الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
53 -
الأدلة من الكتاب والسنة
تحرم الأغاني والملاهي وتحذر منها
.
لقد اطلعت على ما نشرته مجلة الرائد، في عددها السابع والستين، والثامن والستين، بقلم أبي تراب الظاهري، تحت عنوان:" الكتاب والسنة لم يحرما الغناء ولا استعمال المعازف والمزامير والاستماع إليها " وتأملت ما ذكره في هذا المقال من الأحاديث والآثار، وما اعتمده في القول بحل الغناء وآلات الملاهي، تبعا لإمامه أبي محمد ابن حزم الظاهري، فتعجبت كثيرا من جرأته الشديدة، تبعا لإمامه أبي محمد على القول بتضعيف جميع ما ورد من الأحاديث في تحريم الغناء وآلات الملاهي، بل على ما هو أشنع من ذلك، وهو القول بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة، وعجبت أيضا من جرأتهما الشديدة الغريبة على القول بحل الغناء، وجميع آلات الملاهي، مع كثرة ما ورد في النهي عن ذلك، من الآيات والأحاديث والآثار عن السلف الصالح رضي الله عنهم، فنسأل
الله العافية والسلامة من القول عليه بغير علم، والجرأة على تحليل ما حرمه الله من غير برهان. ولقد أنكر أهل العلم قديما على أبي محمد هذه الجرأة الشديدة وعابوه بها، وجرى عليه بسببها محن كثيرة، فنسأل الله أن يعفو عنا وعنه وعن سائر المسلمين. ولقد حذر الله عباده من القول عليه بغير علم، ونهاهم سبحانه أن يحرموا أو يحللوا بغير برهان، وأخبر عز وجل أن ذلك من أمر الشيطان وتزيينه، قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (1) وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (2){مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (4){إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (5) فحذر الله سبحانه عباده في هذه الآيات الكريمات من التحليل والتحريم بغير علم، وبين سبحانه أن القول عليه بغير علم في رتبة رهيبة فوق الشرك، ونبه عباده على أن الشيطان يحب منهم
(1) سورة الأعراف الآية 33
(2)
سورة النحل الآية 116
(3)
سورة النحل الآية 117
(4)
سورة البقرة الآية 168
(5)
سورة البقرة الآية 169
القول على الله بغير علم، ويأمرهم به؛ ليفسد عليهم بذلك دينهم وأخلاقهم ومجتمعهم، فالواجب على كل مسلم أن يحذر القول على الله بغير علم، وأن يخاف الله سبحانه، ويراقبه فيما يحلل ويحرم، وأن يتجرد من الهوى والتقليد الأعمى، وأن يقصد أيضا حكم الله لعباد الله، على الوجه الذي بينه الله في كتابه، أو أرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، نصحا لله ولعباده، وحذرا من كتمان العلم، ورغبة في ثواب الله على ذلك، فنسأل الله لنا ولسائر إخواننا التوفيق لهذا المسلك، الذي سلكه أهل العلم والإيمان، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه على كل شيء قدير، وأنا ذاكر لك أيها القارئ - إن شاء الله - ما وقع في كلام أبي تراب وإمامه أبي محمد من الأخطاء، وموضح لك ما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة والآثار في تحريم الغناء وآلات الملاهي، وذاكر من كلام أهل العلم في هذا الباب ما يشفي ويكفي، حتى تكون من ذلك على صراط مستقيم، وحتى يزول عن قلبك- إن شاء الله- ما قد علق به من الشبه والشكوك، التي قد يبتلى بها من سمع مقال أبي تراب وأضرابه من الكتاب، وبالله نستعين، وعليه نتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال أبو تراب: " وتحقيق المسألة أن الغناء وآلاته والاستماع إليه مباح، لم يرد في الشريعة - التي جاء بها محمد
صلى الله عليه وسلم- نص ثابت في تحريمه البتة، والأدلة تؤخذ من الأصلين هما الكتاب والسنة، وما سواهما فهو شغب وباطل مردود، ولا يحل لمؤمن أن يعدو حدود الله قطعا. . . إلى أن قال في أثناء مقاله:. . . قال الحافظ أبو محمد ابن حزم: بيع الشطرنج والمزامير والعيدان والمعازف والطنابير، حلال كله، من كسر شيئا من ذلك ضمنه إلا أن يكون صورة مصورة، فلا ضمان على كاسرها، لما ذكرنا من قبل، لأنها مال من مال مالكها ". أقول: لقد أخطأ أبو محمد، وأخطأ بعده أبو تراب في تحليل ما حرم الله من الأغاني وآلات الملاهي، وفتحا على الناس أبواب شر عظيم، وخالفا بذلك سبيل أهل الإيمان، وحملة السنة والقرآن، من الصحابة وأتباعهم بإحسان، وإن ذلك لعظيم، وخطره جسيم، فنسأل الله لنا وللمسلمين العافية من زيغ القلوب ورين الذنوب، وهمزات الشيطان، إنه جواد كريم.
