الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات: (11- 20)[سورة النور (24) : الآيات 11 الى 20]
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (13) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)
وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20)
[حديث الإفك.. عبرة وعظة]
التفسير:
بعد أن بينت الآيات السابقة حكم الذين يرمون المحصنات، ثم حكم الذين
يرمون أزواجهم- جاءت الآيات هنا تبين حكما خاصا لواقعة خاصة، ترمى بها أحصن المحصنات، أم المؤمنين، عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم..
والقضية فى أصلها قضية واحدة، هى رمى المحصنات، واتهامهنّ بتلك التهمة الشنعاء.. وقد جاءت فى ثلاثة معارض، الأول عاما، والثاني خاصا، والثالث أخص..
فالمحصنات، يدخل فى حكمهن الزوجات، كما يدخل فيهن الإفك على أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها.
وإنما جاء الحديث عن الزوجات فى معرض خاص- وإن شملهن حكم المحصنات- لأن للعلاقة الزوجية- كما قلنا- اعتبارات خاصة، ينبغى أن يكون لها حساب وتقدير، غير حساب الأجنبى الذي يرمى محصنة أو محصنا.. كذلك، أم المؤمنين- عائشة- هى غير عامة المحصنات، وهى غير الزوجة.. إنها الأم لكل مؤمن ومؤمنة، فكان لا بد أن يكون لأمرها هنا ذكر خاص، وأن يتولى القرآن الكريم الكشف عن تلك الفرية التي افتريت عليها، وأن يمسك بأهل الإفك، ويسجل فضيحتهم، لتبقى عالقة بهم إلى الأبد..
والرأى عند المفسرين، والفقهاء، والأصوليين- أن بين الحكم الخاص بقذف الزوجات، وبين الحكم العام المتعلق بقذف المحصنات- تناسخا، وأن الآية الثانية ناسخة لعموم الحكم فى الأولى.. أي أن قوله تعالى:«وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ.. الآيات» ناسخ لعموم الحكم فى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً..»
والرأى عندنا أنه لا تناسخ بين الحكمين.. فكل من الحكمين عامل
فى موضعه، وكل من الآيات، السابقة واللاحقة تقرر حكما لا يتعارض، ولا يتداخل مع صاحبه..
فالآيات الأولى، خاصة بقذف المحصنات حين يكون القاذف غير زوج..
ولهذه الحالة حكم خاص بها، وهى أن القاذف مطالب بأن يأنى بأربعة شهداء، وإلّا جلد ثمانين جلدة، ثم لا تقبل له بعد هذا شهادة أبدا.. ثم هو من الفاسقين..
أما الآيات الأخرى، فهى خاصة بقذف الزوج زوجه.. والحكم فى هذا، هو التلاعن بينهما، وما يترتب على هذا، كما أشرنا إلى ذلك من قبل..
والذي أدخل الشبهة على القائلين بالتناسخ بين الآيات، هو وجود كلمة «الْمُحْصَناتُ» هنا، وهناك.. فافترضوا لهذا عمومية الحكم فى الآيات الأولى، بحيث يشمل الزوجات وغيرهن، وعدّوا إفراد الزوجات بذكر خاص فى الآيات الأخرى، تخصيصا لعموم الحكم.. وهو عندهم- أي التخصيص- من قبيل النسخ الوارد على الحكم العام! وهذا غير صحيح من وجهين:
فأولا: المحصنات فى الآيات الأولى، إنما يراد بهن العفيفات المتحصنات بعفتهن، سواء أكنّ متزوجات أم غير متزوجات، كما أنه يشمل- ضمنا- المحصنين من الرجال، بهذا المعنى أيضا، وهو المتحصّن بالعفة، سواء أكان متزوجا أم غير متزوج..
أما «المحصنات» فى الآيات الأخرى، فالمراد بهن- نصا- المتزوجات، سواء أكنّ- فى واقع الأمر- عفيفات أم غير عفيفات.
وثانيا: الذين يرمون المحصنات، أو اللائي يرمين المحصنين، فى الآيات
الأولى حكم خاص، لا يلتقى معه الحكم الذي يقع من التلاعن بين الزوجين، فى أي وجه من الوجوه..
وإذن فلا تناسخ بين الآيات السابقة واللاحقة، بالتخصيص أو غيره.. وإنما كل من السابق واللاحق من الآيات له موضعه، وله الحكم الواقع على هذا الموضع..
ونعود بعد هذا إلى حديث الإفك.. وقد جاء كما قلنا فى معرض خاص به، لأنه أشنع ما يقع فى هذا الباب، من صور القذف..
وقد جاء القرآن الكريم بالحكم أولا على هؤلاء الذين افتروا تلك الفرية المنكرة، وأذاعوا هذا البهتان العظيم.. فقال تعالى:
وقد تضمن هذا الحكم أمورا، منها:
أولا: وصف هذا الحدث الذي أثار البلبلة فى الخواطر، والاضطراب بالنفوس- بأنه «إفك» .. والإفك هو الافتراء، وخلق الأباطيل، ونسجها من الكذب والبهتان..
وثانيا: تصوير هذا «بِالْإِفْكِ» الذي جرى على ألسنة المؤتفكين، فى صورة مجسّدة، وأنّه شىء مجلوب جاءوا به من عالم الظلام، وتعاملوا به، وتبادلوه، فيما بينهم، كما يتبادلون النقد الزائف:«جاؤُ بِالْإِفْكِ» وثالثا: وصف الجماعة التي جلبت هذا «بِالْإِفْكِ» واستوردته من ظنونها السيئة، وأوهامها الضالة- وصفها بأنها «عُصْبَةٌ» تداعت على الإفك،
واجتمعت عليه، وأصبحت عصبة له، لما بينها من علائق التلاحم، والترابط، والتوافق، فى فساد العقيدة، وضعف الإيمان، والانجذاب نحو الشرّ..
ورابعا: أن هذه العصبة التي جاءت بالإفك- شأنها فى ذلك شأن كل عصبة- لها رأس فاسد يقودها إلى الشرّ، ويجمعها عليه.. ومن وراء هذا الرأس، أعضاء، تعمل معه، ولكل عضو مكانه ودوره الذي يقوم به.
وخامسا: هذه العصابة الآثمة التي جاءت بهذا الإفك- لها حسابها، وجزاؤها عند الله.. أما زعيمها، ولذى تولّى كبر أمرها، فله عذاب عظيم، أضعاف ما يلقاه غيره من الذين معه..
وسادسا: هذا الحديث الآثم، وإن بدا فى ظاهره أنه شرّ تأذّت به النفوس الطاهرة، وضاقت به الصدور الكريمة- فإنه يحمل فى طيّاته خيرا كثيرا، حين ينجلى هذا الدخان، ويتبدد هذا الضباب، فيسفر وجه الحق، ويكشف عن آية من آيات الله، فى الطّهر، والعفّة، والتصوّن..
وحديث الإفك- كما يروى- هو أن أم المؤمنين «عائشة» رضى الله عنها، كانت فى صحبة النبىّ صلى الله عليه وسلم فى إحدى غزواته، ويقال إنها غزوة- بنى المصطلق- وفى طريق العودة، نزل النبي- صلى الله عليه وسلم وأصحابه منزلا، فلما آذنوا بالرّحيل، كانت أم المؤمنين، عائشة، تقضى حاجة لها، بعيدا عن هودجها الذي كانت تحمل عليه، وإذ كانت فى عجلة من أمرها، فقد افتقدت عقدا لها.. فلما التمسته ولم تجده، وهى فى طريقها إلى هودجها، عادت تبحث عنه، فلما وجدته، وأسرعت لتأخذ مكانها فى رحلها، كان القوم قد احتملوه، وكانت صغيرة، خفيفة اللحم، فلم ينتبهوا إلى شىء مما حدث، وظنوا أنها فى الرحل الذي حملوه..
وحين وصلت إلى مكانها، كان النبىّ وأصحابه قد بعدوا عنها، وهم على يقين من أنها فى هودجها، على راحلتها التي يقودونها معهم..
والذي صنعته أم المؤمنين عائشة فى تلك الحال، هو أنها جلست فى مكانها، تنتظر عودة من يعود إليها من القوم، بعد أن يفتقدوها فى الرحل، فلا يجدوها..
وكان من العادة أن يتخلّف وراء القوم من ينتدبونه، لينظر.. إذا استبان النهار- فيما خلّفوه وراءهم من أدواتهم، وأمتعتهم، فيلتقطها، ويحملها معه إلى أصحابها.. وذلك أنهم كانوا يرتحلون ليلا، فتندّ عنهم بعض الأشياء التي يحجبها الظلام عنهم..
وقد كان «صفوان بن المعطل» - رضوان الله عليه- هو المنتدب لهذه المهمّة.. فلما استبان ضوء النهار، وجاء حيث كان منزل الرسول وأصحابه فى تلك الليلة، رأى سوادا، لم يتبيّنه أول الأمر، وظنّه متاعا من أمتعة القوم، فلما داناه رأى كائنا يتحرك فى داخله- وكان الحجاب قد ضرب على نساء النبىّ- فلم ير لأم المؤمنين، وجها، ولكنه عرف أنها أم المؤمنين، فاسترجع، ثم أناخ لها بعيره، فركبته، وقاده بها حتى أدرك النبىّ وأصحابه فى بعض الطريق..
دون أن ينطق بكلمة.
هذا هو مجمل القصة..
ولكن المنافقين- وعلى رأسهم عبد الله بن أبىّ بن سلول- أخذوا يتهامسون ويتغامزون، ثم تحول همسهم وتغامزهم إلى اتهام صريح لأم المؤمنين، على هذا الصحابي الجليل، صفوان بن المعطل.! ثم أخذ هذا الحديث يدور فى المدينة، والمنافق عبد الله بن أبىّ ينفخ فيه، حتى أصبح نارا مشتعلة، علقت بأذيال المسلمين، وأكلت كثيرا من القلوب المؤمنة.. كما أنها أكلت ما بقي من إيمان فى قلوب المنافقين والذين فى قلوبهم مرض!
