائث، وما يعقله إلا العالمون.

وقد وسم الله من خالف أحكامه واتبع غيرها في أحكامه وأعماله بالظلم والكفر

والفسق، قال تعالى:{وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} (الطلاق: 1)

{وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة:229) ، {وَمَن لَّمْ

يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} (المائدة: 47) {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ

يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى

الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا

قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ

صُدُوداً} (النساء: 60-61) .

قال أهل التحقيق من المفسرين: الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من

معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله،

أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه به فيما

لا يعلمون أنه طاعة الله. فالقرآن يدعو إلى تحكيم ما أنزل الله، وعدم تحكيم ما

عداه إما تصريحًا وإما تلويحًا، وله جاهد من جاهد، ويجاهد من يجاهد من عباد الله

المتقين من لدن بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم تقوم الساعة. فقد

صح عنه أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من

خذلهم ولا خلاف من خالفهم حتى يأتي أمر الله) فبتحكيم ما أنزل الله يقوم العدل،

ويؤيد الملك، ويستقيم أمر المعاش والمعاد، وتكمل لهم الراحة والأمن والحرية

التامة.

ومن شك فيما تقدم فلينظر الفرق بين حال الإسلام في هذه القرون المتأخرة

التي عطلت فيها حدود الشريعة وأحكامها وحاله في القرون المتقدمة التي ما كانت

هي شيء أحفظ منها على أحكام الشريعة وأوعى لها فإنه واجد الفرق كما بين

الثرى والثريا، وكما بين الأرض والسماء.

ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وسلم

فتحوا ما فتحوا من الأقاليم، ونشروا الإسلام والإيمان والقرآن في نحو مائة سنة مع

قلة عدد المسلمين وعددهم وضيق ذات يدهم، ونحن مع كثرة عددنا ووفرة عُددنا

وهائل ثروتنا لا نزداد إلا ضعفًا وتقهقرًا وذلاًّ وحقارة في عيون الأعداء؛ وذلك

لأن من ينصر الله يُمكِّن له في الأرض، ويمده بنصر من عنده. قال تعالى: {يَا

أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: 7) وقد بين

الذين ينصرون دينه بقوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ

وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ} (الحج: 41) .

_________

ص: 42

الكاتب: أديب غير معروف

‌تطور الإسلام

لأديب غير معروف

كان نشاط الإسلام الغريب مدعاة دهشة لعقول البشر منذ تلك الأيام الممعنة في

الزمن، التي حملت لواءه من فرنسا إلى الصين ، ولكن هذه الشعلة الروحية المتقدة

ما لبثت أن أخذت تخمد على الأيام، حتى ظهر الإسلام في القرن الثامن عشر في

حال من الاحتضار، فأخذ العلماء يلتمسون المعرفة في آفاق محدودة من الدين، لا

كما نزل به القرآن وجاء به النبي صلى الله عليه وسلم، مشرقًا بالنور، سمحًا إلى

أبعد الحدود، بل كما فهموه، هزيلاً ضيقًا، بل على أكثر ما يكون عليه الدين من

الهزال والضيق حين يبدأ فيسمح لظل آدمي أن يقوم بين العقل البشري والله. إن

الإسلام دين الفكرة المتحرر، الذي استطاع أن يطرد الخرافات الكهنوتية من

البلدان التي استظلت بظله، انتهى إلى أن يكون هو نفسه مثقلاً بأنواع العبودية

والخرافات.

فرض الإسلام على معتنقه أن يطلب العلم من المهد إلى اللحد، ونقل عن

النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فضل العلم أفضل من العبادة) ولكن هذا

الفرض أهمل في عصور انحلال الثقافة العربية إهمالاً مخجلاً اطّرحت معه دراسة

العلوم الطبيعية من زمان، فكان ذلك من أهم الأسباب لتأخر الإسلام في العصر

الأخير.

قال المستعرب الفرنسي الشهير (كازانوفا) : منذ أن خبت شعلة الثقافة العربية

زمن الغزو العثماني، ومنذ أن أخذ الإسلام الأول تنقله ربقة (أرثوذكسية) متحرجة،

ونحن ننظر إلى عقل العرب الحديث كشيء يختلف عن عقولنا، ونعتقد أن المسلمين

ليسوا بقادرين على أن يفهموا فكرنا ويمثلوه، ناسين كلمة نبيهم الرائعة، التي كانت

مصدر الهدى لحضارتهم الأولى، والتي تقول:(فضل العلم أفضل من العبادة) . إني لأتساءل: أي رئيس ديني، أو أي مبشر عظيم جرؤ في يوم أن يتلفظ هذا الكلام

الجسور، الذي يكون (دستور الإيمان) لعالمنا الثقافي اليوم؟ في حين أن كلامًا كهذا

كان يعد لزمن غير بعيد كفرًا عند الجمهرة الكبرى من العقول المثقفة، بل أستطيع أن

أتساءل: أي أوربي في عصر محمد استطاع أن يفكر بإمكانية فظاعة كهذه؟ !

وعلى هذه فأصح البديهيات عن حرية الفكر، هذه البديهيات التي تدع وراءها

أجرأ آراء (لوثر) و (كالفن) ، وأمثالهما، إنما فاه بها عربي من أهل القرن السابع،

هو مؤسس ذلك الدين الذي يزعم كثير منا أنه منحط انحطاطًا لا يرجى له علاج،

وفي الحق أن تذوق العلم، والتأملات الفكرية في شتى الميادين، وأن حب الفكر

الإغريقي والإعجاب بمآثره، وهذا الفضول المُلِحّ لمعرفة ما في الطبيعة، والرغبة

الجادّة في رفع النقاب عن هذه الطبيعة، كل أولئك كان يمثل المزايا الصحيحة للروح

العربية، إن هؤلاء العرب العظام الذين فقناهم في الأربعة القرون الخالية كانوا

الأساتذة الكبار للفكر الحديث قبل عصر النهضة) .

بيد أن العلماء الذين كان عليهم أن يرعوا تعاليم الإسلام الصحيحة ما لبثوا مع

الزمن أن وقفوا كل اهتمامهم على الفرعيات الصغرى من العبادات، فكانت بذلك

مفارقة خطرة لعمود الشرع الأول، وكانت أن نشأت في البلدان الإسلامية رجعية

متحرجة، وتعصب مخالف لروح الإسلام، وطغت على مراكز الثقافة العربية

مدرسية متطرفة كالتي عرفت في القرون الوسطى، وبها طائفة من الخرافات

الفارغة، فمد الجهل رواقًا على الطبقات الدنيا، فرغبت عن كل تجديد، وأصبح

المجتمع الإسلامي فاسدًا على الجملة.

إن روح الإسلام لا تعني على أي حال الاطمئنان إلى هذا الوضع الذي يسود

العالم الإسلامي، أو القناعة به؛ لأن الجبر (أي الاعتقاد بالقضاء والقدر على أنهما

إجبار) لا يؤلف قممها من العقيدة الدينية، أما العامة، فقد تملكتها - بسبب الجهل

والعبودية السياسية فيما بعد - روح قناعة وتسليم تكفي لإحداث ركود عام، فكان

بذلك سبب رئيسي من الأسباب التي عاقت التقدم السياسي والاقتصادي للدول

الإسلامية.

لقد تقدمت الدول النصرانية في ميدان الحياة المادية، كما تقدم المسلمون زمان

كانوا يخضعون لتعاليم الشرع التي نادت بحرية الفكر، وحضَّت على طلب العلم،

ودرس ما خلق الله. لقد أطرح الأوربيون الأصفاد الأكليركية والمدرسية الضيقة

فكان تقدمهم في الحقل المادي مدعاة للدهشة بقدر ما كانت الفتوح المادية والروحية

التي قام بها المسلمون الأولون.

وضعف آخر عانى منه الإسلام كثيرًا في تاريخه، هو نفوذ الأوتوقراطية

السياسية السيئ؛ فإن قيام الأوتوقراطية المستبدة على رأس الإسلام قد أضر به

كثيرًا في الحقبة التي سبقت الحروب الصليبية بقليل؛ إذ كان جو الفساد الذي خلقته

هذه الاوتوقراطية المستبدة عائقًا لنمو الإسلام، فتفسخت الأمصار الإسلامية إلى

وحدات يسيطر عليها طغاة منهمكون في منازعاتهم وحربهم التي يستغل فيها الدين

ويسخَّر لأغراض غريبة عنه، فما طال الزمان حتى كان الشرق المسلم غارقًا في

ظلام عميق، ضيَّق من أفقه الثقافي، وانتهى به إلى عقم أدبي عام.

وعامل هام آخر ساعد على تأخر المسلمين، هو نشوء شعور بالتسامي مزور

قام على التبجح بالفتوح العظيمة، والتغني بمآثر الإسلام في العصور الأولى،

وحمل المسلمين على أن ينظروا إلى المخترعات الحديثة التي ولدها العقل الغربي

نظرة استحقار واستخفاف.

إن المسلمين في عصور انحطاطهم لا يشبهون المسلمين الأول إلا قليلاً، فلم

يعملوا بما قضته شريعتهم، ولا عنوا بتتبع سنن نبيهم، لقد قطع المسلمون شوطًا

بعيدًا في الحقول العقلية، والسياسية، والاجتماعية، والأخلاقية أيام استمسكوا بأمر

دينهم ونهيه، ولكنهم لما رغبوا عن حبلهم هذا المتين فقدوا روح البطولة وأسقط في

يدهم، فأهملوا تثقيف أولادهم، كما أهملوا تثقيف بناتهم بخاصة، لقد ناءوا بهذه

الحضارة وهذه الثقافة التي بناها أسلافهم بتأثير القرآن والتأسي الشريف بالنبي

صلى الله عليه وسلم فما استطاعوا لها صونا، وضعفت روح التكتل، وأخذ التفسخ

يظهر واضحًا.

وكان الغزو المغولي في القرن الثالث عشر ضربة أخرى شديدة على الثقافة

الإسلامية؛ إذ عطلت جيوش جنكيز خان أعظم مراكز العلم، وأودت بمعظم العلماء،

كان كل ذلك في يوم كانت فيه الحدود الشرقية للإمبراطورية الإسلامية غير

مصونة إلا قليلاً، وهنا نلاحظ أن فرضًا من فروض الشريعة قد نُسي أو أهمل،

هو الجهاد، فانتهى الأمر أخيرًا إلى سقوط بقايا الإمبراطورية الإسلامية في أيدي

دول الاستعمار الأوروبية.

لقد عاقت الحروب الصليبية نمو الإسلام، في حين أن اكتشاف طريق الهند

التجارية الشرقية، واكتشاف أميركا، مع ما دعا إليه من اتجاه التجارة العالمية ناحية

الغرب، إلى جانب ازدهار الحركة الصناعية والمواصلات عبر المحيط، كل ذلك

كسف أخيرًا عالم الإسلام، فما آذن الزمن بالقرن الثامن عشر حتى كان العالم

الإسلامي غارقًا في سبات، بينا شهد القرن التاسع عشر سقوط الدول الإسلامية -

الواحدة بعد الأخرى - في قبضة الدول الغربية المغيرة.

ولكن السبات والركود ليسا من مبادئ الإسلام، إن هما إلا نتيجة لأحداث

سياسية واقتصادية، وهكذا أخذت تقوم في ذلك الحين محاولات في الإصلاح الديني

أظهرت واضحًا أن خلف الرماد حياة للإسلام صحيحة فذة، هذه الحركات

الإصلاحية نشطت لإحياء مجد الإسلام الأول، وطمحت إلى إعادة الدين إلى شكله

الصافي الخالص قبل أن تثقله المعتقدات الدخيلة والبدع المفسدة.

وكان ابن تيمية في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) العدو

الأول لهذه البدع، ولكن أربعة قرون تصرمت قبل أن تؤتي آثاره أكلها يانعًا، ففي

القرن الثامن عشر تأثر محمد بن عبد الوهاب من أهل نجد بدراسة مؤلفات ابن

تيمية، فحاول كما حاول أستاذه من قبله أن يرجع للإسلام حيويته الأولى وصفاءه

الأول، وأن يجتث الرذائل ويبطل البدع المخالفة لتعاليم الدين الفطرية، مجردًا

حملته في سبيل هذا الإصلاح الديني حوالي سنة 1740، بعد أن حز في نفسه ما

رآه من التفسخ الأخلاقي، وذيوع الخرافات بين المسلمين، وفي سبيل هذا بشر

محمد بن عبد الوهاب بالرجوع إلى مصدري الإسلام الأولين كتاب الله وسنة رسوله.

وقد عمل هذا المصلح الطهري - مؤسس الوهابية - كل ما في وسعه ليعيد

للإسلام بساطته الشديدة الأولى، فكانت الحركة الوهابية في الواقع بشير الانتعاش

للإسلام الحديث، ولا نستطيع هنا - بداعي ضيق المجال - أن نعرض بكلام

مسهب لنمو هذه الحركة، إنما يكفي الذكر أنها نشأت في جزيرة العرب في ظل

البيت السعودي، وانتشرت في نجد ثم في الحجاز زمنًا قصيرًا، تقلصت عنه بعده،

إلى أن قام عبد العزيز بن سعود ببضع حملات ناجحات استعاد بها الحجاز،

وضرب بسلطانه على القسم الأعظم من بلاد العرب.

امتدت الحركة الوهابية إلى ما وراء الجزيرة، وعملت على إثارة حركات

مشابهة مستوحاة منها في الهند وإفريقية وجزر الملاي، بل إن حركة السنوسي

الشهيرة نفسها مدينة في منشئها للإيحاء الوهابي.

ففي منتصف القرن التاسع عشر حمل السير سيد أحمد خان لواء حركة

تحريرية إصلاحية في الهند، كان من ثمارها تأسيس جامعة إسلامية في عليكرة

يتلقى فيها الطلاب - إلى جانب التربية الدينية - ثقافة عصرية عميقة، ولقد اتجه

السير سيد علي في المسائل الفقهية اتجاهًا حديثًا، محاولاً أن يلائم بين حياة الشعوب

الإسلامية وبين العصر الجديد، وأن يؤلف بين الثقافة والتقاليد الإسلامية، وبين

الآراء الحديثة والعلم الحديث.

وبعد وفاة السير سيد تعهد الحركة مولاي شيراغ علي، ومن بعده سيد أمير

علي، الذي عبر عن آراء المجددين في كتابه المعروف:(روح الإسلام) ،

وتطورت الحركة من بعده، جامعةً بين (العقلية) والتحرر، وكان لها ممثلها في

شخص (س خودا بخش) صاحب كتاب (رسائل هندية وإسلامية) .

ويجب أن نذكر بصدد هذه الحركة العمل الذي قام به حكيم أجمل خان، من

دلهي، إذا وقف نفسه على تدريب الطلبة المتأخرين من الجامعة في عليكرة،

وبعثهم إلى الخارج مبشرين، لينشروا بين شباب الطبقات المثقفة، ثقافة إسلامية

حديثة مؤسسة - قبل كل شيء - على القرآن.

أما أعظم مصلح في الهند الإسلامية غير مدافَع، فهو المرحوم السيد محمد

إقبال الفيلسوف الشاعر الكبير، الذي ألفت آراؤه ومؤلفاته (مدرسة) من المفكرين

الدينين والسياسيين في الهند، ومن أبرز آثاره كتابه الممتع عن (تجديد التفكير

الديني في الإسلام) ، الذي كان يريد فيه كما يقول (أن يلبي ولو جزئيًّا هذه الرغبة

الملحة في إيجاد شكل علمي للمعرفة الدينية عن تجديد طريقة الفلسفة الدينية

الإسلامية على أساس من تقاليد الإسلام والتطورات الأخيرة في مختلف ميادين

المعرفة الإنسانية) ، ولكي نقدم فكرة صادقة عن قيمة مؤلف السير محمد إقبال هذا

لا نجد أفضل من أن نقتبس ههنا الفقرة التالية من مراجعة له بقلم عالم (غربي)

ممتاز؛ لما فيها من (إشارة) إلى العلاقات الغربية الإسلامية:

(إن العالم الغربي لا يعرف السير محمد إقبال - إذا استثنينا طبقة من

الخاصة صغيرة - المعرفة التي يستحقها. قد لا يكون محمد إقبال مؤرخًا؛ ولكنه

فيلسوف لاهوتي ديني من الطبقة الأولى، بعقل معجز جبار، إدراك هذه الحقيقة لم

يكن بالسهل على الغرب - بسبب إسلامية إقبال - كما كان في شأن طاغور الشاعر

الغامض، وغاندي الذكي الغريب. إن من الجميل أن يكتشف الغرب مسلمًا مجددًا

حقًّا، هو في الأقل صنو لأعظم مفكري الغرب في كل ناحية.

كم يكون من المؤسف أن نسلب القارئ الغربي لذة الاكتشاف الشخصي

بتقديمنا هذا الرجل إليه ملخصًا، فليس هناك رجل في العالم المسيحي يحق أن

يدعى عصريًّا - أو ما شئت من النعوت - إذ لم يكن قد (اكتشف) بعدُ محمد

إقبال، وليس هناك كتاب للسير محمد أجدر من هذا كأداة وصل في هذا التعرف) .

فإذا انتقلنا إلى تركيا كان علينا أن نشير إلى حركة إصلاحية سايرت ثورة

سنة 1908، فحزب (تركية الفتاة) نادى بالأخوة والمساواة بين رعايا السلطان

جميعًا، وكان أحد مقدمي الزعماء في (جمعية الاتحاد والترقي) المصلح والسياسي

الأمير سعيد حليم باشا، الذي كان يعتقد أن الإصلاح لا يقوم على اقتباس ما هو

غربي، بل بالعودة إلى الإسلام، وكان يعمل لإمبراطورية إسلامية مستقلة، ويؤيد

الخلافة، فعل الكثرة المطلقة من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، مسترشدًا بغايته

الأولى، وهي بناء الدولة الإسلامية الصحيحة على قواعد حديثة. ولكن مؤثرات

مغايرة كل المغايرة لأهداف الأمير سعيد حليم باشا ما لبثت أن ذرت قرنها، فقامت

فكرة الوحدة الطورانية، رامية إلى خلق ثقافة تركية قومية حديثة.

بيد أن أبرز المصلحين في القرن التاسع عشر كان السيد جمال الدين الأفغاني،

الذي كان له الأثر الأعمق على الحركات الإصلاحية في شتى الأقطار الإسلامية

ومصر بخاصة؛ حيث قضى ثماني سنوات (1871 - 1879) ، وحيث تتلمذ

عليه الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية ، الذي توفي سنة 1905.

لقد شملت أعمال هذا الرجل العظيم أمصار الإسلام على التقريب ، فخضعت

أفغانستان وإيران ، وتركية، ومصر، والهند جميعًا ، وفي فترات متباينة

لأثره البعيد.

إن غاية جمال الدين القصوى كانت توحيد الشعوب الإسلامية في ظل دولة

إسلامية واحدة، يمارس فيها الخليفة سلطة مطلقة، كالتي كانت للخلفاء في أيام

الإسلام الغرر ، قبل أن تنهك من قواه الفتن والتفسخات ، وقبل أن تغرق البلدان

الإسلامية في ظلام من الجهل والمسكنة ، فتصبح فريسة الاعتداء الغربي. كان يعتقد

أن هذه الدول الإسلامية إذا تخلصت يومًا من وباء الاستعمار الغربي والتدخلات

الغربية، وجددت نظرتها إلى الدين بحسب مقتضيات العصر، استطاعت أن

تخلق لنفسها أوضاعًا جديدة باهرة، دون تقليد للدول الغربية، أو اعتماد عليها.

وعنده أن الدين الإسلامي في جوهره دين دنيا ، وأنه قادر إلى أبعد حد - لما له من

قوة روحية - على أن يساير اختلاف أحوال الحياة، ويرى أن الثورات

السياسية هي أسرع وأضمن سبيل يوفر للشعوب الإسلامية الحرية التي لا

تستطيع هذه الشعوب أن تنتظم أمورها الداخلية بدونها. وقد وصف مؤرخ

مصري احتكاك جمال الدين بالشئون المصرية بهذه الكلمات:

(لقد ولدت بنزول جمال الدين مصر حركة جديدة، قالت بوجوب تحديد

التدخل الأجنبي والحكم الأوتوقراطي ، وحاولت تحضير عقول الشعب لإنشاء نظام

قومي متحرر ، كما بذلت جهود لإصلاح الحالة الاجتماعية للجماعات، عن طريق

تفسير جديد لتعاليم الدين التي أفسدت من روحها الخرافات والتقاليد والتفصيلات

الفقهية في عصور الظلام.

قادت هذه الحركة إلى يقظة صحيحة تمظهرت في الإسلام الديني ، كما

تمظهرت في البعث الثقافي والأدبي ، وفي التطورات السياسية، التي دلت على

نمو في الروح القومي. لقد كان جمال الدين أعظم شارح لفكرة الجامعة الإسلامية) .

وأخذت الحركة الإصلاحية والتجديدية في مصر في الربع الأخير من القرن

التاسع عشر شكلاً محددًا على يد الشيخ محمد عبده ، قاصدة إلى تحرير الإسلام من

القيود التي كبله بها التقليد المتحجر ، وإلى الإصلاح الذي يجعل هذا الدين قادرًا

على مسايرة الحياة العصرية ، وهكذا نشر محمد عبده في مصر روح أستاذه جمال

الدين ومثله العليا، وعمرت هذه الحركة في مصر إلى وقتنا الحاضر ، تاركة

آثارها في شتى الميادين ، كما لاقت آراء الشيخ محمد عبده أذنًا صاغية بين

الطبقات المثقفة في مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية ، فتقبلوها بقبول حسن.

وكان السيد محمد رشيد رضا - السوري الأصل - مقدم تلاميذ الشيخ محمد عبده،

فلما قبض الشيخ الإمام ظل رشيد رضا الأمين على رسالته ، والشارح لتعاليمه ،

وهو مؤسس مجلة (المنار) المشهورة، التي أصبحت بعدُ لسان الدعوة لآراء

الشيخ محمد عبده ، ومعقل الكفاح لتحقيق إصلاحاته. وهناك مدرسة ثانية من

المجددين تأثرت بعيدًا بحركة الشيخ محمد عبده بين رجالها ، أمثال قاسم أمين ،

وفريد وجدي ، وعلي عبد الرزاق (مؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم) وغيرهم

من كبار الرجال.

وإنا لنلمس آثار جمال الدين الأفغاني في الأجزاء القاصية من العالم الإسلامي ،

كروسيا مثلاً؛ حيث هبَّ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مصلح مشهور ،

هو إسماعيل جاسبرنسكي محرر جريدة (ترجمان) الصادرة في بلاد القرم،

والذي دعا إلى عقد مؤتمر إسلامي عالمي لبحث المسائل المتعلقة بالحركة

الإصلاحية الإسلامية.

إذا نظرنا إلى الحال اليوم، رأينا الإسلام يواجه أزمة اختلف في تأويلها

المفكرون المسلمون والغربيون، قال السير محمد إقبال:

(إن الملاحظ السطحي للعالم الإسلامي الحديث هو وحده الذي يعتقد أن

الأزمة الحالية في هذا العالم الإسلامي إنما ترجع إلى أيدي القوى الأجنبية) .

(إن مسألة ما إذا كان الفرد مسلمًا، هي من وجهة النظر الإسلامية مسألة

شرعية صرفة ، يحكم فيها على أساس المبادئ الرئيسية للإسلام ، وما دام الفرد

مؤمنًا بالمبدئين الرئيسيين: وحدانية الله ورسالة نبيه، فلا يستطيع أحد - حتى

أكثر الملوية تحرجًا - أن يخرجه من حظيرة الإسلام، على الرغم من فهمه

للشريعة أو لنص القرآن فهمًا يُعتقد فيه الخطأ. لقد عانى الإسلام جحودًا كبيرًا ،

وآن للمسلمين أن ينظروا إلى الحقائق، إن المادية سلاح خطير ضد الدين؛ ولكنه

ناجع مستحب إذا جُرد على الطرق الملوية والطرق الصوفية التي تشعوذ على

الرَّعاع، مستغلة جهلهم وسرعة تصديقهم. إن روح الإسلام لا تخشى شيئًا من

احتكاكها بالمادة، وفي الحق إن القرآن يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ

وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: 77)) .

(إن من الصعب على غير المسلم - إذا اعتبرنا تاريخ العالم الإسلامي خلال

القرون الأخيرة - أن يدرك أن التقدم في النظرة المادية لا يعدو أن يكون ضربًا من

تحقيق الذاتية) .

ومن ناحية أخرى نجد روم لاندو يصف تأثراته حيال الروح الحية التي

تسري في مصر اليوم:

(إن مصر الحديثة تقتبس اليوم عن أوروبا بسرعة تواقة ، طامحة إلى أن

تلحق بالغرب في مضمار المدنية الحديثة ، ترى في الوقت عينه - وعند الشباب

بخاصة - قومية متطرفة ، تتخذ في بعض الأحيان شكل العداء لكل ما هو أجنبي،

وما كان هذا النوع من القومية داعيًا إلى الأسف، فذلك شيء طبيعي عن شعب حاد

المزاج، يطمح أن يرى بلاده مستقلة بعد مئات السنوات من السيطرة الأجنبية) .

(إن معضلة الطالب المصري تكاد تكون عين معضلة الروح المصرية

الحديثة، كلاهما يجتاز الآن مرحلة انتقال، وفي كليهما اللهفة، والنزق، وغرور

الشباب، وحساسيته. إن العناصر الروحية والمادية والدينية والقومية تختلط جميعًا

إلى درجة لا يرجى معها حل للمعضلة عن طريق نوع بعينه من هذه الإصلاحات،

ورجال السياسة المصرية لم يعتمدوا في يوم على معاونة زعماء الدين والفكر

معاونة فعالة اعتمادهم في يومنا هذا؛ لأنه ليس من ناقد نزيه يعتقد أن معضلة

الشباب المصري يمكن حلها دون إصلاح روحي عميق، يشمل تأثيره الشبان

ويعدوهم إلى الزعماء السياسيين) .

فإذا عرفنا أن التطور في البلدان الإسلامية كان دائمًا على أساس الدين (ولا

يمكن أن يكون إلا كذلك) اتضح أن إصلاحًا روحيًّا كالذي يتكلم عليه روم لا ندو لا

يتوفر إلا عن طريق تثقيف شباب الإسلام تثقيفًا دينيًّا صحيحًا.

إن نشوة القومية في البلدان الإسلامية يجب أن ينظر إليه (كرد فعل) دفاعي

ضد الاستيلاء الغربي ، وكنتيجة للاعتقاد بأن التحرر الكامل من الغرب سياسيًّا ،

واقتصاديًّا ، واجتماعيًّا شرط أساسي لنهوض الإسلام. وهكذا كان من الطبيعي

للأقطار الإسلامية في هذا الدور من نشوئها أن ترى في القومية مصدر قوة وسلطان،

ومهما كان فإن هذا المظهر الانتقالي من القومية لا بد أن يفسح المجال يومًا

لضرب من (جامعة أمم) إسلامية ، مؤسسة البنيان على قواعد روحية. إن

المسلمين لا يستطيعون أن يفرطوا بتراث ثقافتهم الروحية العظيمة لمجرد تقليد

القومية الأجنبية في مظهرها الحالي ، فالنتائج المضرة لهذا النوع المتطرف من

القومية أوضح من أن تؤكد.

بيد أن بلدان الإسلام - بالرغم من هذه القومية التي تطغى عليها - تظل في

الحق أكثر تجانسًا ، وأبعد وحدة ثقافية من دول أوروبا ، ففي شطر كبير من العالم

الإسلامي - أعني في الشرق العربي - تسود لغة واحدة للتخاطب والكتابة ، ذات

تراث أدبي وفلسفي غني جدًّا ، ويستطيع أن يدرسها بسهولة المثقفون في العالم

الإسلامي كله، تلك هي اللغة العربية، اللغة المشتركة لستين أو سبعين مليونًا من

الناس من مراكش إلى الخليج الفارسي ، وهي تحتل اليوم في الأهمية المرتبة

الرابعة بين لغات العالم ، كما أنها اللغة الدينية للعالم الإسلامي قاطبة، على حين أن

اللاتينية - وقد كانت في العصور الوسطى لغة مشتركة بين العلماء الأوروبيين -

لم تعد منذ زمان واسطة التعبير، وليس بين اللغات الحية واحدة لها حظ في أن

تصبح اللغة المشتركة في أوربا ، بيد أننا لا يجب أن ننسى أن الدعاية القومية -

مع تأكيدها على الفروقات اللغوية - تجعل هذا التطور بعيد الاحتمال في الوقت

الحاضر.

أما الفروق في النواحي الأخرى - أعني في نسيج المجتمع، والمثل العليا

السياسية - فالفروق بين مختلف أجزاء أوروبا أكبر بكثير منها بين مختلف أجزاء

العالم الإسلامي ، فالعالم الإسلامي أقرب إلى أن يكون وحدة - وبخاصة في مزاياه

الاجتماعية والثقافية ومؤسساته - من أوربا كلها.

إن من الخطأ أن نزعم أن المثقفين من المسلمين، والطبقات الرفيعة في

المجتمع الإسلامي قد أخذت في الابتعاد عن الدين، أو عدم الاكتراث به بداعي

الإقبال على الحضارة الأوروبية والنسج على على منوالها، بل إننا ليمكننا أن

نذكر دليلاً واحدًا يؤيد العكس، وذلك في مصر حيث تزدهر حركة عظيمة للإحياء

الديني إلى جانب حركة اقتباس الحضارة الغربية، فمجلة (الرسالة) - وهي

مظهر التقدم للفكر العربي الحديث، والثقافة العربية الحديثة - تنشر في كل عام

عددًا خاصًّا بذكرى العام الهجري الجديد، يمده زعماء الفكر - وبينهم رجال

المدرسة الجديدة - بمقالات في الموضوعات الإسلامية تظهر بوضوح روح

احترامهم لشخص النبي وللقرآن، وهكذا فالتوفيق الظاهر بين الحركة الإصلاحية

الدينية وبين النظريات القومية، هذا التوفيق الذي يكون اليوم عاملاً قويًّا في نهوض

الأقطار الإسلامية، يجب أن ينظر إليه - كما ألمحنا - كظاهرة زائلة لا تتعارض

مع النزعة إلى إحياء ديني خالص. وفي الحق أن في العالم الإسلامي اليوم جهودًا

فردية تحاول أن تنظر إلى الدين نظرًا صحيحًا، ولكن أصحاب هذه الجهود جميعًا

يدركون ضرورة الإخلاص للقرآن والحديث ، وليس هناك مسألة إصلاح ديني على

أساس مذاهب أو (كنائس) مستقلة كما كان الحال في الغرب؛ لأنه ليس في

الإسلام مكان لعقيدة (الكنيسة) هذه، إن الإسلام اليوم - وغدًا - لن يقف في وجه

التطور الإسلامي فحسب، بل سيكون هو ملهم هذا التطور، وبكلمة ثانية، فإن

الصبغة الدينية تطبع التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية كلها. إن الرابط

الديني، وهو أعمق ما يشد بين الشعوب الإسلامية على رغم الفروقات العنصرية

واللغوية، سيظل الأساس لتطور البلدان الإسلامية الاجتماعي، وهكذا تزداد

المعتقدات الدينية قوة على قوة لدى الأفراد، ولدى الأمة كمجموع.

(المحرر)

ننشر هذا المقال، وندع للكاتب رأيه الخاص في الأشخاص والحوادث التي

ورد ذكرها فيها، ولكنا نستخلص منها هذه الحقائق، التي نريد أن ينعم النظر فيها

دعاة النهوض والإصلاح.

(1)

إن المسلمين الآن قد خالفوا تعاليم الإسلام الصحيحة.

(2)

إنهم بذلك ليسوا على نهج أسلافهم.

(3)

إن طبيعة الإسلام تأبى السبات والركود، فلا يأس من الإصلاح.

(4)

إن فكرة القوميات في بلاد الإسلام - أنى كانت - رد فعل للتعصب

الأجنبي.

(5)

إن التطور في البلاد الإسلامية كان دائمًا على أساس من الدين (ولا

يكون إلا كذلك) .

(6)

إن الإتجاه الديني اليوم قوي، حتى بين من تثقفوا ثقافة أوربية بحتة.

(7)

إن الرابط الديني سيظل دائمًا هو الأساس والملهم للنهضة الحديثة.

...

...

... نقلا عن مجلة (الإيمان) البيروتية

* * *

من خطبة لمستر ماكدونالد وزير المستعمرات الإنجليزية

(إن العالم الإسلامي دخل في مرحلة جديدة، بقوته المتزايدة، وبكل ما

يتضمنه الدين الإسلامي العظيم من قوة مضافًا إلى التعاليم الحديثة، إن تطورًا

جديدًا قد طرأ على العالم الإسلامي، وهو تطور يجب أن نحسب له حسابًا دقيقًا) .

_________

ص: 49

الكاتب: عبد السميع البطل

‌صاحب المنار

السيد محمد رشيد رضا

{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ

مُّبِينٍ} (يس: 12) .

مات السيد رشيد رضا، فمات بموته المنار، ونعاه الناعون مع نعيه، وأبَّنه

المؤبنون في حفلة تأبينه، واقترن الأسى على حرمان المسلمين من المنار، بالأسى

على منشئ المنار، وقد مضى أربع سنين خفت فيها ذلك الصوت المدوي الذي كان

يملأ طباق الأرض، وخبا النور الذي كان يشع في الشرق والغرب، أربع سنين

عسعس ليلها، وحار دليلها، ومل حذاقها، حتى إذا استيئس الركب، وظنوا أنهم

قد أحيط بهم، لمع لهم نور (المنار) من مشرق جديد، يبدد الظُّلَم، ويكشف الغمم،

ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيط قلوبهم.

ولقد طالما قال القائلون إن أعمال المسلمين يقضى عليها بالفشل، تموت

بموت أصحابها فلا تحس لها وجودًا، ولا تسمع لها ركزًا، مات (المؤيد) بموت

الشيخ علي يوسف، ومات أمين الرافعي فماتت (الأخبار) بموته، ومات السيد

رشيد فوُدع المنار يوم وداعه، ومات صاحب (الأهرام) فهل أثر موته في انتشار

الأهرام؟ ومات جورجي زيدان منشئ (الهلال) فلم يحُل موته دون ذيوعه واطراد

نموه، ومات الدكتور صروف أحد أصحاب المقطم والمقتطف فلم يفتَّ الوهن في

عضد شريكه، وظل في مده وفراهته.

ألا فليطمئن هؤلاء بالاً، فقد شذت القاعدة، وانخرقت العادة، وانبعث

(المنار) من مرقده، وعاد إلى الظهور وضَّاح المحيَّا، باسِم الثغر، يستأنف جهاده

ويتمم رسالته، ويحتضنه جماعة الإخوان المسلمين المنبثين في العالم الإسلامي

بحرارة إيمانهم، ودافع غيرتهم، متكئين على ماضي (المنار) المجيد وسمعته

الغراء، مترسمين خطا منشئه العظيم في إخلاصه وبلائه، وصبره وأناته،

مغترفين من فيض حكمته، مقتبسين من أنوار معارفه؛ فلقد كان - رحمة الله عليه-

أمة وحده، وكان حجة من حجج الله على عباده، حتى لقد أتعب من بعده، وظل

الفراغ شاغرًا فلم نجد من يسد مسده، وأحجم كل من تقدمنا إليهم في المعاونة على

استمرار (المنار) ، معتذرين بعظم المسئولية، وعدم استكمال الأدوات، يستوي

في ذلك علماء مصر الأعلام، وغيرهم من علماء الإسلام، وأذكر هنا كلمة

المرحوم الشيخ حسين والي - من كبار علماء الأزهر المشهورين - التي قالها لنا

أيام المأتم ونحن نتذاكر الأمر: (إيتوني برجل اجتمع فيه علم السيد رشيد وصلاحه،

وإخلاصه، وصبره، وثقة العالم الإسلامي به، وأنا أضمن لكم استمرار المنار) .

وقال نحو ذلك الأستاذ الكبير الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار، وكان الذين

يتمنون هذه الأمنية، إنما قصارى أمنيتهم أن يكون المنار الجديد صدى المنار القديم،

حتى لا يسكت ذلك الصوت الصارخ، ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجة.

ولا شك أن المؤمنين سيفرحون بنصر الفكرة، وتحقيق الأمنية، وسيتقبلون

المنار بقبول حسن، وسيرحبون بمبادئ الإسلام الصحيحة قبل أن تتناولها أيدي

التحريف، وتلعب بها رياح التضليل، وسيحملهم ذلك الحرص على الرجوع إلى

مجلدات المنار القديمة، بل الرياض النضيرة، يتفيئون ظلالها. ويقطفون ثمارها،

وإن جناها لدانٍ، وإنه لمستساغ في اللها.

ولما كان المنار الجديد سيعرف قراء جديدين، وستتناوله أيدٍ جديدة، وسينضم

له أعضاء جدد، كان من المستحسن أن نقدم لهم ترجمة مختصرة عن صاحب

المنار: نشأته، وإصلاحه، وآثاره، وسائر ما يتصل بذلك؛ لتكون نورًا بين يدي

القراء، فإلى اللقاء.

...

...

...

... عبد السميع البطل

_________

ص: 61

الكاتب: أحد علماء الأزهر

‌فلسفة النفاق

المنافقون في فلسطين وحكمهم

بقلم أحد علماء الأزهر الفضلاء

{بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ

المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} (النساء: 138-139) .

تنادى الناس في فلسطين إلى الدفاع عن أنفسهم، والذود عن بلادهم، والجهاد

في سبيل الله، فنفر فريق بنفسه، وأعان فريق بماله، وساهم فريق بجهده،

وقعد المخلفون.

والمخلفون عن الأمة في كل زمان هم المنافقون فيها، يتخلفون عن جماعتها،

ويخرجون على أمرها، ويقعدون عن نصرتها، ويعملون على خذلانها، ويتولون

أعداءها؛ ذلك أن الإيمان لم يدخل قلوبهم، والإخلاص لا يجد سبيلاً إلى نفوسهم،

والخير بعيد عنهم، والشر قريب منهم، فهم أعداء الله والناس وأعداء أنفسهم لو

كانوا يعلمون {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ

مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون: 4)

هؤلاء المخلفون هم الثلمة التي ينشدها أعداء الأمة في صفوفها المتراصة،

يبصرون منها عوراتها، ويستطلعون أخبارها، ويستكشفون أسرارها، وينفذون

منها إلى معاقلها الحصينة، وحصونها الأمينة، وهم مطايا الاستعباد، ونذر السوء،

وأبواق الشر، وعون العدو؛ ينال بهم ما لا يقدر على نيله بقضه وقضيضه،

وعدته وعديده.

لقد هب الناس جميعًا في فلسطين لدفع كارثة التهويد والاستعمار عن بلادهم،

ورفع الظلم النازل بهم، ونفروا خفافًا وثقالاً، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، ولم يبق

منهم من لم يساهم في هذا السبيل بنصيب كثير أو قليل، إلا أولئك المخلفون

الخائنون، الذين طبع الله على قلوبهم، واستحوذ الشيطان على عقولهم، فانحازوا

إلى العدو، وقعدوا عن نصرة بلادهم، وفرحوا بمقعدهم وراء العاملين المجاهدين

من أمتهم، يتربصون بهم الدوائر، ويترقبون بهم النوائب، وإن تمسسهم حسنة

تسؤهم، وإن تصبهم سيئة يفرحوا بها، تقر أعينهم بما تفيض له أعين الناس

بالدمع، وتُسر أنفسهم بما تذهب أنفس المؤمنين عليه حسرات، يرون - وقد أعمى

الله بصائرهم، وأمات الفسق ضمائرهم - في ضعف أمتهم قوة لهم، وفي ذلها

عزهم، فهم دومًا يسلكون سبيلاً غير سبيلها، وهم أبدًا يعملون مع عدوها.

هذا هو حال أولئك المخلفين المنافقين في فلسطين اليوم، وكذلك حالهم في كل

زمان، وكذلك يكونون في كل أمة، يدخلون في عدادها وهم أعداؤها، وينتمون

إليها وليسوا منها، وكما في الحيوان والنبات طفيليات تعلق بجسمه وتلصق به

فتأكل غذاءه، وتتنفس هواءه، وتزاحمه في معايشه، وتعوق نموه، فيؤدي ذلك

إلى ضعفه ففنائه.

كذلك في البشر طفيليون هم هؤلاء المنافقون، يعملون في الإنسان عمل ذلك

الحيوان والنبات، حذوك النعل بالنعل.

وكما يعمد صاحب البستان في تعهد نباته إلى المبادرة بإزالة هذه الطفيليات

عنه، والمسارعة في إفنائها استبقاء له، وحفظًا لثمره، كذلك يفعل الناس بالمنافقين

الخائنين منهم، يعمدون إلى إزالتهم، ويعملون على إبادتهم؛ كيما يحفظوا أممهم،

وتسلم لهم نفوسهم وجهودهم.

ولئن كان الناس منذ القديم يرون في أعمال هؤلاء أعظم الضرر وأسوأ

الجريمة، ويعدون فعلتهم خيانة عظمى لا تعدلها أية خيانة، ويجعلون جزاءها

الموت، فكذلك كان حكم الله عليهم، وكذلك كان قوله فيهم إذ يخاطب رسوله بشأنهم،

فيقول: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ

لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً*

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 60-

62) . فالله سبحانه حين ينذر هؤلاء بإغراء رسوله بهم، وبإخراجهم من البلاد فلا

يجاورونه فيها، ولعنهم وطردهم من رحمته، فهو يطالب بتعقبهم داخل البلد

وخارجها، وأخذهم أينما وجدوا، وأن يقتلوا تقتيلاً؛ ذلك أنهم حيث ما كانوا لا

يدخرون وسعًا في أذية أمتهم، والكيد لقوتهم، وموالاة أعدائهم.

وتلك سنة الله في الخائنين من خلقه من قبل ومن بعد، وذلك حكمه في كل

زمان على المنافقين، وعلى الذين في قلوبهم مرض من فجور وفسق يصدهم عن

رضاء الله، وصالح قومهم؛ حبًّا لذاتهم، واتباعًا لشهواتهم، وذلك حكمه أيضًا على

الذين يرجفون حول المؤمنين، فيشيعون أخبارًا سيئة عنهم، ويقومون بالدعايات

المضلة ضدهم؛ لإضعاف شأنهم وتوهين قواهم، وتثبيط عزائمهم كما يفعل

الخائنون المنافقون في فلسطين اليوم.

وما أشبه حال المنافقين اليوم حين أدلى كبيرهم بحديث لبعض الصحف

المصرية، يقول فيه: (لو كنا نعلم أن هذه الثورة تقوم ضد الإنكليز واليهود

لساهمنا فيها؛ ولكنها تقوم ضد العرب أنفسهم) . ما أشبه ذلك بحال المنافقين في

عهد رسول الله فيهم {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ

ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ

بَأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} (آل عمران: 167) .

بل ما أشبه هؤلاء الخائنين في فلسطين إذ تخلفوا عن المؤمنين في قتالهم

وجهادهم، وقعدوا من ورائهم يعوقون الناس عن الجهاد بشتى الوسائل، ويخوفونهم

بأس العدو وقوته، ما أشبههم بأسلافهم المنافقين الأولين، الذين يقول الله فيهم حين

تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله والمؤمنين: {فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ

رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي

الحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَراًّ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً

بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (التوبة: 81-82)، إلى أن يقول تعالى في الحكم عليهم:

{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ * وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي

الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} (التوبة: 84-85) .

وكما أصدر أحد أئمة النفاق بيانًا أسماه الناس (الورقة الصفراء) لما فيه من

صفرة الخيانة، تودد فيه إلى اليهود، وتغنى بمحاسنهم، ورحب بهم أن يكونوا

أصحاب البلاد، في حين يريد المؤمنون إخراجهم منها، ومَنَّاهم بانتصار حزبه -

حزب الشيطان - لهم، وأغراهم بأن يكون عونهم ليشبع جشعه من أموالهم، فكذلك

قال أسلافه المنافقون لليهود السالفين حين عمل المؤمنون على إخراجهم من المدينة،

وكذلك وعدوهم ومنوهم، فقال الله فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ

لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ

أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ

مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوَهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} (الحشر: 11-12) .

ذلك بعض ما يقوم به في فلسطين المنافقون الخائنون، الذين يتولى زعماؤهم

بأنفسهم أكبر أعمال الخيانة لقومهم، والتجسس للعدو عليهم، والإغراء بالمجاهدين

العاملين، والدلالة على معاقلهم ومواطنهم، والإرشاد إلى أماكن أسلحتهم وذخيرتهم،

والمساعدة على قتلهم وتعذيبهم مع أولادهم ونسائهم، وهدم مساكنهم، وإتلاف

مؤنهم وأموالهم، كما صنعوا في قرى بيت فجار، وكفر مالك، وحلحول،

والمزرعة الشرقية، وبيت ريما، وغيرها من القرى والمدن العربية؛ يبتغون بذلك

العزة عند العدو، ويطلبون الرفعة لديه {بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ

يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} (النساء: 138-139) .

إن ما يقوم به هؤلاء المنافقون من فساد في الأرض وحرب لله ورسوله،

فليأذنوا إذن بحرب من الله والمؤمنين {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ

أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة: 33) .

ذلك حكم الله على المنافقين المخلفين الخائنين، وذلك قوله فيهم ومن أصدق

من الله قولاً؟ ! ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون؟ !

فليحذر المؤمنون في فلسطين هؤلاء المنافقين، ولينفذوا حكم الله فيهم، من غير

أن تأخذهم بهم رأفة أو تعصمهم منهم صلة وقربى {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لَا تَجِدُ قَوْماً

يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ

أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ

حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ} (المجادلة: 20-22) .

_________

ص: 63

الكاتب: محمد عبده

‌كلمة الأستاذ الإمام في المنار

وقد شكا المغفور له صاحبه من قلة الإقبال عليه

الناس في عماية عن النافع، وفي انكباب على الضار، فلا تعجب إذا لم

يشرعوا بالاشتراك في المنار، فإن الرغبة في المنار تقوى بقوة الميل إلى تغيير

الحاضر بما هو أصلح للآجل، وأعونه على الخلاص من شر الغابر، ولا يزال ذلك

الميل في الأغنياء قليلاً، والفقراء لا يستطيعون إلى البذل سبيلاً؛ ولكن ذلك لا

يضعف الأمل في نجاح العمل.

_________

ص: 67

الكاتب: عبد الظاهر أبو السمح

‌المنار والإصلاح

بقلم فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الظاهر أبو السمح

إمام الحرم المكي

كانت مجلة المنار مجلة إصلاح إسلامي لا يجاريها في مضمارها مُجَارٍ، ولا

يسبقها في حلبتها سابق، كانت تُعْنَى بتفسير القرآن الكريم وشرحه من السنة

المحمدية على طريقة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه بالله؛ فبعد أن

تُقَرِّر المعنى تفضِي بما في الآيات من العبر، مقارنةً بين ما كان عليه المسلمون

الأولون وتمسكهم بالقرآن وعملهم به، وما عليه مسلمو هذا الزمان، مهيبةً بهم،

منذرةً لهم، مبينةً ما يحدثه المبتدعون في الدين من البدع، مجليةً شُبه الضلال

والملحدين من الأمة بالأدلة الواضحة والحجج الساطعة، وكان صاحبها أستاذنا

العلاّمة السيد رشيد رحمه الله لا يخشى في الحق لومة لائم ولا سطوة حاكم،

ولا يجامل صديقًا، ولا يصانع عدوًّا، ولا يرعى غنيًّا لغناه، ولا فقيرًا لفقره،

وكانت خاتمته الحسنى ما علمه الخاص والعام مما انتهى إليه تفسيره {رَبِّ قَدْ

آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي

فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف: 101) يا لها

من خاتمة حسنى! وموقف جميل! لم يكن إلا بتوفيق من الله لعبد رضي الله عنه

وتولاه، وأدخله في عباده الصالحين وأوليائه، ولما توفي السيد رحمه الله قلت

وقال الناس معي:

شعلة أطفئت وشمس توارت

وكأن الحياة لمع سراب

ووقف المنار ، وتوارى عن الظهور وخلا الكرسي ، ولم نجد من يملؤه بعده ،

ولا من يسد مسده ذبًّا عن الإسلام ، ودرءًا لشبهات ، وبيانًا لحقيقة الإسلام ، حتى

مضت ثلاث سنين أو أكثر ونحن ندعو الله أن يهب الإسلام مرشدًا رشيدًا يضيء

النهج وليل الجهالات قاتم ، وكأن الله سمع دعاءنا ، فقيض لمجلة المنار من يبعثها

بعثًا جديدًا، مصقعًا إذا خطب، مدرهًا إذا كتب، ذكي الفؤاد ، قادرًا على حمل

الأعباء، عالمًا ألمعيًّا وشجاعًا عبقريًّا ، ذلك هو الأستاذ المرشد الجليل الشيخ حسن

البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين - حفظه الله، فنهنئه بهذا التوفيق،

ونهنئ مجلة المنار وقراءها بتولي حضرته رياسة تحريرها ، ونسأل الله له التوفيق

والسداد والعون على القيام بها.

وقد انتدبني حضرته للكتابة فيها بحسن ظنه، وما كنت لأخالفه، لولا أشغال

كثيرة وأعمال متواصلة تستنفذ الوقت كله؛ ولكن لا بد من تلبية الطلب كلما وجدت

إلى ذلك سبيلاً بحول الله وقوته - وإن كنت مزجى البضاعة عاجز اليراعة، والله

المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وسيكون موضوع كتابتي - إن شاء الله - الكتاب والسنة، والدعوة إلى الله،

والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا

بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

...

...

...

...

كتبه

...

...

...

...

أبو السمح

_________

ص: 68

الكاتب: حسن البنا

لماذا تأخر المسلمون

ولماذا تقدم غيرهم؟

هذا سؤال طالما ردده المصلحون ، وكثيرًا ما حاروا في الإجابة عنه وعظمت

دهشتهم حين رأوا المسلمين ينحدرون إلى هوة الضعف والاستكانة مع كثرة عددهم

وخصب أرضهم وتعدد وسائل النجاح عندهم.

وقد أجاب على هذا السؤال عطوفة الأمير شكيب أرسلان في كتابه (لماذا تأخر

المسلمون ولماذا تقدم غيرهم) إجابة شافية جامعة مانعة ، وأبان بأنصع برهان وأقوى

دليل أسباب نجاح المسلمين الأولين وفشل المسلمين الآخرين ، وكشف عن سر تقدم

الغربيين واليابانيين. والكتاب في بابه حجة دامغة، وصفحة مجيدة، وليس لمسلم

غناء عنه، فنشكر لعطوفة الأمير عمله العظيم، ونحض جميع المسلمين على قراءة

كتابه النافع، وهو يباع بمكتبة الحلبي بجوار المشهد الحسيني، وثمنه خمسة قروش.

_________

ص: 69

الكاتب: عيسى عبده

‌اتجاه محمود في الشرق العربي

بقلم الأستاذ عيسى عبده

المدرس بمدارس التجارة المصرية وعضو بعثة المعارف بمنشستر

أرى في أيامنا هذه اتجاهًا طيبًا يتخذه بعض إخواننا في مصر وغيرها من

البلاد العربية، وسيلتهم فيه البحث العلمي المستنير، وغايتهم خدمة السواد من

أممنا العربية. هذا السواد هو من غير شك أولى الناس بجهودنا نبذلها في سبيل

التخفيف عنهم اليوم، وإسعاد أبنائهم في الغد القريب، على أننا لا نزال في أول

الطريق؛ فقد بدأنا بدراسة شئون العامة دراسة تمهد للإصلاح المرتجى، من ذلك

ما يقوم به الأستاذ عمار بجامعة منشتستر، والدكتور الشافعي بجامعة فؤاد بالقاهرة،

والبروفسور تود بجامعة بيروت، والمستر بتلر رئيس المكتب الدولي للعمل

بجنيف، وكلهم تناول شئونًا شرقية أو مصرية بحتة. ولكن الناظر في الشئون

الشرقية والعربية من نواحيها الاجتماعية يجد ظواهر مشتركة بين الأقطار جميعًا،

وهذا أمر طبيعي في بلاد جميع بينها منذ ثلاثة عشر قرنًا أو تزيد وشائج لا تهن ولا

تضعف، أساسها وحدة الدين واللغة، وبعض آثارها هذا الذي نرى من وحدة الألم

والأمل، فمن وصف بعض هذه الأقطار فقد عرف عن بعض ما دام وصفه يتصل

بالنظم الاجتماعية.

وحديثنا اليوم يتناول فريقًا كبيرًا من سكان مصر، ولي منه غرضان: أولهما

أن يكون دعوة إلى الشباب المثقف في الأقطار العربية كافة أن يقوم بعض القادرين

منهم بمثل البحوث التي قام بها الغرب من زمن، والتي بدأتها مصر مؤخرًا.

وثاني الغرضين أن أبين ما ينتظر منا - نحن المتعلمين - من مساهمة في

حركة الإصلاح. حين درست أحوال العمال منذ عامين تقريبًا تكشفت أمور قد

تغيب عن بعضنا، وقد يتجاهلها بعض آخر، سأذكر بعضها تزكية للدعوة التي

أوجهها إلى كل عربي، فالحال في بلادنا كما قدمت واحدة.

طبقة الأُجراء في مصر تشمل العامل الصناعي والعامل الزراعي ومن عداهما

من الأُجراء، وتكوِّن الغالبية العظمى من الشعب، ولئن كانت البيانات التي اعتمدنا

عليها في كلمتنا هذه قد جمعت من نحو (800) ثماني مائة أسرة من أسر العمال

المقيمين في القاهرة، فإنها تعين على تكوين صورة صحيحة عن حال الأجير بوجه

عام، مع تحفظ واحد هو أنها أشبه بالحال في المدائن دون القرى ، فإذا أردنا أن

نرى خلالها بيت العامل الزراعي وعيشه وجب أن نزيد من ألوانها القاتمة.

حياة العامل:

يبدأ الكثير من العمال في سن مبكرة هي الخامسة عشرة ، هذا إذا تجاوزنا

عما هو سائد في القرى من استغلال الأحداث في أعمال لا تتطلب جهدًا كبيرًا؛

ولكنها رغم بساطتها تعوق نموهم ، وتفوت عليهم فرصة تحصيل المبادئ الأولية

التي لا غنى عنها لأبسط طبقات الشعب، على أن هذه الحال تتبدل اليوم إلى ما هو

خير منها فلنتركها جانبًا ، ولنحصر القول فيمن تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر

عامًا وستين عامًا ، هؤلاء موزعون كما يلي:

نسبة من لا تبلغ أعمارهم 20 عامًا من العمال 8 في المائة ، ومن السكان 16

في المائة.

ونسبة من لا تتراوح أعمارهم بين 20 و39: من العمال71 في المائة ، ومن

السكان 56 في المائة.

ومن تتراوح أعمارهم بين 40 و 49: من العمال 16 في المائة، ومن السكان

18 في المائة.

ومن تتراوح أعمارهم بين 50 و 59: من العمال 5 في المائة، ومن السكان

10 في المائة.

أما الذين يتخطون الستين من بين العمال فلا يزيدون على اثنين من كل ألف ،

ونظيرهم من السكان خمسة من كل ألف ، ولقد حسبت هذه النسب على عدد

الذكور دون الإناث؛ فما يزال العرف في مصر والشرق يجري على أن كسب

العيش من وظائف الرجال.

لبعض هذه الأرقام دلالة قوية جدًّا ، فنسبة الشباب الذي تتراوح سنه بين

العشرين والأربعين والذي يستأثر به العمل أكبر من نظيرتها في سائر نواحي

النشاط الاقتصادي، كوظائف الدولة والمهن الحرة؛ من أجل ذلك جاز لنا أن نقول

: إن ما يصيبه هؤلاء من عيش ضنك له أسوأ الأثر في القوى الحيوية للشعب كله.

انظروا إلى الباقين منهم بعد سن الخمسين في معترك الحياة، تجدوهم خمسة من كل

مائة، إذن هذا العدد الضخم من الشبان الأجراء البالغين واحدًا وسبعين في المائة

من عدد العمال ، والذين تتراوح أسنانهم بين العشرين والأربعين عامًا يخرجون من

ميدان العمل خلال الحلقة الخامسة من أعمارهم إلا عددًا منهم قليلاً ، ولقد أثبت

البحث أن عدد من يخرج منهم بالترقي إلى مصاف أرباب الأعمال، أو مستندًا إلى

ثروة جمعها ، أو إلى ولد قادر يكفيه مشقة العمل في سن متأخرة قليل جدًّا، وأنه

أولى بالإغفال، وهكذا تبقى أسباب الخروج من العمل منحصرة في الموت والعجز.

هذه الظاهرة المحزنة إنما هي نتيجة طبيعية لظروف العامل في حياته الخاصة،

وسنرى أنه في حياته القصيرة يرزح تحت عبئين مرهقين من إجهاد وحرمان.

تزايد السكان:

ربما بدا غريبًا بعد هذا الذي قدمنا أن يتزايد عدد الطبقات العاملة رغم عوامل

الفناء المحيطة بهم؛ ولكن للتزايد أسبابًا قوية؛ منها أن نسبة الزواج بين العمال

تبلغ 76 في المائة، وهي للسكان عامة 66 في المائة، ويبكر العامل بالزواج حتى

أن نسبة المتزوجين قبل سن الخامسة والعشرين تبلغ 10 في المائة، وهي نسبة

عالية لسن مبكرة في طبقات أجورها لا تفي الفرد فضلاً عن الأسرة، وهنا يجدر

أن نلاحظ ظاهرة تميز الشرق بصفة عامة عما عداه، تلك أن الزواج في معظم

الحالات لا يكون نتيجة لحاجة الرجل إلى من يدبر شأنه أو يهيئ له حياة منزلية

هادئة، فبين المتزوجين من العمال ستون في المائة يعولون قريبات لهم كوالدة أو

عذارى وأرامل من ذوي القربى، وقد كان لهؤلاء العمال من قريباتهم غنى من

ناحية الخدمة ودافع من ناحية النفقة على ألا يفكروا في الزواج في سن مبكرة،

ولكنهم يفعلون بدافع ديني، وهذه حال لا يمكن أن تستتبع اللوم؛ وإنما تستحق

العطف والتهذيب.

أما عدد الأطفال فكثير، ولما كان الزواج مبكرًا، فالعمال تبعا لذلك آباء في

سن مبكرة كذلك، فمثلاً بين العمال من سن العشرين نجد اثنين في المائة لكل منهما

ولد أو ولدان، فإذا بلغ الوالد سن الخامسة والثلاثين كان عدد الأبناء كما يلي:

من كل مائة من الآباء:

عشرون لكل منهم ولد واحد

وستة وعشرون لكل منهم ولدان

وسبعة عشر لكل منهم ثلاثة أبناء

وثمانية لكل منهم أربعة أبناء

واحد له خمسة أبناء

وواحد له ستة أبناء أو أكثر

أما إذا تمشينا معهم إلى آخر العمر فطبيعي أن تتزايد النسب الأخيرة ، فتصبح

من كل مائة والد:

أربعة وأربعون لكل منهم ثلاثة أبناء

وأربعة وعشرون

لكل منهم أربعة أبناء

وعشرة لكل منهم خمسة أبناء أو أكثر

كل هذا رغم ارتفاع نسبة الوفيات بينهم ، واستئثارهم بموتى المواليد، ولولا

هذان العاملان لتزايدوا بأسرع مما ترى رغم الظروف القاسية التي تحيط بهم.

أشرنا فيما تقدم إلى أن 60 في المائة من أرباب الأسر يعولون إلى جانب أبنائهم

وزوجاتهم أقارب لهم عاجزين عن الكسب ، هؤلاء من طرحتهم أمواج الحياة

صرعى جهاد ظالم يبعثون فيه بغير سلاح ، آباء قضوا ربيع الحياة في خدمات لا

تعود عليهم إلا بما يمسك الحياة ، فإذا أقبلت سنو المشيب - وهذه تبكر لأمثالهم -

أقعدهم العجز عن كل كسب ، ونساء فقدن العائل بالموت أو بسواه، وورثن عنه

البنين دون المال. هكذا ينشأ الجيل الجديد مرهقًا بتبعات ثقال تنوء بالعصبة أولي

القوة ، فيلتمس السلوى فيما يحط من قواه ولا يصلح له شأنه ، ثم يدفع بولده جاهلاً

هزيلاً إلى معترك الحياة وهو بعد في مقتبل العمر، عساه يلتقط بعض الفتات فيعين

أسرته ، وكذلك ينشأ نشأة أبيه ، وإذا بالمأساة تتصل، وتتسق فصولاً من جديد ، وقد

تبدل اللاعب وما أسدل الستار.

ساعات العمل:

يندر أن تقل عن ثماني ساعات في كل يوم ، ونسبة ذلك 1 على 3 في المائة

من مجموع الحالات، وهي:

ثماني ساعات في 15 في المائة من الحالات.

وعشر ساعات في 70 في المائة.

وأربع عشرة ساعة في 5 في المائة.

وست عشرة ساعة في 10 في المائة.

على أن من هذه الحالات الأخيرة ما يبلغ 17 وأكثر.

الأجور:

منخفضة جدًّا، تبدأ بقرش واحد في اليوم للأحداث في بعض الصناعات،

وتزيد كلما تقدمت السن بنسبة لا تكاد تبلغ الثلث مما يجب أن تكون عليه الحال،

ونتيجة ذلك أن تتزايد التبعات ولا تنمو الموارد بالدرجة الكافية.

ولا يمنح العامل أجرًا عن يوم راحته ، ولا مرضه، وأكثر الفئات شيوعًا هي

فئة العشرة القروش والخمسة عشر؛ إذ يتقاضى أجورًا تقع بين هذين الحدين 30

في المائة من العمالة. وعقود الاستخدام كلها رهينة الظروف، وأكثرها عقد يومي

يتجدد كلما تجددت الحاجة، ولهذا أثر سيئ.

فالعامل لا يرتبط بجهة معينة ، وكل خدماته موزعة بين الناس، ومجهوده

السابق نَهْب الظروف المتقلبة من حوله، فإذا ما بلغ القمة من حياته أتقن عمله

وشارف أجره رقمًا عاليًا - يبلغ ثلاثين قرشًا في ثلاث حالات من كل ألف، ويبلغ

25 قرشا في 22 حالة من كل ألف - لم يستطع أن يحافظ على ما وصل إليه من

أجر عالٍ نسبيًّا؛ لأن رب العمل يتبدل، وقوى العامل تنحط مع الزمن، وله في

كل يوم سوق أصولها منبتة؛ ولذلك نرى الأجور العالية التي ذكرنا لا تكون إلا ما

بين العشرين والخامسة والأربعين من العمر، ثم تنحدر بعد ذلك، حتى إن أعلى

الأجور لمن تبلغ أعمارهم 50 عامًا أو يتخطونها عشرون قرشًا.

ولقد يلقى العامل من عنت رب العمل ضعفًا آخر، فيؤخر أجره ضمانًا

لمواظبته، أو يؤخره حتى يتوافر لديه مال حاضر.

المساكن:

هذه الأنقاض التي يزدحم فيها العمال إنما تسمى مساكن من باب التجوز،

ومن كانت حاله ما قدمت فأنى له المسكن الصحي؟ بحسبنا أن نذكر في هذا الصدد

أن إيجار المسكن يتراوح بين 30 قرشا و60 في معظم الحالات، وأن 35 في

المائة من الأسر تسكن كل منها غرفة واحدة أو أقل من غرفة؛ إذ تشترك أسرتان

أو أكثر في واحدة، وأن 65 في المائة من الأسر تسكن كل منها غرفتين أو أقل،

أما الشمس والهواء والماء وسعة المسكن وأثاثه فلا محل لذكرها فضلاً عن بحثها.

آثار هذه الحال:

هي الآثار الطبيعية لمثلها؛ حياة قصيرة معتلة، وموت مبكر يخلف للأحياء

أعباء تعجل بدورهم، وإنتاج يدوي ضعيف، ومقدرة فكرية أضعف.

وأما المستوى الخلقي فتؤذيه هذه الحال أشد الإيذاء، وكيف تستقيم الحال في

أسر لكل منها مخدع واحد يضم الزوجين وخمسة أبناء أو سبعة منهم شباب وفتيات؟

وكيف نرجو طيب الخصال إذا انعدمت أسباب الثقافة والتربية والتهذيب، وثقلت

أعباء الحياة في وقت معًا؟

الذي أراه أن هذه الحال التي تعالج أخطر من أن نتناولها بالبحث النظري

لنقف عند حد البحث، ربما جاز هذا إذا كان الباحث لا تربطه بهؤلاء الناس

أواصر الأخوة وروابط أخرى لا تنفصم، أما وهم قومنا وإخواننا وأبناؤنا وآباؤنا

فعلينا ما هو أجدى من القول والبحث؛ علينا أن لا نكتفي باقتراح رفع الأجور

والموارد باقية على حالها، أو إدخال نظم التأمين والعامل لا يملك أسباب العيش

الخشن فضلاً عن نفقات هذه النظم، علينا - نحن معاشر المتعلمين - واجبان أحب

أن ننهض بهما اليوم راغبين، فهذا خير وأبقى، وهو أولى بنا من أن يضطر

إليهما أبناؤنا في غد كارهين؛ فأما الأول: فهو أن ننزل عن بعض نعيمنا

الشخصي في سبيل هؤلاء الذين طال حرمانهم صابرين.

فمثلاً إذا زيدت الضرائب على دخلنا من أجلهم دفعنا مغتبطين، وإن لم تزد

دعونا إلى هذا بما أوتينا من علم وبيان، وإن قلَّت رواتبنا من أجلهم كذلك قبلنا في

غير ضيق ولا حرج. وأما واجبنا الثاني: فهو أن ينبث بينهم القادرون منا على

معالجة الشئون الاجتماعية، ينظمون صفوفهم، ويرشدونهم إلى ما فيه خيرهم،

وهذا يتطلب تضحية بالوقت والمال في سبيل الدعاوة، والمعونة الأدبية والمادية.

ولنذكر جيدًا أن منا - نحن المتعلمين - من سينتظم في هذه الصفوف إن

عاجلاً أو آجلاً، وهذه بعض آيات الرقي في الأمم، فلنهيئ إذن الجو لصغار

إخواننا ولأبنائنا، وهذا دافع شخصي يضاف إلى ما تقدم من إيثار كريم.

كذلك فلنذكر أن هذه الجموع التي بدأنا اليوم نفكر فيها هي التي تمد الدولة

بأكبر عدد من الرجال، فتنتظم بهم صفوف الدفاع، وفي السلم كلما زادت كفايتهم

زاد الإنتاج الأهلي، وارتفع المستوى للخاصة والعامة، غير أن الخطوات الأولى

تتطلب كثيرًا من جهاد النفس وشجاعة الرأي، ولقد تخطت الحركة طور البحث

وتجاوبت أصداء الدعوات

فلنكن ممن يبادرون بتلبية النداء.

...

...

...

...

... عيسى عبده=

_________

ص: 70

الكاتب: مصطفى أحمد الرفاعي اللبان

‌ظهور المنار ودلالته

لما توفي المغفور له السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار خشى المصلحون

أن يذهب المنار بذهاب صاحبه ، ويخبو ضياؤه الذي لبث ثلث قرن يشع على العالم

الإسلامي علمًا ، وثقافة ، وفضلاً ، وخيرًا ، وبركة ، ويضع العلامات في طريق

الجهاد الإسلامي ليسلك المجاهدون على بصيرة وعلم ونور.

وقد حدث ما خشي المصلحون ، فإنه صدر من المنار بعد وفاة صاحبه بضعة

أعداد ، ثم توقف عن الصدور ، وخفت صوته المعروف الذي كان يملأ آفاق

الأرض ، وخلا مكانه من الصف ، وطويت أعلامه ، وظن الناس أن لن يعود.

وكنا نخاطب عنه محبي الإصلاح ليتعاونوا على إصداره ، ويجتمعوا على

إرجاعه سيرته الأولى؛ ولكنهم كانوا يعتذرون بأن هذا الأمر فوق طاقتهم ، وأن

قوتهم وحالهم لا يسمحان بتحقيق هذه الأمنية العزيزة المرجاة.

وبينما الفضلاء في يأس من عودته؛ إذ تقدم رجل شاكي السلاح مدرع، قد

جمع في نفسه المؤهلات الكافية لخدمة الإسلام والحق والإصلاح، تقدم هذا الرجل

ورفع راية الإصلاح المناري ، ونادى بأعلى صوته قائلاً:

أيها الناس إني - على بركة الله وبتوفيق من الله - أخذت على عاتقي إصدار

المنار الأغر؛ حتى لا يحرم المسلمون منه ، ولا تنقطع عنهم فيوضاته ، ولا

ينضب معين إصلاحه.

فتلفت الناس إلى المتكلم ، فإذا هم يجدون الأستاذ حسن البنا المرشد العام

للإخوان المسلمين ، والمصلح الذي وقف نفسه على نصرة الإسلام والمسلمين ،

فاطمأنت نفوسهم، وانشرحت صدورهم ، وحمدوا الله عز وجل على فضله

ونعمته وآلائه.

وهكذا ظهر المنار بعد اختفاء ، وأسفر بعد احتجاب ، وكتب الله له الحياة على

يد من لا يريد لقومه إلا الحياة.

وإن لظهور المنار دلالة نحب أن نسجلها هنا بإيجاز ، حتى يعرف القراء

الحقائق ، ويكونوا على بينة من الأمر ، ولا تأخذهم الحيرة مما يشاهدون ، أو

يقرءون ، أو يسمعون.

لما توفي صاحب المنار - رحمه الله تعالى - حزن محبو الإصلاح وأصابتهم

الحسرة على إغماد سيف كان يجاهد في سبيل الله ولا تأخذه في الحق لومة لائم؛

ولكن فريقًا آخر طرب وصفق وتبادل التهاني والتبريكات لزوال من كانوا يظنونه

عدوًّا لهم؛ لأنه يحارب تخريفهم ودجلهم وجمودهم ، وقد جهروا فيما بينهم بانقطاع

المنار إلى الأبد ، وأقاموا الحفلات لضعف أخلاقهم؛ فرجوع المنار يسر المصلحين

المخلصين ، ويكبت الشامتين الضعفاء اليقين. ومن المشهور عندنا أن العمل

العظيم إنما يقوم به فرد ، فإذا أفلت منه ذهب في طي النسيان ، وهذا صحيح إلى

حد ما؛ ولكن حظ المنار كان طيبًا فكتب الله له البقاء ، ولما هوت رايته، كان

هويها استنادًا وارتكازًا للراحة والاستجمام، تقدم فضيلة الأستاذ حسن البنا ورفعها

على القمة ليراها الغادي والرائح، فعلم الجمهور أن عمل الفرد المخلص لا يضيع

أبدًا ، بل يقيض الله له من يحييه ويمده بما يعيد إليه الشباب ويقويه.

وكنا نسمع من كثير من الناس أن دعوة صاحب المنار لا تتعدى أفرادًا معينين،

ولا تصل إلى مدى يصح معه أن نقول بوجود الإصلاح في الأمة ، ولكن الرغبة

الملحة في إصدار المنار وقيام رئيس الإخوان المسلمين بهذا الإصدار يدل دلالة

قوية على أن الإخوان - وهم ألوف كثيرة - يؤمنون بهذا الإصلاح ويفدونه

بالأرواح، وإذا عرف القراء أن الإخوان جمهرتهم من الشباب المثقف، علم علم

اليقين مقدار تغلغل الإصلاح الإسلامي العتيد في النفوس التي نرجيها لرفع شأن

الأمة، والدفاع عن ذمارها، وإعلاء مكانها.

هذه بعض أوجه الدلالة في ظهور المنار، يعلم منها أهمية العمل الذي أخذه

على عاتقه الأستاذ الكبير رئيس الإخوان المسلمين.

ونحن نقترح هنا ما يجب على القراء وعلماء المسلمين في مشارق الأرض

ومغاربها، ليؤدي المنار مهمته العليا النقية، ولينجح النجاح المرتقب له من كافة

المؤمنين المخلصين.

أما القراء، فالواجب عليهم أن يعاضدوه حسًّا ومعنًى ، ويعاونوه بما في

جهدهم ليصول في ميدان الجهاد ويجول، ويشتد عوده في مقاومة كل ما يلحق

الأذى بالإسلام والمسلمين، ويرسل الجنود تلو الجنود تصرع أعداء الله، وتخذل

الذين يريدون الإسلام بسوء.

وأما العلماء المخلصون الذين أحبوا المنار وأشربوا في قلوبهم مبادئه السامية

وطريقته المثلى، فعليهم أن يحبوا المنار بعطفهم، ويمدوه بآرائهم الصائبة،

وأفكارهم المنيرة، ويستخدموا علمهم النافع في تقويته، وإنجاحه، وإكثار أركان

حربه.

ونحن نعلم أن محبي المنار الفضلاء الكاتبين منبثون في أنحاء العالم الإسلامي

من الصين شرقًا إلى مراكش غربًا، ومن التركستان شمالاً إلى جنوب إفريقية

جنوبًا، وهم - بتوفيق الله - في مكنتهم خدمة المنار الخدمة الجلى ليكون صحيفة

الإسلام العالية في الدين، والاجتماع، وشتى ما يحتاج إليه المسلمون.

ونعود فنهنئ فضيلة المرشد العام بما ندب نفسه إليه من خير وإصلاح، كتب

الله له النجاح، وأمده بروح من عنده، وأعانه على الجهاد في سبيل الله، والله

قوي عزيز.

...

...

...

مصطفى أحمد الرفاعي اللبان

...

...

...

...

القاهرة

_________

ص: 77

الكاتب: حسن البنا

‌تقريظ المطبوعات الجديدة

كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني

(وكتاب بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني)

الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - إمام أئمة السنة حفظًا ورواية ودراية وفقهًا،

وجرحًا وتعديلاً.

ومسنده أوسع الأصول في الحديث وأعمها فائدة، والمسانيد موضوعة لحفاظ

الحديث، يشق على غيرهم الاستفادة منها، وقد كان الناس في حاجة إلى من يرتب

أحاديثه على أبواب كتب السنن؛ فوفق الله خادم السنة السنية الأستاذ الفاضل الشيخ

أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، فرتبه وسلك فيه سبيلاً لم يسبق إلى مثله.

وقد جعله أربعين جزءًا، كل جزء أربعة أقسام، وعد أحاديث كل كتاب

بالأرقام، واقتصر في السنة على اسم الصحابي، وقد صدر من الكتاب أحد عشر

جزءًا في أربعة وأربعين قسمًا، بحرف مشكول. وذُيل بشرح وجيز يبدأ فيه بذكر

السند، فتفسير غريب الحديث، فالضروري من معناه، فتخريجه.

فنحث المهتدين بالسنة على المبادرة إلى اقتنائه، وثمن الجزء منه 12 قرشًا.

* * *

الدين والعقل (أو) برهان القرآن

تأليف الأستاذ أحمد حافظ هداية

في استنباط براهين عقائد الإسلام من القرآن الكريم، مثبتة بأحدث النظريات

العلمية، يحتوي على مقدمة وسبعة أجزاء فيها نحو أربعمائة فصل، وقد قرظه

كبار علماء العصر. فنحث الجميع على اقتنائه، وهو ثلاثة مجلدات، قيمة الاشتراك

في المجلد الواحد 10 قروش قبل الطبع. وفي الكتاب جميعه 25 قرشًا. والثمن

بعد الطبع 45 قرشًا، وترسل الاشتراكات باسم المؤلف بدار الرسالة شارع المبدولي

رقم 34 بعابدين بمصر.

_________

ص: 80