الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لنقله، ثم نصب العلل التي تخرج به عن مفهومه.. فهو حديث خرافة، لا ينبغى النظر إليه، أو الوقوف عنده.
وبعد، فإن مفهوم الآية الكريمة:«وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ.. ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ..» - نقول إن مفهوم الآية الكريمة على هذا الوجه الذي قامت فى ظله قصة «الغرانقة العلا» - هو اتهام لرسل الله وأنبيائه جميعا، بأنهم تحت سلطان الشيطان، وأنه راصد لهم، آخذ على ألسنتهم، فلا تستقيم ألسنتهم بقراءة آية من آيات الله، حتى يخرجها الشيطان على الوجه الذي يراه، ويلوى لسان الرسول والنبي إلى ما يريد..
فسبحانك.. سبحانك. هذا بهتان عظيم، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هدّا!
الآيات: (60- 66)[سورة الحج (22) : الآيات 60 الى 66]
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (66)
التفسير:
قوله تعالى:
الإشارة هنا «ذلِكَ» هى إشارة إلى شأن مضى، ثم دخول إلى شأن آخر..
والتقدير: ذلك الذي حدّثت به الآيات السابقة، شأن، وها هو ذا شأن آخر فاستمع إليه أيها النبي.. والعطف، هو عطف شأن على شأن، وموضوع على موضوع.
والآية الكريمة تندّد بالبغي والعدوان، وتجعل للمعتدى عليه سلطانا نصيرا من الله، لأنه فى تلك الحالة مظلوم، والله سبحانه وتعالى يقول:«وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً» (33 الإسراء) ثم إن الآية الكريمة، إذ تجيز للمعتمدى عليه أن يأخذ بحقه من المعتدى، فإنها تشير من طرف خفى إلى العفو، وذلك من وجوه:
أولا: فى تسمية القصاص من المعتدى، عقابا، فهو إذا أخذ بحقه، لا فضل له على المعتدى، فقد تساويا بعد ردّ الاعتداء، وقد كان العفو أفضل وأكرم.
والله سبحانه وتعالى يقول: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» (126: النحل) .
وثانيا: فى قوله تعالى: «ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ» إشارة إلى المعتدى عليه إذ يعفو،
يكون فى صورة المبغىّ عليه، والمبغىّ عليه موعود بالنصر من الله:«ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ» .
وثالثا: فى قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ» تذكير بالعفو والمغفرة فى موقف القصاص، واستحضار عفو الله ومغفرته فى تلك الحال، الأمر الذي تنحلّ به عزيمة الانتقام، وتبوخ معه حميّة النقمة والانتقام.
هذا، والعفو هنا، إنما هو من قادر، يملك الانتقام. ومن هنا لا يكون للمعتدى سبيل إلى التمادي فى اعتدائه، وفى إذلال من اعتدى عليه.
ثم إن الآية الكريمة تضع أمام المسلمين- وقد أذن لهم فى القتال فى قوله تعالى فى آية سابقة: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» - تضع أمامهم دستورا يقيمهم على أحسن سبيل، بين العفو والانتقام.. إن شاءوا عفوا، وإن شاءوا انتقموا.. على حسب الأحوال والأشخاص.. فقد عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثيرين ممن آذوه، وآذوا المسلمين، وحاربوهم، وقتلوا منهم من قتلوا.. ثم كان منه- صلوات الله وسلامه عليه- هذا العفو العام عن مشركى قريش يوم الفتح، حين قال لهم قولته الخالدة:«اذهبوا فأنتم الطلقاء» - على حين- أنه صلوات الله وسلامه عليه- قد أهدر دم بعض الأفراد من هؤلاء المشركين، وطلب قتل أحدهم ولو وجد متعلقا بأستار الكعبة.. كما قتل النضر بن الحارث صبرا.
قوله تعالى:
الإشارة هنا «ذلِكَ» إشارة، إلى ما تضمنته الآية السابقة من حكم فى مواجهة العدوان من المعتدين.
والباء فى «بِأَنَّ» «للسببية» ..
والمعنى: أن مقابلة العدوان بالعدوان، هو لدفع بأس الناس بعضهم عن بعض، الذي لولاه لفسد نظام المجتمع، ولتسلّط الأشرار على الأخيار، كما يقول سبحانه وتعالى:«وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً» (40: الحج) والآية ردّ على تلك الفلسفة المريضة، التي ترى فى مثل هذا الدّفع إكثارا من إراقة الدماء، وإغزاء للناس بالانتقام، الذي يولد كثيرا من مواليد الشر والنقمة ويرون أن المثالية تدعو إلى الأخذ بدعوة السيد المسيح- عليه السلام فى قوله:«من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر» .. ففى قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ» ردّ على هذا التفكير السقيم، ودحض لتلك الفلسفة المريضة، وذلك بالإشارة إلى نظام الوجود، وأنه قائم على التدافع بين الخير والشر، والشرّ والخير، تماما كما يدفع الليل النهار، ويدفع النهار الليل.. فلو أنه سكن النهار إلى دفع اللّيل له، ولم يدفعه كما دفعه لما طلع نهار أبدا، ولا ختفى إلى يوم القيامة، ولساد الدنيا ظلام دامس إلى الأبد.
فمن سنّة الله فى الحياة أن يغرى الأشرار بالأخيار، فتنة وابتلاء، ثم لا يدع الأخيار لأيديهم، بل يدعوهم إلى أن يأخذوا بحقّهم منهم، وأن يدفعوهم عنهم، حتى يسفر وجههم، ويبرز وجودهم..
قوله تعالى:
فى هذه الآية إشارتان:
الأولى: أن أهل الإيمان هم أهل الحق، وأنهم جند الله، وأنصار الله..
وهذا من شأنه أن يحملهم على الجهاد فى سبيله، ودفع الباطل، وردع المبطلين، حتى يحقّ الله الحقّ ويبطل الباطل، ويكون الدين كله لله.
والثانية: أن الله سبحانه- وهو العلىّ الكبير- لا يغلب، ولا يغلب أولياؤه، وأنه سبحانه، وهو الحق- سينصر المحقّين الذين يقفون فى جبهة الحق ويجاهدون فى سبيله.
قوله تعالى:
هو تكملة للصورة التي كشفت عنها الآية السابقة.. بمعنى أن الله سبحانه وتعالى، وهو الحق، فإن ما يرسله إلى الناس- هو حق، وهو خير. وإن رسالاته التي يحملها أنبياؤه، ينبغى أن تأخذ مكانها من قلوب المؤمنين، وأن تنزل منها كما ينزل الماء من السماء، فتحيا به الأرض، وتعمر الدنيا.. وإنه كما يعمل العاملون فى الانتفاع بهذا الماء وتمهيد الأرض له، وبذر الحب فيها- كذلك ينبغى أن يعمل المؤمنون فى حقل الإيمان، على حراسة هذا الإيمان وتعهده، حتى يؤتى ثماره، ويملأ حياة الناس خيرا وأمنا..
- وفى قوله تعالى: «أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً» .. وفى التعبير عن إنزال الماء بالفعل الماضي، وعن اخضرار الأرض بالفعل الحاضر الذي يمتد إلى المستقبل- فى هذا إشارة إلى القرآن الكريم، الذي نزل، وإلى ثماره التي لا تنقطع أبدا، وأنه سيظل هكذا قائما فى الحياة، يروى القلوب، ويحيى
موات النفوس، ويفيض الخير والبركة على الإنسانية إلى يوم الدين.. لقد نزل القرآن، وتلقى الذين شهدوا نزوله ما قدّر الله لهم من خيره ونوره، وهداه..
وسيظل هكذا نورا قائما فى الناس، وخيرا ممدودا لهم، يهتدون به، ويصيبون من خيره، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» إشارة إلى لطف الله بعباده، ورحمته بهم، حيث ينزل إليهم من السماء ماء يحيى موات أرضهم، ويحفظ حياة أجسامهم، كما ينزل إليهم من السماء آيات بينات، تحيى موات قلوبهم، وتحفظ صفاء أرواحهم.. وأنه سبحانه «خَبِيرٌ» بما يصلح أمر الناس، ويحفظ وجودهم المادي والروحي جميعا.
قوله تعالى:
«لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» .
هو بيان لفضل الله على عباده، وأنه غنى عنهم، له ما فى السموات وما فى الأرض، فالناس- وهم بعض ما فى الأرض- ملك له، وما ينزله عليهم من السماء هو فضل من فضله، لا يريد به سبحانه من الناس إلا أن يحمدوه ويشكروا له:«ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ» (57: الذاريات) .
قوله تعالى:
الخطاب هنا لكلّ ذى نظر وعقل.. حيث يرى فضل الله فى هذه الكائنات التي سخرها الله للإنسان، وجعلها مستجيبة له، إذا هو تجاوب معها
ووجه قواه إلى الإفادة منها، وذلك بالتعرف على الطريق الذي يوصله إليها، ويضع يده على موضع الخير منها.
وقوله تعالى: «الْفُلْكَ» معطوف على «ما» أي وسخر لكم ما فى الأرض، وسخر لكم الفلك تجرى فى البحر بأمره.
- وقوله تعالى: «وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» إيقاظ لمشاعر الإنسان ومدركاته، ليمدّ بصره إلى ما فوق هذه الأرض، بعد أن يثبت قدمه عليها، فينظر فى ملكوت السماء.. وعندئذ يرى أن هذا السقف المرفوع فوقه، تمسكه قدرة الله، وأنه لولا هذه القدرة لسقط على الأرض، وأهلك كل حىّ فيها..
- وفى قوله تعالى: «إِلَّا بِإِذْنِهِ» - إشارة إلى أن هذه السماء المرفوعة المحفوظة بقدرة الله، هى خاضعة لإرادة الله، وأنه من الممكن أن يأذن الله لها بأن تسقط على الأرض! - وفى قوله تعالى:«إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» - تطمين للناس بأن السماء لن تقع عليهم، وذلك لرحمته سبحانه وتعالى ورأفته بعباده..
ومع هذا كله، فإن كثيرا من عباده يجحدون نعمة الله، ويكفرون به، ويعبدون غيره.. من أحجار، وحيوان، وإنسان! وقوله تعالى:
«وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ.. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ» .
فى هذه الآية تذكير للناس بتلك النعمة الكبرى، نعمة الحياة.. فقد كان الناس عدما، أو ترابا فى هذا التراب.. ثم إذا هم هذا الخلق السوىّ العاقل، المدبّر، الصانع! ثم إذا هم تراب مرة أخرى.. ثم إذا هم يلبسون حياة لا موت بعدها،