وقد بلغ النبىّ صلى الله عليه وسلم، قالة المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أبىّ.. واستأذن بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قتل هذا المنافق، وقتل من كان على شاكلته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى عليهم ذلك، وفوّض أمره إلى الله، فى هذا المنافق ومن معه..
أما أم المؤمنين، فإنها كانت فى غفلة عن هذا الذي يتحدّث به المنافقون فى شأنها، وكانت فى تلك الأيام متوعكة، تلازم فراشها- وربما كان ذلك لما أصابها من مشقة السفر.. وقد استشعرت بطبيعة الأنثى إعراضا من النبىّ صلى الله عليه وسلم عنها، إلا أنها لم تعرف لذلك سببا..
كل هذا، والحديث يدور حولها، والعاصفة تزمجر عن يمينها وشمالها، وهى الغافلة عن كل هذا، غفلة أهل البراءة، المشغولة بدينها عن دنياها، شغل المؤمنين بالسماء، عما يشغل به الناس فى الأرض..
وفى ليلة.. خرجت أم المؤمنين، مع قريبة لها، هى أم مسطح، لقضاء حاجة فى الخلاء.. وكان أن عثرت أم مسطح أو تعمدت العثار، لتنطق بتلك الكلمة التي تريد أن تلقى بها إلى أسماع أم المؤمنين، ولتتخذ منها مدخلا إلى الحديث الذي تريد أن تفضى به إليها، وهى فى غفلة عنه- فقالت أم مسطح حين عثرت أو تعاثرت:«تعس مسطح» تريد ابنها مسطحا! فقالت أم المؤمنين بئس ما قلت يا أم مسطح فى رجل شهد بدرا! فقالت أم مسطح: لا، وتعسا له!! أما سمعت ما يقول مسطح؟ فقالت وما يقول؟ .. فأخبرتها ما يدور على الألسنة من حديث الإفك، ومن التهمة الظالمة التي يرميها بها المنافقون، ويتلقاها عنهم كثير من الثرثارين.. ومنهم مسطح!! وهنا تنبهت أم المؤمنين إلى ما كانت غافلة عنه، واسترجعت موقف النبىّ منها، وعرفت سبب إعراضه عنها، وأنه لم يكن لذلك من سبب إلا هذا الحديث،
وأن النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- قد وقع منه هذا الحديث موقعا..
فكربت لهذا واضطربت، ورجعت إلى البيت محمومة يكاد يقتلها الأسى، ويفرى كبدها الألم! ثم استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمرّض عند أبويها.. فأذن لها!! .. وكان ذلك مما ضاعف فى بلوتها، لأنها ما استأذنت إلا لترى ما عند النبىّ لها.. فلما أذن لها عرفت ما هناك! ثم كان حديث عاصف ثائر، كادت تزلزل به أركان هذا البيت الكريم، بيت الصدّيق رضى الله عنه..
ولا نحسب أن أمرا عرض لأبى بكر، منذ صحب الرسول إلى هذا اليوم، كان أشدّ وقعا عليه، وابتلاء لصبره، وإيمانه، وإيثاره لرسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر، الذي هيأ نفسه فيه لتقديم ابنته، وشرفه، على مذبح التضحية والفداء، فى سبيل الله، ومن أجل رسول الله..
إنه- رضوان الله عليه- لم ينظر إلى نفسه، ولا إلى ابنته، وإنما نظر إلى رسول الله، وما أصابه فى نفسه من هذا الأمر.. وإنه ليودّ مخلصا أن لو نزل طير من السماء، فاختطف ابنته، أو انشقت الأرض فابتلعتها، إذ كانت- فى نظره يومئذ- هى الشوكة التي شاك بها المشركون والمنافقون رسول الله..
وإنه لا شىء أبغض إلى الصديق- رضوان الله عليه- من شىء يجىء إلى رسول الله منه ما يسوؤه، ولو كانت نفسه التي بين جنبيه، أو كانت فلذة كبده..
عائشة، رضوان الله عليها! إن الصدّيق- رضوان الله عليه- لم يكن ينظر إلى تلك الفرية إلا من حيث ما أصاب الرسول منها من أذى..
وسواء أصحت عنده تلك التهمة أو لم تصح.. فإنها آذت النبيّ.. والصدّيق لا يهمه فى الدنيا شىء، إلا أن يرى النبىّ معافى من كل ضرّ، بعيدا عن كل
أذى.. أما ما وراء ذلك- وإن عظم- فهو هين، يمكن أن تتحمله النفس وتصبر عليه..
ومن هنا ندرك، ما كان يعالجه الصدّيق من هموم، وما يعاينه من آلام! ..
فهو- كمؤمن من المؤمنين، وأكثرهم حملا لأعباء الإسلام- قد أخذ بنصيبه الأوفى من تلك التهمة..
ثم هو كأكثر المؤمنين حبّا لرسول الله، وتعلقا به، وإيثارا له.. قد ذهب بالنصيب الأوفر منها..
ثم هو كأب لأم المؤمنين، وكسيد من سادات القوم، يحرص على شرفه- قد أخذ نصيبه كاملا منها..
ومع هذا كله، ومع تلك الأعباء الثقال التي حملها- فإنه- رضوان الله عليه لم ير النبىّ إلا ما يحبّ، ولم يسمعه إلا ما يرضيه.. وإنه لو استطاع أن يحمل عن النبىّ ما حمل من هذا الأمر لفعل.. ولكنه كان أبدا مع قوله تعالى:
«فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» ..
ومن هنا أيضا ندرك بعض السرّ فى أن كان من تدبير الله سبحانه وتعالى، ومن فضله العظيم على أبى بكر وإحسانه العميم إليه.. أن تتنزل رحمات الله على هذا البيت الكريم، الذي تعرض لهذه العاصفة الهوجاء المجنونة، وأن يطلع منه هذا النور السماوىّ الوهاج، الذي يفضح دعاة الإفك، ويخزيهم، ويسمهم بسمات الذلة، ويقيمهم فى قفص الاتهام إلى يوم الدين، حيث ينظر إليهم نظرة اتهام، كلّ قارئ لكتاب الله، مرتل لتلك الآيات البينات، التي نزل بها الروح الأمين على الرسول الكريم، فى بيت الصدّيق، وعلى مشهد
منه، ومن أهله جميعا..
ففى زورة للرسول- صلوات الله وسلامه عليه- لآل أبى بكر، وهم فى هذه المحنة القاسية، وفى أثناء حديث مرير، حرج، مزعج، بين رسول الله، وبين أم المؤمنين- تهبّ على هذا الجمع الكريم ريح طيبة، كأطيب ما يكون الطيب، ويخلص إلى نفوس الجمع منها، أنفاس عطرة، تشيع السكينة، والأمن، والرضا، فيجد لها كل من ضمه هذا المجلس الطيّب فى رحاب هذا البيت الكريم- نغما علويا، يصدح بألحان مسعدة، تزفّ بين يديها آيات الله محمولة على أجنحة نورانية، ترف حول رسول الله، وتوشك أن تشتمل عليه..
ويمسك القوم عن الحديث بعد أن اتصل رسول السماء بالنبيّ، وتسكن الجوارح، وتبهر الأنفاس، وتتعلق الأبصار برسول الله، وما غشيه من هذا النور المتدفق من السماء..
ويأخذ الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- ما يأخذه من الوحى، والقلوب واجفة، والأبصار زائغة. والنفوس قلقة.. لا يدرى أحد ما جاءت به السماء، وما يكون لها من حديث عن هذا الحدث الصاعق! وإن كانت السيدة عائشة على إيمان وثيق بربّها، وعلى ثقة مطلقة بطهرها، وبراءتها- فإنها ما كانت تتوقع- كما كانت تحدث عن نفسها فيما بعد- أن ينزل فى شأنها قرآن، وأن تتنزل من السماء آيات تزكّيها، وتدمغ الباغين عليها!.
فلما انفصل الوحى عن رسول الله، وسرّى عنه- نطق وجهه الكريم بشرا، ونورا، قبل أن ينطق لسانه بما نزل على قلبه من كلمات ربه.. وعرفت السيدة عائشة، ومن معها أن قرآنا قد نزل ببراءتها.. وما هى إلا لحظة- مرت كأنها دهر- حتى أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة قائلا:
«أبشرى يا عائشة. أما الله عز وجل فقد برّأك» !! فقالت: بحمد الله لا بحمدك!
فقالت لها أمها: قومى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل براءتي» !! إنها ثورة الحرة على شرفها، وعلى شرف النبىّ الذي شرفت بزواجها منه، وعلى شرف بيت النبوّة الذي ضمّت إليه، وعلى شرف بيت الصديق الذي نبتت منه!!.
وتهدأ العاصفة، وتخمد نار الفتنة، ويخرج أبو بكر وآله من هذه المحنة بأعظم مغنم، لم يكن لأحد من المؤمنين أن يشاركه فيه.. فقد نزل الوحى فى بيت أبى بكر، بستّ عشرة آية من القرآن الكريم، هى فى شأن أبى بكر، وبنت أبى بكر! لقد كان المسلمون يتعبدون فيما يتعبدون به من آيات القرآن الكريم، بقوله تعالى:«إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا.. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (40: التوبة) - وإنهم منذ الآن ليتعبدون إلى آخر هذه الحياة الدنيا، بتلك الآيات الست عشرة أيضا.. وكأنّ ذلك استغفار متصل من المؤمنين جميعا لأبى بكر، وبنت أبى بكر، من هذا المنكر الذي جاءت به عصبة من المؤمنين!.
وانظر إلى تدبير الله سبحانه، وإلى غيوث رحمته، وسوابغ فضله على المخلصين من عباده..
لقد كانت هجرة النبىّ، وإخراجه من بلده، والمسجد الحرام، غاية ما وصل إليه المشركون من إيذاء للنبىّ، فى مشاعره.
وكان «الغار» على طريق الهجرة، الغاية القصوى لما كان يمكن أن
يبلغه المشركون من النبىّ وصاحبه الصديق، لو أنهم ظفروا بهما، وقد كانوا على بضع خطوات منهما!! وإنه ليس لهذه الآلام النفسية القاسية من شفاء إلا فى آيات الله، التي يقول سبحانه وتعالى فيها:«وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» ..
(82: الإسراء) وقد نزل ما فيه الشفاء والرحمة: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ..»
فأخذ أو بكر نصيبه من هذا من الشفاء والرحمة.
وفى حديث الإفك، كان المنافقون ومرضى القلوب من المسلمين، يمثّلون دور المشركين فى مكة.. لقد آذوا النبىّ فى مشاعره، وفى الدعوة التي يقوم عليها، إذ أن هذا الحديث لو جرى إلى غايته، ولم تعالجه السماء بهذا الدواء الرباني، لكان معولا يهدم فى صرح الإسلام، الذي لم يتم بناؤه بعد، ولكان فى يد الذين يكيدون لهذا الدين حجة قوية عليه، فى عدوان أصحاب النبىّ على حرماته ومقدساته، لا يخافون عقاب الله، ولا يوقّرون الذي يدعوهم إلى الله..
ولكان لقائل أن يقول: إن أصحاب محمد هؤلاء، لو وجدوا فى هذا الدين، أو فى الداعية إلى هذا الدين ما يبعث فى قلوبهم خشية، أو توقيرا لما جرؤ أحدهم على فعل هذا الذي يجرى به هذا الحديث الأثيم! نعم.. لقد كان النبىّ، ومعه صاحبه أبو بكر، ومعه المؤمنون الصادقون، يجدون من وقع ألسنة الذين جاءوا بهذا الإفك، ما كانوا يجدونه وهم فى مكة على يد المشركين، وما يرمونهم به من ضرّ وأذى..
وكان فراق النبىّ للسيدة عائشة، وقبول انتقالها إلى بيت أبويها لتمرّض هناك وتستشفى مما ألمّ بها، أشبه بفراقه- صلوات الله وسلامه عليه- لبلده، وأهله، إلى حيث يطلب السلامة والعافية، فى مهاجره الذي هاجر إليه.
ثم كان بيت الصديق، الذي أوت إليه أم المؤمنين أشبه «بالغار» .. حيث كثر الطلب للحديث عنها، وعلت الأصوات الخافتة للقالة فيها، بعد أن خرجت من بيت النبىّ، إلى بيت أبويها..
ثم لم يكن لهذا البلاء العظيم إلا ما ينزل من رحمة السماء، حتى يردّ للنفوس الطاهرة اعتبارها، ويأخذ لها بحقها، ويجزيها الجزاء العظيم على صبرها واحتمالها.. فنزلت تلك الآيات الست عشرة، التي رفعت قدرا رفعه الله وأراد المنافقون ومن فى قلوبهم مرض أن ينالوا منه.. فكان أن زاده الله رفعة إلى رفعة، وشرفا إلى شرف، وذكرا باقيا خالدا على الدهر.. وهذا ما يشير اليه قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» .. وأي خير أعظم من هذا الخير؟ وأي شىء فى الدنيا كلها يعدله، أو يعدل بعضا منه؟
قوله تعالى:
لولا: حرف تحضيض، بمعنى هلّا.. فهو استفهام يراد به الحثّ على إتيان الأمر المستفهم عنه..
والمعنى: لقد كان من الخير لكم أيها المؤمنون وأيتها المؤمنات، إذ سمعتم هذا المنكر- أن تنكروه، وتردوه على أهله الذين جاءوا به.. حيث أن التي ترمى به، امرأة مؤمنة منكم، بل هى أم المؤمنين، وزوج الرسول الكريم..
وكل صفة من تلك الصفات هى وحدها أمان لها من الزلل والعثار، ووازع قوى يزعها عن الاعتداء على حدود الله، فكيف إذا اجتمعت لها هذه الصفات جميعها؟ ..
وفى قوله تعالى: «ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً» أمور.. منها:
أولا: الإشارة إلى تلك الرابطة القوية الوثيقة، التي تربط المؤمنين جميعا بعضهم ببعض، بحيث يكون ما يعرض لأحدهم من عارض يمسّه، فى نفسه، أو دينه، أو مقامه فى مجتمعه- هو مصاب يصاب به المجتمع المؤمن كلّه.. فالمؤمنون كما وصفهم القرآن الكريم «إِخْوَةٌ» كما يقول سبحانه:«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» .. ثم هم كما وصفهم الرسول الكريم «جسد» بحكم هذا الرباط الأخوة الذي يربطهم، ويشد بعضهم إلى بعض.. يقول الرسول- صلوات الله وسلامه عليه «مثل المؤمنين فى توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر» .
وثانيا: الإشارة إلى أن المؤمن حقّا، إنما ينظر إلى المؤمنين من خلال نفسه، فإذا كان على السلامة فى دينه، والاستقامة فى طريقه، رأى المؤمنين جميعا مثله، على تلك الصفة.. وهذا من شأنه أن يلفت المؤمن إلى نفسه أولا.. فإذا سمع عن مؤمن ما ينقص من إيمانه، أو ما يشير إلى انحراف فى سلوكه- ثم استقبل هذا الذي سمعه، ولم يضق صدره به، ولم تألم نفسه له- كان عليه أن يتهم إيمانه أولا، لأنّه قبل أن يدخل عليه هذا المنكر، الذي دخل على المؤمنين جميعا، وأضيف إليهم، بحكم الوحدة القائمة بينهم.. ثم إذا هو هشّ لهذا الذي سمعه، أو طار به فرحا- فليعلم أنه ليس من الإيمان إلا على حرف، وأنه موشك أن ينفصل عن الإيمان، ويقطع صلته بالمؤمنين.. ثم إذا هو لم يقف عند الحدّ، وأطلق لسانه بهذا المنكر الذي سمعه، وعمل على إذاعته، ونشره فى الناس- فليعلم أنه- مادام على تلك الحال- فهو ليس من الإيمان فى شىء، وأنه قائم على منكر، لا يجتمع هو والإيمان، فى كيان إنسان.
وثالثا: الإشارة إلى أن المؤمن من شأنه أن يكون مبرّا من التهم، بعيدا
عن مواطن الشبهات.. وأنه أبدا على هذه البراءة حتى تثبت إدانته.. أما قبل هذا، فإن كلّ كلمة سوء تقال فيه، هى إثم كبير، وبهتان عظيم.. يستحق قائل السوء فيه أن يساق إلى موقف الاتهام، وأن يطالب بالدليل القاطع على صدق ما يقول، وإلا فالحدّ فى ظهره.. تأديبا له، وقصاصا لحرمة هذا المؤمن، أو المؤمنة.. والله سبحانه وتعالى يقول:«وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ» (194:
البقرة) ..
قوله تعالى:
«لَوْلا» هنا للتمجيز، وليست للتحضيض.. إذ لم يكن من الممكن الإتيان بأربعة شهداء، يشهدون على هذا المنكر، لأنه إن أمكن اصطياد أربعة ممن يشهدون عليه زورا، فإن الزور سينفضح، حيث ستختلف أقوالهم، وتضطرب ألوان الصورة التي يصورون بها الواقعة المزورة، لأن كلا منهم يصورها حسب ما تمليه عليه أوهامه وخيالاته، وهيهات أن يلتقى وهم مع وهم، أو يجتمع خيال إلى خيال، وإن أحكموا فيما بينهم تدبير الأمر، وعملوا على سد الخلل فيه!! وفى قوله تعالى:«فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ» - إشارة إلى أنهم لم يأتوا بهم، لأن هذا الأمر لم يشهده أحد.. فقد كانت أم المؤمنين، وكان معها صفوان ابن المعطّل.. ولم يكن أحد غيرهما، وذلك على ما رأى المسلمون وغير المسلمين جميعا.. فأى شاهد يمكن أن يجىء ويقول: إنه شهد شيئا كان بين أم المؤمنين وصفوان؟.
وهذا هو السر فى التعبير بالظرف «إذ» بدلا من أداة الظرف الشرطية «إذا» أو «إن» كما يبدو من ظاهر النظم..
وفى هذا ما يجعل هذا الخبر واقعا محققا، وهو قوله تعالى:«فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ» .. أي أن هؤلاء الذين جاءوا بهذا الإفك، موسومون عند الله بالكذب.
وقوله تعالى: «فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ» .. هو ظرف تقع فى حيّزه الجملة الخبرية.. وتقدير النظم هكذا: هاتوا أربعة شهداء.. وإنه لا شهداء معكم، وإذن فأنتم عند الله الكاذبون، إذ أنكم لم تستطيعوا أن تجدوا من يشهد على افترائكم وبهتانكم.
وفى قوله تعالى: «فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ» إشارة إلى أن هؤلاء الذين جاءوا بالإفك، ليسوا كاذبين عند الناس، وحسب، بل إنهم فى حقيقة الأمر كاذبون فعلا.. وهذا ما سجله الله عليهم، ووصفهم به فقد يكون الإنسان فى نظر الناس كاذبا فى حديث تحدث به، أو شهادة شهد بها، وهو فى واقع الأمر صادق.. وإن لم تقم قرائن للناس منهم، حين لم يكن معهم شاهد على بهتانهم..
قوله تعالى:
أفاض فى الأمر: أي بالغ فيه، وأكثر منه. وأفاض فى الحديث:
توسّع فيه، وجاوز الحد..
والخطاب موجه إلى المؤمنين جميعا، وأنهم يحملون شيئا من وزر هذا الحديث الآثم، الذي تردد فى آفاقهم، وأن الذين لم يشاركوا فيه، ولم يستمعوا له، وقد مسّهم شىء من ريحه الخبيثة.. فهؤلاء الآثمون الذين افتروا هذا البهتان العظيم، هم بعض هذا المجتمع الكبير.. وأنه لو وقع بهم بلاء الله، لأصاب رذاذه من لا ذنب له من المؤمنين.
ولكن فضل الله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وإحسانه إليهم، قد اتسع لهؤلاء المذنبين، فشملهم.. وبدلا من أن يقع البلاء بالمذنبين، ويتسرب إلى غيرهم من المؤمنين، أراد الله للمؤمنين الحسنى، فجعل إحسانه إلى المؤمنين، وقاية من إساءة المسيئين، ثم جعل من هذا الإحسان شيئا ينال الآثمين، فلم يعجّل لهم العذاب فى الدنيا، بل مدّ لهم فى هذه الحياة، ليجدوا فرصتهم فى التوبة إلى الله، وقد تاب كثير منهم، وقبلت توبتهم، وحسن إيمانهم..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» ..
قوله تعالى:
تلقونه بألسنتكم: أي يلقيه بعضكم إلى بعض، وتتداوله الألسنة، كما تتداوله الأيدى الأشياء فيما بينها! وهذا يعنى، أن حديث الإفك الذي تداوله المتداولون بينهم، لم يكن إلا بضاعة رخيصة من لغو الكلام، الذي تتحرك به الألسنة وحدها، دون
أن يكون له دافع من عقل أو رأى.. إنه حركة آلية، لا يشترك فيها من كيان الإنسان إلّا اللسان.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:«وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ» - أي أن هذا الحديث المدار بينكم فى هذا الأمر، هو حديث ألسنة، لا تنطق عن علم، ولا تأخذ عن عقل، أو منطق.. إنه حديث لسان يأخذ عن لسان، حتى دون أن يمر على الأذن! «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ» .
وإنه لإعجاز من القرآن الكريم هذا التصوير المعجز الشائعات السوء، حين تجد من الناس آذانا مصغية إليها، ونفوسا مستجيبة لها.. إنها حينئذ تنطلق فى سعار وجنون، بحيث لا تدع للناس فسحة من الوقت يتلقونها بآذانهم، ثم يديرونها فى عقولهم ومشاعرهم، ليكون لهم خيار فى قبولها أو ردها، بل إنه يلقى بها على ألسنتهم خلقا مصنوعا، مجهزا للتعامل به على صورته تلك.. إنها كلمات مردّ الحكم فيها إلى الألسنة..
فلتذقها الألسنة إذن، ولتحكم عليها بما تذوق منها.. وإن كثيرا من الناس، ليقفون بالكلام على حدود ألسنتهم، ويفوّضون لها الأمر فيما تقبل منه أو ترفض.. وإن لكلمات السوء لحلاوة على ألسنة أهل السوء والفساد، يترشفونها كما يترشفون الماء البارد على ظمأ، فى يوم قائظ!.
وفى قوله تعالى «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ» تحذير لهؤلاء الذين يستخفّون بالكلمة، وينفقون من رصيد ألسنتهم بغير حساب.. ظانين أن ذلك لا يضيرهم فى شىء أبدا، ما دام الذي ينفقون لا يكلّفهم جهدا أو مالا..
وهذا ظن خاطئ.. فالكلمة ليست مجرد صوت ينطلق من فم، وإنما هى- فى حقيقتها- رسالة من الرسالات إلى عقول الناس، قد تكون طيبة، فتحمل إليهم الخير والهدى، وقد تكون خبيثة، فتسوق إليهم البلاء والهلاك.. وقد ضرب الله مثلا للكلمة الطيبة فقال سبحانه:«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها» .. وكذلك ضرب الله مثلا للكلمة الخبيثة، فقال سبحانه:«وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ» (24- 26:
إبراهيم) ..
فالكلمة فى حساب المبطلين، والمفسدين، وأصحاب النفوس المريضة، والعقول الفارغة- شىء رخيص، لا وزن له، ولا ثمن للقليل أو الكثير منه..
وهى عند أهل الرأى والعقل، والحكمة، والإيمان.. شىء عظيم، هى آية الله فى الإنسان.. بها كان إنسانا، وكان خليفة الله فى الأرض.. وبالكلمة خلق الله السموات والأرض، وما فيهن ومن فيهن.. وبالكلمة صاغ الإنسان هذه المصنوعات التي ملأ بها وجه الأرض. فلولا الكلمة ما ولدت الأفكار، ولولا الأفكار ما ظهر للإنسان عمل أكثر من عمل الحيوان على الأرض..
وهذا الحديث الآثم، الذي انطلق فى آفاق المدينة، وتداولته بعض الألسنة فى غير تحرج أو تأثم، هو أخبث ما تنطق به الأفواه من كلم، إذ كان زورا وبهتانا، وافتراء على الحق فى أرفع منازله، وعدوانا على الطهر فى أشرف مواطنه..
قوله تعالى:
هو بيان من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين الذين خاضوا فى هذا الحديث، أو استمعوا له، أو سكتوا عنه، وتوجيه لهم إلى الموقف الذي كان ينبغى أن يقفوه من هذه الفتنة، وتلقين لهم بالكلمة التي كان يجب أن يلقوا بها هذا البهتان العظيم.
فليس للمؤمن إلا موقف واحد من هذا الحديث، وهو إنكاره، وبهت المتحدثين به، ووضعهم موضع التهمة بالكذب والافتراء..
وفى قوله تعالى: «إِذْ سَمِعْتُمُوهُ» - إشارة إلى أن الأمر لم يكن إلا حديثا يدار على الألسنة، ويلقى به على الأسماع، وأنه لم يكن عن رؤية ومشاهدة..
وفى قوله تعالى: «ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا» إشارة أخرى إلى أن هذا الحديث الآثم، لا ينبغى لمؤمن أن ينطق به، لأنه عدوان على النبىّ، وجرح غائر لمشاعره، وإيذاء شديد له.. وليس مؤمن ذلك الإنسان الذي يسوق إلى النبي شيئا يسوءه، أو يخدش مشاعره.. والله سبحانه وتعالى يقول:«وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (61: التوبة) .
فلو فرض وكان هذا الأمر على شىء من الحقيقة- فإن الإيمان بالله ورسوله يقتضى المؤمن أن يدفع هذا السوء الذي يعرض للنبى، وأن يتلقاه دونه، ويحمله عنه.. إن وجد إلى ذلك سبيلا..
أما أن يكون خطبا يزيد النار اشتعالا، فذلك هو الذي لا يجتمع معه إيمان، ولا يبقى معه دين.. لأن الإيمان ولاء، وحب وتقديس، والدين عبادة وصلاة وتسبيح..
قوله تعالى:
«يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» .
هو دعوة كريمة من رب كريم، إلى المؤمنين، ألّا يعودوا إلى مثل هذا الأمر، وألا يخوضوا فى أعراض المسلمين، وألا يجعلوا لكلمة السوء مكانا فى قلوبهم، أو موضعا على ألسنتهم، أما هذا الحديث الذي حدث، فالله سبحانه وتعالى، قد عاد بفضله على الذين عضهم الندم، وجاءوا إلى الله تائبين مستغفرين..
فالخطاب هنا موجه إلى كل من كان له مشاركة فى هذا الأمر، من قريب أو بعيد.
وفى قوله تعالى: «يَعِظُكُمُ اللَّهُ» - إشارة إلى أن الذين اشتركوا فى هذا الحديث لم يهلكوا بعد، وأنهم مدعوون إلى أن يستمعوا إلى ما يوعظون به، فإن قبلوا الموعظة وعملوا بها نجوا، وإلا فهم فى الهالكين.
وفى قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» إشارة إلى أن الذين توجّه إليهم هذه العظة إنما هم الذين يحرصون على الإيمان، ويدفعون عن أنفسهم كل ما يشين إيمانهم، أو ينقصه.
قوله تعالى:
«وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .
هو إشارة إلى أن ما وعظ به المؤمنون فى الآيات السابقة، هو ما اقتضته رحمة الله بالمؤمنين، ببيان الشبهات التي تعرض لهم، وبألا يؤخذوا بالعقاب قبل أن يبلّغوا البلاغ المبين، الذي لا شبهة فيه.. وفى هذا يقول سبحانه:
«وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ» (115:
التوبة) .. وذلك عن علم العليم، الذي يعلم من عباده ما لم يعلموا، ومن حكمة الحكيم، الذي كشف بالعلم طريق الهدى لعباده، ليكونوا بهذا العلم أهل حكمة وبصيرة.
قوله تعالى:
هو تعقيب على هذا الحدث العظيم، بالتنبيه إلى أن الذين يحبون أن تفشو الفاحشة، وتشيع الفتنة فى مجتمع المؤمنين- هؤلاء لهم عذاب أليم فى الدنيا، وذلك بأنّ يؤخذوا بما رصد من عقاب لأولئك الذين يرمون المؤمنين بغير ما اكتسبوا.. ثم إن لهم عذابا أشد وأنكى من هذا العذاب، فى الآخرة.
وإشاعة الفاحشة فى المجتمع من يكون أكثر من وجه.
- بالإقدام على الفاحشة، والتعامل بها..
- أو بالمعالنة بإتيان الفاحشة من مرتكبها، أو التحدث بها إلى الناس، وإفشاء ما ستر الله منه..
- أو بإذاعة الأحاديث عن الفاحشة، سواء أكان ذلك فى أهل الفاحشة أم فى غيرهم.
- أو بالإصغاء إلى حديث الإثم، وترك المتحدثين به، يثرثرون، دون أن يردعهم رادع، أو يمسك ألسنتهم أحد..
فهذه الوجوه، وما يدخل مداخلها، كلها مما تشيع به الفاحشة فى المجتمع، قولا، وفعلا.. وأنها إذا لم تؤخذ عليها السبل، من أول الأمر، استشرى شرها، وعظم خطرها، واتسعت دائرتها، حتى ليصبح المجتمع كله واقعا فى قبضتها..
إنها أشبه بالنار، تكون أول الأمر شرارة، فإذا هى لم تعالج فى الحال، اندلعت ألسنتها، وعلا لهيبها، وصارت حريقا عظيما، لا يقف له شىء، ولا يدفعه شىء، فتقع الجماعة كلها تحت الخطر الذي ترمى به..