الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
136 -
بيان أهمية الفقه الإسلامي
(1)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن معرفة الفقه الإسلامي وأدلة الأحكام، ومعرفة فقهاء الإسلام الذين يرجع إليهم في هذا الباب من الأمور المهمة التي ينبغي لأهل العلم العناية بها وإيضاحها للناس؛ لأن الله سبحانه خلق الثقلين لعبادته ولا يمكن أن تعرف هذه العبادة إلا بمعرفة الفقه الإسلامي وأدلته، وأحكام الإسلام وأدلته ولا يكون ذلك إلا بمعرفة العلماء الذين يعتمد عليهم في هذا الباب من أئمة الحديث والفقه الإسلامي.
فالعلماء هم ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن أسباب السعادة للعبد، ومن علامات النجاة والفوز أن يفقه في دين الله، وأن يكون فقيها في الإسلام، بصيرا بدين الله على ما جاء في كتاب الله الكريم وسنة رسوله الأمن عليه الصلاة والسلام.
(1) كلمة ألقاها سماحته في الجامع الكبير بالرياض يوم 27\4\1400 هـ. ونشرت في هذا المجموع ج 9 ص 128
والعلماء قد بين الله شأنهم ورفع قدرهم، وهم أهل العلم بالله وبشريعته، والعاملون بما جاء عن الله وعن نبيه عليه الصلاة والسلام، وهم علماء الهدى، ومصابيح الدجى، وهم العاملون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم جل وعلا:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (1) وقال فيهم جل وعلا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (2)
وقال فيهم سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (3) وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (4) » متفق على صحته. فهذا الحديث العظيم يدلنا على فضل الفقه في الدين. والفقه في الدين هو: الفقه في كتاب الله عز وجل، والفقه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الفقه في الإسلام من جهة أصل الشريعة، ومن جهة أحكام الله التي أمرنا بها، ومن جهة ما نهانا عنه سبحانه وتعالى، ومن جهة البصيرة بما يجب على العبد من حق الله وحق عباده، ومن جهة خشية الله وتعظيمه ومراقبته. فإن رأس
(1) سورة آل عمران الآية 18
(2)
سورة المجادلة الآية 11
(3)
سورة فاطر الآية 28
(4)
صحيح البخاري العلم (71) ، صحيح مسلم الإمارة (1037) ، سنن ابن ماجه المقدمة (221) ، مسند أحمد بن حنبل (4/93) ، موطأ مالك كتاب الجامع (1667) ، سنن الدارمي المقدمة (226) .
العلم خشية الله سبحانه وتعالى وتعظيم حرماته ومراقبته عز وجل فيما يأتي العبد ويذر، فمن فقد خشية الله ومراقبته فلا قيمة لعلمه، إنما العلم النافع، والفقه في الدين الذي هو علامة السعادة، هو العلم الذي يؤثر في صاحبه خشية الله، ويورثه تعظيم حرمات الله ومراقبته، ويدفعه إلى أداء فرائض الله وإلى ترك محارم الله، وإلى الدعوة إلى الله عز وجل، وبيان شرعه لعباده، فمن رزق الفقه في الدين على هذا الوجه فذلك هو الدليل والعلامة على أن الله أراد به خيرا، ومن حرم ذلك وصار مع الجهلة والضالين عن السبيل، المعرضين عن الفقه في الدين، وعن تعلم ما أوجب الله عليه، وعن البصيرة فيما حرم الله عليه فذلك من الدلائل على أن الله لم يرد به خيرا، وقد وصف الله الكفار بالإعراض عما خلقوا له وعما أنذروا به، تنبيها لنا على أن الواجب على المسلم أن يقبل على دين الله، وأن يتفقه في دين الله، وأن يسأل عما أشكل عليه وأن يتبصر، قال عز وجل:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} (1) وقال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} (2)
فمن شأن المؤمن طلب العلم والتفقه في الدين، والتبصر، والعناية بكتاب الله والإقبال عليه وتدبره
(1) سورة الأحقاف الآية 3
(2)
سورة الكهف الآية 57
والاستفادة منه والعناية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتفقه فيها، والعمل بها وحفظ ما تيسر منها، فمن أعرض عن هذين الأصلين وغفل عنهما فذلك دليل وعلامة على أن الله سبحانه لم يرد به خيرا وذلك علامة الهلاك والدمار، وعلامة فساد القلب وانحرافه عن الهدى.
نسأل الله السلامة والعافية من كل ما يغضبه، فجدير بنا معشر المسلمين أن نتفقه في دين الله وأن نتعلم ما يجب علينا، وأن نحرص على العناية بكتاب الله تدبرا وتعقلا وتلاوة، واستفادة، وعملا بذلك، وأن نعنى بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام حفظا وعملا وتفقها فيها، وأن نعنى أيضا بالسؤال عما أشكل علينا. فالإنسان يسأل عما أشكل عليه ويسأل من هو أعلم منه ليستفيد، عملا بقول الله سبحانه:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1) وعليه أن يحضر حلقات العلم ليستفيد، ويتذاكر مع إخوانه الذين يرجو أن يكون عندهم علم حتى يستفيد من علمهم، وحتى يضم ما لديهم من العلوم النافعة إلى ما لديه من العلم، فيحصل له بذلك خير كثير ويحصل له بذلك الفقه في الدين
(1) سورة النحل الآية 43
ويحصل له بذلك البعد عن صفات المعرضين والغافلين، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (1) » وبما ذكرنا يعرف المؤمن فضل فقهاء الإسلام، وأنهم قد أوتوا خيرا كثيرا، وقد فازوا بحظ عظيم، من أسباب السعادة وطرق الهداية؛ لأن العلم النافع من أسباب الهداية، ومن حرم العلم حرم خيرا كثيرا، ومن رزق العلم النافع فقد رزق أسباب السعادة إذا عمل بذلك واتقى الله في ذلك.
وعلى رأس العلماء بعد الرسل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنهم هم الفقهاء على الكمال الذين تلقوا العلم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتفقهوا في كتاب ربهم، وسنة نبيهم عليه الصلاه والسلام، ونقلوا ذلك إلى من بعدهم غضا طريا تفقهوا وعملوا، ونقلوا العلم إلى من بعدهم من التابعين، نقلوا كتاب الله إلى من بعدهم لفظا وتفسيرا، وقراءة، إلى غير ذلك، ونقلوا إلى من بعدهم أيضا ما بينه لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام من معنى كلام الله عز وجل، ونقلوا أيضا لمن بعدهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي سمعوها منه، والتي رأوها منه عليه الصلاة والسلام والتي أقرهم عليها، نقلوها إلى من بعدهم بغاية الأمانة والصدق، نقلوها إلى الأمة بواسطة الثقات من
(1) صحيح البخاري العلم (71) ، صحيح مسلم الإمارة (1037) ، سنن ابن ماجه المقدمة (221) ، مسند أحمد بن حنبل (4/93) ، موطأ مالك كتاب الجامع (1667) ، سنن الدارمي المقدمة (226) .
التابعين حتى نقلت إلينا بالطرق المحفوظة الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك، نقلها الثقات عن الثقات، والثقات عن الثقات، حتى وصلت إلى هذا القرن وما بعده، وهذا من إقامة الحجة من الله عز وجل على عباده، فإن نقل العلم من طرق الثقات عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة إلى من بعدهم إقامة للحجة وإيضاح للمحجة، ودعوة إلى الحق، وتحذير من الباطل وتبصير للعباد بما خلقوا له من عبادة الله وطاعته جل وعلا، وبهذا يعلم أن لهم من الحق على من بعدهم الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والرضا والحرص على الاستفادة من علومهم، وما جمعوه وألفوه من العلوم النافعة فإنهم سبقوا إلى خير عظيم، وإلى علم جم، سبقوا إلى الفقه في كتاب الله وإلى الفقه في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ونقلوا إلينا ما وصل إليهم من علم بالله وبكتابه وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فوجب علينا أن نعرف لهم قدرهم، وأن نشكرهم على علمهم العظيم، وعلى ما قاموا به من حفظ رسالة الله وتفقيه الناس في دين الله، وأن نستعين بما دونوه، وما خلفوه من الكتب المفيدة والعلوم النافعة حتى نعرف بذلك معاني كلام الله، ومعاني كلام رسوله عليه الصلاة والسلام.
وإن من أعظم الفائدة ومن أكبر الخير الذي نقلوه إلينا أن حفظوا علينا سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ونقلوها إلينا طرية
غضة سليمة محفوظة، وفيها تفسير كتاب الله، وفيها بيان ما أجمل في كتاب الله، وفيها بيان الأحكام التي جاء بها الوحي الثاني إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الوحي من الله إلى النبي وهو السنة المطهرة، فإن الله جل وعلا أعطى نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن ومثله معه كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام:«ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه (1) » .
فعلى أهل العلم أن ينقلوا ما جاءت به السنة، وأن يوضحوا ذلك للناس وأن يرشدوهم إلى معاني كلام ربهم وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، في الخطب والمواعظ والدروس وحلقات العلم، وغير هذا من أسباب التوجيه والتعليم والإرشاد.
ولهذا ارتحل العلماء إلى الأمصار، واتصلوا بالعلماء في كل قطر للفائدة والعلم، ففي عهد الصحابة سافر بعض الصحابة من المدينة إلى مصر والشام وإلى العراق واليمن وإلى غير ذلك للفائدة، ولنقل العلم، فتجد الصحابة رضي الله عنهم وهم أفضل الناس بعد الأنبياء ينتقلون من بلاد إلى بلاد ليسألوا عن سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتتهم ولم يحفظوها، فبلغهم ذلك عن
(1) رواه أحمد في مسند الشاميين برقم (16546) حديث المقدام بن معدي كرب الكندي.
صحابي آخر فيسافر أحدهم إليه ليسمع ذلك منه ولينتفع بذلك ولينقله إلى غيره من إخوانه في الله التابعين لهم بإحسان.
ثم جاء العلماء بعدهم من التابعين، هكذا فعلوا، ارتحلوا في العلم وساروا في طلب العلم، وتبصروا في دين الله وتفقهوا على الصحابة وسألوهم رضي الله عنهم وأرضاهم عما أشكل عليهم، وعملوا بذلك ثم نقلوا ذلك إلى من بعدهم، ثم ألفوا كتبا عظيمة في الحديث والتفسير واللغة العربية وغير هذا من أنواع العلوم الشرعية حتى بصروا الناس وحتى أرشدوا إلى الطريق السوي وحتى علموهم القواعد الشرعية التي بها يعرف كتاب الله، وبها تعلم معانيه، وبها تحفظ السنة وبها تعلم معانيها، وبذلك يحصل العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على بصيرة وعلى هدى وعلى نور، فجزاهم الله عن ذلك خيرا وضاعف لهم الأجور، وضاعف لهم الحسنات، ونفعنا بعلومهم جميعا، وأعاذنا جميعا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومما يتعلق بهذا حضور حلقات العلم لأنها من طريق أهل العلم، وفي الحديث الصحيح:«إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر (1) » وقال عليه الصلاة
(1) رواه الترمذي في الدعوات برقم (3432) باب ما جاء في عقد التسبيح باليد، وأحمد برقم (12065) باقي مسند المكثرين، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه.
والسلام: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة (1) » وقال عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (2) فهذه أشياء مهمة تتعلق بالفقه والفقهاء، وبطلب العلم في المساجد، وبالرحلة إلى البلدان التي فيها العلماء المعروفون بالاستقامة كل هذا من أسباب تحصيل العلم ومن الطرق التي توصل إليه، وصاحبها يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة (3) » .
فإذا سأل أهل العلم، أو سافر إليهم في بلادهم أو زارهم في بيوتهم وفي المساجد فقد سلك طريقا يلتمس فيه علما، وذكر أهل العلم أن من الطرق المعينة على حفظ العلم: كتابته والعناية بحفظه، كما فعل سلفنا الصالح رحمهم الله ومن بعدهم من أهل العلم، كل هذا من وسائل تحصيل العلم، ومن الطرق الموصلة إليه، كما أن الرحلة والانتقال من بلد إلى بلد، ومن مسجد إلى مسجد، ومن حلقة إلى حلقة، ومن بيت عالم إلى بيت عالم لطلب العلم وللتفقه في الدين، كل ذلك أنواع وطرق من طرق تحصيل العلم وهي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم:«من سلك طريقا يلتمس فيه علما (4) » الحديث.
والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
(1) صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) ، سنن الترمذي القراءات (2945) ، سنن ابن ماجه المقدمة (225) ، مسند أحمد بن حنبل (2/252) ، سنن الدارمي المقدمة (344) .
(2)
سورة النحل الآية 43
(3)
صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) ، سنن الترمذي القراءات (2945) ، سنن ابن ماجه المقدمة (225) ، مسند أحمد بن حنبل (2/252) ، سنن الدارمي المقدمة (344) .
(4)
صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) ، سنن الترمذي القراءات (2945) ، سنن أبو داود الأدب (4946) ، سنن ابن ماجه المقدمة (225) ، مسند أحمد بن حنبل (2/252) ، سنن الدارمي المقدمة (344) .
العلم وأخلاق أهله
الحمد لله رب العالمن، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله إلى يوم الدين. أما بعد:
فلقد سمعنا من قارئنا آيات مباركات فيها العظة والذكرى، وبيان أن الله عز وجل يخلق ما يشاء ويختار، وأنه العالم بأحوال العباد وما تكنه صدورهم وما يعلنون، وأنه المحمود جل وعلا في الأولى والأخرى سبحانه وتعالى، وأن المرجع إليه والمصير إليه، وأنه المتفضل بالليل والنهار في مصالح العباد. وأن ذلك من رحمته عز وجل.
فما أولانا بتدبر كتابه الكريم، تدبر من يريد العلم، ومن هو مؤمن بهذا الكتاب العظيم، وأنه كلام الله حقا، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ما أولى أهل العلم بأن يتدبروا هذا الكتاب العظيم، وأن يعنوا به غاية العناية، قاصدين معرفة مراد ربهم عز وجل، والعمل بذلك، عملا بقوله عز وجل:
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (1) وبقوله سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (2) مستشعرين قوله عز وجل: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (3) ، {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} (4)
فوصيتي قبل كلمتي: العناية بهذا الكتاب العظيم، تدبرا وتعقلا، وإكثارا من تلاوته، وعملا بالمعنى. فهو أنزل ليعمل به، لا لمجرد التلاوة. فأسأل الله للجميع التوفيق.
أما كلمتي هذه الليلة، فأرجو أن تكون موجزة، وهي كما قال المقدم (العلم وأخلاق أهله) :
العلم معلوم لدى الجميع فضله، وأن أشرف شيء يطلبه الطالبون ويسعى في تحصيله الراغبون هو العلم الشرعي، فإن العلم يطلق على أشياء كثيرة، ولكن عند علماء الإسلام المراد بالعلم هو: العلم الشرعي، وهو المراد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند الإطلاق وهو: العلم بالله وبأسمائه وصفاته، والعلم بحقه على عباده، وبما شرعه لهم سبحانه وتعالى.
(1) سورة ص الآية 29
(2)
سورة محمد الآية 24
(3)
سورة الإسراء الآية 9
(4)
سورة فصلت الآية 44
والعلم بالطريق والصراط الموصل إليه، وتفاصيله، والعلم بالغاية والنهاية التي ينتهي إليها العباد في الدار الأخرى.
هذا العلم الشرعي هو أفضل العلوم وهو الجدير بالطلب والحرص على تحصيله، لأنه به يعرف الله سبحانه وتعالى وبه يعبد. وبهذا العلم يعرف ما أحل الله وما حرم وما يرضيه وما يسخطه.
وبهذا العلم يعرف المصير إليه والنهاية من هذه الحياة، وأن قسما من هؤلاء المكلفين ينتهون إلى الجنة والسعادة، وأن الآخرين وهم الأكثرون ينتهون إلى دار الهوان والشقاء، وقد نبه أهل العلم على هذا وبينوا أن العلم ينحصر في هذا المعنى، وممن نبه عليه القاضي ابن أبي العز شارح الطحاوية في أول شرحه، ونبه عليه غيره كابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة آخرين.
وهو واضح ويتفاوت في الفضل بحسب متعلقاته، فأفضله وأعظمه وأشرفه ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، وهو علم العقيدة، فإن الله جل وعلا له المثل الأعلى سبحانه وتعالى. وهو الوصف الأعلى من جميع الوجوه في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
ثم يلي ذلك ما يتعلق بحقه على عباده، وما شرعه من الأحكام، وما ينتهي إليه العاملون، ثم ما يتبع ذلك مما يعين عليه، ويوصل إليه من علم قواعد العربية، والمصطلحات الإسلامية في أصول الفقه،
ومصطلح الحديث، وفي غير ذلك مما يتعلق بذلك العلم ويعين عليه، وعلى فهمه، والكمال فيه.
ويلتحق بذلك علم السيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، وتراجم رجال الحديث وأئمة الإسلام، ويلتحق بذلك كل ما له صلة بهذا العلم.
وقد شرف الله أهل هذا العلم، ونوه بهم وعظم شأنهم سبحانه، واستشهدهم على توحيده، والإخلاص له، حيث قال عز وجل:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (1) فاستشهد أهل العلم على وحدانيته مع الملائكة، فالملائكة عليهم السلام، وأولو العلم الشرعي هم الشهداء على توحيد الله والإخلاص له، وأنه رب العالمين، وأنه الإله الحق، وأن العبادة لغيره باطلة، وكفى بها شرفا لأهل العلم، حيث استشهدهم على وحدانيته واستحقاقه في العبادة سبحانه وتعالى، وبين جل وعلا أنهم لا يستوون مع غيرهم بقوله سبحانه وتعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (2) ويقول عز وجل:
(1) سورة آل عمران الآية 18
(2)
سورة الزمر الآية 9
فلا يستوي هؤلاء وهؤلاء، لا يستوي من يعلم أن ما أنزل الله هو الحق وهو الهدى، وهو طريق السعادة، مع الذين قد عموا عن هذا الطريق، وعن هذا العلم، فرق عظيم بين هؤلاء وهؤلاء، فرق بين من عرف الحق، واستضاء بنوره وسار على هداه إلى أن لقي ربه وفاز بالكرامة والسعادة، وبين من عمي عن هذا الطريق، واتبع هواه وسار في طريق الشيطان والهوى.
لا يستوي هؤلاء وهؤلاء، وقد بين الله سبحانه أنه يرفع درجات أهل العلم وما ذلك إلا لعظيم آثارهم في الناس، ونفعهم لهم. ولهذا قال أهل العلم: ما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح آثار الناس عليهم.
فآثارهم بتوجيه الناس إلى الخير، وإرشادهم إلى الحق، وتوصيلهم للهدى، وهي آثار عظيمة شكرها الله لهم، وشكرها المؤمنون، وعلى رأسهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -: فهم الهداة والدعاة وهم أعلم الناس بالله وبشريعته، وأفضل الناس بعد الرسل وأتبعهم لهم، وأعلمهم بما جاؤا به، وأكملهم دعوة إليه، وصبرا
(1) سورة الرعد الآية 19
عليه، وإرشادا إليه: قال جل وعلا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (1) وقال سبحانه وتعالى {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} (2) وبين عز وجل أن أهل العلم هم الذين يخشونه على الحقيقة والكمال، وإن كانت الخشية موجودة من المؤمنين عموما، ومن بعض الآخرين، ولكن خشية الله على الكمال والحقيقة للعلماء، وعلى رأسهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (3) يعني: الخشية الكاملة.
والعلماء هم: العارفون بالله وبأسمائه وبصفاته، وبشريعته التي بعث بها رسله، ولهذا قال نبينا محمد عليه الصلاة والسلام لما قال له بعض الناس مستثقلا العلم الذي أرشده إليه: لسنا مثلك يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له (4) » .
فالعلماء بالله وبدينه وبأسمائه وصفاته هم أخشى الناس لله، وأقوى الناس في الحق على حسب علمهم به، وعلى حسب درجاتهم في ذلك، وأعلاهم في هذا وأكملهم فيه هم الرسل
(1) سورة المجادلة الآية 11
(2)
سورة الأنعام الآية 83
(3)
سورة فاطر الآية 28
(4)
صحيح البخاري النكاح (5063) .
- عليهم الصلاة والسلام -، فهم أخشى الناس لله، وأتقاهم له، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان فضل العلم، وتكاثرت في ذلك.
فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (1) » خرجه مسلم في صحيحه رحمه الله. فهذا يدلنا على أن طلاب العلم على خير عظيم، وأنهم على طريق نجاة وسعادة لمن أصلح الله نيته في طلب العلم وابتغى به وجه الله عز وجل، وقصد العلم لنفس العلم، وللعمل، لا لأجل الرياء والسمعة، أو لأجل مقاصد أخرى، من المقاصد العاجلة، وإنما يتعلمه لمعرفة دينه، والبصيرة بما أوجب الله عليه، وليسعى في إخراج الناس من الظلمات إلى النور فيعلم ويعمل ويعلم غيره من المقاصد الحسنة التي أمر المسلم بها، فكل طريق يسلكه في طلب العلم فهو طريق إلى الجنة، ويعم ذلك جميع الطرق الحسية والمعنوية: فسفره من بلاد إلى بلاد أخرى، وانتقاله له من حلقة إلى حلقة ومن مسجد إلى مسجد بقصد طلب العلم، فهذا كله من الطرق لتحصيل العلم. وهكذا المذاكرة في كتب العلم والمطالعة والكتابة، كلها من الطرق أيضا.
(1) صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) ، سنن الترمذي القراءات (2945) ، سنن ابن ماجه المقدمة (225) ، مسند أحمد بن حنبل (2/252) ، سنن الدارمي المقدمة (344) .
فجدير بالطالب أن يعنى بجميع الطرق الموصلة إلى العلم، وأن يحرص عليها قاصدا وجه ربه عز وجل، يريد الله والدار الآخرة، يريد أن يتفقه في دينه وأن يتبصر به، يريد أن يعرف ما أوجب الله عليه، وما حرم عليه، يريد أن يعرف ربه على بصيرة وبينة، ثم يعمل بذلك، يريد أن ينقذ الناس، ويكون من دعاة الهدى، وأنصار الحق، ومرشدا إلى الله على علم وهدى، فهو حيثما تصرف على خير عظيم بهذه النية الصالحة، حتى نومه من طرق الجنة، إذا نام: ليتقوى على طلب العلم، وأداء الدرس كما ينبغي، ليتقوى على حفظ كتاب في العلم، ليتقوى على السفر في طلب العلم، فنومه عبادة، وسفره عبادة، وتصرفاته الأخرى بهذه النية عبادة، بخلاف من ساءت نيته، فهو على خطر عظيم، جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة (1) » رواه أبو داود رحمه الله بإسناد جيد (2) .
وهذا وعيد عظيم لمن ساءت نيته. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه فالنار النار (3) » .
(1) سنن أبو داود العلم (3664) ، سنن ابن ماجه المقدمة (252) ، مسند أحمد بن حنبل (2/338) .
(2)
أخرجه أبو داود برقم (3179) ، كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله تعالى.
(3)
أخرجه ابن ماجه برقم (250) كتاب المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به
وتعلم العلم يكون بمعرفته والعمل به لله؛ لأن الله أمر بذلك، وجعله وسيلة لمعرفة الحق، وجاء في الحديث الصحيح:«أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: منهم: الذي طلب العلم وقرأ القرآن لغير الله، ليقال: هو عالم، وليقال له: قارئ (1) » ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فعليك يا عبد الله، أيها الطالب للعلم: عليك بإخلاص العبادة والنية لله وحده، وعليك بالجد والنشاط في سلوك طرق العلم والصبر عليها، ثم العمل بمقتضى العلم، فإن المقصود هو العمل، وليس المقصود هو أن تكون عالما، أو تعطى شهادة راقية في العلم، فإن المقصود من وراء ذلك كله هو أن تعمل بعلمك، وأن توجه الناس إلى الخير، وأن تكون من خلفاء الرسل - عليهم الصلاة والسلام - في الدعوة إلى الحق، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (2) » متفق على صحته.
فهذا يدل على فضل العلم وأن من علامات الخير والسعادة، ومن علامات التوفيق، وأن الله أراد بالعبد خيرا أن يفقهه في دينه، وأن يتبصر في ذلك، حتى يعرف الحق من الباطل،
(1) أخرجه مسلم برقم (3527) كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار
(2)
صحيح البخاري العلم (71) ، صحيح مسلم الإمارة (1037) ، سنن ابن ماجه المقدمة (221) ، مسند أحمد بن حنبل (4/93) ، موطأ مالك كتاب الجامع (1667) ، سنن الدارمي المقدمة (226) .
والهدى من الضلال، وحتى يعرف ربه بأسمائه وصفاته، وعظيم حقه، وحتى يعرف النهايه لأولياء الله ولأعدائه.
فالنهاية لأولياء الله: الجنة والسعادة بجوار الرب الكريم، والنطر إلى وجهه سبحانه وتعالى، في دار الكرامة.
والنهاية لأعداء الله: دار النكال والعذاب والهوان، والحجاب عن الله عز وجل.
وبهذا نعلم عظم العلم وشرفه، وأنه أفضل شيء وأشرفه لمن أصلح الله نيته؛ لأنه يتوصل به إلى معرفة أفضل واجب، وأعظم واجب، وهو توحيد الله والإخلاص له، ويتوصل به أيضا إلى معرفة أحكام الله، وما أوجب على عباده، فهو واجب عظيم يوصل إلى أداء واجبات عظيمة، لا سعادة للعبد، ولا نجاة لهم، إلا بالله ثم بالعلم بها، والتمسك بها والاستقامة عليها.
والعلماء الذين أظهروا العلم هم خيرة الناس، وأفضلهم على وجه الأرض، وعلى رأسهم أئمتهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، والأنبياء، فهم القدوة والأساس في الدعوة والعلم والفضل، ويليهم أهل العلم على طبقات: فكل من كان أعلم بالله وبأسمائه وصفاته، وأكمل في العمل والدعوة كان أقرب الناس من الرسل، ومن درجاتهم ومنازلهم في الجنة. فأهل العلم هم أئمة هذه الأرض ونورها وسرجها، وهم أولى بها من غيرهم، يرشدون الناس إلى طريق
السعادة، ويهدونهم إلى أسباب النجاة، ويقودونهم إلى ما فيه رضى الله جل وعلا، والوصول إلى كرامته والبعد عن أسباب غضبه وعذابه.
فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم أئمة الناس بعد الأنبياء يهدون إلى الله، ويرشدون إليه، ويعلمون الناس دينهم. فأخلاقهم عظيمة، وصفاتهم حميدة. علماء الحق، علماء الهدى، هم خلفاء الرسل، الذين يخشون الله ويراقبونه ويعظمون أمره، وهو من تعظيمه سبحانه. هؤلاء أخلاقهم أرفع الأخلاق وأسماها؛ لأنهم سلكوا مسلك الرسل، وساروا على نهجهم وطريقهم في الدعوة إلى الله على بصيرة، والتحذير من أسباب غضبه والمسارعة إلى ما عرفوا من الخير قولا وعملا، والابتعاد عما عرفوا من الشر قولا وعملا، فهم القدوة، والأسوة بعد الأنبياء، في أخلاقهم العظيمة، وصفاتهم الحميدة، وأعمالهم الجليلة، وهم يعملون ويعلمون، ويوجهون طلابهم إلى أسمى الأخلاق وخير السبل.
وسبق أن العلم: قال الله قال رسوله، هذا هو العلم الشرعي، هو العلم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل يعين على ذلك. فالواجب على أهل العلم، أن يتمسكوا بهذا الأساس العظيم، وأن يدعوا الناس إليه، وأن يوجهوا طلابهم إليه، وأن يكون الهدف دائما العلم بما قال الله، وقال رسوله، والعمل بذلك، وتوجيه الناس وإرشادهم إلى ذلك. ولا يجوز التفرق
والاختلاف ولا الدعوة إلى حزب فلان وحزب فلان، ورأي فلان، وقول علان. وإنما الواجب أن تكون الدعوة واحدة إلى الله ورسوله، إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، لا إلى مذهب فلان، أو دعوة علان، ولا إلى الحزب الفلاني، والرأي الفلاني. يجب على المسلمين أن تكون طريقتهم واحدة، وهدفهم واحدا، وهو اتباع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
وأما ما جرى من الاختلاف بين أهل العلم في المذاهب الأربعة وغيرها، فالواجب أن يؤخذ منه ما هو أقرب إلى الصواب، وهو القول الذي هو أقرب إلى ما قاله الله ورسوله نصا أو بمقتضى قواعد الشريعة.
فإن الأئمة المجتهدون إنما هدفهم ذلك، وقبلهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم -، وهم الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم أعلم الناس بالله وأفضلهم وأكملهم علما وخلقا.
فقد كانوا يختلفون في بعض المسائل، ولكن دعوتهم واحدة، وطريقهم واحد، يدعون إلى كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهكذا من بعدهم من التابعين، وأتباع التابعين: كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الهدى: كالأوزاعي والثوري وابن عيينة وإسحاق بن راهويه، وأشباههم من أهل العلم والإيمان، دعوتهم واحدة، وهي الدعوة إلى كتاب الله، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا
ينهون أتباعهم عن تقليدهم، ويقولون: خذوا من حيث أخذنا، يعنون من الكتاب والسنة.
ومن جهل الحق وجب عليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالعلم والفضل، وحسن العقيدة والسيرة، ويتبصر في ذلك، مع تقدير العلماء، ومعرفة فضلهم، والدعاء لهم بمزيد من التوفيق وعظيم الأجر؛ لأنهم سبقوا إلى الخير العظيم، وعلموا وأرشدوا، وأوضحوا الطريق، فرحمة الله عليهم، فلهم فضل السبق، وفضل علمهم ودعوتهم إلى الله: من الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان. فيعرف لهم قدرهم وفضلهم، ويترحم عليهم ويتأسى بهم في النشاط في العلم والدعوة إلى الله، وتقديم ما قاله الله ورسوله على غيره، والصبر على ذلك، والمسارعة إلى العمل الصالح، يتأسى بهم في هذه الفضائل العظيمة، ويترحم عليهم، ولكن لا يجوز أبدا أن يتعصب لواحد منهم مطلقا، وأن يقال: قوله هو الصواب مطلقا. بل يقال: كل واحد قد يخطئ ويصيب. والصواب فيما وافق ما قاله الله ورسوله، وما دل عليه شرع الله من طريق الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، فإذا اختلفوا وجب الرد إلى الله ورسوله، كما قال سبحانه وتعالى:
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (1) وقال عز وجل: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (2) هكذا قال أهل العلم قديما وحديثا.
ولا يجوز أبدا التعصب لزيد أو عمرو، ولا لرأي فلان أو علان، ولا لحزب فلان أو الطريقة الفلانية، أو الجماعة الفلانية، كل هذا من الأخطاء الجديدة، التي وقع فيها كثير من الناس.
فيجب أن يكون المسلمون هدفهم واحد، وهو اتباع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام في جميع الأحوال، في الشدة والرخاء، في العسر واليسر، في السفر والإقامة، وفي جميع الأحوال، وعند اختلاف أهل العلم ينطر في أقوالهم، ويؤيد منها ما وافق الدليل من دون تعصب لأحد من الناس.
أما العامة وأشباه العامة، فيسألون أهل العلم، ويتحرون في أهل العلم، من هو أقرب إلى الخير وأقرب إلى السداد والاستقامة، يسألونه عن شرع الله، وهو يعلمهم بذلك ويرشدهم إلى الحق، حسب ما جاء في الكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل العلم.
(1) سورة النساء الآية 59
(2)
سورة الشورى الآية 10
والعالم يعرف: بصبره وتقواه لله، وخشيته له سبحانه وتعالى، ومسارعته إلى ما أوجب الله ورسوله، وابتعاده عما حرم الله ورسوله.
هكذا يكون العالم سواء كان مدرسا أو قاضيا أو داعيا إلى الله، أو في أي عمل، فواجبه أن يكون قدوة في الخير، وأن يكون أسوة في الصالحات، يعمل بعلمه ويتق الله أين ما كان، ويرشد الناس إلى الخير، حتى يكون قدوة صالحة لطلابه، ولأهل بيته ولجيرانه ولغيرهم ممن عرفه، يتأسون به: بأقواله وأعماله الموافقة لشرع الله عز وجل.
وعلى طالب العلم أن يحذر غاية الحذر من التساهل فيما أوجب الله، أو الوقوع فيما حرم الله، فإنه يتأسى به في ذلك، فإذا تساهل تساهل غيره، وهكذا في السنة والمكروهات، ينبغي له أن يحرص على تحري السنن، وإن كانت غير واجبة ليعتادها وليتأسى الناس به فيها، وأن يبتعد عن المكروهات والمشتبهات حتى لا يتأسى به الناس فيها.
فطالب العلم له شأن عظيم، وأهل العلم هم الخلاصة في هذا الوجود، فعليهم من الواجبات والرعاية ما ليس على غيرهم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (1) » .
(1) أخرجه البخاري برقم (844) كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن ومسلم برقم (3408) كتاب الإمارة باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر
فأهل العلم رعاة وهداة، فعليهم أن يعنوا برعيتهم، الشعوب رعية لهم فعليهم أن يعنوا بهذه الرعية، وأن يخلفوا الله فيها، وأن يرشدوها إلى أسباب النجاة، ويحذروها من أسباب الهلاك، وأن يغرسوا فيما بينهم حب الله ورسوله، والاستقامة على دين الله. والشوق إلى الله وإلى جنته وكرامته، والحذر من النار، فالنار بئس المصير. يجب الحذر منها، والتحذير منها، وأولى الناس بهذا الأمر هم العلماء، وطلاب العلم، هكذا يكون حالهم أبدا، وهكذا تكون أخلاقهم أبدا، مسارعة إلى مرضاة الله، وابتعاد عن معاصي الله، ودعوة إلى الله، وإرشاد إليه، ووقوف عند حدوده، وأخذ بالأحوط دائما، وبعد عما حرم الله، وعما كرهه الله، حتى يتأسى بهم إخوانهم من المؤمنين، وحتى يتأثر بهم المسلمون أينما كانوا. وأسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم إلى ما يرضيه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصالحين مصلحين، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويوفق ولاة أمر المسلمين لكل ما فيه رضاه، وصلاح العباد والبلاد، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يمن عليهم بتحكيم شريعة الله بين عباده والتحاكم إليها، ونبذ ما خالفها.
أما العلوم الأخرى فلها شأن آخر من استخراج المعادن، وشئون الزراعة والفلاحة وسائر أنواع الصناعات النافعة، وقد يجب منها ما يحتاجه المسلمون، ويكون فرض كفاية، ولولي الأمر فيها أن يأمر بما يحتاجه المسلمون، ويساعد أهلها في ذلك، أي بما يعينهم على نفع المسلمين، والإعداد لعدوهم. وعلى حسب نية العبد تكون أعماله عبادة لله عز وجل، متى صلحت النية، وخلصت لله، وإذا فعلها بدون نية كانت من المباحات؛ أعني: أنواع الصناعات المباحة، واستخراج المعادن والزراعة والفلاحة وغير ذلك.
وكلها أمور مطلوبة ومع صلاح النية تكون عبادة، ومع خلوها من ذلك تكون أمورا مباحة، وقد تكون فرض كفاية في بعض الأحيان، إذا دعت الحاجة إليها، ووجب على ولي الأمر أن يلزم بذلك من هو أهل لها، فهي أمور لها شأنها، ولها أحوالها الداعية إليها، وتختلف بحسب النية، وبحسب الحاجة.
أما علم الشرع فلا بد منه، والله خلق الثقلين ليعبدوه، وليتقوه ولا سبيل إلى هذا إلا بعلم الشرع، علم الكتاب والسنة كما تقدم.
وأنتم معشر الطلبة بحمد الله هنا في الجامعة الإسلامية، جئتم من أقطار كثيرة، ومن أجناس متنوعة للتفقه في الدين، وتعلم أحكام الله والتبصر في ذلك، ولمعرفة العقيدة السلفية الصحيحة التي سار عليها الرسول صلى الله عليه وسلم -
وصحابته رضي الله عنهم وسار عليها أتباعهم بإحسان، وهي الإيمان بالله ورسوله، والإيمان بأسماء الله وصفاته، وإمرارها كما جاءت على الوجه الذي يليق بالله سبحانه وتعالى، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا زيادة ولا نقصان.
هكذا درج أهل العلم على الطريقة التي درج عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ودرج عليها أصحابهم وأتباعهم بإحسان.
فنسأل الله أن يمنحكم التوفيق، وأن يعينكم على كل ما فيه رضاه، وأن يردكم إلى بلادكم في غاية من التوفيق والتقوى والعلم والإيمان. وأن يهدي بكم العباد، ويصلح بكم الأحوال، إنه جل وعلا على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
138 -
بيان شرط العلم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. . أما بعد (1) :
فإن الله جل وعلا إنما خلق الخلق ليعبد وحده لا شريك له، لم يخلقهم عبثا ولا سدى وإنما خلقهم لأمر عظيم خلقهم ليعبدوه ويعظموه وينقادوا لشرعه، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (2){مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} (3){إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (4) وهذه العبادة التي خلقوا لها قد أمرهم بها، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (5) قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (6) قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ} (7) (وأمر ربك
(1) دروس ألقاها سماحته في المسجد الحرام بتاريخ 25 \ 12 \ 1418 هـ.
(2)
سورة الذاريات الآية 56
(3)
سورة الذاريات الآية 57
(4)
سورة الذاريات الآية 58
(5)
سورة البقرة الآية 21
(6)
سورة النساء الآية 36
(7)
سورة الإسراء الآية 23
) {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (1) قال الله عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (2) قد أرسل الرسل بهذا عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (3) قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (4) هذه هي العبادة، وهذه هي الحكمة التي من أجلها خلق الجن والإنس، وهذه هي الغاية التي من أجلها خلق الثقلان ليعبدوا الله ويعظموه وينقادوا لشرعه ويتبعوا رسله لم يخلقهم سدى ولا عبثا، وليس في حاجة إليهم سبحانه، هو الغني بذاته عن كل ما سواه، كما قال عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (5){إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} (6) قال الله جل وعلا: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} (7)
(1) سورة الإسراء الآية 23
(2)
سورة البينة الآية 5
(3)
سورة النحل الآية 36
(4)
سورة الأنبياء الآية 25
(5)
سورة فاطر الآية 15
(6)
سورة فاطر الآية 16
(7)
سورة ص الآية 27
لم يخلقهما باطلا، بل خلقهما لحكمة عظيمة وقد أنكر على من حسب ذلك وظنه قال:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} (1) يعني معطلا مهملا، كلا لم يترك سدى بل أمر ونهي، وقال تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (2) أنكر عليهم هذا الحسبان، وأنه سبحانه إنما خلقهم ليعبدوه لم يخلقوا عبثا ولا سدى، وهذه العبادة يجب على المكلفين أن يتعلموها ويعرفوها، هذه العبادة التي أنت مخلوق لها يا عبد الله، عليك أن تعرفها بأدلتها حتى تعبد الله على بصيرة، فأنت مأمور بأن تتعلم. قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} (3) قال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (4) هذا الواجب على كل مكلف أن يتعلمه، وأن يتفقه في الدين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا
(1) سورة القيامة الآية 36
(2)
سورة المؤمنون الآية 115
(3)
سورة محمد الآية 19
(4)
سورة الطلاق الآية 12
يفقهه في الدين (1) » ويقول صلى الله عليه وسلم: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ قال عليه الصلاة والسلام: فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم (2) » مثل الأرض الطيبة التي أمسكت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وأمسكت الماء فنفع الله به الناس، هؤلاء هم علماء المسلمين حملوا العلم ففقهوا في الدين حملوا العلم ونقلوه إلى الناس ففقهوا فيه وأوصلوه إلى الناس، علماء الحق هم مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وأمسكت الماء حتى شرب منه الناس، وسقوا وزرعوا، وأغلب الخلق كالقيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ لم ينتفعوا بما بعث الله به الرسل. قال تعالى:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (3) وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (4)
(1) صحيح البخاري العلم (71) ، صحيح مسلم الإمارة (1037) ، سنن ابن ماجه المقدمة (221) ، مسند أحمد بن حنبل (4/93) ، موطأ مالك كتاب الجامع (1667) ، سنن الدارمي المقدمة (226) .
(2)
صحيح البخاري العلم (79) ، صحيح مسلم الفضائل (2282) ، مسند أحمد بن حنبل (4/399) .
(3)
سورة يوسف الآية 103
(4)
سورة الأنعام الآية 116
وقال عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (1) هذه حال أكثر الخلق، أعرضوا عن دين الله وعن ما جاءت به الرسل، وعن ما خلقوا له، فأشبهوا الأنعام، كما قال تعالى:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (2) فلا يليق بالمؤمن ولا يليق بالعاقل أن يتشبه بالأنعام، بل يتفهم ويتعلم ويتفقه في الدين، حتى يعرف ما أوجب الله عليه، وما حرم الله عليه، ليحذر مشابهة الأنعام من الإبل والبقر والغنم ونحوها، بل يتعلم ويتفقه في الدين ويسأل. قال تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (3) فأنت مأمور بأن تتفقه في الدين وتتعلم، حتى تعلم ما أوجب الله عليك، وما حرم عليك، حتى تعرف العبادة التي أنت مخلوق لها، وهذه العبادة هي الإسلام، هي دين الإسلام، هي الإيمان والهدى، هي
(1) سورة سبأ الآية 20
(2)
سورة الفرقان الآية 44
(3)
سورة النحل الآية 43
طاعة الله ورسوله، هي البر والتقوى، هذه هي العبادة بينها سبحانه في مواضع أخرى. قال تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (1) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (2) وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} (3) وقال: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (4) وقال: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} (5) وقال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} (6) فعلم لهذا أن هذه العبادة التي أنت مخلوق لها يا عبد الله هي الإسلام، وهي الإيمان والهدى، وهي طاعة الله ورسوله، وهي البر والتقوى، وحقيقة الأمر أن العبادة هي التوحيد لله والإخلاص له وأداء فرائضه وترك محارمه والوقوف عند حدوده، هذه هي العبادة التي أنت مخلوق لها، وأنت مأمور بها، وبعث الله بها الرسل وأنزل بها الكتب كما قال جل وعلا:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (7){أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} (8)
(1) سورة آل عمران الآية 19
(2)
سورة النساء الآية 136
(3)
سورة النساء الآية 1
(4)
سورة النجم الآية 23
(5)
سورة البقرة الآية 189
(6)
سورة الانفطار الآية 13
(7)
سورة هود الآية 1
(8)
سورة هود الآية 2
وقال تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (1){إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (2){أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (3) وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (4) فالواجب على جميع المكلفين من الرجال والنساء، من الجن والإنس، من العرب والعجم، أن يتعلموا دين الله، ويتفقهوا في هذه العبادة التي خلقوا لها، وهي الإسلام، وهي الإيمان والهدى، وهي توحيد الله وطاعته، عليهم أن يتفقهوا ويتعلموا من طريق القرآن الكريم والسنة المطهرة، فالقرآن هو أصل كل خير، وهو أصدق كتاب وأعظم كتاب، وأشرف كتاب، فالواجب التفقه فيه والتدبر والتعلم. قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (5) قال جل وعلا: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (6) وقال
(1) سورة الزمر الآية 1
(2)
سورة الزمر الآية 2
(3)
سورة الزمر الآية 3
(4)
سورة الأنعام الآية 155
(5)
سورة محمد الآية 24
(6)
سورة إبراهيم الآية 52
عز وجل: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} (1) وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (2) قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} (3) فأنت يا عبد الله مأمور بتدبر القرآن، والتفقه في القرآن، والتعلم حتى تعرف ما أوجب الله عليك، وما حرم الله عليك، وأنت أيضا مأمور باتباع السنة وتعظيمها، والتفقه فيها، وهي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته، أنت مأمور بها وهي الحكمة، والله أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم الكتاب والحكمة وهي السنة، قال تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (4) وقال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (5) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (6)
(1) سورة الأنعام الآية 155
(2)
سورة ص الآية 29
(3)
سورة الأنعام الآية 19
(4)
سورة النساء الآية 80
(5)
سورة الحشر الآية 7
(6)
سورة النساء الآية 59
قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (1) فأنت يا عبد الله مأمور بطاعة الله، وطاعة رسوله، ولا سبيل إلى هذا إلا بالتفقه والتعلم، حتى تعرف ما يجب عليك، وما يحرم عليك، وما شرعه الله لك، وما نهاك عنه، لتعبد ربك على بصيرة، وأعظم ذلك وأساس ذلك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هاتان الشهادتان هما أصل الدين، هما أساس الملة، وأول شيء دعا إليه الرسول هو توحيد الله جل وعلا، أول ما دعت الرسل إليه توحيد الله أن يقول العباد: لا إله إلا الله وأول شيء دعا به نبينا صلى الله عليه وسلم قومه أن يقولوا: لا إله إلا الله وأن يؤمنوا به ويصدقوه، فهاتان الشهادتان هما أصل الدين، هما أساس الملة أن تشهد أنه لا إله إلا الله صدقا من قلبك، والمعنى: أنه لا معبود بحق إلا الله وأن تشهد أن محمدا رسول الله، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هو رسول الله حقا، تشهد عن علم، عن يقين، وعن صدق أنه رسول الله. هاتان الشهادتان هما أصل الدين، هما أساس الملة، فلا إسلام
(1) سورة النساء الآية 59
ولا إيمان ولا تقوى ولا بر إلا بهاتين الشهادتين لا بد أن يقولها عن علم وعن يقين وعن صدق، أما إذا قالها عن غير صدق صار منافقا، فالمنافقون الذين قال فيهم سبحانه:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} (1) لم يقولوها عن صدق، فالمنافق قالها بلسانه وكذبها بقلبه، فعليك أن تخالف المنافقين وأن تشهد شهادة جازمة عن علم ويقين وصدق أنه لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، وأن محمدا هو عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق إلى الناس أجمعين، كما قال سبحانه:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (2) وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (3) وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (4) وقال جل وعلا: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (5) فأنت يا عبد الله مأمور بأداء هاتين الشهادتين عن صدق وعن إخلاص
(1) سورة النساء الآية 145
(2)
سورة الأعراف الآية 158
(3)
سورة سبأ الآية 28
(4)
سورة الأنبياء الآية 107
(5)
سورة الفرقان الآية 1
وعن عمل بمقتضاهما من توحيد الله والإخلاص له والإيمان به وتخصيصه بالعبادة على الطريقة والمنهج الذي جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، فالعمل لا بد فيه من شرطين:
أحدهما: الإخلاص لله.
والثاني: الموافقة لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عبادة لا بد فيها من هذا، من صلاة وحج وصوم وغير ذلك، عليك أن تخلصها لله، وعليك أن تكون فيها متابعا لما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (1) ومكث النبي صلى الله عليه وسلم في قومه عشر سنين في مكة يدعوهم لهذه الكلمة إلى توحيد الله والإيمان برسوله قبل فرض الصلاة وغيرها بقوله: «يا قومي قولوا لا إله إلا الله وتوبوا إليه (2) » في هذه البلدة يدعو قريشا وغيرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، فآمن القليل واستكبر الأكثرون ثم فرض الله عليهم الصلوات الخمس في مكة قبل الهجرة فصلاها في مكة ثلاث سنين، ثم هاجر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام،
(1) سورة آل عمران الآية 31
(2)
أخرجه أحمد برقم (15448) مسند المكيين، باب حديث ربيعة بن عباد الديلي رضي الله عنه ولفظه: '' يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ''
وبهذا يعلم المكلف، يعلم العاقل أن هذا الدين يحتاج إلى التعلم والتفقه في الدين، وأن الدعوة لا تنفع إلا بهذا لا بد من علم ويقين وصدق، فدعوة الإسلام ودعوة الإيمان ودعوة التوحيد ودعوة المتابعة لا تنفع إلا بصدق، إلا بعلم وعمل، فعليك أن تعلم، وأن تفقه في الدين، وأن تعمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منهي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (1) » ويقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (2) » وحقها أداء فرائض الله وترك محارمه، هذا حق لا إله إلا الله الصلاة، الزكاة، الحج، الصيام، فعل كل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، كل ذلك من حق لا إله إلا الله، وقد بين
(1) أخرجه البخاري برقم (24) كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، ومسلم برقم (29) كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
(2)
أخرجه مسلم برقم (33) كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام أنها خمسة وهي أركانه الظاهرة فقال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (1) » هذه هي أركان الإسلام الظاهرة، وكل أعمال الدين داخلة في الإسلام، كلها تابعة هذه الأركان من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المعاصي وغير هذا بما أمر الله به كله داخل في الإسلام، لكن أركانه الظاهرة خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وبين صلى الله عليه وسلم أركان الإيمان لما سأله جبرائيل عن الإيمان قال:«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره (2) » فهذه أركان الإيمان، أركان الدين الباطنة ستة: الإيمان بالله، وأنه ربك ومعبودك الحق، رب العالمين الخلاق العليم، والإيمان بالملائكة
(1) أخرجه البخاري رقم (7) كتاب الإيمان، باب بني الإسلام على خمس، ومسلم برقم (22) كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائه العظام.
(2)
أخرجه مسلم من حديث عمر المشهور برقم (9) كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان.
وأنهم عباد الله خلقهم الله من النور فهم في طاعته لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون عليهم الصلاة والسلام، وساداتهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وجبرائيل هو السفير بين الله وبين الرسل.
ويلي الإيمان بهم الإيمان بالكتب، كتب الله المنزلة للأنبياء. الله أنزل كتبا على الأنبياء لتؤمنوا بها وأن الله أنزل كتبا تدعو إلى توحيده وطاعته منها التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، والقرآن أشرفها وأعظمها وهو خاتمتها، أنزله الله على خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام.
وهكذا تؤمن بالرسل كلهم عليك أن تؤمن بأن الله أرسل الرسل إلى العباد يدعونهم إلى توحيد الله، يدعونهم إلى طاعة الله ورسله، أولهم نوح أرسله الله إلى الأرض بعد ما وقع فيها الشرك، وقبله آدم عليه الصلاة والسلام أرسل إلى ذريته يدعوهم إلى توحيد الله وطاعة الله، ثم لما وقع الشرك أرسل الله نوحا إلى قومه فهو أول رسول بعدما وقع الشرك لأهل الأرض، وهكذا هود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون وعيسى وغيرهم وداود وسليمان، رسل أرسلهم الله مبشرين ومنذرين دعوتهم واحدة {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (1)
(1) سورة النحل الآية 36
دعوتهم واحدة يدعون إلى توحيد الله وطاعة الله وينهون عن الشرك بالله عز وجل، وتؤمن باليوم الآخر أيضا وهو البعث بعد الموت لا بد من قيامة، لا بد من بعث، بعد الموت، هذه الدار دار الغرور ليست دار إقامة ولا دار متاع، بل دار غرور {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (1) بعدها الموت، وبعدها الجزاء والحساب فأنت يا عبد الله أمامك أمر عظيم، أمامك اليوم الآخر، أمامك الجزاء والحساب والجنة والنار، وأنت مخلوق في هذه الدار، لتعد العدة للانتقال إلى دار النعيم، فعليك أن تعد العدة لذلك، واحذر أن تعد العدة لدار الهوان، للجحيم، دار النعيم أعدها الله للمتقين، ودار الجحيم أعدها الله للكافرين، وهذه الدار هي دار العمل هي المزرعة، والآخرة هي دار الجزاء فاليوم الآخر يوم البعث والنشور، يبعث الناس من قبورهم، ومن كل مكان، من بطون البحار، ومن كل مكان، فيجمعهم الله جل وعلا، كما قال تعالى:{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} (2) ويقول جل
(1) سورة آل عمران الآية 185
(2)
سورة التغابن الآية 9
وعلا: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} (1) يعني البعث بعد الموت، فيجمع الله الخلائق جنهم وإنسهم عربهم وعجمهم ذكورهم وإناثهم، يجمعهم الله في صعيد واحد، ويجازيهم بأعمالهم ويحاسبون، هذا يثقل ميزانه، وهذا يخف ميزانه، وهذا يعطى كتابه بيمينه، وهذا يعطى كتابه بشماله، فأنت يا عبد الله على خطر، فالواجب الإعداد لهذا اليوم، والإعداد هو: تقوى الله وطاعة الله ورسوله وتوحيد الله والإيمان به واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام هذا هو الإعداد، العدة: تقوى الله وطاعته واتباع رسوله والانقياد لضرعه، ثم الركن السادس هو الإيمان بالقدر أن تؤمن بأقدار الله، وأن الله علم الأشياء كلها وقدرها سبحانه:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (2) ، {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (3)، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} (4) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن
(1) سورة يونس الآية 53
(2)
سورة القمر الآية 49
(3)
سورة الحج الآية 70
(4)
سورة الحديد الآية 22
الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء (1) » تؤمن بالقدر، وأن الله قدر الأشياء، وعلم ما الناس عاملون، علم أهل الجنة وأهل النار، فاحذر يا أخي التساهل واحذر الإعراض والغفلة واستحضر وقوفك بين يدي الله وأنت ملاق ربك، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} (2) أنت ملاق ربك فاستعد لهذا اللقاء بتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه، وتذكر قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (3) وتذكر أنك ملاق ربك، وأنك مجاز بعملك إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فلا تغفل ولا تتبع الهوى ولا تطع الشيطان، احرص أن تكون من القليل الناجين واحذر أن تكون من الكثير الهالكين {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (4)
(1) أخرجه مسلم برقم (4797) كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام.
(2)
سورة الانشقاق الآية 6
(3)
سورة الذاريات الآية 56
(4)
سورة سبأ الآية 20
{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (1) لا بد من جد ونشاط وصدق وصبر ومصابرة وضراعة إلى الله، لتفزع إلى الله، وتسأله أن يعينك وأن يمنحك التوفيق وأن يهديك صراطه المستقيم، أنت في أشد الضرورة إلى ربك ليس الأمر بيدك الأمر بيد الله. قال تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (2) ، {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (3) الهداية هداية التوفيق وقبول الحق، هذه بيد الله عز وجل ليس بيد أحد من الناس، أما هداية البلاغ والبيان فهذه بيد الرسل وأتباعهم. الهداية بمعنى البلاغ والبيان، هذه بيد الرسل، فالرسل هم الهداة إلى صراط الله المستقيم. قال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (4) يعني: تدل وترشد الناس، وهكذا العلماء والدعاة يرشدون ويهدون إلى الصراط المستقيم بالبلاغ بالبيان والدعوة والإرشاد،
(1) سورة يوسف الآية 103
(2)
سورة البقرة الآية 272
(3)
سورة القصص الآية 56
(4)
سورة الشورى الآية 52
أما الهداية بمعنى: التوفيق والرضى بالحق وقبوله، فهي بيد الله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي من يشاء، ويوفق من يشاء، فاضرع إلى الله دائما وأسأله أن يهديك إلى صراطه المستقيم، وأن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يمنحك التوفيق لكل ما يرضيه، وأن يعيذك من شر نفسك وهواك وشيطانك، هو الذي يهدي من يشاء بيده الهداية بيده التوفيق، فاضرع إليه دائما واسأله دائما في جميع الأوقات، وفي سجودك، وفي آخر الصلاة، وفي جوف الليل، وفي آخر الليل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء (1) » فالدعاء في السجود يرجى قبوله، فينبغي لك يا عبد الله أن تجتهد في الدعاء في سجودك، ولما علم أصحابه التحيات عليه الصلاة والسلام قال:«ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعوه (2) » وقال صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل
(1) أخرجه مسلم برقم (744) كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود.
(2)
أخرجه البخاري برقم (791) كتاب الأذان، باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد، ومسلم برقم (609) كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة.
ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى ينفجر الفجر (1) » ينزل نزولا يليق بجلاله لا يشابه خلقه في شيء من صفاته، نزولا لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى، كما أنه استوى على العرش، استواء يليق بجلاله لا يشابه خلقه في شيء من صفاته. قال تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (2) فهو سبحانه فوق العرش، وعلمه في كل مكان، وينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة كما يشاء حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول:«من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له (3) » وفي اللفظ الآخر: «هل من داع فيستجاب له، هل من تائب فيتاب عليه، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى ينفجر الفجر (4) » فاضرع إلى
(1) أخرجه البخاري برقم (1077) كتاب الجمعة، باب الدعاء في الصلاة في آخر الليل، ومسلم برقم (1261) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة.
(2)
سورة طه الآية 5
(3)
صحيح البخاري الجمعة (1145) ، صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها (758) ، سنن الترمذي كتاب الدعوات (3498) ، سنن أبو داود الصلاة (1315) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1366) ، مسند أحمد بن حنبل (2/265) ، موطأ مالك النداء للصلاة (496) ، سنن الدارمي كتاب الصلاة (1479) .
(4)
أخرجه مسلم برقم (1265) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.
الله يا أخي في هذه الأوقات، اضرع إلى ربك واسأله من فضله في سجودك وفي جوف الليل وفي آخر الليل وفي آخر الصلاة. اضرع إلى الله واسأله التوفيق والهداية، واسأله أن يعلمك ما ينفعك وأن يعيذك من شر شيطانك ونفسك الأمارة بالسوء، وأن يثبتك على الحق والإيمان، اضرع إلى الله دائما فإنه (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) فاجتهد في الدعاء، والله يقول سبحانه:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (1) ويقول سبحانه: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (2) فأنت مأمور بالدعاء وموعود بالإجابة، فأحسن ظنك بربك، واضرع إليه دائما في كل وقت، في بيتك وفي الطريق وفي المسجد في الصلاة وفي غير ذلك، وتحر أوقات الإجابة لعله يستجاب لك، كوقت السجود، في آخر الليل، في جوف الليل، في آخر الصلاة، في آخر ساعة من يوم الجمعة، وأنت تنتظر الصلاة، وقت جلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضى الصلاة، كل هذه من أوقات الإجابة، فأنت تنوي وتلتمس أوقات
(1) سورة البقرة الآية 186
(2)
سورة غافر الآية 60
الإجابة، وفي كل وقت، تدعو ربك في كل وقت ترجوه تحسن الظن به سبحانه وتعالى لا تمل الدعاء مع الجد مع طاعة الله مع المسارعة إلى ما يرضيه مع الحذر من مساخطه جل وعلا، هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس من الرجال والنساء، الواجب على الجميع الاستقامة على طاعة الله، الاستقامة على أداء ما أوجب الله وعلى ترك ما حرم الله والحذر مما يغضب الله عز وجل، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} (1) يعني: ثبتوا على الحق حتى الموت {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (2){نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} (3){نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} (4) هذا جزاء أهل الاستقامة أهل الثبات على الحق قالوا وعملوا، خلاف من يقول ولا يعمل فقد ذمهم الله وتوعدهم، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (5){كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (6)
(1) سورة فصلت الآية 30
(2)
سورة فصلت الآية 30
(3)
سورة فصلت الآية 31
(4)
سورة فصلت الآية 32
(5)
سورة الصف الآية 2
(6)
سورة الصف الآية 3
ويقول سبحانه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (1) خطر عظيم فالواجب على العاقل، على المكلف، على كل رجل وامرأة، على الجميع الرجال والنساء، على الجن والإنس الصدق في القول والعمل، الثبات على الحق والاستقامة عليه حتى الموت، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن مضلات الفتن، كما نسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، كما نسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا في هذه المملكة لكل خير، وأن ينصر بهم الحق، وأن يكثر أعوانهم على الخير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يجعلنا وإياهم وإياكم من الهداة المهتدين إنه سبحانه وتعالى سميع قريب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
(1) سورة البقرة الآية 44
الله عليه وسلم حين كان في المدينة، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره أنه صلى الجمعة، ولو فعل ذلك ولو مرة واحدة لنقل ذلك أصحابه رضي الله عنهم فقد نقلوا عنه من السنة ما هو أقل من ذلك، ومن الدليل على ذلك أيضا ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته (1) » وهذا يدل على أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، وأن من أدرك أقل من ذلك لا يصلي جمعة، بل يصلي ظهرا. ثامنا: وأما قولهم إن الدعاء بعد الأذان بقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة (2) » بدعة، فهو قول باطل، ولا أدرى كيف شبه عليهم في ذلك مع أنه قد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة (3) » وفي صحيح
(1) أخرجه النسائي برقم (554) كتاب المواقيت، باب من أدرك ركعة من الصلاة، وابن ماجه برقم (113) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة.
(2)
صحيح البخاري الأذان (614) ، سنن الترمذي الصلاة (211) ، سنن النسائي الأذان (680) ، سنن أبو داود الصلاة (529) ، سنن ابن ماجه الأذان والسنة فيه (722) ، مسند أحمد بن حنبل (3/354) .
(3)
أخرجه البخاري برقم (579) كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء.