الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- سبحانه-، وعلى فضله ونعمته على من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.
قال الإمام ابن كثير: ولما كان معاقبة العصاة المجرمين، وتنعيم المتقين، من فضله.
ورحمته، وعدله، ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم من عذابه وبأسه، مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك قال ممتنا بذلك على بريته فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «1» .
وكعادة القرآن الكريم في قرن أحوال الأخيار، بأحوال الأشرار، أو العكس: جاء الحديث عما أعده- سبحانه- للمتقين من جزيل الثواب، بعد الحديث عما سينزل بالمجرمين من عقاب فقال- تعالى-:
[سورة الرحمن (55) : الآيات 46 الى 61]
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (46) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (47) ذَواتا أَفْنانٍ (48) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (49) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (50)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (51) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (52) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (54) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (55)
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (58) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (59) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَاّ الْإِحْسانُ (60)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (61)
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
…
شروع في تعديد الآلاء التي تفاض في الآخرة على المتقين، بعد بيان سوء عاقبة المكذبين.
ومَقامَ مصدر ميمى بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل. أى: ولمن خاف قيام ربه عليه وكونه مراقبا له، ومهيمنا عليه فالقيام هنا مثله في قوله- تعالى- أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِ
(1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 287. [.....]
نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
…
أو هو اسم مكان. والمراد به مكان وقوف الخلق في يوم القيامة للحساب.. إذ الخلق جميعا قائمون له- تعالى- كما في قوله- سبحانه-: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «1» .
والمعنى: ولكل من خاف القيام بين يدي ربه للحساب، وخشي هيمنته- سبحانه- عليه، ومجازاته له
…
لكل من خاف ذلك وقدم في دنياه العمل الصالح، جَنَّتانِ يتنقل بينهما، ليزداد سروره، وحبوره.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: جَنَّتانِ؟ قلت الخطاب للثقلين، فكأنه قيل لكل خائفين منكما جنتان. جنة للخائف الإنسى، وجنة للخائف الجنى.
ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي، لأن التكليف دائر عليهما، وأن يقال: جنة يثاب بها وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله- تعالى-: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ «2» .
وقوله: ذَواتا أَفْنانٍ صفة للجنتين. والأفنان جمع فنن- بفتحتين- وهو الغصن.
أى: جنتان صاحبتا أغصان عظيمة. تمتاز بالجمال واللين والنضرة.
ثم وصفهما- سبحانه- بصفات أخرى كريمة فقال: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ أى: في كل جنة منهما عين تجرى بالماء العذب الفرات
…
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ أى: وفيهما كذلك من كل نوع من أنواع الفاكهة صنفان، ليتفكه المتقون ويتلذذوا بتلك الفواكه الكثيرة، التي لا هي مقطوعة، ولا هي ممنوعة.
ثم بين- سبحانه- حسن مجلسهم فقال: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ.
والجملة الكريمة حال من قوله- تعالى-: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
…
وعبر- سبحانه- بالاتكاء لأنه من صفات المتنعمين الذين يعيشون عيشة راضية، لاهم معها ولا حزن.
والفرش: جمع فراش- ككتب وكتاب- وهو ما يبسط على الأرض للنوم أو الاضطجاع.
(1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 115.
(2)
تفسير الكشاف ج 4 ص 49.
والبطائن: جمع بطانة، وهي ما قابل الظهارة من الثياب، ومشتقة من البطن المقابلة للظهر، ومن أقوالهم: أفرشنى فلان ظهره وبطنه، أى: أطلعنى على سره وعلانيته.
والإستبرق: الديباج المصنوع من الحرير السميك، وهو من أجود أنواع الثياب.
والمعنى: أن هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى، يعيشون في الجنات حالة كونهم، متكئين في جلستهم على فرش بطائنها الداخلية من الديباج السميك. وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ أى: وما يجنى ويؤخذ من الجنتين قريب التناول، دانى القطاف.
فالمراد بقوله- تعالى-: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ ما يجتنى من ثمارهما ودانٍ من الدنو بمعنى القرب.
أى: أنهم لا يتعبون أنفسهم في الحصول على تلك الفواكه، وإنما يقطفون ما يشاءون منها، وهم متكئون على فراشهم الوثير.
ثم بين- سبحانه- ألوانا أخرى من نعيمهم فقال: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ.
وقوله- سبحانه-: قاصِراتُ الطَّرْفِ صفة لموصوف محذوف. والطمث: كناية عن افتضاض البكارة. يقال: طمث الرجل امرأته- من باب ضرب وقتل-، إذا أزال.
بكارتها. وأصل الطمث: الجماع المؤدى إلى خروج دم الفتاة البكر، ثم أطلق على كل جماع وإن لم يكن معه دم.
أى: في هاتين الجنتين اللتين أعدهما- سبحانه- لمن خاف مقامه.. نساء قاصرات عيونهن على أزواجهن، ولا يلتفتن إلى غيرهم. وهؤلاء النساء من صفاتهن- أيضا- أنهن أبكار، لم يلمسهن ولم يزل بكارتهن أحد قبل هؤلاء الأزواج
…
وكأن هؤلاء النساء في صفائهن وجمالهن وحمرة خدودهن
…
الياقوت والمرجان.
ثم ختم- سبحانه- هذه النعم بقوله: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ والاستفهام لنفى أن يكون هناك مقابل لعمل الخير، سوى الجزاء الحسن، فالمراد بالإحسان الأول، القول الطيب، والفعل الحسن، والمراد بالإحسان الثاني: الجزاء الجميل الكريم على فعل الخير.
أى: ما جزاء من آمن وعمل صالحا، وخاف مقام ربه، ونهى نفسه عن الهوى.. إلا أن يجازى الجزاء الحسن، ويقدم له العطاء الذي يشرح صدره وتقر به عينه.
وقد عقب- سبحانه- بعد كل آية من تلك الآيات السابقة بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما