المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الحديد (57) : الآيات 25 الى 27] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ١٤

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الرابع عشر]

- ‌سورة الذاريات

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 15 الى 23]

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 24 الى 37]

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 38 الى 46]

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 47 الى 51]

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 52 الى 60]

- ‌تفسير سورة الطّور

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الطور (52) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة الطور (52) : الآيات 17 الى 28]

- ‌[سورة الطور (52) : الآيات 29 الى 44]

- ‌[سورة الطور (52) : الآيات 45 الى 49]

- ‌تفسير سورة النّجم

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النجم (53) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة النجم (53) : الآيات 19 الى 28]

- ‌[سورة النجم (53) : الآيات 29 الى 32]

- ‌[سورة النجم (53) : الآيات 33 الى 62]

- ‌تفسير سورة القمر

- ‌مقدّمة

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 9 الى 17]

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 18 الى 22]

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 23 الى 32]

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 33 الى 40]

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 41 الى 55]

- ‌تفسير سورة الرّحمن

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 1 الى 13]

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 14 الى 25]

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 26 الى 36]

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 37 الى 45]

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 46 الى 61]

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 62 الى 78]

- ‌تفسير سورة الواقعة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 26]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 27 الى 40]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 41 الى 56]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 57 الى 74]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 75 الى 80]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 81 الى 96]

- ‌تفسير سورة الحديد

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 7 الى 11]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 12 الى 15]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 16 الى 19]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 20 الى 21]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 22 الى 24]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 25 الى 27]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 28 الى 29]

- ‌تفسير سورة المجادلة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 5 الى 8]

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 9 الى 13]

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 14 الى 19]

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 20 الى 22]

- ‌تفسير سورة الحشر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 6 الى 10]

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 11 الى 17]

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 18 الى 21]

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 22 الى 24]

- ‌تفسير سورة الممتحنة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الممتحنة (60) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الممتحنة (60) : الآيات 4 الى 6]

- ‌[سورة الممتحنة (60) : الآيات 7 الى 9]

- ‌[سورة الممتحنة (60) : الآيات 10 الى 11]

- ‌[سورة الممتحنة (60) : آية 12]

- ‌[سورة الممتحنة (60) : آية 13]

- ‌تفسير سورة الصّفّ

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الصف (61) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة الصف (61) : آية 5]

- ‌[سورة الصف (61) : آية 6]

- ‌[سورة الصف (61) : الآيات 7 الى 9]

- ‌[سورة الصف (61) : الآيات 10 الى 13]

- ‌[سورة الصف (61) : آية 14]

- ‌تفسير سورة الجمعة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة الجمعة (62) : الآيات 5 الى 8]

- ‌[سورة الجمعة (62) : الآيات 9 الى 11]

- ‌تفسير سورة المنافقون

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المنافقون (63) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة المنافقون (63) : الآيات 5 الى 8]

- ‌[سورة المنافقون (63) : الآيات 9 الى 11]

- ‌تفسير سورة التّغابن

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة التغابن (64) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة التغابن (64) : الآيات 7 الى 13]

- ‌[سورة التغابن (64) : الآيات 14 الى 18]

- ‌تفسير سورة الطّلاق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الطلاق (65) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الطلاق (65) : الآيات 4 الى 7]

- ‌[سورة الطلاق (65) : الآيات 8 الى 12]

- ‌تفسير سورة التّحريم

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة التحريم (66) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة التحريم (66) : الآيات 6 الى 9]

- ‌[سورة التحريم (66) : الآيات 10 الى 12]

- ‌فهرس المجلد الرابع عشر من سورة الذاريات إلى سورة التحريم

الفصل: ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 25 الى 27]

في شأنهم: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ «1» .

وقوله- سبحانه-: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ تذييل المقصود به ذم هؤلاء البخلاء على بخلهم.

وجواب الشرط محذوف، أغنت عنه جملة فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ والغنى: هو الموصوف بالغنى- وهي صفة من صفات الله- عز وجل إذ هو الغنى غنى مطلقا، والخلق جميعا في حاجة إلى عطائه- سبحانه- والحميد: وصف مبالغة من الحمد. والمراد به أنه- تعالى- كثير الحمد والعطاء للمنفقين في وجوه الخير.

أى: ومن يعرض عن هدايات الله- تعالى- وعن إرشاداته

فلن يضر الله شيئا، فإن الله- تعالى- هو صاحب الغنى المطلق الذي لا يستغنى عن عطائه أحد، وهو- سبحانه- كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره فأنفق مما رزقه الله بدون اختيال أو تفاخر أو أذى.

