الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد رشيد رضا
المنار منذ عشرين سنة
رجب سنة 1338 هـ
عاقبة حرب المدنية الأوربية
بقلم السيد محمد رشيد رضا
رحمه الله
كتبنا في أثناء هذه الحرب مقالات، بينا فيها أسبابها، وعللها، وحكمة الخالق
فيها، وفظائعها، وشرورها، والمقابلة بينها وبين الحروب الإسلامية، التي
امتازت بالرحمة وبجعل الحرب ضرورة تقدر بقدرها، وبتحريم القسوة والفظائع
فيها، والمقابلة والمقارنة بين الدول المتحاربة في الاستعداد والمزايا، وصرحنا فيها
بأن عاقبتها ستكون انفراد إحدى الدولتين الرئيسيتين في الحلفين الكبيرين الجرماني
والإنكليزي - وهما: ألمانية، وإنكلترة - بالسيادة والعظمة في العالم، وفاقًا لقول
الفيلسوف هربرت سبنسر الشهير للأستاذ الإمام: (إن ضعف الفضيلة، وتغلب
الأفكار المادية في أوربة سيدفعان دولها إلى حرب عامة طامة؛ ليعلم أيها الأقوى
ليسود العالم) .
ومما بيناه في بعض تلك المقالات أن ألمانية أتقنت الاستعداد للحرب إتقانًا
يمكنها من محاربة أوربة كلها، وأنها فاقت جميع الدول في السلاح والنظام، وأن
أعداءها يفوقونها بالكثرة، التي تعد من أعظم أسباب الغلبة، كما قال الشاعر
العربي:
ولست بالأكثر منهم حصا
…
وإنما العزة للكاثر
وقد كان من أمر هذه المكاثرة أن إنكلترة ألبت على ألمانية أكثر دول الأرض
في الشرق والغرب من العالمين القديم والجديد؛ وإنما كان ذلك بعلو كعبها على
الألمان وغيرهم في الدهاء السياسي، الذي هو أدق علوم البشر وأصعب أعمالهم
مركبًا وأوعرها مسلكًا، وقد قلت مرة لصاحب لي من الألمان المستشرقين كان
يحاورني وأحاوره في المقارنة بين قومه وبين الإنكليز وما بينهما من المناظرات:
(وإنني مقتنع بأنكم فقتم الإنكليز في جميع العلوم والفنون والأعمال حتى التجارة؛
إلا ما هو أهم من ذلك كله وأعظم، وهو السياسة، فإنني أرى أن الإنكليز يفوقونكم
فيها) . فقال: (صدقت) .
وقد ذكرتني هذه الكلمة التي قلتها منذ بضع سنين بكلمة في معناها قلتها منذ
بضع عشرة سنة في مجلس بدار أحد أصدقائنا بمصر مات من حاضريه لطيف باشا
سليم، وحسن باشا عاصم، وجرجي بك زيدان؛ وبقي صاحب الدار وأحد
الباشوات. قال صاحب الدار في ذلك المجلس إنه بلغه أن ألمانية عقدت مع روسية
محالفة سرية على إنكلترة، وسيترتب على هذه المحالفة إخراج الإنكليز من مصر،
ومن الهند أيضًا. فقلت له: لا تغتر بهذا الخبر فإن إنكلترة كانت ولا تزال تضرب
بعض الأمم ببعض، وتكون هي الرابحة، فهي - كما قال مسلم بن الوليد -
كالسيل يحذف جلمودًا بجملون.
إنني لم أصدق هذا الخبر في ذلك الوقت، ثم تبين في أثناء هذه الحرب مما
اكتشف من أسرار القيصرية الروسية أن له أصلاً، وأن مشروع المحالفة وضع ثم
عرض ما حال دون إتمامها، فإن كان هذا وقع بعد ذلك الزمن الذي أخبرنا فيه ذلك
المخبر به فمن الجائز أن تكون مقدماته ووسائله قد سبقته بسنين، والذي نقصده من
العبرة في هذه السياسة هو أن الإنكليز غلبوا ألمانية على روسية، فحالفوها على
الترك والفرس، ثم جعلوها باتفاقهم مع حليفتها فرنسة فدية لهما في هذه الحرب،
فكانت مصب نقمة ألمانية الحربية في ريعان قوتها، وعنفوان أسرتها، وكذلك
تعبث الأمم العليمة الحكيمة بالأمم الجاهلة الخرقاء، فتجعلها فدية لها كما فعل
الحلفاء بأمم أخرى، وكما فعل الألمان بالترك.
وقد كان أعجب مظاهر قدرة إنكلترة السياسة تسخير دولة الولايات المتحدة
الأمريكية لإنقاذها وإنقاذ حلفائها من جحيم الألمان العسكري بعد أن عجزت أوروبا
كلها ومن ظاهرها من أمم آسيا وإفريقية وأمريكا الجنوبية عن فل حدهم وإيقاف
طغيان مدهم، وهي الدولة التي جعلت من قواعد سياستها ترك مشاكل العالم القديم
لأهله وعدم مشاركتهم في شيء منه. رقتها إنكلترا رقيتين استخرجت بهما حيتها
من جحرها، وزحزحتها عن قاعدة سياستها، إحداهما دعوتها إلى إنقاذ حرية الأمم
والشعوب من السيطرة الألمانية التي تهدد العالم بالاستعباد، والثانية دهاء اليهود
ونفوذهم المالي في تلك البلاد؛ وقد وعدتهم إنكلترا بأن يكون جزاؤهم إعادة ملك
إسرائيل إلى مملكة سليمان في الأرض المقدسة بالرغم من أنوف العرب أصحاب
البلاد، ومن الملتين الإسلامية والنصرانية، وسكت لها على هذا الوعد أشد ذوي
التحمس الديني من البروتستنت والكاثوليك حتى الجزويت منهم.
وأما المسلمون فلم يصدهم ذلك عن مساعدتها على فتح البلاد المقدسة
بالجيوش التي جهزوها باسم شريف مكة سليل الرسول صلى الله عليه وسلم
وصاحب الحجاز بقيادة بعض أبنائه؛ فهل كان باستطاعة أحد من دول الأرض أن
يفعل مثل هذا أو يفكر في إمكانه؟ لا! ولكن الإنجليز فعلوا ما لم يكن يخطر في
بال بشر، فاستردوا هذه البلاد وما حولها من المسلمين الذين غلبوا قلب الأسد ملك
الإنجليز وسائر ملوك أوروبا في الحرب الصليبية بمساعدة الجيوش الإسلامية.
طوَّع المستر لويد جورج وزير إنجلترا الأكبر هذه الدولة بالرقيتين اللتين
ذكرتا، فجعلت ثروتها الكبيرة ومواردها الغزيرة وجنودها الكثيرة وقفًا على إنقاذ
الحلفاء من ألمانيا، بل هاجمت ألمانيا بقوة أكبر وأعظم من كل هذه القوى - قوة
الدعوة إلى الصلح المبني على اتفاق الأمم والشعوب على العدل العام والحرية
الشاملة لجميع الأنام، وإبطال ما جرت عليه الدول القوية في العصور الخالية من
المحالفات السرية على هضم حقوق الأمم المستضعفة، وغير ذلك من أصول الحق
والعدل التي ما زال الأقوياء يهدمونها بمعاول القوة، ومنها وجوب حرية البحار،
وجعل الإنجليز وغيرهم فيها سواء. قام الدكتور ولسن رئيس جمهورية الولايات
يحارب ألمانيا بهذه القوة الأدبية المعززة لتلك القوى الحربية والمالية ففاه بتلك
الخطب الطنانة الرنانة ووضع للصلح تلك القواعد الحذابة الخلابة، ففعلت في زمر
الاشتراكيين والعمال الألمانيين فعل السحر، ولا سيما قاعدة حرية البحار في زمني
الحرب والسلم، فخرجوا على حكومتهم السياسية، وثاروا في وجه قوتهم العسكرية
وهي في أوج انتصارها، وذروة فخارها:
أمرت أسطولها بأن يهاجم الأسطول البريطاني، فاعتصب بحارته وأبوا
الامتثال، وهدد زعماء الاشتراكيين قواد الحرب باعتصاب جميع العمال، أو
يطلب عقد الصلح على قواعد الرئيس (ولسن) العادلة؛ إذ هي أفضل من نصر
عسكري يورث الأحقاد ويورث السياسة الجائرة؛ وإنما أسست جمعياتهم وتحزبت
أحزابهم لمقاومتها، وقد سنحت لهم الفرصة فقالوا لا نضيعها، ولم يقنعهم القول بأن
هذا خداع؛ لأن الأمريكيين غير متهمين بالكيد ولا بالأطماع، فاستمهلتهم الحكومة
ريثما تسحب جيوشها وكراعها وذخائرها من قلب فرنسا فأمهلوها، وكان ما كان
من أمر طلب الهدنة واشتراط الحلفاء فيها إضعاف جميع قوى الألمان الحربية في
البر والبحر والجو؛ حتى لا يستطيعوا العود؛ فمن المنتصر؟ أميركا في الظاهر
وإنجلترا في الباطن؛ بل المنتصر إنما هم رجال السياسة الإنجليزية وحدهم فهم
الذين أقنعوا الولايات المتحدة بوجوب مؤازرة القضية المشتركة، فسقطت على يدها
ألمانيا، وساعدهم على ذلك صلف الألمان وغرورهم واحتقارهم الولايات المتحدة.
وهم الذين والوا شريف مكة فكان عاملاً قويًّا لسقوط الترك، وهم المتصدرون
لإدارة دفة سياسة العالم بعد التهميد لها واقتحام ما يقوم أمام هذه الإدارة من العقبات.
ومن ذلك إقناع الولايات المتحدة باسم خدمة الإنسانية وتأييد المدنية بالإشراف
على تركيا، والنهوض بالجمهورية الأرمنية.
ويتولون هم إدارة البلاد العربية من برقة إلى العراق فعمان ما خلا سوريا
الشمالية فإن إدارتها جعلت لفرنسا تنفيذًا لمعاهدة سايكس - بيكو من جهة وحتى لا
تؤوب فرنسا بصفقة المغبون وترضى من الغنيمة بالإياب من جهة أخرى، والبلاد
الفارسية المتصلة ببلوخستان فالهند فالتبت.
الإنكليز يحتلون سورية الجنوبية (فلسطين) ، ويعملون فيها عمل الحاكم
المطلق، ويمهدون السبيل لمهاجرة الصهيونيين إليها ليكونوا حكامًا فيها تحت
حمايتهم، ويحتلون العراق، ويعملون فيه عمل المالك بلا معارض، وقد أسسوا
للسواحل الحجازية واليمنية محافظة سموها (محافظة البحر الأحمر) وأرسلوا بعثة
إلى الإمام يحيى ولكنها أسرت قبل الوصول إليه، وأرسلوا بعثه أخرى إلى السيد
الإدريسي للاتفاق معه، وعقدوا اتفاقًا مع حكومة إيران نُشر في الجرائد فشكت منه
الصحافيون ورجال السياسة، واحتجوا بأنه مخالف لعهد (عصبة الأمم) ؛ إذ كانت
المسألة السورية معلقة بأنواط تلك الوسائل المشار إليها، كما تحدث أولئك الرجال
وتلك الجرائد بالمسألة المصرية وبما للمصريين من الحق في المطالبة باستقلالهم
وحريتهم، ولم تفتر تلك الشقشقة حتى تم الاتفاق على العود إلى تنفيذ معاهدة سنة
1916.
وقد ظهر رجحان السياسة الإنكليزية على السياسة الفرنسية في البلاد التي
كانت تظن فرنسة أن سياستها فيها أرجح لما لها فيها من الصنائع والوسائل. فقد
كان طلاب المساعدة الأمريكية فالإنجليزية من أهالي البلاد أضعاف طلاب المساعدة
الفرنسية، فلم يبق لفرنسا بد من اللجأ إلى إرضاء إنجلترا والرضا منها بتنفيذ
معاهدة سنة 1916 بمقابلة تصرفها المطلق في مصر وسائر بلاد العرب والعجم.
جرى كل ما ذكر على طريقة السياسة الأوروبية المعروفة المألوفة من
تصرف الأقوياء في الضعفاء والعلماء في الجهلاء، بعد أن ذهبت جعجعة خطب
الرئيس (ولسون) في الهواء، وهو ما كنا نتوقعه من وراء هذا النصر، وتحدث
به من كلمناه في عواقب الحرب، وخاصة إخواننا العرب المغرورين من السوريين
والعراقيين، ولا غرابة في غرور أطفال أغرار في مهد السياسة والحركة العربية
الحجازية في بدء ظهورها تكبرها في أعينهم بعض الجرائد.
فإن قال قائل: إن كتاب الله قد أثبت أن العاقبة للمتقين، وقد فسر علماؤنا
التقوى بأنها عبارة عن أداء المأمورات وترك المنهيات؛ فهل كان الإنكليز - بهذا
المعنى - هم المتقون، حتى كانت عاقبة هذه الحروب لهم بنفوذ الكلمة وعلو
المنزلة والتصرف في أرض الله الواسعة؟ نقول: إن قول الله تعالى لا ريب فيه،
وإن كلام العلماء في تفسير التقوى صحيح، ولكنه مجمل؛ فمن فهم منه أن المراد
بفعل المأمورات الوضوء والصلاة والصيام ولو على غير الوجه الذي شرعه الله
تعالى، وإن ترك المنهيات خاص بترك الخمر والزنا والسرقة وما أشبه ذلك - فهو
قصير النظر، ضعيف الفهم، التقوى أعم من ذلك، وهي تختلف باختلاف ما
تطلب فيه ما بيناه في مواضع من تفسير المنار، ونبهنا أهل العصر إلى تقصير
المفسرين وغيرهم من علمائنا في بيان ما في الكتاب والسنة من الأصول الاجتماعية
ومسائل السياسة والعمران.
فالتقوى المكررة في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا} (المائدة: 93) الآية غير التقوى في معاشرة
النساء المكررة في سورة الطلاق، وغير التقوى في قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ
صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (المائدة: 96) ، فلكل
مقام خصوصية هي المقصود الأول من المعنى العام، والتقوى في قوله تعالى:
{إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف: 128)
غير ما ذكر كله. فالأولى والثانية في أحكام الطعام والصيد؛ وهما من الأحكام
الشخصية الفردية، والثالثة في أحكام الزوجية؛ وهي منزلية (أو عائلية) ،
والرابعة في شئون الأمم والعمران؛ وهي ما يعبر عنه في عرف هذا العصر
بالاجتماعية وكلامنا فيها.
والثابت عندنا أن الإنكليز أشد الأقوام عناية باتقاء الخيبة والفشل في هذه
الأمور، والألمان كذلك، إلا أن الألمان فاقوا الإنكليز بالقوى الحربية، فلم يَدَعُوا
شيئًا من أسباب اتقاء الانكسار فيها إلا وأحكموه؛ ولذلك كانت العاقبة لهم في
المعارك الحربية، ولكنهم لم يتقنوا كالإنكليز اتقاء التنازع الداخلي، فوقعت الثورة
الاشتراكية في أمتهم، وصدق عليهم قوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ} (الأنفال: 46) ، ولم يتقنوا كالإنكليز اتقاء سخط الأمم والشعوب عليهم،
فأسخطوا الأمة الأمريكية على حين صارت أعظم الأمم ثروة، واشتدت حاجة
جميع الأمم إليها، فكان ذلك عونًا للإنكليز على تسخيرها لهم.
ولم يتقوا خروج العرب على الترك باستمالة العرب وتوثيق الرابطة بينهم
وبين الترك، وتحذيرهم من خطر انتصار الإنكليز عليهم، بل سمحوا لأوليائهم
سفهاء الأحلام من زعماء (جمعية الأحمرين) - الدم والذهب - بإرهاف العرب
والتنكيل بهم تقتيلاً وتصليبًا وتذليلاً وتغريبًا ومصادرة وتعذيبًا وهتكًا للأعراض
وإفسادًا للأخلاق، على حين كان الإنكليز يجدون في استمالة كل أمير وزعيم منهم
بما يروج عنده من ضروب الاستمالة، فمال إليهم بعض دون بعض، وكان فيمن
مال وشايعهم مشايعة فعلية أو سلبية الأمير عبد العزيز بن سعود صاحب نجد،
وبعض شيوخ عرب العراق، ووالاهم شريف مكة (الملك حسين) ، وساعدهم
على محاربة الترك بجيش مؤلف من بدو الحجاز وحضر سوريا والعراق، بقيادة
أبرع أبنائه في الغزو والقتال الأمير فيصل (ملك سوريا) ، وقد اعترفوا له ببلائه
وإخلاصه في إعانتهم على فتح القدس الشريف، وعلى إيقاع الفشل والخذلان في
جيش الترك المدافع عن سوريا حتى انهزم وتركها غنيمة باردة لهم، وصرحت
جريدة التيمس الشهيرة بأن الأمير فيصل سل حسامه في نصر الخلفاء من غير أن
يحصل على أي وعد منهم بشيء؛ ولكنه أعطى بعض الوعود بعد ما أخذ في
النجاح، وقالت إن الأمير فيصل كان يرغب في الاستقلال التام للحجاز وحده،
وأما لسائر الشعوب العربية فإنه يرغب لها في الاستقلال عن الترك فقط، وأن
تطلب كل البلاد العربية وصاية دولة واحدة عليها - وتعني دولتها إنجلترا - (ا.
هـ ملخصًا من عددها الأسبوعي، المؤرخ في 14 فبراير سنة 1919) .
بل كانت موالاة الشريف أكبر مما ذكر في فوائدها السلبية والمعنوية، ولا
محل لشرح ذلك هنا، ولو كان للألمان مثل دهائهم لسبقوهم إلى استمالة العرب -
وكانوا على ذلك أقدر -، وإذًا لاستطاعوا أن يجندوا منهم خمسمائة ألف أو ألف
جندي، ولا أبالغ إذا زدت على ذلك، ولا سيما إذا شملت هذه الاستمالة اليمن
وعسير، ووصلوا إلى شواطئ البحر الأحمر، وبحر العرب - ولم يكن ذلك
عليهم بعسير.
فإن قال ذلك القائل: فهمنا معني التقوى في السياسة والحرب، ومعنى كونها
من سنن الله - تعالى - في النجاح؛ ولكن خفي علينا ما بينت في تلك المقالات من
أن هذه الحرب انتقام إلهي عادل من الدول والشعوب الظالمة لنفسها والظالمة لغيرها،
الباغية على عباد الله، التي لم تشكر نعمة الله - تعالى - باستعمالها فيما يرضيه
من إقامة الحق والعدل، وإننا نرى ألوف الألوف من البشر تئن من سلطة تلك
الدول وحكمها، وإذا كانت مصيبة صادقة في شكواها لأنها مهضومة الحقوق
بضعفها، فلماذا كانت عاقبة الحرب استمرار عقاب الله لها بالاستذلال والحرمان من
الاستقلال، ورفع العقاب عن أولئك الباغين، وتحكيمهم في بلاد قوم آخرين؟
إن قال ذاك القائل هذا القول وأورد علينا هذا الإشكال، فإننا نرى أن الأمم
المستضعفة الظالمة لنفسها، المظلومة من قبول الأقوياء المسلطين عليها بما كان من
تفريطها، لم يمحصها ما حل بها ويرجعها إلى رشدها، وإن الدول الباغية الظالمة
قد ذاقت من الشدائد التي تعامل المستضعفين بها ولم تنب وترجع إلى ربها، وكذلك
شأن الدول والأمم التي غلبت بهذه الحرب على أمرها، فالعقاب الإلهي لكل أمة
ودولة لم ينته بهذه الحرب، ولا هي انتهت بما وضع من معاهدة الصلح مع بعض
المتقاتلين دون بعض.
وما ذكرنا من فوز بعضهم وعلو كلمته بما بيناه من سببه لا دليل على ثباته
ودوامه، وإذا طال العهد عليه بحثنا عما اقتضى ذلك من أسبابه وسنن الاجتماع
فيه، وإنما نرى هذا الفوز والفلاح يكاد يجر وراءه أسباب خسار وخذلان، أهمهما
خسران الإنجليز ذلك الصيت الحسن الذي غرسوا فسيله، وزرعوا بذوره،
وتعاهدوا زرعه بما ينميه عدة أجيال، حتى كانت الشعوب المتململة من سلبهم
استقلالها تفضلهم على غيرهم، والشعوب المتألمة من غيرهم تتمنى لو تتفيأ ظل
حكمهم، ولكن لا يزال في الشعب الإنجليزي ذي العرق الراسخ في مكارم الأخلاق
وبعد الرواية وطول الأناة وحب العدل والإنصاف رجال يرجى أن يرجحوا القوة
المعنوية على القوة المادية، ويراعوا الانقلاب الاجتماعي الجديد الذي فجرت هذه
الحرب قواه التي جمعت في عهد بعيد، كما تتفجر البراكين من الأرض بآخر نقطة
أو دفعة من الغازات المولدة للضغط.
فإذا قدر هؤلاء الرجال على مقاومة الأطماع الاستعمارية ووضعوا لدولتهم
سياسة جديدة تتفق مع مصالح مصر والهند والعرب والفرس وسائر الشعوب ببقائها
على مراعاة ما أشرنا إليه من الانقلاب الاجتماعي الأكبر، إذا قدر هؤلاء الفضلاء
العقلاء على ما ذكرنا، وتركوا لهذه الشعوب استقلالها في إدارة بلادها وسياستها،
وحالفوها على أن يكونوا هم المقدمون على جميع أمم المدنية في مساعدتها العلمية
والفنية التي تقرر استقلالها وتعمر بلادها، ورضوا من المكافأة على ذلك بالمنافع
الاقتصادية والأدبية التي تكون بالتراضي لا بالقوة الاحتلالية، فإنهم يؤسسون
لشعبهم السكسوني المجيد مجدًا طريفًا إلى مجده التليد، بحيث يرجى أن يكون خالدًا
لا يبلي ولا يبيد مما لم يرجع عن هذه الطريقة أو يحيد، وحينئذ تكون له العاقبة
المحمودة، ويسترجع أضعاف ما فقد من ثروته الهالكة من غير نفقات كبيرة،
كالنفقات التي لا يزال يتكبدها باحتلال البلاد المغلوبة. ويكون سببًا لإصلاح الكون
وعمران الأرض.
أكتب هذا بإملاء العقيدة الثابتة المؤيدة بالدلائل الاجتماعية الناهضة لا بباعث
الأغراض القومية، أو قصد الإبهامات السياسية، تاركًا تصديقه للزمان، وتفسيره
لحوادث الأيام وسنن الله في الأنام، لا مبدل لسنته ولا معقب لحكمه ولا راد
لمشيئته.
(المنار)
من تأمل هذا المقال رأى كيف أن التاريخ يعيد نفسه، وكيف أن ضعف
الفضيلة وتغلب الأفكار المادية في أوربا الآن سيدفعان - بل قد دفعا فعلاً - دولها
إلى حرب عامة طامة، ليعلم أيها الأقوى ليسود العالم كما وقع ذلك من قبل، وكيف
أن إنجلترا كانت ولا تزال تضرب بعض الأمم ببعض وتكون هي الرابحة، وكيف
أن دهاء اليهود ونفوذهم المالي يعمل عمله دائمًا وراء الستار في كل فتنة، وكيف
أن جعجعة خطب الرئيس ولسن قد ذهبت في الهواء بعد انتصار الحلفاء وجرف
السياسة الأوربية على سنتها من الاستغلال والاستبداد، وكيف أن إنجلترا لم تأخذ
بهذه النصيحة الذهبية التي أسداها إليها صاحب المنار منذ عشرين سنة ولم يوجد
فيها بعد أولئك الرجال الذين يقاومون الأطماع الاستعمارية، ويضعون لدولتهم
سياسة جديدة أساسها العدل والإنصاف.
_________
الكاتب: محمد علي بن حسين
دعوى علم الغيب
ومنابذتها لأصول الإسلام
لا ريب أنه قد جاءت آيات وأحاديث في إفراد الله - تعالى - وحده بعلم
الغيب، وهي كثيرة، ونقتصر هنا في الآيات على ما في سورة الأنعام والنمل
والجن، قال - تعالى -:{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ} (الأنعام:
59) {قُل لَاّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ} (النمل: 65)
{عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} (الجن:
26 -
27) .
ومن الأحاديث حديثي ابن عمر في البخاري، وعائشة في مسلم؛ فالذي في
البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: عنده
علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا،
وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) ، والذي في مسلم هو قول
عائشة رضي الله عنها: (ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله
الفرية) إلى أن قالت في بيان الثالثة: (ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد
أعظم على الله الفرية، والله - تعالى - يقول: {قُل لَاّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ} (النمل: 65)) .
وقد بسط ابن العربي في أحكام القرآن القول في هذه المسألة أول سورة الأنعام،
وحكم بكفر من ادعى علم واحدة من الثلاث المذكورة في كلام عائشة - رضي الله
عنها -، وحكى ابن الحجاج في حاشيته على (صغير ميارة) الاتفاق على كفر من
يقول إن الأنبياء يعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، ونقل ابن حجر في
الإعلام بقواطع الإسلام، وابن عابدين في حاشية الدر المختار، وغيرهما من
الفقهاء في المذاهب الأربعة كفر من ادعى علم الغيب.
قال الشاطبي في الموافقات، جزء 4 صحيفة 84: (وقد تعاضدت الآيات
والأخبار، وتكررت في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهو يفيد صحة العموم من تلك
الظواهر - حسب ما مر في باب العموم من هذا الكتاب -، فإذا كان كذلك خرج من
سوى الأنبياء من أن يشتركوا مع الأنبياء - صلوات الله عليهم - في العلم بالمغيبات.
قال بعض العلماء ويراد بعلم الأنبياء بالغيب ما كان عن طريق الوحي - كما لا
يخفي -، وقد ذكر ابن قتيبة مبتدعي علم الغيب للمخلوق مع الحكم بكفرهم،
فقال في رسالته الاختلاف في اللفظ غلت الرافضة في حب علي وفي علم الغيب
للأئمة من ولده، وتلك الأقاويل التي جمعت إلى الكذب، والكفر إفراط الجهل
والغباوة) . انتهي، صحيفة 47 باختصار على موضوع البحث.
قلت: وقد سرت هذه البدعة في الرافضة إلى متأخري الصوفية، وقد ظهر
شيخ جديد من الأكراد اسمه الشيخ نوري البرفكاني، أخذ يدعو الناس منذ خمسين
سنة بلسانه وبكتب ألفها إلى قواعد وأصول تتنافى مع الروايات والأحاديث،
بدعوى أنها كرامات، وسلك بذلك مسلك الغلاة من متفلسفة الصوفية؛ حيث جعلوا
دعوى علم الغيب وما هو أفظع منها من قبيل الكرامة، وجهلوا أن شرط الكرامة ألا
تصادم أساس الدين؛ ولذلك قيد النووي في بستان العارفين الكرامة بألا تؤدي إلى
رفع أصل من أصول الدين، نقله ابن علان في شرح رياض الصالحين، مجلد
7، ص 361، وهو قول أبي إسحاق الشاطبي في الموافقات؛ حيث قال: (لا
يصح أن تراع وتعتبر - أي الكرامة - إلا بشرط ألا تصدم حكمًا شرعيًّا؛ فإن ما
يصدم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًّا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال، أو
وهم من إلقاء الشيطان) . ذكره في الجزء الثاني، ص 266.
وقد كثرت الكتب التي تقرر هذه الدعاوى وتذيعها في الناس من مؤلفات
المحدثين والقدامى من غلاة الرافضة ومتفلسفة الصوفية، وعم خطرها، وزاد
شرها وضررها.
وقد تداولتها الأيدي أكثر من تداول صحيح البخاري، وعمل بها الكثير من
الناس في أكثر البلاد، على رغم ما فيها من الأحداث المبتدعة الهادمة للدين أصولاً
وفروعًا؛ فمحت آثار الإيمان من قلوب العاملين بها إلا قليلاً ممن صانه الله وحماه
وأبعده عنها؛ وذلك لغلبة الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسله.
فالله الله يا أمة الإسلام، ويا علماء الدين أن تدعوا هذه الكتب من غير إنكار،
وتحذير منها، وبيان لما فيها من الضلال البعيد، فضلاً عن أن تدافعوا عنها
وتروموا بقاءها مندمجة في كتب الدين الإسلامي الحقيقي، فإنكم والذي لا رب
غيره، إن تفعلوا ذلك لابد أن تستوجبوا مقت الله وغضبه، وأن تلاقوا الصغار
والهوان في هذه الدار وتلك الدار، فنحن نطالب كافة العلماء أن يقوموا بما أوجب
الله عليهم من إنكار تلك الكتب ونحوها من كل كتاب فيه مصادمة لكتاب الله في
دعوى علم الغيب لغير الله وأنبيائه، ونحو ذلك من الأمور المبتدعة التي هدموا بها
عماد الدين وقوامه.
فإذا فعلوا ذلك، ونصروا الله ودينه، واغتاروا الله ولأنبيائه مما وقع في تلك
الكتب من الإلحاد العظيم رجوا حينئذ نصر الله لهم، قال - تعالى -: {وَأَوْفُوا
بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (البقرة: 40)، وقال سبحانه وتعالى: {إِن
تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} (محمد: 7) ، فإما أنهم يرجون النصر من غير نصر الله
والغيرة على دينه، بل بمجرد المحافظة على الوحدة والوفاق بما يوجب خذلان الله،
ومقته، وتسليطه الأعداء على المسلمين، فذلك غرور وأماني باطلة؛ لأن الله -
تعالى - قد علق نصره بنصر العباد لدينه وأكد ذلك في غير ما آية، ومعلوم أن ما
ربط الله به حصول المسببات عند تعاطي أسبابها لا يمكن تخلفها، فضلاً عن أن
يوجد عكسها، وهو أن ينصر سبحانه وتعالى من يخذل دينه؛ فإن مفهوم مخالفة
آية {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} (محمد: 7) إلا تنصروه لا ينصركم، وقد
أشار إلى هذا المفهوم منطوق آية {وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} (آل عمران: 160) .
وهذه الآية تدل على أن ما عدا نصر الله لا يكون سببًا لنصره هو سبحانه
لعباده، وعلينا أن نتأمل في حالة النبي صلى الله عليه وسلم في أول مبعثه وما
شجر بينه وبين قومه من الحروب والخلاف لأجل إقامة الدين وإزاحة البدع،
وكيف جعل الله عاقبة ذلك النصر المبين، ثم من بعد ذلك لما حدث هجر العمل بما
كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد لإعلاء كلمة الدين، كيف أن
المسلمين من ذلك الحين لازالوا في انحطاط ورجوع إلى الوراء؛ وما ذلك إلا لأنهم
وضعوا أسبابًا اخترعوها من قبل أنفسهم، وهي أن الوفاق وترك الجهاد وعدم إقامة
أحكام الدين واستبدالها بالقانون الوضعي، كل ذلك يوجب لهم الراحة والاتحاد
والوفاق وعدم الاضطراب، وهب أن ذلك يحصل لهم الراحة ونحوها مدة من
الزمان استدراجًا ومكرًا في حياتهم الدنيا، فأني لهم الملخص والنجاة من يوم يجعل
الولدان شيبًا.
هذا ما رأيت إبداءه لإخواني المسلمين؛ لما رأيته من كثرة تطلبهم للوحدة
والوفاق، ونفرتهم عما يوجب التفرق والشقاق ولو بإنكار أعظم المنكرات التي
يترتب على إنكارها نصر الله نصرًا عزيزًا؛ وما ذلك إلا من عدم تمسكهم بالكتاب
العزيز مشيًا منهم مع مبادئ النظر، وعدم التفاتهم إلى وعد الله عباده المؤمنين،
فإن كنت غالطا فيما أبديته نصيحة لعامة المسلمين، فالمرجو من الإخوان إرجاعي
إلى الصواب، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، والسلام عليكم -
أيها المسلمون - ورحمة الله وبركاته.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
محمد علي بن حسين
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... العراق
_________
الكاتب: علي بن أبي طالب
وصف الدنيا
وأحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة، وليست بدار نجعة، قد تزينت بغرورها،
غرت بزينتها، هانت على ربها. فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرها، وحياتها
بموتها. وحلوها بمرها، لم يصفها الله تعالى لأوليائه، ولم يضن بها على أعدائه،
خيرها زهيد، وشرها عتيد، وجمعها ينفذ، وملكها يسلب. وعامرها يخرب،
فما خير دار تنقض نقض البناء وعمر يفنى فيها فناء الزاد، ومدة تنقطع انقطاع
السير؟ اجعلوا ما افترض الله عليكم من طلبكم، واسألوه من أداء حقه ما سألكم،
وأسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعي بكم. إن الزاهدين في الدنيا تبكي
قلوبهم وإن ضحكوا، ويشتد حزنهم وإن فرحوا.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... الإمام علي
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... في نهج البلاغة
_________
الكاتب: عبد الحفيظ أبو السعود
الشيخ محمد عبده
(1)
الآن تعود (المنار) إلى الميدان بعد ما اختار الله مؤسسها السيد رشيد رضا
إلى جواره في عنفوان جهاده، وفورة نتاجه - مع ما كان عليه من كبر السن وتقدم
العمر - أحوج من نكون إليه في عصر اختلفت فيه المقاييس، وقلبت فيه الأوضاع -
تعود قوية نشيطة، تزخر بالحياة، وتنبض بالحرارة، وتتدفق حيوية، وتفيض
إيمانًا، على أيدي فتية الشباب من خيرة المسلمين متبعي السلف الصالح، قد وهبوا
الله أنفسهم وأرواحهم خالصة لوجهه، مستبسلين في ميدان الجهاد، غير هيابين ولا
وجلين، مولين وجوههم شطر كتابه العزيز، يذيعون تعاليمه ودعوته، دعوة
القرآن الكريم، دعوة القوة والمجد والعز الإسلامي الذي لا يعرف الذل، ولا يلتقي
والخور في قرن. وينتشرون قواعده التي عرفها الناس صالحة نافعة، وأسسه التي
جربها العالم، وعرف أن فيها سعادته التي لا تعرف الشقاء، وهناءته التي لا
يشوبها الآلم.
أجل، تعود (المنار) إلى الميدان جادة لتواصل السعي، وتداوم الجهاد
والكفاح الذي من أجله أنشئت، وفي سبيله عملت، وتحقق الغرض الذي طالما
استشرف إليه المخلصون المؤمنون، حتى كانت مثلاً أعلى في الدفاع عن بيضة
الدين، والذود عن حياته، وفي أسلوب يساير المدنية ولا يتعارض والعلم، ولا
يضعف بجانبه فينزل على تعاليمه ونظرياته الدائمة التحول والتبديل والاضطراب،
بل يجعل من نظرياته وآثار حضارته دليلاً على حكمة الله من خلق السموات
والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس لو تفكروا وتحررت منهم العقول!
تعود لترفع الراية وتحمل اللواء وتتقدم الصفوف، حيث التضحية التي لا
تعرف جبنًا، والشجاعة التي لا تقل من صلابتها في الحق شدة، ولا يضعف من
عزمها كارثة مهما تأزمت حلقاتها.
وأعتقد أنه من الوفاء لرجل كان له أكبر نصيب في تأسيس (المنار) ، وهو
الإمام الشيخ محمد عبده أن نخصه ببضع مقالات، نتناول فيها بالتحليل شخصيته
مع بعض النواحي التي تعني قراء المنار، ونتبع دعوته بالنظر الدقيق؛ لننظر
كيف أثرت هذه الدعوة في العالم الإسلامي، وكيف هزت صلد القلوب فألانتها،
وغزت جامد الأفئدة فحركتها، وطرقت مقفل الآذان ففتحتها، وكيف وقف التاريخ
يسجل لهذا الرجل في إنصاف وإعجاب.
وإليك من تاريخ الإمام ما يحدثك عن نشأة المنار:
جاء السيد رشيد رضا إلى مصر وقد وضع نصب عينيه صحبة الإمام، ثم
إنشاء صحيفة إصلاحية ينشر فيها حكمته وخبرته، فوصل إلى الإسكندرية مساء
الجمعة 8 رجب 1315 هـ، فأقام فيها أيامًا، ثم انتقل منها إلى طنطا،
فالمنصورة، فدمياط، ثم عاد إلى طنطا، ومنها إلى القاهرة قبل الظهر من يوم 23
رجب، وفي ضحوة اليوم الثاني ذهب إلى زيارة الأستاذ الشيخ محمد عبده في داره
بالناصرية، واستشار السيد أستاذه في إنشاء الصحيفة التي يريدها، وشاوره في
تسميتها، وذكر له اسم (المنار) مع أسماء أخرى، فاختار الأستاذ الإمام اسم
(المنار) ، ثم شرع السيد في تحريره، وكتب فاتحة العدد الأول بالقلم الرصاص في
جامع الإسماعيلي المجاور لدار الأستاذ بالناصرية، وكان ذلك في منتصف شوال
1315 هـ وذهب بها إلى داره وعرضها عليه؛ فأعجب بها كل الإعجاب،
ورضي كل ما ذكر فيها من المقاصد والأغراض إلا كلمة واحدة هي تعريف الأمة
بحق الإمام وتعريف الإمام بحق الأمة. قال ما معناه: (إن المسلمين ليس لهم اليوم
إمام إلا القرآن، وإن الكلام في الإمامة مثار فتنة يخشى ضرره، ولا يرجى نفعه
الآن) ، فحذف السيد هذه الكلمة عن رأي أستاذه وإشارته.
فهذا الرجل الذي عرف قيمة جهاده الخاص والعام، وسادت آراؤه بعد محاربة،
وفشت نظرياته بعد مدافعة وإنكار، وطعن في دينه وإيمانه ويقينه، وحورب في
غير هوادة، وتسمم الجو حوله؛ حتى سرت كراهيته في النفوس بفضل ما كان
يذاع عنه ويلفق ضده. وإليك الأستاذ الشيخ مصطفي عبد الرازق يحدثك عن
صورة من هذه الكراهية في مقدمته لكتاب (الإسلام والتجديد في مصر) :
(وفي بعض سنوات الحرب شهدت الجامعة المصرية قبل ضمها إلى وزارة
المعارف حفلة جمعت جمهرة من شباب العلم وخطب فيها طائفة من كبار الأدباء
وكبار الأساتذة.
وكان يجري على ألسنة الخطباء ذكر أئمة النهضة الحديثة في مصر في
فروعها المختلفة من سياسية واجتماعية وعلمية؛ فتهتف الجموع، ويبلغ حماس
الشباب أقصاه، حتى إذا جرى ذكر الشيخ محمد عبده خفت هنالك صوت الشباب،
وفترت حدة الهاتفين.
انصرفت يومئذ حسيرًا محزونًا، أكاد أتهم بقلة الوفاء بلدًا ينسى فيه فضل
الشيخ محمد عبده بعد سنين؛ لكن عتبى على شبابنا كان ممزوجًا برحمة؛ لأنهم لم
يعرفوا من أمر الرجل شيئًا يغريهم بأن يحبوه ويقدروه حق قدره.
ولعل قصارى ما كان يعرف طلاب العلم في ذلك العهد في أمر الإمام أنه كان
شيخًا مكروهًا هو وآراؤه من الشيوخ، كما يكره الشيوخ المنار وصاحب المنار
تلميذ الإمام) .
وأكتفي بهذه الصورة الآن؛ لأن بسط هذا العنصر له مكانه في الكلمات
المقبلة - إن شاء الله - وكل ما أريد أن أخلص إليه أننا في حاجة قصوى إلى
دراسة هؤلاء الذين استشهدوا في ميادين الجهاد، وراحوا ضحية بريئة لشهوات
متضاربة وأغراض متناحرة، تفتك بالأمم، وتقوض الشعوب.
ومحمد عبده عَلَم من أعلام هؤلاء المجاهدين؛ فجدير بنا أن نعني بآثاره،
وأن نعرف قراء (المنار) حقيقة هذا الرجل؛ حتى يغيروا تلك الصور القديمة عنه،
ويأخذوا عنه صورة صحيحة واضحة المعالم، بينة التقاطيع، صورة أعاهد الله
ألا يكون للشهوة فيها إصبع، ولا لحظ النفس منها نصيب، وستكون صورة هذا
الرجل أول صورة من صور كثيرة اعتزمت بمشيئة الله رسمها على صفحات
(المنار) في عهده الجديد، وكل غايتي من هذه التراجم الإسلامية إنما هي القدوة
الحسنة، وترسم خطى العاملين الذين لم يألوا جهدا في سبيل الدعوة إلى الله ورفعة
دينه وإعلاء كلمته؛ ليجد النشء غذاءه النافع. جعل الله عملنا خالصًا لوجهه، إنه
سميع مجيب.
(يتبع)
…
...
…
...
…
...
…
... عبد الحفيظ أبو السعود
_________
الكاتب: علي بن أبي طالب
من كلام الإمام
علي رضي الله عنه
لو تعلمون ما أعلم مما طوي عنكم غيبه، إذًا لخرجتم إلى الصعدات تبكون
على أعمالكم، وتلتدمون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها، ولا خالف
عليها، ولهعت كل امرئ نفسه لا يلتفت إلى غيرها؛ ولكنكم نسيتم ما ذكرتم،
وأمنتم ما حذرتم؛ فتاه عنكم رأيكم، وتشتت عليكم أمركم.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... نهج البلاغة
_________
الكاتب: حسن البنا
انتقاد المنار
حول فتوى آيات الصفات وأحاديثها
جاءنا من حضرة الفاضل صاحب التوقيع الخطاب التالي، ننشره مع رده فيما
يلي:
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ حسن البنا رئيس تحرير مجلة المنار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فإن احتجاب المنار بموت صاحبه -
عليه رحمة الله تعالى - كان من دواعي أسف المسلمين جميعًا، بل حزنهم
العميق، ولم يكن ذلك طبعًا لأنها مجلة إسلامية فقط، بل كان ذلك لما علمه قراء
المنار من الميل مع الحق أينما كان، وعدم المبالاة بكائن من كان في سبيل كلمة
الحق وبيانها وإيضاحها، ولا أظنك تجهل مواقف صاحب المنار - عليه رحمة الله -
مع كثير من أخص أصدقائه؛ فإنه لم يكن يعرف إلا الحق ولو أغضب الحق
صديقه أو جميع الناس، ولم نعهد فيه - رحمة الله عليه - مداهنة ولا محاباة،
وبذلك كان للمنار وصاحبه تلك المنزلة التي تعرفونها في نفوس جميع أهل الملة
المحمدية. فإذا كنتم تريدون السير بالمنار سيرته هذه فلا شك أنها - إن شاء الله
تعالى - ستحيي حياتها الأولى، وإلا فاسم المنار وحده لا يغني شيئًا.
لقد استفتاكم مستفت فيما شجر من الخلاف بين مجلتي الهدي النبوي والإسلام،
فماذا افتيتم؟ إن رأي المنار في موضوع الخلاف بين المجلتين معروف مسطور
في أعداد المنار السابقة، فهل نفهم من فتواكم هذه أن المنار يتنكر لماضيه، وينسى
برنامجه؟ لقد قلتم يا سيدي الأستاذ إن كلتا المجلتين على الحق! ! ! ولا يعقل فيما
نعلم أن يختلف اثنان على أمر واحد ينفيه أحدهما ويثبته الآخر ثم يقال أنهما جميعًا
على الحق! لا، ليس هذا شأن المنار الذي عرفناه وبكيناه لما احتجب. نرجو أن
تصارحونا بالحق في أي الجانبين هو كما عودنا صاحب المنار، إن كنتم تنصرون
الحق لله وفي سبيل الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
قارئ
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه ومن والاه،
وبعد، فعلى حضرة القارئ المحترم السلام ورحمة الله عليكم وبركاته، وكنت
أود أن يتكرم بإظهار اسمه حتى نتعارف في سبيل البحث عن الحقيقة، ولعله -
وفقنا الله وإياه - رأى في ستر اسمه معاونة على خدمة الحق للحق، بدون نظر إلى
الصلات الخاصة بين المتباحثين، فنحن نحسن الظن، ونشكر للأخ الفاضل خطابه،
مؤكدين دعوتنا الأولى بجميع إخواننا في انتقاد ما يرونه مستحقًّا للانتقاد في المنار؛
حتى تتعاون الجهود على الوصول للحقيقة، ويسرنا أن نعلن أننا ننتهز مثل هذه
الفرصة لنسلك بالنقد الأدبي مسلكًا نبيلاً لا هجر فيه، ولا إقذاف، ولا تجهيل، ولا
تضليل؛ ولتكمل به أنفسنا، فإن الكمال لله وحده والعصمة لأنبيائه - صلوات الله
وسلامه عليهم - ومن ادعى لنفسه الكمال أو ظن بها ذلك فهذا عين النقص، ونسأل
الله ألا يحرمنا من يبصرنا بعيوبنا، ويحملنا على الصواب والسداد، وإلى الكاتب
وإلى حضرات القراء الفضلاء رأينا فيما ورد في هذا الخطاب:
(1)
نسب إلينا الأستاذ الكاتب أننا صرحنا بأن كلتا المجلتين على حق،
وبني على هذا أنه من غير المعقول أن يختلف اثنان على أمر واحد ينفيه أحدهما
ويثبته الآخر، ثم يقال أنهما جميعًا على الحق؛ وحضرته لهذا يرجو أن نصارح
بالحق في أي الجهتين هو؟
ولا أدري من أين جاء حضرته بهذا التصريح الذي نسبه إلينا، إن كان قد
جاء به من تصريحنا بأن الفريقين في نظرنا أصدقاء لنا وممن يتصدون للدعوة إلى
الخير، فليس معني هذا تصويب رأي أحد منهما ولا كليهما في موضوع نزاع بعينه،
والذي صرحنا به في موضوع الخلاف أن كلا الفريقين غير محق، وأن موضوع
الخلاف من أساسه لا يصح أن يكون خلافًا، وليس بلازم أن يكون كل مختلفين
أحدهما محق والآخر مبطل، بل قد يكونان مخطئين جميعًا هو ما صرحنا به
بوضوح، فإن فريقًا تغالى في التأويل، وفريقًا تغالى في الجمود، ورأى السلف في
ذلك - وهو رأي المنار الذي يشير إليه حضرة الكاتب، وهو رأينا الذي أوضحناه
في مقالنا - أن مذهب السلف ترك الخوض في هذه المعاني، مع اعتقاد تنزيه الله-
تبارك وتعالى عن أمثالها المنسوبة لخلقه وإمرارها كما جاءت، وتفيوض علم
حقائقها إلى الله، فمن فسر الاستواء بالاستيلاء فقد تورط في التأويل، وألزم نفسه
غير ما ألزمه الله به، ومن فسره بالاستقرار فقد تورط في التشبيه، وأوهم سامعه
جواز نسبة صفات المخلوفين إلى الخالق.
فإن قال (هو استقرار يليق بجلاله) فهو إذن لم يأتِ بشيء، والأولى أن
يقف عند النص، والحق في هذا وأمثاله أن يقال استوى استواء يليق بجلاله، مع
اعتقادهم عدم المشابهة، وتفويض الحقيقة إلى الله، إلا أن تقوم قرينة لا تدفع
تصرف اللفظ عن ظاهره، فنقف عند حدود هذا الصرف ولا نتجاوزه كما ذهب
إليه السلف في معية الحق تبارك وتعالى بعلمه لا بذاته. تلك أمور فصلناها
وقررناها، ولمنا الفريقين على أنهما طرقا بحوثًا كهذه بمثل الأسلوب الذي خاضوا
به، فبها وبذلك حققنا رجاء الكاتب، وصارحناه بأن الحق ليس في أحد الجانبين،
فأين القصور إذن؟
(2)
هذا من حيث موضوع النزاع ورأي المنار فيه بالذات، وأظن أن فيما
نقلنا في باب التفسير في هذه المعاني كفاية، ومن أراد الاستزادة زدناه؛ حتى يعلم
أن المنار لا يتنكر لماضيه في الحق، ولا ينسى برنامجه من الصدع به، ولا
يناقض نفسه في الصواب، وبقي بعد هذا أن نذكر حضرة الكاتب بعض ما فاته
معرفته من برنامج المنار الذي سارت عليه في ماضيها ونريد أن نسير بها عليه في
حاضرها:
صرح صاحب المنار بقاعدة، وأسماها قاعدة المنار الذهبية، فقال: (نتعاون
فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) ، فمواطن الخلاف يا سيدي
يقدم فيها العذر على التجريح وسوء الظن، وذلك ما سنسير عليه - إن شاء الله -.
وقد قضى صاحب المنار حياته وهو يصدع بالتحرر من الجمود، وينعى على
أهل التقليد الأعمى الذين يقدمون أقوال الناس التي لم يقم عليها دليل على الأدلة
الواضحة بغير برهان بين أيديهم، إلا أن هذا قول فلان وفلان، فهل يريدنا حضرة
الكاتب على هذا التقليد الذي نعاه صاحب المنار على أهله؟ أم يريدنا متبعين للدليل
والحق، ندور معه كيفما دار وإن خالفنا صاحب المنار؟ وأظن أن حضرة الكاتب
يذكر أن الشافعي كان من خلصاء تلاميذ مالك رضي الله عنهما وكلاهما في
جلالة قدره ورسوخه في علمه وتقواه لله بالمنزلة التي لا تتسامى إليها القوادح،
ومع هذا فلم يمنع هذا الشافعي أن يخالف مالكًا، وأن يكون له رأيه ومذهبه.
فنحن مع المنار وصاحبه - عليه رحمة الله ورضوانه - في الأصول
الأساسية التي لا خلاف فيها في منهاج الإصلاح العام وخطته، وفيما وضح الحق
فيه واستبان وجه عليه الدليل في الشئون التي فيها مجال للتفكير والنظر، ولا
يمنعنا هذا من أن نخالف صاحب المنار رحمه الله في الأمور التي لم يقم عليها
الدليل أن ينبهنا لما فاتنا، والله الموفق للصواب.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... حسن البنا
_________
الكاتب: حسن البنا
موقف العالم الإسلامي السياسي
انتهت حرب الكلام بين الدول الأوربية المتناحرة، وتغيرت الأوضاع الدولية
في أوروبا؛ فأخفق اتفاق إنجلترا وفرنسا مع روسيا، وحل محله ميثاق روسي
ألماني، وكانت مفاجأة غير منتظرة وأمر أدهش له العالم أن يتفق الهر هتلر - وهو
الذي بنى دعوته الأولى على مكافحة الشيوعية الروسية، وانطوى لها على أشد
حالات الخصومة والبغض - مع زعماء هذه الشيوعية التي ندد بها ونال منها؛
ولكن القوم في أوروبا لا يعرفون إلا المصلحة المادية، وسرعان ما ينسون المبادئ
والعقائد والأفكار مهما كانت سامية نبيلة، وتبع ذلك أن تشددت عزيمة ألمانيا
فأقدمت على غزو بولونيا واجتياحها بالقوة المسلحة، وردت إنجلترا وفرنسا على
ذلك بإعلان الحرب على ألمانيا، وسوق الجيوش إلى الميدان الغربي، حيث
رابطت أمام خط سيجفريد الألماني، وكانت مفاجأة أخرى أن تقدمت روسيا
بجيوشها تجتاح القسم المجاور لها من الأرض البولونية، وبذلك تم للجيوش
الألمانية والروسية أن تقضي على استقلال بولونيا، وتتوزع فيما بينها أرضها،
وتضطر حكومتها إلى الفرار حيث تألفت في باريس من جديد، ومهما كان من
حلاف بين الروس والألمان على خط الحدود فإن الأمر الواقع الآن أن بولونيا قد
قسمت مرة أخرى بين روسيا وألمانيا.
والذي نحب أن نلفت إليه أنظار الشعوب الإسلامية أن بولونيا تضم ستين ألفًا
من المسلمين، غالبيتهم في أنحاء فيلنو ونوجرديك، وقد أقاموا في بولونيا منذ
القرن الخامس عشر الميلادي، وكانت الجمهورية البولندية تسمح لهم بإقامة شعائر
دينهم بتمام الحرية، فأخلصوا لها كل الإخلاص، وحاربوا في صفوفها واشترك
عدد كبير من ضباطهم - وهم معروفون بالشجاعة والإقدام شأن المسلم المجاهد -
في الحرب الأخيرة، ودافعوا كثيرًا عن المدينة المعدودة مركز الإسلام في بولندا،
وفيها يقيم المفتي الحاج الدكتور يعقوب سليمان شينكيفتش.
والآن وقد صار هذا القسم تحت حكم البلشفية الروسية، فهل تدع حكومة
السوفيات المسلمين فيه يتمتعون بشعائر دينهم وحريتهم كما كانوا في عهد الحكومة
البولونية؟ أم أنهم سيعملون على بلشفتهم ويحاربونهم في عقائدهم ويهدمون ما بقي
لهم من مساجد ومعابد، كما فعلوا بهم ذلك من قبل حين اقتسمت روسيا وألمانيا
بولندا في أواخر القرن الثامن عشر؟ من واجب الحكومات الإسلامية - وبخاصة
الحكومة التركية التي هي على صلة بالروس، والتي هي أقرب حكومات المسلمين
إلى بولندا - أن تتحرى ذلك، وأن تعمل على حماية هذه الجالية الإسلامية الشديدة
المتمسكة بدينها القديم، ولا ندري هل تصغي حكومة تركيا إلى هذا النداء، أم
تعتبره شأنًا إسلاميًّا خاصًّا يتنافى مع ما اختارته لنفسها من أن تكون حكومة (لا
دينية) ؟
كان اجتياح بولندا سببًا في تخوف دول البلقان، وفي تردد تركيا بين
المعسكرين المتخاصمين محور موسكو برلين تارة، ومحور فرنسا وإنجلترا تارة
أخرى، ووقفت إيطاليا موقف المترقب المنتظر، ولم تحدد موقفها تحديدًا صريحًا
بعد، وأخذت اليابان ترقب هي الأخرى مجرى الحوادث، وأعلنت أمريكا سخطها
على عمل ألمانيا، ولم تعترف بالحالة الواقعة في بولندا الآن، واعتبرت الحكومة
البولونية القائمة في فرنسا حكومة شرعية، واعترفت بها، وارتفعت صيحات
بوجوب الصلح ووضع الحسام والاتفاق على ما يريح العالم من عناء الحرب، ولا
ندرى ماذا ستلقاه هذه الدعوة من الإصغاء، وما سيكون لها من النجاح - وإن كان
أغلب الظن أن هذه النفوس الظمأى الداوية بالأطماع والأهواء سوف لا يرويها إلا
الدم المتفجر من البشرية الذبيحة.
ذلك هو الموقف الدولي عامة، فما موقف العالم الإسلامي خاصة؟ ! لقد قدمنا
أن العالم الإسلامي قضت عليه ظروف وأوضاع ان يرتبط بالدول التي تسمي نفسها
ديمقراطية وهي إنجلترا وفرنسا ارتباطًا وثيقًا، وأن تشتبك مصالحه بمصالحها
اشتباكًا قويًّا، وقد برهنت الحكومات والشعوب الإسلامية من جانبها أنها وفية لهذه
المصالح، مقدرة للموقف تمام التقدير، منزهة عن العبث والكيد الرخيص
والاستغلال الذي لا يتفق مع الشرف الدولي والنزاهة النبيلة، وأخذت الحكومات
المتعاهدة مع إنجلترا كمصر والعراق تنفذ تعهداتها بكل إخلاص.
ومع هذا كله فإلى الآن لم تقدم الدول الديمقراطية دليلاً واحدًا على تقديرها لهذا
الموقف النبيل من الشعوب الإسلامية، واكتفت بأن تتناولها ببعض كلمات المديح
والإطراء في الخطب والمقالات التي لا تقدم ولا تؤخر، فسوريا الجنوبية (فلسطين)
لا تزال قضيتها حيث هي، لم يؤثر فيها تصريح المفتي الأكبر بالثناء على فرنسا،
ولا كتابه للحاكم البريطاني، ولا تصريح المجاهدين أنفسهم بأنهم لن يطعنوا
إنجلترا من الخلف، ولن يستغلوا اشتغالها بالحرب الأوربية في الاتفاق مع
خصوصها أو التقرب إليهم، وكان أقل مقتضيات رد الجميل في مثل هذا الموقف
أن تأمر الحكومة الإنجليزية حالاً بالإفراج عن المعتقلين، والتصريح بالعودة
للمبعدين، والعفو الشامل عن المسجونين، وإعادة النظر في سياستها بالنسبة
للحقوق العربية الواضحة.
وسوريا الشمالية لا يزال الأمر فيها على ما كان عليه، ولم تظفر إلى الآن
من فرنسا حتى بوعد منها أنها ستعود إلى الإنصاف والعدل، بل حوكم كثير من
رجالاتها، وحكم عليهم بأحكام قاسية شديدة تقبلوها راضين هادئين.
وسوريا الوسطى (لبنان) تغير فيها نظام الحكم تغيرًا تامًّا ولو إلي حين كما
يقول المندوب الفرنسي، وأوقف دستورها، وحكمت حكمًا أجنبيًّا مباشرًا أو ما
يقرب منه.
وكان من واجب الدول الديمقراطية أن تنتهز هذه الفرصة فتعدل سياستها مع
هذا القطر الشقيق وبخاصة فرنسا التي شهدت أن أول دم أهدر على أرضها وللدفاع
عن حدودها أمام خط ماجينو إنما كان دم المسلمين العرب من المغاربة الجزائريين
والسنغاليين.
إن شعوب العالم الإسلامي قسمان، قسم تحت سلطان الحكم الأجنبي المباشر،
وهذا لا يملك أمر نفسه ولا يستطيع أن يختط لنفسه طريقًا خاصة، فهو تحت رحمة
الأقدار، ونسأل الله أن يتداركه بلطفه ورحمته.
وقسم قد تحرر ولو بعض الحرية، فمن واجبه في هذه الظروف العصبية -
حكومات وشعوبًا - أن يكون دائم اليقظة والتنبه للحوادث والمفآجات، فلا يتورط
في خطوات وخصومات هو في غنًى عنها ولا تعود عليه بشيء، وليلتزم الحدود
التي رسمتها له الاتفاقات والمعاهدات، وعليه أن ينتهز هذه الفرصة للإسراع في
إعداد العدة وتقوية نفسه تقوية تنفعه في المستقبل وتحفظ عليه كيانه واستقلاله بعد
أن تضع الحرب أوزارها، وعليه كذلك أن يكون مطمئنًا هادئًا، فإننا إن لم نستفد
من هذه الحرب القائمة فلن نخسر فيها أكثر مما يخسر غيرنا، والصلح خير لنا،
والحرب ليست بضارة بنا {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} (البقرة:
216) .
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... حسن البنا
_________
الكاتب: حسن البنا
تعليق
تحدث إلينا الأخ المفضال السيد عبد الرحمن عاصم وكيل المنار السابق ببعض
ملاحظات حول العدد الماضي وقد ضاق عنها فكان هذا العدد، وسنتحدث عنها في
العدد القادم - إن شاء الله.
_________
الكاتب: عبد الرحمن عاصم
السيد محمد رشيد رضا
بقلم وكيله وابن عمه السيد عبد الرحمن عاصم
ولد السيد محمد رشيد رضا في 27 من جمادى الأولى سنة 1282، وتوفي
في 23 من جمادى الأولى سنة 1354.
وتربى تربية عالية، لم تتحكم في نفسه عادة من العادات السيئة المضرة
كالتدخين وإدمان شرب القهوة والشاي، وَأَخَذَ أَخْذَ الإمام الغزالي بكتابه الإحياء من
أول بدئه بطلب العلم.
وراض نفسه عليه، واتخذ له خلوة بالغرقة المشرفة على البحر من جامع جده
في قرية القلمون لدرس العلوم، والتعبد بالصلاة بتدبر القرآن الحكيم.
وتصدى من ذلك الحين للوعظ والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، فالسيد
رشيد طلب العلم بالإخلاص وتوجيه الإرادة ليكمل به نفسه، ويؤهلها للإصلاح
الديني الاجتماعي، فكان من أشجع دعاة الإصلاح وأشدهم جرأة في مواطن الحق
على الحكام والعلماء، غير هياب ولا وجن، ولولا أنه كان راسخًا في إيمانه،
واثقًا بصحة علمه، ومخلصًا في وعظه وإرشاده لما تجرأ على نقد حكام الدولة
العلية في العصر الحميدي والاتحادي، وقد أصابه أذى كثير منهم في والده وأسرته
من بعد ما عرضوا عليه أوفى وأحسن ما تصبوا إليه نفوس طلاب الدنيا من رتب
ومناصب وغيرها؛ ليسكت عنهم ويسخر قلمه في خدمتهم.
هذا ولم يتهيب بريطانيا العظمى وطعن في تعسفها في حكم قومه وأهل ملته،
وألبهم على مخالفتها بوسائل مختلفة، وحذرهم من مصادقتها لأنها خداعة مكارة
وهو مقيم في مصر تحت سلطانها.
ومن الأدلة على ذلك خطبته المشهورة أمام المرحوم أبي الثورة العربية الملك
حسين في جموع (منى) ، سأذكر خبرها، وخطبته في دار وجيه من وجهاء
(بيروت) في القاهرة في حفلة جمعت رجال السياسة العربية من أقطارها تحت ستار
الترحيب بضباط عراقيين وسوريين قدموا إلى مصر؛ ليتقابل المجتمعون ويروجوا
اتفاق سايكس بيكو على تقسيم بلاد العرب فيما بينهم؛ ولكن السيد رشيد عارض
ذلك معارضة عنيفة حملت مستر كلايتن باشا فيما بعد - وكان كالحاكم بأمره بمصر-
على معاتبة السيد رشيد على قوله في الإنجليز، ومما أجابه به السيد: (هل من
العدل أن تمنع أمة ضعيفة من الدفاع عن نفسها إذا اعتدت عليها أمة قوية، كفوا
عن الهجوم علينا لنكف عن الدفاع عن أنفسنا) .
وكم حاول سمو الخديو السابق أن يفرق بين السيد رشيد والأستاذ الإمام الشيخ
محمد عبده بالترغيب والترهيب لهذه مرة ولذاك مرة، ولم تنجح محاولاته عندهما،
وكان جواب الأستاذ الإمام لبطرس باشا غالي الموفد من الخديو: (أحب أن تعلم
ويعلم الخديو أنني أفضل أن أعيش أنا والسيد رشيد ههنا في رمل عين شمس على
البقاء في منصب الإفتاء وعضوية مجلس إدارة الأزهر؛ لأن هذا الرجل متحد معي
في العقيدة والفكر والرأي والخلق والعمل) ، وأجاب الأستاذ الإمام أيضا فضيلة
المرحوم الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر على رسالته من الخديو: (كيف أرضى
بإبعاد صاحب المنار وهو ترجمان أفكاري) .
ومن كلام السيد رشيد للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، جوابًا عن رسالته
الخديوية: (ولكن لي غرضًا من تعظيم قدر (الشيخ محمد عبده) وتفضيله هو
فوق فائدة انتشار المنار بكثير، وهو أن الإصلاح الإسلامي الذي أدعو إليه لا
ينهض إلا بزعيم تثق به الأمة، ولا أعرف أحدًا أجدر منه أو يساويه في استحقاق
هذه الزعامة) ، ولما لم تلن قناة السيد لسمو الخديو، أراد إخراجه من مصر، وبلغ
ذلك رياض باشا الشهير، وخاطب السيد في هذا الشأن بقوله: (هل تغير شيئًا من
خطة المنار؟) . قال السيد: (حاشا لله، ما كنت لأغير عملي النابع لعقيدتي
وخلقي، وكل فضيلة لمصر عندي أنني أستطيع فيها خدمة ملتي وأمتي بما أعتقد
أنه الحق النافع، فإذا زالت هذه الحرية منها فلا يحزني الخروج منها وأنا لا أملك
فيها شيئاً) . قال الباشا للسيد: (كده أريدك) .
هذا وقد ألف السيد كتابًا في نقد بعض أكابر علماء الأزهر سماه المنار
والأزهر، والمال والرتب والوظائف عند الشيخ أبي الهدى والاتحاديين في الدولة
العثمانية وعند الأزهر والخديوي والإنجليز بمصر، وقد حالوا صرف السيد عن
خطته الإصلاحية بشتى طرق الإغراء بالمال والمناصب، وبترهيبه أيضًا بفنون
الترهيب، وصبر على أذاهم، ولم يفتن بالمال، ولم يغتر بالرتب، ولم يرهبه
الوعيد؛ لأنه كان مخلصًا في توجهه لخدمة أمته وملته.
ومما عرف من صلابته وإخلاصه لقومه أن الإنجليز لما عرضوا عليه أن
يكتب مقالات أسبوعية في صحيفة (الكواكب) التي أنشئت بالقاهرة لخداع العرب
اعتذر في كتاب إلى نائب الملك ونجت باشا، جاء فيه:
لو بذلتم لي المال، أو استللتم لساني، أو قطعتم أناملي على أن أقول أو أكتب
ما يخالف ديني وكرامة قومي العرب، فإني لا أفعل. وجاء رد بالإعفاء من ذلك
التكليف، واعتذر بأنه كان بخطأه كتكليف رئيس تحرير التيمس الكتابة بجريدة
هزيلة.
ولما عزم السيد على أداء فريضة الحج في أثناء الثورة العربية دعي إلى
قصر عابدين، وقدم إليه رئيس الديون شكري باشا صرة نقود، قائلاً: (بلغ
مولاي السلطان عزمكم على السفر إلى الحجاز، وأمرني أن أقدم هذه النقود إليكم) .
أجاب السيد: (الحج على المستطيع، وقد تهيأت لأدائه بصحبة سيدتي الوالدة
والشقيقة) . قال الباشا: (خذها ثمن دعاء) .
أجاب السيد: (الدعاء لا يقوم بثمن، وسأدعو لمولاي السلطان، ولخاصة
المسلمين وعامتهم بما يلهمني الله عز وجل) . قال الباشا: (خذها وتصدق
بها، فإن الصدقة في الحجاز بعشرة أضعافها) . أجاب السيد: (ذلك صحيح؛
ولكنى أحتار فيمن أعطي القليل الذي أتصدق به وقصور الملوك والسلاطين مفتحة
الأبواب للقصاد والوراد) . قال الباشا: (بما أعتذر إلى مولاي السلطان وعطايا
الملوك لا ترد) . أجاب السيد: (أرجو أن تذكر لمولاى السلطان ما عرفه به
الأستاذ الإمام من أني لا أقبل عطاء بدون مقابل) .
ولما كان السيد على عرفات تحققت عنده صحة الإشاعة بأن الحجاج سيدعون
في (منى) لمبايعة (الشريف) بالخلافة، فذهب إلى مخيم الشريف وذكر له ما
بلغه، وذكَّره بوعيد الحديث (إذا بويع خليفتان
…
) ، فقال (الشريف) رحمه الله:
(إن تلك المساعي من رغبات أحد أنجاله والأتباع) . ولما اجتمع الحجيج في
(منى) ، وتهيأ العلماء والخطباء والشعراء لتهنئة (الشريف) بالعيد، جاء
الشريف عبد الله والشيخ عبد الملك الخطيب باشا إلى السيد، وطلبا منه أن يقول
كلمته.
وكان (الشريف) يقف في المناسبات في أثناء الخطبة ويقول للسيد:
(صدقت) . وبعد ذلك حضر إلى السيد من يقول له: (إن الخطبة ينقصها أن تكون
مقدمة لدعوة الناس لمبايعة سيد الجميع بالخلافة) . ولكن السيد حول الحديث من
سياسي إلى أدبي، وأجاب: (أخشى أن يقال لي عندئذ ما قيل لذلك الشاعر الذي
وهب الكرى إلى العشاق، وهبت ما لا تملك إلى من لا يقبل) .
وسأقص على القارئ الكريم نبذًا أخرى من رسائل السيد إلى بعض ملوك
العرب؛ ليقف منها على مقدار صراحته في الحق، وإخلاصه في النصح، غير
مداج ولا مراء، فمن ذلك قوله في كتاب إلى جلالة الملك عبد العزيز: (ولا أزال
كذلك أجاهد معكم ما دمتم تجاهدون في سبيل الله وإعزاز دينه) ، وفي آخر
(وموضع العبرة أن الله - تعالى - قد استخلفكم في الأرض التي فضلها على كل
أرض لينظر كيف تعلمون) .
ومن كتاب آخر (وقد عاهدناكم على أن نؤيدكم ونخدمكم في إقامة السنة،
وهدم البدع، وإحياء الإسلام على منهاج السلف في أمور الدين ومستحدثات الفنون
العصرية في أمور الحرب والعمران) .
ومن أحسن ما كتب السيد الإمام إلى إمامي الجزيرة العربية صراحة وإخلاصًا
في النصيحة، لما وقع الشقاق بين الحكومتين اليمنية والسعودية، قال رحمه الله
ورضي عنه -: (مهما يكن عليه أمر الحدود بين اليمن السعيدة والمملكة السعودية
من حق سياسي أو جغرافي، فلا قيمة له تجاه الاتفاق والتحالف بين المملكتين،
فكل منهما واسع الأطراف قابل لأضعاف ما هو عليه من العمران، فلا يعذر أحد
منكما بتعريضه للخراب لأجل توسيع حدوده بحق أو باطل) .
ثم قال يخاطب كلا من الإمامين: (إن جزيرة العرب هي تراث محمد رسول
الله وخاتم النبيين للإسلام والمسلمين لا لعبد العزيز السعودي ولا ليحيى حميد الدين،
فاختلافكما وتعاديكما يضيع الإسلام، ولئن ضاع في جزيرة العرب فلن تقوم له
قائمة في غيرها، فيجب أن تتذكرا هذه التبعة، وتتقيا الله، وتحرصا على حسن
الخاتمة) .
وقد كان للإخلاص بهذه النصيحة وللوفد الذي أرسله السيد رشيد إلى الإمامين
أثر طيب لديهما، وكان مولاي السيد يطلعني على رسائله تربية لي وتعليمًا، ولعلي
أجد فيها حرفًا ناقصًا أو زائدًا لأصلحه، وإذا وجدت فيها ما يستحق المراجعة فإنه -
رحمه الله كان يسمعها ويمضيها إذا أقرها، وإن أنس لا أنسى أني وجدت شدة
في خطاب منه إلى جلالة الملك عبد العزيز، وراجعته فيها، فغضب وقال لي:
(يا عاصم أتريد أن تعلمني المداجاة والجبن؟ ! اقفل المكتوب وأرسله إلى البريد،
واعلم أن مزيتي عند الملك إخلاصي، وصراحتي في النصيحة، ومزيته عندي أنه
يقبل النصيحة) .
والسيد الإمام ما كان ليترك فرصة تفوته بدون تذكير طيب نافع، ومن ذلك ما
جاء في كتاب منه إلى المرحوم الملك غازي (.. . معتصمين بحبل الهداية
الإسلامية التي اشتدت إليها في هذا العصر حاجة شعوب المدنية كلها؛ إذ هددت
الأفكار المادية دولها بالانحلال والإباحة الإلحادية حضارتها بالزوال، ولم يبق لها
منقذ إلا الهداية الروحية والجامعة بين المصالح الدينية والمدنية) ، وقال: (فإن
تحرص على هداية دينك القويم، ولغة قومك، وحضارة أمتك، وشرف بيتك،
وتضم إليها الفنون العصرية المرقية للزراعة والصناعة والتجارة والنظم المالية
والقوى العسكرية تكن - إن شاء الله - من الملوك المجددين، الجامعين بين سيادة
الدنيا وسعادة الدين) .
كان رحمه الله مضيافًا مواسيًا بماله القليل أهل الحاج من الأسر
المستورة، مساعدًا العاملين في سبيل أمته وقومه؛ فكم ساهم في نفقات الوفود
والجمعيات والمؤتمرات العربية السياسية، ولولا الأزمة المالية التي أصابته مؤخرًا
لكان رزقه كفافًا كافيًا لنفقاته؛ ولكن توفي رحمه الله وعليه أكثر من ألفي جنيه
مصري، خلافًا لما كان يحسب كثير من الناس.
نعم، خلف مؤلفاته ومطبوعاته وهي أكثر من دينه، بل هي ثروة علمية
إصلاحية عظيمة، تركها السيد الإمام ذكرًا وشرفًا له ولقومه وأمته.
كان السيد مشغول البال دائمًا بأمته، يفرح بما ينفعها، ويحزن لما يضرها،
وكانت السيدة والدته تسأله إذا رأته مكتئبًا: (هل أحد من مسلمي الصين يشتكي من
شيء؟) ، تريد أنه يكتئب إذا أصاب مكروه أحدًا من إخوته في الدين مهما بعدت
داره، ولو في الصين.
كان هم السيد المستولي على شعوره إصلاح شأن العرب والمسلمين بالتأليف
والتعليم، وقد كتب في التفسير والفتاوى وسائر ضروب الإصلاح ما لم يسبق إليه
في المقدار والفائدة، وكان رحمه الله يقول لي: (أخشى أن يحاسبني الله -
عز وجل على عمري فيما أنفقته وأكون مقصرًا فيما وجب علي بيانه من أسرار
الشريعة وحكمها) ، وكان يأمرني أن أغنيه بقدر الإمكان عن مقابلة الزائرين؛
ليبقى منصرفًا إلى التأليف، وقد فرح فرحًا عظيمًا حين أتم أنفس كتبه تأليفًا وطبعًا،
أعني به كتاب (الوحي المحمدي) .
وأنشأ منذ ثلاثين سنة مدرسة دار الدعوة والإرشاد عملاً برأي الأستاذ الإمام
في تعليم طائفة من مختلفي الأقطار العلوم الدينية مصفاة من الآراء والأهواء،
وكذلك العلوم الأخرى القديمة والحديثة بقدر ما يكفي لتثقيفهم وإعدادهم للدعوة
والإرشاد {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122) .
وقد نجح في ذلك جماعة من الطلاب وفي مقدمتهم السيد أمين الحسيني، الذي
انتهت إليه الزعامة الدينية والسياسة في فلسطين، والشيخ يوسف ياسين أمير سر
جلالة ملك المملكة العربية السعودية، والشيخ عبد الرزاق المليح آبادي صاحب
المؤلفات والصحافي المشهور في الهند، وقد سجن مع مولانا أبي الكلام الزعيم
الهندي الكبير لمشاركته إياه في جهاده، والشيخ محمد بسيوني عمران في جاوة
ومواقفه مشهورة بالتعليم والإرشاد، والشيخ محمد عبد الرازق حمزة والأستاذ عبد
السميع البطل وهما من خيرة العلماء المصريين في الأخلاق والوعظ والتعليم، تلك
نبذ من كلام السيد في رسائله الخاصة والعامة، وطائفة من أخباره تدل على نفس
ذكية همها الإصلاح بإخلاص؛ ولذا كان عزيزًا كريمًا، لم تدنسه الأطماع، ولم
تمله الأهواء، ولا يخاف إلا من الله عز وجل.
كان السيد رشيد مدرسة في كل وقت من أوقاته في الدار وخارج الدار، وقد
أقمت معه في داره ستًّا وعشرين سنة تلميذًا وأمينًا لسره، وقلما يخلو مجلس من
الجد، أتم الثانية والسبعين من عمره المبارك وهمته همة الشباب، وقلما يضيع وقتًا
من أوقاته بدون عمل أو تفكير مهيء للعمل الطيب.
كان السيد رشد رضا يستيقظ مبكرًا قبل الفجر، ويتوضأ ويتنقل بالصلاة
ويتلو القرآن، ثم يؤذن أذان الفجر من شرفة الدار ويوقف أهله للصلاة، وكان
يغلبه البكاء حينما يجهر بالقرآن، ثم إن كان عنده ما تدعو الضرورة لإنجازه من
كتابته انصرف إليه، أو يخرج للرياضة مشيًا على الأقدام، يسير بقوة ونشاط
ويعود إلى الدار بعد طلوع الشمس، فإن كان صائمًا أخذ بعمله الكتابي، ويتقيل
غالبًا وينام مبكرًا، وهو على كثرة تفكيره وكثرة سمنه فإن نومه كان خفيفًا، وقلما
يصيبه الأرق.
بلغ مران السيد على التأليف والتصحيح أن يكتب في أثناء محادثته مع الناس
ولا تقطع المحادثة عند سلسلة فكره، وقد زاره مرة هندي من المتعلمين في جامعة
كمبردج، وقدم إليه عشرة أسئلة مكتوبة، وسأله عن موعد العودة إلى دار المنار
لأخذ الجواب عنها، فقال له السيد:(أذكر أسئلتك سؤالاً سؤالاً) ، وكان العالم
الهندي يذكر السؤال والسيد يجيبه، حتى أتى على آخرها والسيد لم يترك عمله
تركًا، كان السيد لا يراجع ما يكتب في التفسير إلا من بعد أن يكتب فهمه في الآية
حذرًا من تأثير أقوال المفسرين في نفسه.
وكان يكتب أصول المنار في أثناء أسفاره إلى الشام والآستانة والهند
والجزيرة العربية وأوروبة من تفسير وغيره، ويرسلها إلى المطبعة في مصر،
وليس لديه مرجع من الكتب غالبًا إلا (المفردات) في غريب القرآن للراغب،
وإذا أتاه الله فهمًا في القرآن لم يسبق إليه أو لم يطلع عليه إلا بعد كتابته من عنده،
فإنه يتحدث به إلى إخوانه حامدًا شاكرًا، وقد يقصه على أهل بيته مغتبطًا مسرورًا.
كان السيد يدرك من أسرار السياسة وغوامضها ما يقصر عنه كثيرون من
المشتغلين بها، وآراؤه المنشورة في عهد السلطان عبد الحميد والاتحاديين وفي أيام
غيرهم مؤيدة لذلك، وقد تحمل الأذى في سبيل نصحه إياهم، وطعن فيه رجال من
إخوانه، ثم تبين لهم بعد سنين أن رأيه هو الصواب، وكتبوا منتقدين الذين كانوا
يدافعون عنهم، فالسيد لغلبة الصدق والإخلاص والصراحة عليه كان يصلح أن
يستشار في السياسة.
إن انصراف السيد كل الانصراف إلى التفكير والعمل فيما ينفع الناس صرفه
عن استيفاء أساليب المجاملة في التحية والتسليم عند المتحببين المتشوقين، فالذين
لا يقدرون حياة الاختصاصيين الدائبين على التفكير فيما انصرفوا إليه كانوا يرمون
السيد بما هو براء منه، ولو أن السيد جرى على سننهم واتبع أهواءهم لما وفق أن
يخرج للناس تلك المؤلفات الممتازة بما انفرد به من التحقيق والتحرير، وقد غبطه
عليها أناس، وحسده آخرون، وجمعوا جموعهم مرات لنقدها، وكان السيد يقول
حينما يبلغه اجتماع العلماء لنقد المنار: (أرجو أن يكون هذا تسخيرًا من الله - عز
وجل - لتمر به المنار مما عسى أن يكون فيه من أخطاء، فإن أصاب النقاد نشرت
لهم نقدهم، وشكرت لهم صنيعهم) .
وللسيد قاعدة دعا إليها وجرى عليها، وهي: أن نتعاون على ما نتفق عليه،
ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه، وكان يسميها قاعدة المنار الذهبية.
هذا ما وفقت لتسطيره ونشره من سيرة السيد الإمام بمناسبة مرور أربعة
أعوام على وفاته رحمه الله ورضي عنه -؛ لعلها تشحذ أذهان الخاملين، وتنبه
أفكار الغافلين، وتهدي إلى الإخلاص أولئك العاملين، وما التوفيق إلا بالله رب
العالمين.
…
...
…
...
…
...
…
... عبد الرحمن عاصم
…
...
…
...
…
...
…
...
…
القلمون
_________
الكاتب: حسن البنا
(4)
استحضار الأرواح
جاءنا من الدكتور محمد سليمان المدرس بكلية الطب ما يأتي:
حضرة الأستاذ الجليل رئيس تحرير المنار الغراء:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ، فقد أكثر الناس القول في موضوع الأرواح ما بين نافٍ له ومثبت إياه،
فما القول الحق في ذلك؟ وهل الأرواح التي ستحضر هي أرواح الموتى أنفسهم؟
وهل يصدق ما يأتي على لسانها من أقوال ، أفيدونا مشكورين ، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
المخلص دكتور
…
...
…
...
…
...
…
...
…
محمد أحمد سليمان
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... القاهرة
الجواب
يتطلب الجواب على ما تقدم الكلام في عدة مباحث نلخصها فيما يلي:
أولاً - كيف نشأت مباحث الاستحضار في الغرب:
حدث في سنة 1846 الميلادية في قرية هيد سفيل من ولاية نيويورك بأمريكا
أن أسرة رجل اسمه جون فوكس أزعجتها عدة طرقات كانت تحدث في البيت الذي
تسكنه، فتجرأت مدام فوكس ذات يوم وسألت ذلك الفاعل المستتر قائلة هل أنت
روح؟ واتفقت معه على أن يكون علامة الإيجاب طرقتين، وعلامة السلب طرقة
واحدة، فأجابها بطرقتين ثم مازالت تسأله، وهو يجيب بواسطة الطرق، حتى
علمت منه أنه روح ساكن كان بهذا البيت ، فقام جار له، ودفنه فيه ، ثم سلبه ماله ،
ولم تهتد الحكومة إليه ، فأسرعت المرأة إلى إنذار البوليس والنيابة ، فحضر رجالها
وأخذوا كل حيطة ، وتسمعوا الطرقات على طريقة صاحبة البيت ، وفهموا منها ما
فهمته ، وعمدوا إلى الحفر في المكان الذي دلت عليه الروح فوجدوا جثة القتيل،
وكان من أثر ذلك اهتداؤهم إلى القاتل.
وظلت الروح بعد ذلك تزور بنتي جون فوكس هذا حتى أنستا بها ، وحضرت
أرواح أخرى ادعت أنها أرواح موتى آخرون ، وتحسنت طريقة التفاهم بينهما وبين
هذه الكائنات فصارت بالحروف الهجائية ، وذلك بأن تقرأ إحدى الفتاتين الحروف
الهجائية فتطرق الروح عند الحرف المراد كتابته طرقة فتكتب الفتاة الأخرى ذلك
الحرف وهكذا ، ثم تجمع الحروف المكتوبة وتقرأ.
وقد رجت الروح الأختين في أن تعلنا أنها على استعداد لإشهاد الناس خوارق
تثبت لهم وجود الأرواح في أكبر مكان للمحاضرات في نيويورك ، فأبت البنتان
ذلك خشية سوء القالة والاتهام بالشعوذة ، وأصرت الروح على ذلك؛ لأنها تريد أن
تنتهز هذه الفرصة لتثبت للناس صحة خلود النفس ، وقالت إنها ما تجشمت
الاستئناس بهما إلى هذا الحد إلا لهذه الغاية ، وأنذرتهما بأنها لن تعود إليهما إن بقيتا
على إصرارهما ، فلم يسعهما أخيرًا إلا القبول ، ولكنهما اشترطا أن يكون بدء
العمل في الصالونات الكبيرة لبعض البيوت ، ثم تتدرجان من ذلك إلى قاعة
المحاضرات الكبرى ، وتم ذلك فأخذت البنتان تحضران في بعض تلك الصالونات
أمام جمهور من العلماء والمفكرين فتحدث خوارق عديدة رغمًا عن كل ما يتخذ من
الاحتياطات ، ثم أعلنتا التحضير في قاعة المحاضرات الكبرى ، فشهد هذه
الخوارق جم غفير من الناس ، وكثر التحدث بها في كل مكان.
وكان القاضي أدموندس رئيس مجلس الأعيان بأمريكا من أسرع الناس إلى
بحث هذه الخوارق ، فاعتقد صحتها وكتب فيها بحثًا مستفيضًا ، فحملت عليه
الجرائد حملة عنيفة ، ففضل أن يستقيل ويخدم البحث على أن يبقى في وظيفته
مقيدًا بتقاليدها ، وكان من أكبر العاملين على نشر هذه المباحث.
وتلاه الأستاذ (مابس) معلم علم الكيمياء بالمجمع العلمي ، فانتهى أمره
بتصديقها ونشر مباحثه على رءوس الأشهاد ، وحذا حذوه الأستاذ (روبيرت هير)
وأطال البحث والتنقيب ، فظهر له صدق صاحبيه المتقدمين ، فوضع كتابًا حافلاً
أسماه (الأبحاث التجريبية على الظواهر النفسية) ، وكان من أثر هذه الكتابات أن
انتشرت الفكرة وتعدت أمريكا إلى غيرها من بلدان العالم الغربي.
ثانياً - اختلاف الآراء في صحة هذه البحوث:
كان طبيعيًّا أن تختلف آراء الناس في نتائج هذه البحوث ، وأن يكون هناك
المصدقون المتشيعون والمنكرون المتشككون، وكان طبيعيًّا أن تثير هذه الناحية
حربًا كتابية وعلمية وذلك ما حدث فعلاً ، وكان من المصدقين بصحة هذه البحوث
وصدق نتائجها كثير من أعلام العلم الكوني في بلدان أمريكا وأوروبا المختلفة ،
وكثير منهم كتب كتابات في غاية من القوة والدقة التحليلية، مما يدل على اقتناع تام
بما يقول ، وكثير منهم ألف فيها الرسالات والكتب القيمة ولم يبالوا بما يتعرضون
له من هزء المتقدمين وسخريتهم ، وكثيرًا منهم كان ملحدًا صميمًا فعاد مؤمنًا بالحياة
الروحية كل الإيمان، وهذه نماذج من كتابات هذا الفريق:
(1)
العالم الكيماوي (وليم كروكس) ، وقد ألف كتابًا دعاه (مباحث على
الظواهر النفسانية) ، قال فيه: (بما أني متحقق من صحة هذه الحوادث، فمن
الجبن الأدبي أن أرفض شهادتي لها بحجة أن كتاباتي قد استهزأ بها المنتقدون
وغيرهم ممن لا يعلمون شيئًا في هذا الشأن، ولا يستطيعون بما علق بهم من
الأوهام أن يحكموا عليها بأنفسهم، أما أنا فسأسرد بغاية الصراحة ما رأيته بعيني
وحققته بالتجارب المتكررة) .
(2)
العالم الكبير (ألفرد روسل)، وقد وضع في هذه المباحث كتابين:
أحدهما (خوارق العصر الحاضر) ، والثاني (الدفاع عن الأسبرتزم) ، وقد قال في
الأول ما نصه: (لقد كنت ملحدًا بحتًا مقتنعًا بمذهبي تمام الاقتناع، ولم يكن في
ذهني محل للتصديق بحياة روحية، ولا يوجد عامل في هذا الكون كله غير المادة
وقوتها؛ ولكني رأيت أن المشاهدات الحية لا تغالب؛ فإنها قهرتني ، وأجبرتني
على اعتبارها حقائق مثبتة قبل أن أعتقد نسبتها إلى الأرواح بمدة طويلة ، ثم أخذت
هذه المشاهدات مكانًا من عقلي شيئًا فشيئًا، ولم يكن ذلك بطريقة نظرية تصويرية،
ولكن بتأثير المشاهدات التي كان يتلو بعضها بعضًا على صورة لا يمكن تعليلها
بوسيلة أخرى) .
(3)
العالم الإيطالي الكبير (سيزارلومبروز) ، وقد رمى المصدقين بهذه
المباحث بالجنون، وكتب عنهم فصولاً انتقادية في مؤلفاته، ثم عاد فبحث هذه
الخوارق مع الأستاذ (كاميل فلامريون) الفرنسي، والأستاذ (شارل ريشييه)
مدير الجريدة العلمية والمدرس بجامعة الطب الباريزية، ثم انتهى به الأمر إلى أن
ألف كتابًا قال في مقدمته: (لم يكن أحد أشد مني عداء للاسبرتزم بحكم تربيتي
العلمية وميولي النفسية ، وكنت أعتبر من البديهيات العلمية أن كل قوة ليست إلا
خاصة من الخواص المادية ، وأن كل فكر وظيفة من الوظائف المخية، وكنت أهزأ
دائمًا من الأخولة المتكلمة؛ ولكن غرامي بإظهار الحقيقة وتجلية الحوادث المشاهدة
قد تغلب على عقيدتي العلمية) .
وكثير غير هؤلاء لا يحصيهم العد درسوا هذه المباحث وتشيعوا لها من
الإنجليز والفرنسيين والألمان والأمريكان وغيرهم ، وشايعهم على ذلك كثير من
الكتاب والأدباء وأصحاب الصحف والمجلات التي اقتنعت بفكرتهم ، وتأسست
للدفاع عن هذا الرأي الصحف والمجلات الكثيرة في كل بلد من بلدان أوروبا
وأمريكا ، وقد انتدبت الجمعية الملكية بإنجلترا لجنة من ثلاثين عالمًا في الفنون
المختلفة، عهد إليها بحث هذا الأمر، فعكفت على ذلك ثمانية عشر شهرًا، وعقدت
للبحث والتجربة أربعين جلسة، ورفعت تقريرًا مطولاً في مجلد ضخم ترجم إلى
أكثر اللغات، وقد جاء فيه:
(عقدت هذه اللجنة اجتماعاتها في البيوت الخاصة بالأعضاء؛ لأجل نفي
كل احتمال في إعداد آلات لإحداث هذه الظواهر أو أية وسيلة من أي نوع كانت،
وقد تحاشت اللجنة أن تستخدم الوسطاء المشتغلين بهذه المهمة أو الذين يأخذون أجرًا
على عملهم هذا؛ لأن واسطتنا كان أحد أعضاء اللجنة، وهو شخص جلل الاعتبار
في الهيئة الاجتماعية ومتصف بالنزاهة التامة، وليس له غرض مادي يرمي إليه
ولا أي مصلحة في غش اللجنة. كل تجربة من التجارب التي عملناها بما أمكن
لمجموع عقولنا أن تتخيله من التحوطات عملت بصبر وثبات، وقد دبرت هذه
التجارب في أحوال كثيرة الاختلاف، واستخدمنا لها كل المهارة الممكنة لأجل
ابتكار وسائل تسمح لنا بتحقيق مشاهداتنا وإبعاد كل احتمال لغش أو توهم.
وقد اكتفت اللجنة في تقريرها بذكر المشاهدات التي كانت مدركة بالحواس
وحقيقتها مستندة إلى الدليل القاطع، وقد بدأ نحو أربعة أخماس اللجنة تجاربهم وهم
في أشد درجات الإنكار لصحة هذه الظواهر، وكانوا مقتنعين أشد اقتناع بأنها كانت
إما نتيجة التدليس أو التوهم، أو أنها تحدث بحركة غير اعتيادية للعضلات، ولم
يتنازل هؤلاء الأعضاء المنكرون أشد الإنكار عن فروضهم هذه إلا بعد ظهور
المشاهدات بوضوح لا تمكن مقاومته في شروط تنفي كل فرض من الفروض
السابقة، وبعد تجارب وامتحانات مدققة مكررة، فاقتنعوا رغمًا منهم بأن هذه
المشاهدات التي حدثت في خلال هذا البحث الطويل هي مشاهدات حقة لا غبار
عليها) .
ولقد سرى أثر هذه المباحث الغريبة إلى مصر، فتناولها كثير من الكتاب
المعتنين بهذه الناحية بالبحث والكتابة والتجربة، وفي مقدمة هؤلاء الكاتب الأستاذ
محمد فريد وجدي، الذي تحمس للفكرة أشد التحمس، ولا زالت كتبه أهم المراجع
العربية للباحثين في هذا الشأن فيما نعلم، ومنهم كذلك الشيخ طنطاوى جوهري -
رحمه الله، والأستاذ أحمد فهمي أبو الخير، الذي مازال يوالي تجاربه الروحية
بحماسة شديدة.
ولقد كتب الأستاذ محمد فريد وجدي منذ شهر تقريبًا في جريدة الأهرام اليومية
يسوق إلى القراء نبأ عناية جامعة كمبردج بهذه المباحث، واعتبارها علمًا رسميًّا
مقررًا يدرس في الجامعة، وإنشاء قسم خاص بهذه المباحث يتقدم إليه من يشاء من
الطلاب إلى شهر مايو من هذا العام 1940 الميلادية.
وإلى جانب هذا الفريق المتحمس قام فريق ينكر صحة هذه الظواهر ويحملها
على خداع الوسطاء، أو تدليس المجرمين، أو انخداع المشاهدين، أو غلبة
الوهم والخيال، وقد نقل المقتطف في بعض مجلداته كلامًا في هذا عن بعض
العلماء الأوربيين الكونيين كذلك، ومن هؤلاء:
(1)
الدكتور مرسير من أطباء الأمراض العقلية بمستشفى تشريح كروس
ببلاد الإنكليز، وقد ألف كتابًا في الرد على السير أوليفرلودج فيما ذكره عن
المباحث النفسية، وقال إن الاشتغال بهذه المباحث يؤدي إلى اختلال العقل،
ويعرض أصحابه للجنون.
(2)
والدكتور (روبرتصن) مدير المستشفي الملكي بأدنبرج، الذي رمى
المشتغلين بهذه المباحث بأن فيهم ضعفًا خلقيًّا في الإرادة يجعلهم مستعدين للتصديق
بالاسبرتزم ومناجاة الأرواح وما كان هذا القبيل.
ولكن المتتبع لهذه الحركة العلمية وخصوصًا بعد مضي هذا الزمن الطويل
عليها وهي لا تزال تضم إلى جانبها كثيرًا من أساطين رجال العلم المادي حتى
انتهى الأمر باعتبارها علمًا رسميًّا يدرس في جامعة محترمة كجامعة كمبردج، لا
يسعه إلا أن يصدق بكثير من نتائج هذه البحوث، ويؤمن بوجود قوى روحية تظهر
حقيقة للذين يزاولون هذه التجارب ويتعرفون عليها، وليس هناك من حرج عقلي
أو ديني على المسلم أن يؤمن بوجود هذه القوة الروحية وظهورها للناس وتخاطبها
معهم؛ فإن هذا الكون لا زال مملوءًا بالأسرار المادية والروحية التي لم يصل العقل
الإنساني بعد إلى معرفة كنهها وحقيقة أمرها، وهذه الكشوف التي وصلنا إليها من
أعجب العجائب التي لو ذكرت للناس من قبل لخيل إليهم أنها فوق المستحيل، وقد
أصبحت الآن فيما بينهم أمورًا عادية صرفة.
ولكن الذي يحتاج إلى إمعان النظر حقًّا هو الحكم على شخصية هذه القوى
التي تدعى أنها أرواح الموتى، أهي حقًّا أرواح الموتى، أم هي قوى روحية
أخرى تنتحل هذه الصفات؟ هذا هو الأمر الذي يعنينا نحن المسلمين أن نتعرف
خلاصة القول فيه، وهو ما سنتناوله بإيجاز.
(2)
شخصية الأرواح:
يذهب معظم الباحثين في هذه النواحي النفسية والمؤمنين بها إلى أن هذه
القوى الروحية التي تخاطبهم هي بنفسها أرواح الموتى، ويستدلون لذلك بأمور منها:
(1)
تكلم الروح بلغة المتوفى، واستخدامها عبارته المألوفة، وتذكير أهله
بحوادث قديمة كانوا نسوها لبعد العهد بها ولا يدرِ بها أحد سواهم.
(2)
دلالتها على أوراق ومستندات ضائعة وضعها المتوفى في تلك الأماكن
قبل موته بدون إطلاع أحد عليها.
(3)
كتابتها بخطه والتوقيع بتوقيعه والتعبير بأسلوبه حتى ولو كان كبار
الكاتبين، بحيث عرض ذلك على الخبيرين في الخطوط فحكموا بتشابه الخطين
والإنشاءين.
(4)
ظهورها متجسدة على صورته التي كان بها على الأرض، وتكلمها
بصوته ولهجته.
(5)
إجماعها في كافة بقاع الأرض على التأكيد بأنها أرواح الموتى، وأنها
ليست من الملائكة ولا من الجن ولا هي أرواح أخرى ذات طبيعة مجهولة.
(6)
حبها لأهلها وتوصيتها الحضور بهم وتكليفهم البحث عنهم ومساعدتهم.
ومع هذه الأدلة فإن كثيرًا من المؤمنين باستحضار الأرواح يرى أنها لم تصل
بعد إلى حد اليقين، وليست ملزمة أو محدودة لشخصية الروح وإن كانت ترجح
ذلك.
أما نحن فننظر إلى هذه المسألة على ضوء التعاليم الإسلامية الروحية، وذلك
يدعونا إلى أن نلخص موقف الإسلام من عالم الأرواح.
موقف الإسلام من الروح:
نستطيع أن نوجز الكلام في هذا البحث الخطير في عدة نقط:
(1)
الروح مجهولة حقيقتها؛ فهي من أمر الله ولم يتعرض القرآن ولا
السنة لبيان هذه الحقيقة.
(2)
الروح هي أصل الحياة والتفكير والإدراك في الإنسان، وانفصالها
عن هذا الجسد هو الموت.
(3)
الروح بعد الموت (في مستقر يعلمه الله تبارك وتعالى، وهي
في مستقرها هذا إما منعمة إن كانت ممن عمل الصالحات في حياته الدنيا، وإما
معذبة إن كانت ممن ارتكب المعاصي والآثام أو لم يعرض بالرسل والأنبياء -
صلوات الله وسلامه عليهم - بعد بعثهم.
(4)
يجوز أن تتصل الروح وهي في مستقرها هذا بالأحياء أهل هذا الكون
اتصالاً جزئيًّا؛ فهي تعلم كثيرًا من شئونهم، ويزيدها سرورًا في حياتها البرزخية
هذه أن تعلم من أهلها خيرًا، ويؤلمها أن تعلم عنهم غير ذلك، كما أنها ترد السلام
على من سلم عليها إن كانت من أهل النعيم والصلاح، كما أنها قد تراءى لهم في
بعض الرؤى والحالات، وقد ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة النبوية.
(5)
إن الروح هي في العالم البرزخى، وبعد أن تجردت من ظلمات هذا
الجسد لا سلطان لأحد عليها إلا الله، وهي لا تخبر بغير الحق، ولا تقول إلا
الصدق، ولخروجها عن قوانين هذه الحياة الأرضية وبُعدها عما فيها من آثام، ولا
أعلم أنه ورد في ذلك نص صريح من كتاب أو سنة، بل هو مقتضى الخروج من
هذه الدار إلى تلك الدار.
(6)
إن كثيرًا من القوى الروحية (أعني الخفية) الأولى تتصل بهذه
الروح في هذه الحياة الدنيا، وقد تسلط عليها بالوسوسة والإيحاء، وقد تشكل بها
بعد هذا الانتقال إلى حياة البرزخ، وقد ورد شيء من هذا في الأحاديث الصحاح.
هذا مجمل ما يمكن أن يقال في نظرة الإسلام إلى عالم الروح.
فإذا نظرنا على ضوئه إلى شخصية القوى التي تظهر في الاستحضار وعرفنا
أن هذه القوى تخبر بأنها في نعيم وقد يكون أصحابها معروفين بالكفر أو الآثام في
الدنيا وهي مع هذا تسوق كثيرًا من الآراء التي تناقض تعاليم الأديان، رجحنا أن
تكون هذه القوى الروحية عوالم أخرى من عوالم الكون غير المادي تقدر على
التشكيل بما تشاء من الصور، وتتصل بالإنسان في حال الحياة فتعلم كثيرًا من
شئونه وما يحيط به، ثم تخبر بذلك حين الاستحضار وليست هي أرواح الموتى
حقيقة، وإلى هذا القول تطمئن النفس.
وبذلك نجمع بين التسليم بوجود عالم وراء عالم المادة وهو ما ينهدم بوجوده
مذهب الماديين من أساسه، ونخلص من الحرج الاعتقادي الذي نقع فيه إذا سلمنا
بأنها أرواح الموتى، وحقائق الأمور عند الله.
(وبعد) : فلا شك أن هذا البحث من أدق البحوث وأولاها بالعناية وطول
التفكير، وقد اشتجرت فيه الأقلام جيلين من الزمان إلى الآن، ومن واجب العلماء
في الأمم الإسلامية أن يسابقوا علماء الغرب في هذا المضمار، وأن يكثروا من
التجارب الدقيقة لمعرفة حقيقة هذه الأمور بأنفسهم؛ إنهم حراس أضخم ميراث
روحي عرفته الإنسانية، وهم أولى الناس بتعرف حقائق هذه البحوث، والله يتولى
الحق وهو يهدي السبيل.
_________
الكاتب: حسن البنا
الأحمدية
(القاديانية واللاهورية)
سيدي الأستاذ محرر المنار الأغر، حفظه الله:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد طالعنا في بعض الجرائد الإسلامية مقالات حول طائفة القاديانية، وحول
وجود بعض من ينتسبون إليها بالأزهر الشريف لطلب العلم، وأن فضيلة شيخ
الأزهر قد ألف لجنة من بعض كبار العلماء للتحري عن مذهب هذه الطائفة ، ولم
نعلم نتيجة هذا التحقيق بعد، فنرجو التكرم ببيان موجز عن عقائد هذه الجماعة ،
وعن الفرق بين القاديانية والأحمدية، وعن نشأتهم، وعن واجب المسلمين إزائهم،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
محمد فهمي أبو غدير
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... كلية الحقوق
الحمد لله، وصلى الله علي سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم:
(1)
رأس هؤلاء الجماعة رجل هندي اسمه غلام أحمد، ولد عام 1839م،
ومات عام 1908 م بقاديان من أعمال بنجاب الهند، ادعى أنه المسيح الموعود
به ، وأن روح الله قد حلت فيه، وأنه المهدي المنتظر، وأنه أوحي إليه بكثير من
اللغات ومنها الإنكليزية، وخلط ذلك بكثير من الدعاوى الفارغة التي تتناقض مع
أصول الإسلام كل المناقضة، وقد وجدت السياسة الإنكليزية فيه مطية من مطاياها
في التفريق بين الشعوب، وأغرته، وأمدته بالمال والجاه، حتى كان قضاة المحاكم
الإنكليز يتساهلون معه في الأحكام في القضايا التي وقعت عليه وعلى أتباعه في
جرائم كثيرة، وفي نظير هذه المساعدات من الدولة الإنكليزية أصدر هذا المدعي
فتاوى صريحة بسقوط أحكام الجهاد، بل وصرح بأن من يرفع السيف في وجه
إنجلترا آثم مرتكب لأكبر الجرائم، وقد وقعت بينه وبين علماء الهند الفضلاء
مناظرات ومجادلات عدة، ووقعت بينه وبين صاحب المنار السيد محمد رشيد
رضا رحمه الله محاورات، وتناول السيد هذا الموضوع في كثير في أعداد
المنار، وترى بعض هذه المقالات في الأجزاء الخامس، والسادس، والسابع من
المجلد الحادي والثلاثين.
وقد كان من عادات هذا المسيح المدعي أن يدعو مناظريه إلى المباهلة، وأن
يجعل موت خصمه قبله دليلاً على انتصاره وبالعكس، وقد مات سنة 1905 بعد
أن زعم قبل ذلك أن أجله قد انتهى، فمكث بعد هذا الزعم ثلاث سنوات، وقد بنى
مقبرة بقاديان وادعى أن من دفن بها سيدخل الجنة بشرط أن يتبرع بربع ماله.
وأبقى الله فضلاء العلماء الذين قاموا ببيان زيفه وغلطه، فما كانت هذه التمويهات
لتكون دليلا ً على حق، أو هادمة لباطل، ولكنه الإفلاس من الدليل، وقد قام
برياسة جماعته من بعده ابنه بشير محمود، ومقره الآن قاديان من البلاد الهندية،
وتنسب الطائفة إلى أبيه فتسمى الطائفة الأحمدية.
(2)
وقد انقسمت هذه الطائفة الأحمدية إلى فريقين: فريق اعتقد النبوة
لغلام أحمد وصدق بكل ما قاله، وهؤلاء هم أحمدية قاديان، ورئيسهم ابنه بشير،
وفريق اعتقد فيه أنه مصلح مجدد، وأخذ ببعض مزاعمه دون البعض على حد
اعترافهم وقولهم - والله أعلم بحقيقة ما يضمرون، وإن كانت كل أعمالهم تدل على
أنه لا فرق بينهم وبين إخوانهم السابقين - وهؤلاء هم أحمدية لاهور، ولسانهم
الناطق السير محمد علي صاحب ترجمة القرآن، وهو غير مولانا محمد علي
رحمه الله. وكلام الفريقين بعيد عن أصول الدين؛ فإنه إذا كان غلام أحمد قد
صرح بأنه نبي، وبأنه يوحى إليه، وصرح بغير ذلك من الطوام والفظائع، فهل
يغني شيئًا عن اللاهوريين أن يقولوا إننا نعتقد أنه مجدد؟ وأي القولين يصدق
الناس، قول المتبوع الذي يصرح بنبوة نفسه، أم قول التابعين الذين لا يبلغون به
هذه المرتبة؟ لو كان هؤلاء صادقين لرجعوا إلى الحق، ولوافقوا جمهور أئمة
المسلمين، ولبرءوا إلى الله من هذا الرجل براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
(3)
والغريب في أمر هذه الجماعة أنها تلبس على المسلمين بأمرين: أولهما
نشاطها في الدعوة إلى نحلتها بزعم أنها دعوة إلى الإسلام، وتشجيع الإنكليز
وإغراؤهم من وراء ذلك، وإلا فلما لا يبرز هذا النشاط قويًّا إلا في بلاد الإنكليز
وما يلحق بها؟ والثاني مجادلتهم للمبشرين وهدمهم لمزاعم دعاة النصرانية، وهم
في هذا مهرة مجيدون، وهدم الباطل سهل ميسور، وهم يستغلون هذا الانتصار
ليقولوا للمسلمين إننا أخلص الناس للإسلام، وها أنتم ترون كيف نهزم دعاة
النصرانية، ويخفون عنهم أنهم إن هدموا عقائد النصرانية فهم لا يبنون عقائد
إسلامية؛ ولكن عقائد خيالية لعل النصرانية خير منها، وفيما يلي نموذج من أقوال
رئيس هذه الطائفة في كثير من المسائل، وفي إسقاط الجهاد وتحريم رفع السيف
في وجه الإنكليز:
(1)
قال غلام أحمد في رده على صاحب المنار بكتاب أسماه (الهدى
والتبصرة لمن يرى) يذم العلماء لأنهم لم يؤمنوا بمسيحيته الموعودة، ويعلن أن
رفع السيف على الإنكليز جرم عظيم:
(وقد أمروا أن يتبعوا الحكم الذي هو نازل من السماء، ولا يتصدوا له
بالمراد، فما أطاعوا أمر الله الودود، بل إذا ظهر فيهم المسيح الموعود فكفروا به
كأنهم اليهود، وقد نزل ذلك الموعود عند طوفان الصليب، وعند تقليب الإسلام كل
التقليب، فهل اتبع العلماء هذا المسيح؟ كلا، بل أكفروه وأظهروا الكفر القبيح،
وأصروا على الأباطيل، وخدموا القسوس، فأخذهم القسوس، وشجوا الرءوس،
وأذاقوهم ما يذيقون المحبوس فرأوا اليوم المنحوس. سيقول العلماء إن الدولة
البريطانية أعانت القسوس، ونصرتهم بحيل تشابه الجبل الركين لينصروا
المسلمين في جميع العالمين.
والأمر ليس كذلك، والعلماء ليسوا بمعذورين، فإن الدولة ما نصرت القسوس
بأموالها، ولا بجنود مقاتلين، وما أعطتهم حرية أكثر منكم ليرتاب من كان من
المرتابين، بل أنشأت قانونًا سواء بيننا وبينهم، ولها حق عليكم لو كنتم شاكرين.
أتريدون أن تسيئوا إلى قوم أحسنوا إليكم، والله لا يحب الكفارين الغامطين،
ومن إحسانهم أنكم تعيشون بالأمن والأمان، وقد كنتم تخطفون من قبل هذه الدولة
في هذه البلدان، وأما اليوم فلا يؤذيكم ذباب ولا بقة ولا أحد من الجيران، وإن
ليلكم أقرب إلى الأمن من نهار قوم خلت قبل هذا الزمان، ومن الدولة حفظة عليكم
لتعتصموا من اللصوص وأهل العدوان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ! وإنا
رأينا من قبلها زمانًا موحشًا من دونه الحطمة، واليوم بجنتها عرضت علينا الجنة،
نقطف من ثمارها، ونأوى إلى أشجارها؛ ولذلك قلت غير مرة إن الجهاد ورفع
السيف عليهم ذنب عظيم، وكيف يؤذي المحسن من هو كريم؟ ! من آذى محسنه
فهو لئيم) .
هذا كلام المسيح الموعود عن طغاة الاستعمار المنكود، فهل يدافع الإنجليز
عن أنفسهم في كل مكان بأكثر من هذا الهذيان، اللهم إن هذا هو البهتان، وانظر
إليه كيف ينفي عن الإنجليز مساعدة المبشرين وهم أعضادهم في كل وقت، لا
ينكرون ذلك ولا يخفون ما هنالك، بل يساعدونهم في كل حين بأوقاف المسلمين،
وما أنباء التبشير في السودان الآن وفي غير السودان من قبل ببعيد عن هذا المسيح
الموعود؛ ولكن الغرض يعمي ويصم.
وقد نشرت مجلة الفتح الغراء في العدد 664 بتاريخ 10 جمادى الآخرة سنة
1358 استفتاء لعلماء الهند، جاء به كثير من أقوال هذا المدعي المكفرة، مثل قوله:
(إني نبي، وأنا المخصوص بالنبوة في هذه الأمة) من كتاب حقيقة الوحي،
ص 391 له.
وقوله: (خاطبني الله بقوله: اسمع يا ولدي) من كتاب البشرى، ص 94
له.
وقوله (كان المسيح متعودًا على الكذب والافتراء) من كتاب ضميمة أنجام
آتهم، ص 17.
وهكذا من هذه التخريفات وقد أفتى علماء الهند الفضلاء بكفره لهذه الأقوال
الشائنة، وذيلت هذه الفتيا بتوقيعات كثير من الأفراد والطبقات العلمية في جميع
بلاد الهند تقريبًا، وفي كثير من بلدان الإسلام.
(4)
أما حادثة الأزهر، فخلاصتها أن طالبين ألبانيين ممن ينتسبون إلى
هذه الطائفة، اندرجا في سلك طلبة القسم العام، وتنبه لهما بعض اليقظين من
الطلبة، فأبلغوا أمرهما إلى الجهات المختصة في الأزهر، فأُجري تحقيق بمعرفة
شيخ القسم العام، ثم ألفت لجنة للكشف عن حقيقة هذا المذهب، وقد أمد بعض
الغيورين هذه اللجنة بكثير من كتب هذه الطائفة، التي تصرح بضلالها ومِحالها.
وكلمتنا لحضرات أصحاب الفضيلة علماء الأزهر الأجلاء - وعلى رأسهم
فضيلة الأستاذ الأكبر - أن الأمر أهون من ذلك كله، والحق واضح بيِّن، ووجود
هذين الطالبين بين الطلبة فيه خطر محقق، ذلك إلى أنهما يستخدمان نسبتهما
للأزهر وحملهما لاسم طلب العلم فيه استخدامًا خبيثًا في تأييد نحلتهما الضالة الهدامة.
وقد ذاع الأمر الآن في مصر وفي غير مصر من بلاد الإسلام، وعلى يد هذين
الطالبين وأمثالهما ممن يشايعهما في ألبانيا ذاع السفور والتحلل من عقدة الإسلام،
ورأي الأزهر رأي رسمي، يتخذه الناس حجة في كل أقطار العالم، فتبعة فتواه في
هذا كبيرة عظيمة، ومسئوليته في هذا لا يعلم مداها إلا الله.
نرجو أن تضع اللجنة نصب عينها هذه الحقائق، وأن تقذف هذه الفتنة بالحق
الواضح فتدمغها، فإذا هي زاهقة، وأن تأخذ بالحزم فتقصي عن حرم الأزهر كل
طالب لا خير فيه للإسلام، والله الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
(في العدد القادم)
ورد علينا سؤالان: أحدهما خاص باستحضار الأرواح، والثاني خاص بما
قيل في خطيئة آدم عليه السلام، نرجئ الكلام فيهما إلى العدد القادم.
_________