المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الكاتب: محمد رشيد رضا - مجلة المنار - جـ ٣٥

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (35)

- ‌ربيع الأول - 1354ه

- ‌فاتحة المجلد الخامس والثلاثين

- ‌حرمان البنات من الإرثوتعارض القرآن والإجماع

- ‌كتاب الوحي المحمدي

- ‌خطاب الشيخ الأكبر في الجامع الأزهر

- ‌الهمزية في مدح خير البرية

- ‌كتاب الوحي المحمدي

- ‌شاعر العربالشيخ عبد المحسن الكاظمي

- ‌تفاقم شر الطلاق في أميركا

- ‌العقبة من الحجازفي عهد الدولة العثمانية

- ‌وزير مسيحي يصف الشريعة الإسلامية

- ‌تقريظ المطبوعات

- ‌سبب تأخر هذا الجزء من المناروسيكون ما بعده أكبر وأحسن

- ‌ربيع الآخر - 1354ه

- ‌سؤالان عن الربا في دار الحربوعن كون الإسلام دين سياسة أم لا

- ‌الربا والزكاة والضرائبودار الحرب

- ‌فتاوى المنار

- ‌حفلة الأزهر بشيخه الأستاذ الأكبرالشيخ محمد مصطفى المراغي

- ‌إلى فضيلة الأستاذ الأكبربمناسبة خطابه في حفلة التكريم

- ‌تفسير المنارالجزء الثاني عشر

- ‌نعي فقيد الإسلام والمسلمين

- ‌كلمة الأستاذ علوبة باشا وزير المعارف

- ‌كلمة لا بد منها

- ‌الوهابيونوالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المحرم - 1354ه

- ‌حفلة تأبين فقيد الإسلامالمرحوم السيد محمد رشيد رضا

- ‌خطبة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر

- ‌قصيدة الأستاذ الهراوي

- ‌خطبة الأستاذ الشيخ على سرور الزنكلوني

- ‌كلمة الأستاذ عبد السميع البطلفي حفلة تأبين الفقيد

- ‌خطبة الأستاذ محمد أحمد العدوي

- ‌خطبة الأستاذ حبيب جاماتي

- ‌قصيدة الشيخ إسماعيل الحافظفي تأبين السيد الإمام

- ‌قصيدة الأستاذ عبد الله عفيفي

- ‌تعزية الجمعية السورية العربية

- ‌مصاب المسلمين في أعظم علمائهم

- ‌تعزية جمعية الرابطة العلوية

- ‌كلمة الدكتور عبد الرحمن شهبندرفي حفلة التأبين

- ‌تأبين الإمام السيد محمد رشيد رضا

- ‌عواطف ابن زيداننحو فقيد الفضل والعرفان

- ‌وصف المقطم لحفلة التأبين

- ‌كلمة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس

- ‌كلمة الأستاذ محمد لطفي جمعة

- ‌كلمة المجاهدين السوريين في الصحراءبوادي السرحان

- ‌المحرم - 1354ه

- ‌المستشرقون والإسلام

- ‌الفصل الأولأسباب ونتائج

- ‌الفصل الثانيمحمد قبل البعث

- ‌الفصل الثالثالتحليل النفسي لحياة محمد قبل البعث

- ‌الفصل الرابعمحمد صلى الله عليه وسلم وروح الاجتماع عند البعث

- ‌الفصل الخامسالتوحيد هو روح الحرية

- ‌الفصل السادسأثر التوحيد الاجتماعي

- ‌الفصل السابعتعليقات المستشرقين على التوحيد وحياة محمد

- ‌الفصل الثامنحكاية فنسنكوالمجمع اللغوي الملكي

- ‌الفصل التاسعحكاية فنسنك [

- ‌جمادى الآخرة - 1358ه

- ‌تصدير

- ‌في الميدان من جديد

- ‌بين طائفتين من المؤمنين

- ‌نشأة المنار والحاجة إليه

- ‌موقف العالم الإسلامي السياسي اليوم

- ‌بين الشرق والغرب

- ‌ما أحوجنا في هذا الزمان إلى هداية القرآن

- ‌تطور الإسلام

- ‌صاحب المنارالسيد محمد رشيد رضا

- ‌فلسفة النفاقالمنافقون في فلسطين وحكمهم

- ‌كلمة الأستاذ الإمام في المنار

- ‌المنار والإصلاح

- ‌اتجاه محمود في الشرق العربي

- ‌ظهور المنار ودلالته

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌رجب - 1358ه

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌دعوى علم الغيبومنابذتها لأصول الإسلام

- ‌وصف الدنيا

- ‌الشيخ محمد عبده(1)

- ‌من كلام الإمامعلي رضي الله عنه

- ‌انتقاد المنارحول فتوى آيات الصفات وأحاديثها

- ‌موقف العالم الإسلامي السياسي

- ‌تعليق

- ‌السيد محمد رشيد رضا

- ‌ استحضار الأرواح

- ‌ربيع الأول - 1359ه

- ‌الأحمدية(القاديانية واللاهورية)

- ‌ماذا في إندونيسيا

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌أسرار البلاغة في علم البيان

- ‌في محيط الدعواتتحليل ومقارنة

- ‌مشكلة المرأة في مصر

- ‌ربيع الثاني - 1359ه

- ‌احتجاب المنار

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌خطيئة آدم

- ‌في محيط الدعوات(2)

- ‌براءة من القاديانية

- ‌الشيخ محمد عبده [*](2)

- ‌انتقاد المنار

- ‌السيد الكامل آل رضارحمه الله

- ‌جمادى الآخرة - 1359ه

- ‌ حكم الدخان والتنباك

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌السيد الإمام محمد رشيد رضاناظر دار الدعوة والإرشاد بمصر

- ‌من مشكاة النبوة

- ‌في الإسراء والمعراج

- ‌شعبان - 1359ه

- ‌أسرار البلاغة في علم البيان

- ‌ حكم الصلاة في النعلين

- ‌موقف العالم الإسلامي السياسي اليوم

- ‌المنار منذ عشرين سنة

- ‌المرأة المسلمة(2)

- ‌إلى الأخ الأستاذ السيد عبد الرحمن عاصم

- ‌بيان الحكومة المصريةعن سياستها الداخلية والخارجية بدار النيابة

- ‌من كلام الإمام علي في نهج البلاغة

الفصل: الكاتب: محمد رشيد رضا

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌كتاب الوحي المحمدي

لداعية الإصلاح العالم المستقل، والمناظر المستدل

الأستاذ الشيخ مصطفى أحمد الرفاعي اللبان

بأسيوط

وهو مما جاءنا بعد الطبعة الثانية (قال) :

نظر أبو العلاء المعري إلى نفسه فرآها وقد صفت ونجت من مزالق معظم

النفوس، وأدرك عقله نقيًّا من الخرافات والأوهام التي أضلت العقول، وألفى

روحه غنية بالفلسفة الصحيحة، التي ترى في المادة ستارًا كثيفًا يسدل على الحقائق،

ووجد شعريته فياضة بأرقِّ المعاني، في أدق الألفاظ والمباني، فهتف من أعماق

قلبه منشدًا:

وإني وإن كنت الأخير زمانه

لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل

ونحن بدورنا ننظر إلى نفس السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار فنراها

وقد أشربت حبَّ الدين الإسلامي الحنيف والدفاع عنه إشرابًا، ونرى عقله وقد

أدرك أسرار الإسلام إدراكًا، ونلفي روحه صافية تقية نقية قد أنجبت أسمى الآثار

إنجابًا، ونسبَحُ في مؤلفاته فنعلمه الطود الأشم والفارس المجلَّى، والمحقق النادر

المثال، والكاتب المبخوت، الذي لا يُشَق له غبار، ثم نقع في سياحتنا على كتابه

(الوحي المحمدي) فنقف طويلاً، ونهتف مثل ما هتف المعري منشدين مخاطبين

السيد الرشيد المرشد:

وأنت وإن كنت الأخير زمانه

أتيت بما لم تستطعه الأوائل

ولقد كنا نؤمن بأن الله تعالى أوحى إلى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

ما أوحى، مستدلين بنصوص القرآن الكريم وببعض البراهين العقلية التي تخير (؟)

الوحي إلى النفوس الصافية الراقية، ولكنا ما كنا قادرين أن نقنع بهذا ذوي

العقول العصرية، وأولي البحوث الدقيقة القوية؛ فإذا دار النقاش بيننا وبين فريق من

هؤلاء لم يعجبهم كثيرًا مما ندلي به وألقوا في سبيلنا عقابًا، وافتجروا [1] حفرًا،

وأقاموا متاريس، وغرسوا أشواكًا؛ فتنتهي المناظرة ولا اقتناع ولا رضاء وينشر عنا

العجز عن بيان وجه الحق في هذه المسألة مع أهميتها ونفاستها ونفعها العظيم إذا

أحسن تبيانها، وأتقن توجيهها وعرضها على طالبيها، فكان كتاب (الوحي المحمدي)

للسيد الشريف والمصلح الكبير، أستاذنا محمد رشيد رضا، صاحب المنار - وافيًا

بالمطلب على أتم وجوهه، كافيًا في الإقناع لأكبر متشبث متعنت، حجة صادقة لا

تُدفع على صحة الوحي الرباني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العالمين

وخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.

يرى قارئ " الوحي المحمدي " مقدمة وجيزة بديعة تجمل الكتاب وتبرز مغزاه

في صورة مستملحة جزلة طيبة، يعلم منها ما يحجب الإفرنج عن الإسلام: من

الكنائس المعادية، والسياسية الخادعة، وحال المسلمين الواهية، وما يعوق

الأجانب عن فهم القرآن: من جهل بلاغته، وقصور ترجمات القرآن عن إدراك

غايته، وعدم وجود دولة إسلامية تدافع عن هدايته، ويفهم منها القصد من الكتاب

على أتم وجه من وجوه الصواب.

ويجول القارئ بعد ذلك في جنة الكتاب الغنَّاء فيعرف معنى النبوة والوحي

والرسالة وحاجة الناس إليها، ويدرك عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -

ومقدار ما جنت عليها كتب السابقين بما يجرئ على الشرور والمفاسد، ويتيقن

وجوب إيمان الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتباعه هو الدواء

الناجع لأدواء الهيئة الاجتماعية.

ويتنقل القارئ من شجرة النبوة الوارفة الظلال إلى أن نبوة الرسول - صلى

الله عليه وسلم - هي الممتازة، فنبوة الأنبياء الإسرائيليين كانت - على قولهم -

أشبه بصناعة تتلقى في مدارس خاصة، ونبوة موسى الكليم عليه السلام قد

ينكرها الملاحدة؛ لأنه تربى في بيت فرعون وهو بيت علم وتشريع، فلا عجب

إذا جاء بشريعة كالتوراة. ونبوة المسيح عليه السلام يعقب عليها الملاحدة

أيضًا فينقصون قدرها ويغضون من قيمتها، ويقولون إنه لم يأت بشيء جديد. أما

نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الطعن عليها بمثل هذا؛ لأن سيدنا

محمد صلى الله عليه وسلم كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يتصل ببيئة علم

أو شريعة، فمجيئه بهذا الدين دليل صدقه وحقيقة رسالته، والحقيقة أن نبوة

الرسول صلى الله عليه وسلم مثبتة لغيرها من النبوات لا تصح إلا من طريقها

ومشكاة نورها.

ويمتلئ القارئ بعد هذا علمًا وتحقيقًا حين يقرأ الفصول البليغة عن الأدلة

العقلية والكونية على صدق الوحي المحمدي الإلهي فيطمئن قلبه وتستريح نفسه،

وينشرح صدره، ويشكر لله توفيق السيد رشيد حتى ألف هذا الكتاب الذي أنار

طريق الوحي بآلاف المصابيح الكهربائية الساطعة القوية، ثم يرتوي القارئ من

نهر فياض، عذب صافٍ، يجري منه التحقيق ذهبيًّا عسجديًّا، فيعرف مقاصد

القرآن الكريم وهدايته للبشر وإظهار الحق في الإيمان بالله تعالى وفي عقيدة البعث

والجزاء، ويلمس الإصلاح القرآني العظيم للنفس والروح والجسد والأفراد

والجماعات، والنهضة التي أزجاها في الدولة السياسة والاجتماع والاقتصاد

والآداب وحياة الأسرة. فإذا انتهى من الكتاب خرج منه بكنز ثمين من العلم

الصحيح النقي، وانتقل إلى جو من السعادة فسيح بما وصل إليه من هدوء في نفسه

واطمئنان في قلبه، واقتناع في عقله لا يملك نفسه أن يصيح: حياك الله أيها

السيد الرشيد، لقد سدت بإصلاحك، ورشدت بمباحثك القيمة الدالة على إشراق نور الحق في قلبك، فهنيئًا لك عملك، ومشكور لك سعيك.

ولقد استوعبت كتاب الوحي المحمدي وهنئت باغترافه وارتشافه عدة مرات

فرأيته رحيقًا من العلم، مختومًا ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وأنا

أشهد صادقًا أن السيد أدى بكتابه إلى العالم الإسلامي أجلَّ الخدمات، وعبَّد للباحثين

من الغربيين والعصريين منهج البحث الهادي الرزين، القوي المبين، وأسقط حجج

الذين كانوا يحتجون بأنهم غير واجدين من يقدم لهم المطالب سائغة ميسورة.

وسيكون له - إن شاء الله - أثر جليل في توجيه المباحث الدينية وجهة طيبة في

صالح الإسلام ومستقبله العتيد بإذن الله.

ولقد ظهر إخلاص السيد في كتابه فطبع مرتين في أشهر، وأقبل عليه الشرق

والغرب، وتُرجم إلى عدة لغات. أدام الله نفعه، ونشر شذاه وعرفه، وأطال عمر

السيد ليتحف العالم الإسلامي بدرره الغالية وتحقيقاته السامية، إنه أكرم مسئول

وعلى كل شيء قدير.

...

...

...

مصطفى أحمد الرفاعي اللبان

(المؤلف) : فات المقرظ الكلام في دعوة علماء شعوب الحضارة إلى

الإسلام وتحديهم بمعجزات القرآن.

* * *

الوحي المحمدي

بقلم

الأستاذ العلامة المتكلم الفقيه الكاتب النظار

إبراهيم الطفيش الميزابي الجزائري

أجل كتاب في علوم القرآن، وأفخم سفر في جلال القرآن، ومعجزة من

معجزات القرآن - كتاب (الوحي المحمدي) . طالع أيها المعتز بالقرآن، ويا

طالب منهاج الهداية المحمدية هذا السفر الجليل ترَ أبدع مؤلَّف وأسنى ما جاء به

القرآن من هداية البشر أجمعين. إن (الوحي المحمدي) علم وفق الله إليه مؤلفه

العلامة الجليل السيد رشيد رضا، علم مستخرج من كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه

الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لقد كُتب في علوم القرآن كتب كثيرة، ولكنها لم

تبلغ أن تأتي بما جاء في الوحي المحمدي حتى أصبح هذا الكتاب آية في الإبداع،

وغاية في كشف معاني الكتاب المنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. فيه

الحجة على البشر أجمعين.

إن القرآن يدعوهم إلى الانضواء تحت لوائه، ضامنًا لهم كمال السعادة

والشمول بالنعم الرحمانية وجلال العزة، إن هم أخذوا بما جاء به من عند الله الرحمن

الرحيم. كشف هذا الكتاب مناهج السعادة للأمم، وسبل الهداية الشاملة لطبقات البشر

وأجناسه، حتى أصبح عَلَمًا برأسه، يجب أن يعتنى بتدريسه بين الفنون العالية

لتخريج رجال عالميين في الهداية إلى شريعة الله التي أكملها وأتم بها نعمته

على خلقه.

لقد أخرج المصنف هذا الكتاب للأمم، وهو أحسن ما أخرج للناس من جهود

العلماء، فلا ريب أن العلماء في جميع الأمم ستتلقاه بالقبول، وسيترجم إلى جميع

اللغات؛ لأنه هو الكتاب الذي تنشده اليوم العقول السليمة في كل الشعوب،

وسيهتدي بهداه من أراد الله له السعادة من بين أولئك العقلاء الذين يسعون وراء

الحق لأنه الحق، ويدركون أن القرآن كتاب من عند الله هدى وبشرى لأولي

الألباب، لا سعادة للبشر إلا به، ولا سلام إلا باتباع هديه.

ولعلي أكون قد أديت واجبًا إذا لاحظت للمؤلف الجليل أن يعيد النظر في

مسألة الرقيق، فإن الإسلام جعلها حكمًا مستمرًّا ما فيه من حكمة اجتماعية، ولم

يوجد وضعًا لإبطال الرقيق بالتدريج السريع، ولكن الرقيق يبطل بطبيعته إذا دخل

كافة الشعوب في الهداية الربانية، فوجدوه وعبدوه واتبعوا النور الذي أنزل على

محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله.

* * *

أول كتاب من حضرة صاحب السعادة

هارون سليم باشا أبو سحلي

(مدير المنوفية في ذلك المعهد)

سيدي الأستاذ الأجلّ السيد محمد رشيد رضا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فقد وصلني كتاب الوحي المحمدي الطبعة الثانية يوم سفري في رحلة بحرية

إلى مرسيليا، وكانت فرصة لمطالعته كله، وقد خرجت منه بأنه خير ما أخرج

للناس في موضوعه، وقد أعطيت التعليمات لمجلس المديرية لطلب 66 نسخة

ليكون في كل مدرسة أولية وابتدائية نسخة، ولما كان واجب كل مسلم نشر هذا

الكتاب بأوسع ما يمكن أرجو أن ترسلوا باسمي 300 ثلثمائة نسخة على محطة

شبين الكوم لتوزيعها، وثمنها 30 جنيهًا حسب البيان الوارد في كتابكم، نرسلها

عند إتمام التوزيع، وأختم كتابي هذا بتوجيه واجب الشكر لكم تلقاء هذا المجهود

العظيم المضني، وإني في انتظار الجزء الثاني، ولكم وافر التحية من المخلص.

...

...

...

... هارون سليم

...

...

...

في 31 أغسطس سنة 1934 م

(المؤلف) : إن هارون باشا هذا من خير رجال حكومتنا عناية بالدين علمًا

وعملاً، بل لا نعرف له في رجال الإدارة مثلاً، وقد طلب منا بعد ما تقدم مائتي

نسخة، ثم أرسل ثمنها، ولما كان المعهود من أمثاله رجال الإدارة أن يوزعوا على

وجهاء مديرياتهم كثيرًا من الكتب غير النافعة محاباة لأصحابها فيقبلها الوجهاء

إرضاء للمدير على كراهة موضوعها وغلاء أثمانها، وكان يعلم أن مثلي ينكر ذلك

عليهم - كتب إليّ أنه لم يتبع سننهم، وإنما بين للوجهاء موضوع الكتاب في إقامة

حجة الدين وبيان حقيقته، وأنه يعتقد أن قراءته واجبة عليهم وعلى أولادهم، ولا

سيما تلاميذ المدارس، ويخيرهم، وأني إذا شئت كتب إليّ أسماء من اشتروه لأسألهم،

فكتبت إليه: لا إنكار على من يدعو إلى الله فيما يتخذ من حض الناس على معرفة

عقيدتهم وأصول دينهم، فإنه يصدق على هؤلاء ما صح في حديث من (يقادون

إلى لجنة بالسلاسل) ، ثم اتفق أن رأيت نقيب الأشراف للمنوفية بمصر فأخبرني

مسلك المدير في الترغيب في الكتاب، وكيف تلقوه بالقبول شاكرين.

***

تقريظ جريدة حضارة السودان

أهدتنا إدارة مجلة المنار الغراء كتاب (الوحي المحمدي) الذي ألفه العلامة

المحقق مصباح الإسلام السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار الغراء.

وقد جاءت مباحث هذا الكتاب كسائر مباحث مؤلفه الثمينة؛ سواء في تفسيره

القرآن الكريم، أو في مباحث مجلة (المنار) نورًا وهدى للناس في تبيان حقائق

الدين الإسلامي؛ فهو بلا ريب فتح جديد في الدعوة إلى هذا الدين الحنيف القويم،

وقد تمكن مؤلفه، وهو ذلك العبقري الديني الذي سيط دين الإسلام بلحمه ودمه،

من أن يوفق بين الدين والعلم بطريقة يعجز غيره عن الإتيان بها، فالرجل عالم

قوي الإيمان، وناهيك ما تنتجه قوة الإيمان إذا توافر معها العلم، والكتاب نفذت

نسخ طبعته الأولى قبل أن يحول الحول على طبعها لتهافت العوالم الإسلامية على

النهل والعلل من مورده العذب، وقد صدَّر طبعته الثانية بمقدمة استغرقت عشرة

مباحث هي وحدها تعد كتابًا، ثم أتى بعدها بفاتحة لها قد اشتملت على أربع مسائل،

ثم انتقل إلى الفصل الأول؛ وهو يشمل ست مسائل، فالفصل الثاني وفيه عشرة

مسائل، فالفصل الثالث وقد اشتمل على 17 مبحثًا، فالرابع وقد اشتمل على ستة

مباحث، فالفصل الخامس وقد اشتمل على 75 مبحثًا. وما من مبحث من هذه

المباحث يمر عليه المطلع إلا ويشعر أنه في أشد الحاجة إلى تفهمه من الوجهتين

الدينية والمدنية.

وقد ذُيلت طبعته الثانية بنحو 23 تقريظًا في مقدمتها تقريظًا للعاهلين العربيين

ملكي الإسلام: الإمام يحيى حميد الدين إمام اليمن، وصاحب العظمة السلطان عبد

العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد، في كتابين موجهين من لدنهما إلى المؤلف،

وتقريظ صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي المصلح

الإسلامي الكبير المعروف لدى سكان هذه البلاد، وتقريظ أمير البيان المشهور

الأمير شكيب أرسلان، وغيرهم من الأئمة الأعلام ورجال العلم والدين.

وإنا لنرى أن هذا السِّفر واجب على كل مسلم وجوبًا عينيًّا أن يطلع عليه وأن

يتفهمه ليتذوق منه حلاوة الإسلام، ويرى بمرآته بهجة القرآن ونوره ساطعًا يهدي

إلى سواء السبيل.

...

...

...

... عن حضارة السودان

...

...

...

بتاريخ 29 أكتوبر سنة 1934م

***

كتاب للفاضل الغيور الشيخ

محمد عثمان

- في إِلدورت - غنيا

بسم الله

حجة الله على العالمين فضيلة الأستاذ الأفخم، والمصلح الأعظم، السيد محمد

رشيد رضا، المجدد لدين الله والناشر لوحيه، أمد الله له في الحياة منصورًا، ولا

زال لإعلاء كلمة الله ظهيرًا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فأرفع لفضيلتكم بأنه وافاني كتابكم (الوحي المحمدي) فخررت ساجداً لله

شكرًا عندما ظهر لي انتصار نوره الساطع، المنذر من لا يؤمن به بعذاب واقع،

ما له من دافع، وكم كان فرحي عظيمًا، وسروري جسيمًا، لا أستطيع أن

أشرحهما، فتلوته مرارًا، وكلما كررته ازداد شغفي حبًّا لتلاوة كتاب الله وتدبر

معانيه، وزادني همة ونشاطًا في تبليغه إلى أبناء وطني المهاجرين، وحضهم

على نشر الدين في هذه المستعمرة وأحيائها التي تقلص منها ظل الإسلام السائد

سابقًا، وتهدمت فيها لغة القرآن، وتقوض منها مجد الإسلام العربي الزاهر، في

العصر الغابر، بسبب تفريط مسلميه في نصرته، وركونهم إلى التوسل بأصحاب

القبور والتقرب إليهم بالقرابين والنذور، والآن بفضل الله وإرشاد مناركم الأغر،

شرعت تتلاشى البدع والخرافات، وتضمحل العقائد الفاسدة في أبناء الناطقين

بالضاد.

نعم يا صاحب الفضيلة، لقد أرهقتمونا بنعمكم الروحية، وتعاليمكم الدينية،

التي أخرستنا حيرة بأي لسان نقدم شكرًا، وجوارحنا وإحساساتنا كلها ألسنة شكر،

يا ليت شعري كيف أشكر، ويا ويح قلبي كيف أثني وأحمد بعد أن أثنت عليكم

نجوم الهدى، وكواكب الإرشاد، وشموس البلاغة، وأعلام الإسلام، وأرباب

الأقلام، وأمراء البيان، ولا يسعني والضعفاء إلا الدعاء لكم بما يحبه الله ويرضاه،

وأن أهنئكم بأصدق التهاني على نجاحكم الباهر في هذه المساعي الجليلة للإسلام

وأهله التي سيشتاقها كل سيد، ويقصر عن إدراكها المتناول، لاسيما إبرازكم لهذا

الوحي المحمدي المقدس أمام الأديان والملل نقيًّا من الخرافات والبدع التي ألصقها

بها علماء السوء المبتدعون، وكن عليه حجابًا من اهتداء العقلاء ومفكري الأمم

الراقية بهديه المبين، ووسائل لمطاعن الملحدين، ومثالب المكذبين، ولمَّا مزقت

هذه الحجب الجسام ببيانك، ودمغت حججهم ببلاغته السماوية، انقلبوا على أعقابهم

خاسئين، بتحدي آياته الكونية وعجائبه العصرية، ومعجزاته السرمدية؛ فأخرست

أفواههم عن الجدال، وبهرت أعينهم عن الاحتقار، ودككت عقائدهم عن النضال،

حتى آمنت القلوب، ولكن الألسنة والأفواه بآيات الله يجحدون

إلخ.

* * *

كلمة الأستاذ العلامة النقادة الشيخ

محمد البشير النيفر التونسي

(من علماء جامع الزيتونة الأعلام من كتاب طويل له في رمضان سنة 1353)

وكنت في أثناء هذه المدة أطالع مناركم المنير، وما يتخلف عني من أعداده

أشتريه من إحدى المكتبات، وكان فيما قرأت من مباحث التفسير ما كتبتم عن

الوحي المحمدي، فحمدت الله أن كان في علماء المسلمين في هذا العصر مثلكم،

وكنت أقول: لو قرأ هذا منكرو الرسالة المحمدية بإنصاف وفهموه حق فهمه لآمنوا

بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كلهم أجمعون.

وقد كنت قرأته في المنار متفرقًا، ثم أعدت قراءاته متصلاً في الجزء الحادي

عشر من التفسير، فجزاكم الله أفضل ما جزى به خادمًا لدينه، وبارك في عمركم

تخرجون للناس أمثاله، فتكون كلمة الحق هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

وما أنكرت فيه إلا كلمات في آيات الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أذكر أنني

رأيت مثلها في إحدى مقالاتكم في (شبهات النصارى وحجج الإسلام) ا. هـ.

قد اختصرت في هذه الطبعة الثالثة أكثر التقاريظ التي نشرت فيما قبلها،

وحذفت بعضها لطولها وما فيها من التكرار ونقل بعض مسائل الكتاب للتنويه بها أو

مشاركة أصحابها لنا فيها، وبهذا وجدنا مكانًا لغيرها، ولم نتصرف بشيء من ذلك

بزيادة ما، ولا باختصار يغير المعنى.

* * *

حكمة نشر هذه التقاريظ

(ختمت بها تقاريظ الطبعة الثالثة)

الغرض من نشر هذه التقاريظ إعلام قراء الكتاب من غير المسلمين (ومن

الجامدين على تقليد المتقدمين منهم، الذين إذا رأوا كتابًا في الدين لمؤلف عصري

أعرضوا عنه ولم يقرءوه لظنهم أن الأحياء لا يوثق بعلمهم) أن ما فيه من أصول

الإسلام وحكمته متفق عليه ليس رأيًا مني فيه، وإن كان فيه ما لا يوجد في غيره.

ذلك بأن الأحرار المستقلي الفكر منهم يقيسون دين الإسلام على غيره من

الأديان فيظنون أنه أكثر عقائده وأصوله مسلمات غير متفقة مع العقل والعلم

الصحيح والمصالح العامة، ويظنون أن ما يسمعون من حكماء المسلمين موافقًا لذلك

هو رأي لهم، كما قال بعضهم في رسالة التوحيد للأستاذ الإمام إنها فلسفة الشيخ

محمد عبده سماها إسلامًا، وقال لي مستر متشل أنس الإنكليزي الذي كان وكيلاً

للمالية بمصر مرارًا عندما كنت أشرح له بعض أصول الإسلام وحكمته: هذا

فلسفة لا دين، حتى قال لي مرة: إذا كان علماء الأزهر يوافقونك ويوافقون الشيخ

محمد عبده على ما تقولون فأنا أعلن أني مسلم.

وهذا كتاب فيه من حكم الإسلام في أهم أصوله وفروعه أكثر مما في رسالة

التوحيد ومما كان يسمعه مني متشل أنس وأمثاله، وفيه من شواهد القرآن ما لا

يمكن أن يقال معها إنه من رأيي، وقد اتفق على الشهادة له العلماء والأدباء والكتاب

في الأقطار ومن جميع الطبقات، وفي مقدمتهم شيخ الأزهر بما هو صريح في

تفضيله على جميع الكتب في موضوعه (إثبات الوحي والنبوة وإعجاز القرآن

وأصول الإسلام الدينية والمدنية) ، وسيرون من فائدته في دعوة غير المسلمين إلى

الإسلام وفي تثبيت المسلمين في دينهم ما هو فوق ذلك - إن شاء الله تعالى - ولله

الفضل والمنة: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس: 58) ، وصلوات الله وسلامه على رسوله محمد خاتم النبيين وآله

وصحبه الهادين المهديين، وجميع المهتدين بهديه إلى يوم الدين، وسلام على

المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

_________

(1)

افتجر الكلام: اختلقه لم يتبع به أحدًا ولم يتابعه عليه أحد، فلعل الأصل افتجروا شبهًا واحتفروا حفرًا.