ثم بين- سبحانه- أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس، ليهدوهم إلى طريق الحق، وأن الناس منهم من اتبع الرسل، ومنهم من أعرض عنهم، ومنهم من ابتدع أمورا من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها.. فقال- تعالى-:

[سورة الحديد (57) : الآيات 25 الى 27]

لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27)

(1) سورة المنافقون الآية 7.

ص: 226

والمراد بالبينات في قوله- تعالى-: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ الحجج والدلائل التي تشهد لهم بأنهم رسل من عند الله- تعالى- وتدخل فيها المعجزات دخولا أوليا.

والمراد بالكتاب: جنس الكتب. وتشمل التوراة والإنجيل وغيرهما.

والميزان: الآلة المعروفة بين الناس لاستعمالها في المكاييل وغيرها.. والمراد بها العدل بين الناس في أحكامهم ومعاملاتهم.

وشاع إطلاق الميزان على العدل، باستعارة لفظ الميزان على العدل، على وجه تشبيه المعقول بالمحسوس، والمراد بإنزاله: تبليغه ونشره بين الناس.

أى: بالله لقد أرسلنا رسلنا، وأيدناهم بالحجج والبراهين الدالة على صدقهم، وأنزلنا معهم كتبنا السماوية، بأن بلغناهم إياها عن طريق وحينا، وأنزلنا معهم العدل بأن أرشدناهم إلى طرقه، وإلى إعطاء كل ذي حق حقه.

قال ابن كثير: يقول الله- تعالى-: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ أى:

بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وهو النقل الصدق وَالْمِيزانَ وهو العدل أو وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة «1» .

وأكد- سبحانه- هذا الإرسال، للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولبيان أنه واحد من هؤلاء الرسل الكرام، وأن رسالته إنما هي امتداد لرسالتهم..

وقوله- تعالى-: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ علة لما قبله. أى: أرسلنا الرسل. وأنزلنا الكتاب وشرعنا العدل، ليقوم الناس بنشر ما يؤدى إلى صلاح بالهم، واستقامة أحوالهم، عن طريق التزامهم بالحق والقسط في كل أمورهم.

(1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 314.

ص: 227

قال الآلوسى: «والقيام بالقسط» أى: بالعدل، يشمل التسوية في أمور التعامل باستعمال الميزان، وفي أمور المعاد باحتذاء الكتاب، وهو- أى: القسط- لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغي الاتصاف به، معاشا ومعادا «1» .

وقوله- تعالى-: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ معطوف على ما قبله.

والمراد بإنزال الحديد: خلقه وإيجاده. وتهيئته للناس، والإنعام به عليهم، كما في قوله- سبحانه- وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ «2» .

والمراد بالبأس الشديد: القوة الشديدة التي تؤدى إلى القتل وإلحاق الضرر بمن توجه إليه، أى: لقد أرسلنا رسلنا بالأدلة الدالة على صدقهم، وأنزلنا معهم ما يرشد الناس إلى صلاحهم.

وأوجدنا الحديد، وأنعمنا به عليكم، ليكون قوة شديدة لكم في الدفاع عن أنفسكم، وفي تأديب أعدائكم، وليكون كذلك مصدر منفعة لكم في مصالحكم وفي شئون حياتكم.

فمن الحديد تكون السيوف وآلات الحرب.. ومنه- ومعه غيره- تتكون القصور الفارهة، والمبانى العالية الواسعة، والمصانع النافعة.. وآلات الزراعة والتجارة.

فالآية الكريمة تلفت أنظار الناس إلى سنة من سنن الله- تعالى- قد أرسل الرسل وزودهم بالهدايات السماوية التي تهدى الناس إلى ما يسعدهم.. وزودهم- أيضا- بالقوة المادية التي تحمى الحق الذي جاءوا به وترد كيد الكائدين له في نحورهم، وترهب كل من يحاول الاعتداء عليه، كما قال- تعالى-: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ «3» .

ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: ما ملخصه: أى: وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق، وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة، تنزل عليه السور المكية، لبيان أن دين الله حق.

فلما قامت الحجة على من خالفه، شرع الله القتال بعد الهجرة، حماية للحق، وأمرهم بضرب رقاب من عاند الحق وكذبه.

(1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 188.

(2)

سورة الزمر الآية 6.

(3)

سورة الأنفال الآية 60.

ص: 228

وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى، ومن تشبه بقوم فهو منهم.

ولهذا قال- تعالى-: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يعنى السلاح كالسيف والحراب.

وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ أى: في معايشهم كالفأس والقدوم.. وغير ذلك «1» .

هذا، ومن المفسرين الذين فصلوا القول في منافع الحديد، وفي بيان لماذا خصه الله- تعالى- بالذكر: الإمام الفخر الرازي فقد قال- رحمه الله ما ملخصه: ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله الله سهل الوجدان، كثير الوجود. والذهب لما كانت حاجة الناس إليه قليلة، جعله الله- تعالى- عزيز الوجود.

وبهذا تتجلى رحمة الله على عباده، فإن كل شيء كانت حاجتهم إليه أكثر جعل الحصول عليه أيسر.

فالهواء- وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه- جعل الله تعالى- الحصول عليه سهلا ميسورا.. فعلمنا من ذلك أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر، كان وجدانه أسهل.

ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله- تعالى- أشد من الحاجة إلى كل شيء، فنرجوه من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا، كما قال الشاعر:

سبحان من خص العزيز بعزة

والناس مستغنون عن أجناسه

وأذل أنفاس الهواء وكل ذي

نفس، فمحتاج إلى أنفاسه «2»

وقوله: - سبحانه-: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ.. معطوف على محذوف يدل عليه السياق.

والمراد بقوله: وَلِيَعْلَمَ أى: وليظهر علمه- تعالى- للناس، حتى يشاهدوا آثاره.

أى: وأنزل- سبحانه- الحديد لكي يستعملوه في الوجوه التي شرعها الله وليظهر- سبحانه- أثر علمه حتى يشاهد الناس، من الذي سيتبع الحق منهم، فينصر دين الله- تعالى- وينصر رسله، ويستعمل نعمه فيما خلقت له حالة كونه لا يرى الله- تعالى-

(1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 315.

(2)

راجع تفسير الفخر الرازي ج 29 ص 243. [.....]

ص: 229

بعينيه، وإنما يتبع أمره، ويؤمن بوحدانيته ووجوده وعلمه وقدرته.. عن طريق ما أوحاه- سبحانه- إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

فقوله: بِالْغَيْبِ حال من فاعل يَنْصُرُهُ.

ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أى: أن الله- تعالى- هو المتصف بالقوة التي ليس بعدها قوة وبالعزة التي لا تقاربها عزة.

وختمت الآية بهذا الختام، لأنه هو المناسب لإرسال الرسل، ولإنزال الكتب والحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس.

فكان هذا الختام تعليل لما قبله. أى: لأن الله- تعالى- قوى في أخذه عزيز في انتقامه فعل ما فعل من إرسال الرسل، ومن إنزال الحديد.

وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ.. معطوف على جملة: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ عطف الخاص على العام.

أى: لقد أرسلنا رسلا كثيرين.. وبالله لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم، وجعلنا في ذريتهما عددا من الأنبياء، وأوحينا إليهم كتبنا، التي تهدى أقوامهم إلى طريق الحق، كالتوراة التي أنزلناها على موسى، وكالزبور الذي أنزلناه على داود.

وخص- سبحانه- نوحا وإبراهيم- عليهما السلام بالذكر، لشهرتهما ولأن جميع الأنبياء من نسلمها.

والضمير في قوله- تعالى-: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أى: فمن ذريتهم من اهتدى إلى الدين الحق، وآمن به، وقام بأداء تكاليفه. وكثير من أفراد هذه الذرية فاسقون. أى: خارجون عن الاهتداء إلى الحق، منغمسون في الكفر والضلال.

ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ والتقفيه إتباع الرسول برسول آخر يقال: قفا فلان أثر فلان.. إذا اتبعه، وقفى على أثره بفلان، إذا اتبعه إياه.. وأصله من القفا وهو مؤخر العنق.. فكأن الذي يتبع أثر غيره قد أتاه من جهة قفاه.

وضمير الجمع في قوله عَلى آثارِهِمْ يعود إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوة والكتاب.

أى: ثم أرسلنا بعدهم رسولا بعد رسول. حتى انتهينا إلى عيسى- عليه السلام وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ أى: أوحيناه إليه ليكون هداية لقومه.

ص: 230

قالوا: والإنجيل كلمة يونانية من النجل وهو الأصل، يقال: رحم الله ناجليه، أى:

والديه، وقيل: الإنجيل مأخوذ من نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته. ويقال للماء الذي يخرج من البئر: نجل. وقيل هو من النجل الذي هو سعة العين، ومنه قولهم: طعنة نجلاء، أى: واسعة.

وسمى الإنجيل بهذا الاسم، لأنه سعة ونور وضياء، أنزله الله- تعالى- على نبيه عيسى، ليكون بشارة وهداية لقومه «1» .

وأعاد- سبحانه- مع عيسى- عليه السلام كلمة وَقَفَّيْنا للإشعار بأن المسافة التي كانت بين عيسى- عليه السلام وبين آخر رسول من بنى إسرائيل كانت مسافة طويلة.

ثم بين- سبحانه- بعض السمات التي كانت واضحة في أتباع عيسى فقال: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ.

والرأفة: اللين وخفض الجناح، والرحمة. العطف والشفقة.