ولقد ذهب أكثر علماء الإسلام، وجمهور أئمة الهدى إلى تحريم الأغاني وجميع المعازف، وهي آلات اللهو كلها، وأوجبوا كسر آلات المعازف وقالوا: لا ضمان على متلفها، وقالوا: إن الغناء إذا انضم إليه آلات المعازف، كالطبل والمزمار والعود وأشباه ذلك، حرم بالإجماع، إلا ما يستثنى من ذلك من دق النساء في العرس ونحوه، على ما يأتي بيانه -
إن شاء الله تعالى- وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح إجماع علماء المسلمين على ما ذكرنا من تحريم الأغاني والمعازف إذا اجتمعا، كما سيأتي نص كلامه فيما نقله عنه العلامة ابن القيم رحمه الله، وما ذلك إلا لما يترتب على الغناء وآلات اللهو من قسوة القلوب، ومرضها، وصدها عن القرآن الكريم، واستماع العلوم النافعة، ولا شك أن ذلك من مكائد الشيطان، التي كاد بها الناس، وصاد بها من نقص علمه ودينه، حتى استحسن سماع قرآن الشيطان ومزموره، بدلا من سماع كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد اشتد نكير السلف على من اشتغل بالأغاني والملاهي، ووصفوه بالسفه والفسق، وقالوا: لا تقبل شهادته، كما سيأتي بعض كلامهم في ذلك- إن شاء الله- وما ذلك إلا لما ينشأ عن الاشتغال بالغناء والمعازف من ضعف الإيمان، وقلة الحياء والورع، والاستخفاف بأوامر الله ونواهيه، ولما يبتلى به أرباب الغناء والمعازف من شدة الغفلة، والارتياح إلى الباطل، والتثاقل عن الصلاة، وأفعال الخير، والنشاط فيما يدعو إليه الغناء والمعازف من الزنا واللواط وشرب الخمور، ومعاشرة النسوان والمردان، إلا من عصم الله من ذلك. ومعلوم عند ذوي الألباب ما يترتب على هذه الصفات من أنواع الشر والفساد، وما في ضمنها من وسائل الضلال والإضلال، وإليك- أيها
القارئ الكريم - بعض ما ورد في تحريم الأغاني والمعازف من آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (1){وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (2) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند هاتين الآيتين ما نصه: لما ذكر حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله، وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (3) الآية، عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء والألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (4) قال: هو والله الغناء. وروى ابن جرير، حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي،
(1) سورة لقمان الآية 6
(2)
سورة لقمان الآية 7
(3)
سورة الزمر الآية 23
(4)
سورة لقمان الآية 6
عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (1) فقال عبد الله بن مسعود: الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات (2) . حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء، أنه سأل ابن مسعود عن قول الله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} (3) قال: الغناء؛ وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بذيمة، وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (4) في الغناء والمزامير. وقال قتادة: قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (5) والله، لعله لا ينفق فيه مالا، ولكن شراؤه استجابة، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع، انتهى كلامه.
فتأمل- أيها القارئ الكريم- هاتين الآيتين الكريمتين، وكلام هذا الإمام في تفسيرهما، وما نقل عن أئمة السلف في
(1) سورة لقمان الآية 6
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره (14\ 52) والطبري في تفسيره (21\ 61) وابن كثير في تفسيره (3\ 443) .
(3)
سورة لقمان الآية 6
(4)
سورة لقمان الآية 6
(5)
سورة لقمان الآية 6
ذلك، يتضح لك ما وقع فيه أرباب الأغاني والملاهي من الخطر العظيم، وتعلم بذلك صراحة الآية الكريمة في ذمهم وعيبهم، وأن اشتراءهم للهو الحديث، واختيارهم له، من وسائل الضلال والإضلال، وإن لم يقصدوا ذلك، أو يعلموه؛ وذلك لأن الله سبحانه مدح أهل القرآن في أول السورة، وأثنى عليهم بالصفات الحميدة، وأخبر أنهم أهل الهدى والفلاح، حيث قال عز وجل:{الم} (1){تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} (2){هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} (3){الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (4){أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (5) ثم قال سبحانه بعد هذا: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (6) الآية، وذلك يدل على ذم هؤلاء المشترين، وتعرضهم للضلال بعد الهدى، وما كان وسيلة للضلال والإضلال فهو مذموم، يجب أن يحذر ويبتعد عنه، وهذا الذي قاله الحافظ ابن كثير في تفسير الآية، قاله غيره من أهل التفسير، كابن جرير والبغوي والقرطبي وغير واحد، حتى قال الواحدي في تفسيره: أكثر المفسرين على أن لهو الحديث هو الغناء، وفسره آخرون بالشرك، وفسره جماعة بأخبار الأعاجم، وبالأحاديث الباطلة التي تصد عن الحق، وكلها
(1) سورة لقمان الآية 1
(2)
سورة لقمان الآية 2
(3)
سورة لقمان الآية 3
(4)
سورة لقمان الآية 4
(5)
سورة لقمان الآية 5
(6)
سورة لقمان الآية 6
تفاسير صحيحة، لا منافاة بينها، والآية الكريمة تذم من اعتاد ما يصد عن سبيل الله ويلهيه عن كتابه، ولا شك أن الأغاني وآلات الملاهي من أقبح لهو الحديث الصاد عن كتاب الله وعن سبيله، قال أبو جعفر ابن جرير رحمه الله في تفسيره- لما ذكر أقوال المفسرين في لهو الحديث- ما نصه: والصواب من القول في ذلك أن يقال: عني به كل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه، أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله {لَهْوَ الْحَدِيثِ} (1) ولم يخصص بعضا دون بعض، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك. انتهى كلامه.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (2)" من " في موضع رفع بالابتداء، {لَهْوَ الْحَدِيثِ} (3) الغناء، في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، ثم بسط الكلام في تفسير هذه الآية، ثم قال: المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون، الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر
(1) سورة لقمان الآية 6
(2)
سورة لقمان الآية 6
(3)
سورة لقمان الآية 6
الخمور والمحرمات، لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق، فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة وسلمة بن الأكوع، فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام، انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن، وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت:«دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر رضي الله عنه، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " دعهما " فلما غفل غمزتهما فخرجتا (1) » ، وفي رواية لمسلم:«فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا (2) » . وفي
(1) رواه البخاري في (الجمعة) باب الحراب والدرق يوم العيد برقم (950) ومسلم في (صلاة العيدين) باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد برقم (892) .
(2)
رواه البخاري في (الجمعة) باب سنة العيدين لأهل الإسلام برقم (952) ومسلم في (صلاة العيدين) باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد برقم (892) .
رواية له أخرى: فقال صلى الله عليه وسلم: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد (1) » وفي بعض رواياته أيضا: «جاريتان تلعبان بدف (2) » ، فهذا الحديث الجليل يستفاد منه، أن كراهة الغناء وإنكاره وتسميته مزمار الشيطان، أمر معروف مستقر عند الصحابة رضي الله عنهم؛ ولهذا أنكر الصديق على عائشة غناء الجاريتين عندها، وسماه مزمار الشيطان، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم تلك التسمية، ولم يقل له: إن الغناء والدف لا حرج فيهما، وإنما أمره أن يترك الجاريتين، وعلل ذلك بأنها أيام عيد، فدل ذلك على أنه ينبغي التسامح في مثل هذا للجواري الصغار في أيام العيد؛ لأنها أيام فرح وسرور، ولأن الجاريتين إنما أنشدتا غناء الأنصار الذي تقاولوا به يوم بعاث، فيما يتعلق بالشجاعة والحرب، بخلاف أكثر غناء المغنين والمغنيات اليوم، فإنه يثير الغرائز الجنسية، ويدعو إلى عشق الصور، وإلى كثير من الفتن الصادة للقلوب عن تعظيم
(1) رواه البخاري في (الجمعة) باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين برقم (988) ومسلم في (صلاة العيدين) باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد برقم (892) .
(2)
رواه مسلم في (صلاة العيدين) باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد برقم (892) .
الله ومراعاة حقه، فكيف يجوز لعاقل أن يقيس هذا على هذا، ومن تأمل هذا الحديث علم أن ما زاد على ما فعلته الجاريتان منكر، يجب التحذير منه حسما لمادة الفساد، وحفظا للقلوب عما يصدها عن الحق، ويشغلها عن كتاب الله وأداء حقه، وأما دعوى أبي تراب أن هذا الحديث حجة على جواز الغناء مطلقا، فدعوى باطلة؛ لما تقدم بيانه، والآيات والأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب، كلها تدل على بطلان دعواه.
وهكذا الحديث الذي رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي، عن عامر بن سعد البجلي، أنه رأى أبا مسعود البدري وقرظة بن كعب وثابت بن يزيد، وهم في عرس وعندهم غناء، فقلت لهم: هذا وأنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:«إنه رخص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت من غير نوح (1) » ، فهذا الحديث ليس فيه حجة على جواز الغناء مطلقا، وإنما يدل على جوازه في العرس، لإعلان النكاح، ومن تأمل هذا الحديث عرف أنه دليل على منع الغناء، لا على جوازه، فإنه صلى الله عليه وسلم لما رخص لهم أغنية في العرس لحكمة معلومة، دل على منعه فيما سواه
(1) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (3\ 1306) وابن حزم في المحلى (9\62) .
إلا بدليل خاص، كما أن الرخصة للمسافر في قصر الرباعية يدل على منع غيره من ذلك، وهكذا الرخصة للحائض والنفساء في ترك طواف الوداع يدل على منع غيرها من ذلك، والأمثلة لهذا كثيرة، وأيضا فإنكار عامر بن سعد على هؤلاء الصحابة الغناء وإقرارهم له على ذلك، دليل على أن كراهة الغناء والمنع منه أمر قد استقر عند الصحابة والتابعين وعرفوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله المستعان.
قال العلامة ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه (إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان) ما نصه: ومن مكائد عدو الله ومصائده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن القرآن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكرا وغرورا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه، فقبلت وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجورا. . . إلى أن قال رحمه الله. . . ولقد أحسن القائل:
تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة
…
لكنه إطراق ساه لاهي
وأتى الغناء، فكالحمير تناهقوا
…
والله ما رقصوا لأجل الله
دف ومزمار ونغمة شادن
…
فمتى رأيت عبادة بملاهي
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا
…
تقييده بأوامر ونواهي
سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى
…
زجرا وتخويفا بفعل مناهي
ورأوه أعظم قاطع للنفس عن
…
شهواتها يا ذبحها المتناهي
وأتى السماع موافقا أغراضها
…
فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه
أين المساعد للهوى من قاطع
…
أسبابه، عند الجهول الساهي
إن لم يكن خمر الجسوم فإنه
…
خمر العقول مماثل ومضاهي
فانظر إلى النشوان عند شرابه
…
وانظر إلى النسوان عند ملاهي
وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه
…
من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي
واحكم فأي الخمرتين أحق بالت
…
حريم والتأثيم عند الله
وقال آخر:
برئنا إلى الله من معشر
…
بهم مرض من سماع الغنا
وكم قلت يا قوم أنتم على
…
شفا جرف ما به من بنا
شفا جرف تحته هوة
…
إلى درك كم به من عنا
وتكرار ذا النصح منا لهم
…
لنعذر فيهم إلى ربنا
فلما استهانوا بتنبيهنا
…
رجعنا إلى الله في أمرنا
فعشنا على سنة المصطفى
…
وماتوا على تنتنا تنتنا
ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى، تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتحذر من سلوك سبيلهم واقتفاء آثارهم من جميع طوائف الملة. انتهى كلامه رحمه الله.