ص: 55

الكاتب: أديب غير معروف

‌تطور الإسلام

لأديب غير معروف

كان نشاط الإسلام الغريب مدعاة دهشة لعقول البشر منذ تلك الأيام الممعنة في

الزمن، التي حملت لواءه من فرنسا إلى الصين ، ولكن هذه الشعلة الروحية المتقدة

ما لبثت أن أخذت تخمد على الأيام، حتى ظهر الإسلام في القرن الثامن عشر في

حال من الاحتضار، فأخذ العلماء يلتمسون المعرفة في آفاق محدودة من الدين، لا

كما نزل به القرآن وجاء به النبي صلى الله عليه وسلم، مشرقًا بالنور، سمحًا إلى

أبعد الحدود، بل كما فهموه، هزيلاً ضيقًا، بل على أكثر ما يكون عليه الدين من

الهزال والضيق حين يبدأ فيسمح لظل آدمي أن يقوم بين العقل البشري والله. إن

الإسلام دين الفكرة المتحرر، الذي استطاع أن يطرد الخرافات الكهنوتية من

البلدان التي استظلت بظله، انتهى إلى أن يكون هو نفسه مثقلاً بأنواع العبودية

والخرافات.

فرض الإسلام على معتنقه أن يطلب العلم من المهد إلى اللحد، ونقل عن

النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فضل العلم أفضل من العبادة) ولكن هذا

الفرض أهمل في عصور انحلال الثقافة العربية إهمالاً مخجلاً اطّرحت معه دراسة

العلوم الطبيعية من زمان، فكان ذلك من أهم الأسباب لتأخر الإسلام في العصر

الأخير.

قال المستعرب الفرنسي الشهير (كازانوفا) : منذ أن خبت شعلة الثقافة العربية

زمن الغزو العثماني، ومنذ أن أخذ الإسلام الأول تنقله ربقة (أرثوذكسية) متحرجة،

ونحن ننظر إلى عقل العرب الحديث كشيء يختلف عن عقولنا، ونعتقد أن المسلمين

ليسوا بقادرين على أن يفهموا فكرنا ويمثلوه، ناسين كلمة نبيهم الرائعة، التي كانت

مصدر الهدى لحضارتهم الأولى، والتي تقول:(فضل العلم أفضل من العبادة) . إني لأتساءل: أي رئيس ديني، أو أي مبشر عظيم جرؤ في يوم أن يتلفظ هذا الكلام

الجسور، الذي يكون (دستور الإيمان) لعالمنا الثقافي اليوم؟ في حين أن كلامًا كهذا

كان يعد لزمن غير بعيد كفرًا عند الجمهرة الكبرى من العقول المثقفة، بل أستطيع أن

أتساءل: أي أوربي في عصر محمد استطاع أن يفكر بإمكانية فظاعة كهذه؟ !

وعلى هذه فأصح البديهيات عن حرية الفكر، هذه البديهيات التي تدع وراءها

أجرأ آراء (لوثر) و (كالفن) ، وأمثالهما، إنما فاه بها عربي من أهل القرن السابع،

هو مؤسس ذلك الدين الذي يزعم كثير منا أنه منحط انحطاطًا لا يرجى له علاج،

وفي الحق أن تذوق العلم، والتأملات الفكرية في شتى الميادين، وأن حب الفكر

الإغريقي والإعجاب بمآثره، وهذا الفضول المُلِحّ لمعرفة ما في الطبيعة، والرغبة

الجادّة في رفع النقاب عن هذه الطبيعة، كل أولئك كان يمثل المزايا الصحيحة للروح

العربية، إن هؤلاء العرب العظام الذين فقناهم في الأربعة القرون الخالية كانوا

الأساتذة الكبار للفكر الحديث قبل عصر النهضة) .

بيد أن العلماء الذين كان عليهم أن يرعوا تعاليم الإسلام الصحيحة ما لبثوا مع

الزمن أن وقفوا كل اهتمامهم على الفرعيات الصغرى من العبادات، فكانت بذلك

مفارقة خطرة لعمود الشرع الأول، وكانت أن نشأت في البلدان الإسلامية رجعية

متحرجة، وتعصب مخالف لروح الإسلام، وطغت على مراكز الثقافة العربية

مدرسية متطرفة كالتي عرفت في القرون الوسطى، وبها طائفة من الخرافات

الفارغة، فمد الجهل رواقًا على الطبقات الدنيا، فرغبت عن كل تجديد، وأصبح

المجتمع الإسلامي فاسدًا على الجملة.

إن روح الإسلام لا تعني على أي حال الاطمئنان إلى هذا الوضع الذي يسود

العالم الإسلامي، أو القناعة به؛ لأن الجبر (أي الاعتقاد بالقضاء والقدر على أنهما

إجبار) لا يؤلف قممها من العقيدة الدينية، أما العامة، فقد تملكتها - بسبب الجهل

والعبودية السياسية فيما بعد - روح قناعة وتسليم تكفي لإحداث ركود عام، فكان

بذلك سبب رئيسي من الأسباب التي عاقت التقدم السياسي والاقتصادي للدول

الإسلامية.

لقد تقدمت الدول النصرانية في ميدان الحياة المادية، كما تقدم المسلمون زمان

كانوا يخضعون لتعاليم الشرع التي نادت بحرية الفكر، وحضَّت على طلب العلم،

ودرس ما خلق الله. لقد أطرح الأوربيون الأصفاد الأكليركية والمدرسية الضيقة

فكان تقدمهم في الحقل المادي مدعاة للدهشة بقدر ما كانت الفتوح المادية والروحية

التي قام بها المسلمون الأولون.

وضعف آخر عانى منه الإسلام كثيرًا في تاريخه، هو نفوذ الأوتوقراطية

السياسية السيئ؛ فإن قيام الأوتوقراطية المستبدة على رأس الإسلام قد أضر به

كثيرًا في الحقبة التي سبقت الحروب الصليبية بقليل؛ إذ كان جو الفساد الذي خلقته

هذه الاوتوقراطية المستبدة عائقًا لنمو الإسلام، فتفسخت الأمصار الإسلامية إلى

وحدات يسيطر عليها طغاة منهمكون في منازعاتهم وحربهم التي يستغل فيها الدين

ويسخَّر لأغراض غريبة عنه، فما طال الزمان حتى كان الشرق المسلم غارقًا في

ظلام عميق، ضيَّق من أفقه الثقافي، وانتهى به إلى عقم أدبي عام.

وعامل هام آخر ساعد على تأخر المسلمين، هو نشوء شعور بالتسامي مزور

قام على التبجح بالفتوح العظيمة، والتغني بمآثر الإسلام في العصور الأولى،

وحمل المسلمين على أن ينظروا إلى المخترعات الحديثة التي ولدها العقل الغربي

نظرة استحقار واستخفاف.

إن المسلمين في عصور انحطاطهم لا يشبهون المسلمين الأول إلا قليلاً، فلم

يعملوا بما قضته شريعتهم، ولا عنوا بتتبع سنن نبيهم، لقد قطع المسلمون شوطًا

بعيدًا في الحقول العقلية، والسياسية، والاجتماعية، والأخلاقية أيام استمسكوا بأمر

دينهم ونهيه، ولكنهم لما رغبوا عن حبلهم هذا المتين فقدوا روح البطولة وأسقط في

يدهم، فأهملوا تثقيف أولادهم، كما أهملوا تثقيف بناتهم بخاصة، لقد ناءوا بهذه

الحضارة وهذه الثقافة التي بناها أسلافهم بتأثير القرآن والتأسي الشريف بالنبي

صلى الله عليه وسلم فما استطاعوا لها صونا، وضعفت روح التكتل، وأخذ التفسخ

يظهر واضحًا.

وكان الغزو المغولي في القرن الثالث عشر ضربة أخرى شديدة على الثقافة

الإسلامية؛ إذ عطلت جيوش جنكيز خان أعظم مراكز العلم، وأودت بمعظم العلماء،

كان كل ذلك في يوم كانت فيه الحدود الشرقية للإمبراطورية الإسلامية غير

مصونة إلا قليلاً، وهنا نلاحظ أن فرضًا من فروض الشريعة قد نُسي أو أهمل،

هو الجهاد، فانتهى الأمر أخيرًا إلى سقوط بقايا الإمبراطورية الإسلامية في أيدي

دول الاستعمار الأوروبية.

لقد عاقت الحروب الصليبية نمو الإسلام، في حين أن اكتشاف طريق الهند

التجارية الشرقية، واكتشاف أميركا، مع ما دعا إليه من اتجاه التجارة العالمية ناحية

الغرب، إلى جانب ازدهار الحركة الصناعية والمواصلات عبر المحيط، كل ذلك

كسف أخيرًا عالم الإسلام، فما آذن الزمن بالقرن الثامن عشر حتى كان العالم

الإسلامي غارقًا في سبات، بينا شهد القرن التاسع عشر سقوط الدول الإسلامية -

الواحدة بعد الأخرى - في قبضة الدول الغربية المغيرة.

ولكن السبات والركود ليسا من مبادئ الإسلام، إن هما إلا نتيجة لأحداث

سياسية واقتصادية، وهكذا أخذت تقوم في ذلك الحين محاولات في الإصلاح الديني

أظهرت واضحًا أن خلف الرماد حياة للإسلام صحيحة فذة، هذه الحركات

الإصلاحية نشطت لإحياء مجد الإسلام الأول، وطمحت إلى إعادة الدين إلى شكله

الصافي الخالص قبل أن تثقله المعتقدات الدخيلة والبدع المفسدة.

وكان ابن تيمية في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) العدو

الأول لهذه البدع، ولكن أربعة قرون تصرمت قبل أن تؤتي آثاره أكلها يانعًا، ففي

القرن الثامن عشر تأثر محمد بن عبد الوهاب من أهل نجد بدراسة مؤلفات ابن

تيمية، فحاول كما حاول أستاذه من قبله أن يرجع للإسلام حيويته الأولى وصفاءه

الأول، وأن يجتث الرذائل ويبطل البدع المخالفة لتعاليم الدين الفطرية، مجردًا

حملته في سبيل هذا الإصلاح الديني حوالي سنة 1740، بعد أن حز في نفسه ما

رآه من التفسخ الأخلاقي، وذيوع الخرافات بين المسلمين، وفي سبيل هذا بشر

محمد بن عبد الوهاب بالرجوع إلى مصدري الإسلام الأولين كتاب الله وسنة رسوله.

وقد عمل هذا المصلح الطهري - مؤسس الوهابية - كل ما في وسعه ليعيد

للإسلام بساطته الشديدة الأولى، فكانت الحركة الوهابية في الواقع بشير الانتعاش

للإسلام الحديث، ولا نستطيع هنا - بداعي ضيق المجال - أن نعرض بكلام

مسهب لنمو هذه الحركة، إنما يكفي الذكر أنها نشأت في جزيرة العرب في ظل

البيت السعودي، وانتشرت في نجد ثم في الحجاز زمنًا قصيرًا، تقلصت عنه بعده،

إلى أن قام عبد العزيز بن سعود ببضع حملات ناجحات استعاد بها الحجاز،

وضرب بسلطانه على القسم الأعظم من بلاد العرب.

امتدت الحركة الوهابية إلى ما وراء الجزيرة، وعملت على إثارة حركات

مشابهة مستوحاة منها في الهند وإفريقية وجزر الملاي، بل إن حركة السنوسي

الشهيرة نفسها مدينة في منشئها للإيحاء الوهابي.

ففي منتصف القرن التاسع عشر حمل السير سيد أحمد خان لواء حركة

تحريرية إصلاحية في الهند، كان من ثمارها تأسيس جامعة إسلامية في عليكرة

يتلقى فيها الطلاب - إلى جانب التربية الدينية - ثقافة عصرية عميقة، ولقد اتجه

السير سيد علي في المسائل الفقهية اتجاهًا حديثًا، محاولاً أن يلائم بين حياة الشعوب

الإسلامية وبين العصر الجديد، وأن يؤلف بين الثقافة والتقاليد الإسلامية، وبين

الآراء الحديثة والعلم الحديث.

وبعد وفاة السير سيد تعهد الحركة مولاي شيراغ علي، ومن بعده سيد أمير

علي، الذي عبر عن آراء المجددين في كتابه المعروف:(روح الإسلام) ،

وتطورت الحركة من بعده، جامعةً بين (العقلية) والتحرر، وكان لها ممثلها في

شخص (س خودا بخش) صاحب كتاب (رسائل هندية وإسلامية) .

ويجب أن نذكر بصدد هذه الحركة العمل الذي قام به حكيم أجمل خان، من

دلهي، إذا وقف نفسه على تدريب الطلبة المتأخرين من الجامعة في عليكرة،

وبعثهم إلى الخارج مبشرين، لينشروا بين شباب الطبقات المثقفة، ثقافة إسلامية

حديثة مؤسسة - قبل كل شيء - على القرآن.

أما أعظم مصلح في الهند الإسلامية غير مدافَع، فهو المرحوم السيد محمد

إقبال الفيلسوف الشاعر الكبير، الذي ألفت آراؤه ومؤلفاته (مدرسة) من المفكرين

الدينين والسياسيين في الهند، ومن أبرز آثاره كتابه الممتع عن (تجديد التفكير

الديني في الإسلام) ، الذي كان يريد فيه كما يقول (أن يلبي ولو جزئيًّا هذه الرغبة

الملحة في إيجاد شكل علمي للمعرفة الدينية عن تجديد طريقة الفلسفة الدينية

الإسلامية على أساس من تقاليد الإسلام والتطورات الأخيرة في مختلف ميادين

المعرفة الإنسانية) ، ولكي نقدم فكرة صادقة عن قيمة مؤلف السير محمد إقبال هذا

لا نجد أفضل من أن نقتبس ههنا الفقرة التالية من مراجعة له بقلم عالم (غربي)

ممتاز؛ لما فيها من (إشارة) إلى العلاقات الغربية الإسلامية:

(إن العالم الغربي لا يعرف السير محمد إقبال - إذا استثنينا طبقة من

الخاصة صغيرة - المعرفة التي يستحقها. قد لا يكون محمد إقبال مؤرخًا؛ ولكنه

فيلسوف لاهوتي ديني من الطبقة الأولى، بعقل معجز جبار، إدراك هذه الحقيقة لم

يكن بالسهل على الغرب - بسبب إسلامية إقبال - كما كان في شأن طاغور الشاعر

الغامض، وغاندي الذكي الغريب. إن من الجميل أن يكتشف الغرب مسلمًا مجددًا

حقًّا، هو في الأقل صنو لأعظم مفكري الغرب في كل ناحية.

كم يكون من المؤسف أن نسلب القارئ الغربي لذة الاكتشاف الشخصي

بتقديمنا هذا الرجل إليه ملخصًا، فليس هناك رجل في العالم المسيحي يحق أن

يدعى عصريًّا - أو ما شئت من النعوت - إذ لم يكن قد (اكتشف) بعدُ محمد

إقبال، وليس هناك كتاب للسير محمد أجدر من هذا كأداة وصل في هذا التعرف) .

فإذا انتقلنا إلى تركيا كان علينا أن نشير إلى حركة إصلاحية سايرت ثورة

سنة 1908، فحزب (تركية الفتاة) نادى بالأخوة والمساواة بين رعايا السلطان

جميعًا، وكان أحد مقدمي الزعماء في (جمعية الاتحاد والترقي) المصلح والسياسي

الأمير سعيد حليم باشا، الذي كان يعتقد أن الإصلاح لا يقوم على اقتباس ما هو

غربي، بل بالعودة إلى الإسلام، وكان يعمل لإمبراطورية إسلامية مستقلة، ويؤيد

الخلافة، فعل الكثرة المطلقة من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، مسترشدًا بغايته

الأولى، وهي بناء الدولة الإسلامية الصحيحة على قواعد حديثة. ولكن مؤثرات

مغايرة كل المغايرة لأهداف الأمير سعيد حليم باشا ما لبثت أن ذرت قرنها، فقامت

فكرة الوحدة الطورانية، رامية إلى خلق ثقافة تركية قومية حديثة.

بيد أن أبرز المصلحين في القرن التاسع عشر كان السيد جمال الدين الأفغاني،

الذي كان له الأثر الأعمق على الحركات الإصلاحية في شتى الأقطار الإسلامية

ومصر بخاصة؛ حيث قضى ثماني سنوات (1871 - 1879) ، وحيث تتلمذ

عليه الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية ، الذي توفي سنة 1905.

لقد شملت أعمال هذا الرجل العظيم أمصار الإسلام على التقريب ، فخضعت

أفغانستان وإيران ، وتركية، ومصر، والهند جميعًا ، وفي فترات متباينة

لأثره البعيد.

إن غاية جمال الدين القصوى كانت توحيد الشعوب الإسلامية في ظل دولة

إسلامية واحدة، يمارس فيها الخليفة سلطة مطلقة، كالتي كانت للخلفاء في أيام

الإسلام الغرر ، قبل أن تنهك من قواه الفتن والتفسخات ، وقبل أن تغرق البلدان

الإسلامية في ظلام من الجهل والمسكنة ، فتصبح فريسة الاعتداء الغربي. كان يعتقد

أن هذه الدول الإسلامية إذا تخلصت يومًا من وباء الاستعمار الغربي والتدخلات

الغربية، وجددت نظرتها إلى الدين بحسب مقتضيات العصر، استطاعت أن

تخلق لنفسها أوضاعًا جديدة باهرة، دون تقليد للدول الغربية، أو اعتماد عليها.

وعنده أن الدين الإسلامي في جوهره دين دنيا ، وأنه قادر إلى أبعد حد - لما له من

قوة روحية - على أن يساير اختلاف أحوال الحياة، ويرى أن الثورات

السياسية هي أسرع وأضمن سبيل يوفر للشعوب الإسلامية الحرية التي لا

تستطيع هذه الشعوب أن تنتظم أمورها الداخلية بدونها. وقد وصف مؤرخ

مصري احتكاك جمال الدين بالشئون المصرية بهذه الكلمات:

(لقد ولدت بنزول جمال الدين مصر حركة جديدة، قالت بوجوب تحديد

التدخل الأجنبي والحكم الأوتوقراطي ، وحاولت تحضير عقول الشعب لإنشاء نظام

قومي متحرر ، كما بذلت جهود لإصلاح الحالة الاجتماعية للجماعات، عن طريق

تفسير جديد لتعاليم الدين التي أفسدت من روحها الخرافات والتقاليد والتفصيلات

الفقهية في عصور الظلام.

قادت هذه الحركة إلى يقظة صحيحة تمظهرت في الإسلام الديني ، كما

تمظهرت في البعث الثقافي والأدبي ، وفي التطورات السياسية، التي دلت على

نمو في الروح القومي. لقد كان جمال الدين أعظم شارح لفكرة الجامعة الإسلامية) .

وأخذت الحركة الإصلاحية والتجديدية في مصر في الربع الأخير من القرن

التاسع عشر شكلاً محددًا على يد الشيخ محمد عبده ، قاصدة إلى تحرير الإسلام من

القيود التي كبله بها التقليد المتحجر ، وإلى الإصلاح الذي يجعل هذا الدين قادرًا

على مسايرة الحياة العصرية ، وهكذا نشر محمد عبده في مصر روح أستاذه جمال

الدين ومثله العليا، وعمرت هذه الحركة في مصر إلى وقتنا الحاضر ، تاركة

آثارها في شتى الميادين ، كما لاقت آراء الشيخ محمد عبده أذنًا صاغية بين

الطبقات المثقفة في مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية ، فتقبلوها بقبول حسن.

وكان السيد محمد رشيد رضا - السوري الأصل - مقدم تلاميذ الشيخ محمد عبده،

فلما قبض الشيخ الإمام ظل رشيد رضا الأمين على رسالته ، والشارح لتعاليمه ،

وهو مؤسس مجلة (المنار) المشهورة، التي أصبحت بعدُ لسان الدعوة لآراء

الشيخ محمد عبده ، ومعقل الكفاح لتحقيق إصلاحاته. وهناك مدرسة ثانية من

المجددين تأثرت بعيدًا بحركة الشيخ محمد عبده بين رجالها ، أمثال قاسم أمين ،

وفريد وجدي ، وعلي عبد الرزاق (مؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم) وغيرهم

من كبار الرجال.

وإنا لنلمس آثار جمال الدين الأفغاني في الأجزاء القاصية من العالم الإسلامي ،

كروسيا مثلاً؛ حيث هبَّ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مصلح مشهور ،

هو إسماعيل جاسبرنسكي محرر جريدة (ترجمان) الصادرة في بلاد القرم،

والذي دعا إلى عقد مؤتمر إسلامي عالمي لبحث المسائل المتعلقة بالحركة

الإصلاحية الإسلامية.

إذا نظرنا إلى الحال اليوم، رأينا الإسلام يواجه أزمة اختلف في تأويلها

المفكرون المسلمون والغربيون، قال السير محمد إقبال:

(إن الملاحظ السطحي للعالم الإسلامي الحديث هو وحده الذي يعتقد أن

الأزمة الحالية في هذا العالم الإسلامي إنما ترجع إلى أيدي القوى الأجنبية) .

(إن مسألة ما إذا كان الفرد مسلمًا، هي من وجهة النظر الإسلامية مسألة

شرعية صرفة ، يحكم فيها على أساس المبادئ الرئيسية للإسلام ، وما دام الفرد

مؤمنًا بالمبدئين الرئيسيين: وحدانية الله ورسالة نبيه، فلا يستطيع أحد - حتى

أكثر الملوية تحرجًا - أن يخرجه من حظيرة الإسلام، على الرغم من فهمه

للشريعة أو لنص القرآن فهمًا يُعتقد فيه الخطأ. لقد عانى الإسلام جحودًا كبيرًا ،

وآن للمسلمين أن ينظروا إلى الحقائق، إن المادية سلاح خطير ضد الدين؛ ولكنه

ناجع مستحب إذا جُرد على الطرق الملوية والطرق الصوفية التي تشعوذ على

الرَّعاع، مستغلة جهلهم وسرعة تصديقهم. إن روح الإسلام لا تخشى شيئًا من

احتكاكها بالمادة، وفي الحق إن القرآن يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ

وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: 77)) .

(إن من الصعب على غير المسلم - إذا اعتبرنا تاريخ العالم الإسلامي خلال

القرون الأخيرة - أن يدرك أن التقدم في النظرة المادية لا يعدو أن يكون ضربًا من

تحقيق الذاتية) .

ومن ناحية أخرى نجد روم لاندو يصف تأثراته حيال الروح الحية التي

تسري في مصر اليوم:

(إن مصر الحديثة تقتبس اليوم عن أوروبا بسرعة تواقة ، طامحة إلى أن

تلحق بالغرب في مضمار المدنية الحديثة ، ترى في الوقت عينه - وعند الشباب

بخاصة - قومية متطرفة ، تتخذ في بعض الأحيان شكل العداء لكل ما هو أجنبي،

وما كان هذا النوع من القومية داعيًا إلى الأسف، فذلك شيء طبيعي عن شعب حاد

المزاج، يطمح أن يرى بلاده مستقلة بعد مئات السنوات من السيطرة الأجنبية) .

(إن معضلة الطالب المصري تكاد تكون عين معضلة الروح المصرية

الحديثة، كلاهما يجتاز الآن مرحلة انتقال، وفي كليهما اللهفة، والنزق، وغرور

الشباب، وحساسيته. إن العناصر الروحية والمادية والدينية والقومية تختلط جميعًا

إلى درجة لا يرجى معها حل للمعضلة عن طريق نوع بعينه من هذه الإصلاحات،

ورجال السياسة المصرية لم يعتمدوا في يوم على معاونة زعماء الدين والفكر

معاونة فعالة اعتمادهم في يومنا هذا؛ لأنه ليس من ناقد نزيه يعتقد أن معضلة

الشباب المصري يمكن حلها دون إصلاح روحي عميق، يشمل تأثيره الشبان

ويعدوهم إلى الزعماء السياسيين) .

فإذا عرفنا أن التطور في البلدان الإسلامية كان دائمًا على أساس الدين (ولا

يمكن أن يكون إلا كذلك) اتضح أن إصلاحًا روحيًّا كالذي يتكلم عليه روم لا ندو لا

يتوفر إلا عن طريق تثقيف شباب الإسلام تثقيفًا دينيًّا صحيحًا.

إن نشوة القومية في البلدان الإسلامية يجب أن ينظر إليه (كرد فعل) دفاعي

ضد الاستيلاء الغربي ، وكنتيجة للاعتقاد بأن التحرر الكامل من الغرب سياسيًّا ،

واقتصاديًّا ، واجتماعيًّا شرط أساسي لنهوض الإسلام. وهكذا كان من الطبيعي

للأقطار الإسلامية في هذا الدور من نشوئها أن ترى في القومية مصدر قوة وسلطان،

ومهما كان فإن هذا المظهر الانتقالي من القومية لا بد أن يفسح المجال يومًا

لضرب من (جامعة أمم) إسلامية ، مؤسسة البنيان على قواعد روحية. إن

المسلمين لا يستطيعون أن يفرطوا بتراث ثقافتهم الروحية العظيمة لمجرد تقليد

القومية الأجنبية في مظهرها الحالي ، فالنتائج المضرة لهذا النوع المتطرف من

القومية أوضح من أن تؤكد.

بيد أن بلدان الإسلام - بالرغم من هذه القومية التي تطغى عليها - تظل في

الحق أكثر تجانسًا ، وأبعد وحدة ثقافية من دول أوروبا ، ففي شطر كبير من العالم

الإسلامي - أعني في الشرق العربي - تسود لغة واحدة للتخاطب والكتابة ، ذات

تراث أدبي وفلسفي غني جدًّا ، ويستطيع أن يدرسها بسهولة المثقفون في العالم

الإسلامي كله، تلك هي اللغة العربية، اللغة المشتركة لستين أو سبعين مليونًا من

الناس من مراكش إلى الخليج الفارسي ، وهي تحتل اليوم في الأهمية المرتبة

الرابعة بين لغات العالم ، كما أنها اللغة الدينية للعالم الإسلامي قاطبة، على حين أن

اللاتينية - وقد كانت في العصور الوسطى لغة مشتركة بين العلماء الأوروبيين -

لم تعد منذ زمان واسطة التعبير، وليس بين اللغات الحية واحدة لها حظ في أن

تصبح اللغة المشتركة في أوربا ، بيد أننا لا يجب أن ننسى أن الدعاية القومية -

مع تأكيدها على الفروقات اللغوية - تجعل هذا التطور بعيد الاحتمال في الوقت

الحاضر.

أما الفروق في النواحي الأخرى - أعني في نسيج المجتمع، والمثل العليا

السياسية - فالفروق بين مختلف أجزاء أوروبا أكبر بكثير منها بين مختلف أجزاء

العالم الإسلامي ، فالعالم الإسلامي أقرب إلى أن يكون وحدة - وبخاصة في مزاياه

الاجتماعية والثقافية ومؤسساته - من أوربا كلها.

إن من الخطأ أن نزعم أن المثقفين من المسلمين، والطبقات الرفيعة في

المجتمع الإسلامي قد أخذت في الابتعاد عن الدين، أو عدم الاكتراث به بداعي

الإقبال على الحضارة الأوروبية والنسج على على منوالها، بل إننا ليمكننا أن

نذكر دليلاً واحدًا يؤيد العكس، وذلك في مصر حيث تزدهر حركة عظيمة للإحياء

الديني إلى جانب حركة اقتباس الحضارة الغربية، فمجلة (الرسالة) - وهي

مظهر التقدم للفكر العربي الحديث، والثقافة العربية الحديثة - تنشر في كل عام

عددًا خاصًّا بذكرى العام الهجري الجديد، يمده زعماء الفكر - وبينهم رجال

المدرسة الجديدة - بمقالات في الموضوعات الإسلامية تظهر بوضوح روح

احترامهم لشخص النبي وللقرآن، وهكذا فالتوفيق الظاهر بين الحركة الإصلاحية

الدينية وبين النظريات القومية، هذا التوفيق الذي يكون اليوم عاملاً قويًّا في نهوض

الأقطار الإسلامية، يجب أن ينظر إليه - كما ألمحنا - كظاهرة زائلة لا تتعارض

مع النزعة إلى إحياء ديني خالص. وفي الحق أن في العالم الإسلامي اليوم جهودًا

فردية تحاول أن تنظر إلى الدين نظرًا صحيحًا، ولكن أصحاب هذه الجهود جميعًا

يدركون ضرورة الإخلاص للقرآن والحديث ، وليس هناك مسألة إصلاح ديني على

أساس مذاهب أو (كنائس) مستقلة كما كان الحال في الغرب؛ لأنه ليس في

الإسلام مكان لعقيدة (الكنيسة) هذه، إن الإسلام اليوم - وغدًا - لن يقف في وجه

التطور الإسلامي فحسب، بل سيكون هو ملهم هذا التطور، وبكلمة ثانية، فإن

الصبغة الدينية تطبع التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية كلها. إن الرابط

الديني، وهو أعمق ما يشد بين الشعوب الإسلامية على رغم الفروقات العنصرية

واللغوية، سيظل الأساس لتطور البلدان الإسلامية الاجتماعي، وهكذا تزداد

المعتقدات الدينية قوة على قوة لدى الأفراد، ولدى الأمة كمجموع.

(المحرر)

ننشر هذا المقال، وندع للكاتب رأيه الخاص في الأشخاص والحوادث التي

ورد ذكرها فيها، ولكنا نستخلص منها هذه الحقائق، التي نريد أن ينعم النظر فيها

دعاة النهوض والإصلاح.

(1)

إن المسلمين الآن قد خالفوا تعاليم الإسلام الصحيحة.

(2)

إنهم بذلك ليسوا على نهج أسلافهم.

(3)

إن طبيعة الإسلام تأبى السبات والركود، فلا يأس من الإصلاح.

(4)

إن فكرة القوميات في بلاد الإسلام - أنى كانت - رد فعل للتعصب

الأجنبي.

(5)

إن التطور في البلاد الإسلامية كان دائمًا على أساس من الدين (ولا

يكون إلا كذلك) .

(6)

إن الإتجاه الديني اليوم قوي، حتى بين من تثقفوا ثقافة أوربية بحتة.

(7)

إن الرابط الديني سيظل دائمًا هو الأساس والملهم للنهضة الحديثة.

...

...

... نقلا عن مجلة (الإيمان) البيروتية

* * *

من خطبة لمستر ماكدونالد وزير المستعمرات الإنجليزية

(إن العالم الإسلامي دخل في مرحلة جديدة، بقوته المتزايدة، وبكل ما

يتضمنه الدين الإسلامي العظيم من قوة مضافًا إلى التعاليم الحديثة، إن تطورًا

جديدًا قد طرأ على العالم الإسلامي، وهو تطور يجب أن نحسب له حسابًا دقيقًا) .

_________

ص: 49