قالوا: وعطف الرحمة على الرأفة من باب عطف العام على الخاص، لأن الرأفة، رحمة خاصة، تتعلق بدفع الأذى والضر. أما الرحمة فهي أشمل وأعم، لأنها عطف وشفقة على كل من كان في حاجة إليها.

و «الرهبانية» معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان. وهم النصارى المبالغون في الرهبة والخوف من الله- تعالى- والزهد في متاع الحياة الدنيا.

قال بعض العلماء: والرهبانية: اسم للحالة التي يكون عليها الراهب متصفا بها في غالب شئون دينه، والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس، لأن قياس النسب إلى الراهب: الراهبية، والنون فيها مزيدة للمبالغة في النسبة، كما زيدت في قولهم: شعرانى، لكثير الشعر، ولحياني لعظيم اللحية «2» .

وقوله- تعالى-: ورهبانية ابتدعوها.. منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.

أى: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، فهو من باب الاشتغال.

ويصح أن يكون معطوفا على قوله: رَأْفَةً وَرَحْمَةً وقوله: ابْتَدَعُوها في موضع

(1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 171.

(2)

تفسير التحرير والتنوير ج 27 ص 241 للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. رحمه الله.

ص: 231

الصفة، والكلام على حذف مضاف، أى: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة لهم.

وجملة: ما كتبناها عليهم، مستأنفة مبينة لجملة ابْتَدَعُوها.

والاستثناء في قوله: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ منقطع.

والضمير في قوله: فَما رَعَوْها يعود لهؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية.

والمعنى: ثم أتبعنا كل رسول من ذرية نوح وإبراهيم برسول آخر، حتى انتهينا إلى عيسى- عليه السلام فأرسلناه إلى بنى إسرائيل وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه وآمنوا به رَأْفَةً أى لينا وخفض جناح وَرَحْمَةً أى: شفقة وعطفا، وحب رهبانية مبتدعة منهم، أى: هم الذين ابتدعوها واخترعوها واختاروها لأنفسهم، زهدا في متاع الحياة الدنيا.

ونحن ما كتبنا عليهم هذه الرهبانية، وإنما هم الذين ابتدعوها من أجل أن يرضى الله عنهم فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أى: ولكنهم بمرور الأيام، لم يحافظ كثير منهم على ما تقتضيه هذه الرهبانية من زهد وتقى وعفاف.. بل صارت طقوسا خالية من العبادة الصحيحة، ولم يصبر على تكاليفها إلا عدد قليل منهم.

ولذا ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.

أى: أما الذين استمروا على اتباعهم لعيسى- عليه السلام وعلى الإيمان بالحق إيمانا صحيحا خاليا مما يفسده.. فقد أعطيناهم أجورهم الطيبة كاملة غير منقوصة.

وأما الذين بدلوا ما جاء به عيسى- عليه السلام حيث كفروا به وقالوا: الله ثالث ثلاثة، أو قالوا: المسيح ابن الله فسيلقون ما يستحقونه من عقاب.

وقوله: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يدل على أن الذين خرجوا عن الدين الحق الذي جاء به عيسى- عليه السلام وفسقوا عن أمر ربهم.. أكثر من الذين آمنوا به إيمانا صحيحا.

قال الإمام ابن جرير: واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها.

فقال بعضهم: هم الذين ابتدعوها، ولم يقوموا بها، ولكنهم بدلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى، فتنصروا وتهودوا.

وقال آخرون: بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حتى رعايتها، لأنهم كانوا كفارا.. فهم الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق

ص: 232

رعايتها، بعض الطوائف التي ابتدعتها، وذلك لأن الله- تعالى- قد أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم، فدل ذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها.

وكثير منهم- أى: من الذين ابتدعوا الرهبانية- أهل معاص، وخروج عن طاعة الله- تعالى- وعن الإيمان به «1» .

وقال الإمام الآلوسى ما ملخصه: وقوله- تعالى- ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ جملة مستأنفة.

وقوله- سبحانه-: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع، أى: ما فرضناها نحن عليهم رأسا، ولكن ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ابتغاء رضوان الله.

وقوله- تعالى-: فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أى: ما حافظوا عليها حق المحافظة، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر، وهو عهد مع الله- تعالى- يجب رعايته، لا سيما إذا قصد به رضاه- عز وجل.

وجائز أن يكون الاستثناء متصلا من أعم العلل. أى: ما قضيناها عليهم لشيء من الأشياء، إلا ليبتغوا بها رضوان الله، ويستحقوا بها الثواب، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها.. إلا أنهم لم يحافظوا عليها، ولم يرعوها حق رعايتها.

والفرق بين الوجهين: أن الأول يقتضى أنهم لم يؤمروا بها أصلا، وأن الثاني يقتضى أنهم أمروا بها، لابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها.

والظاهر أن الضمير في قوله فَما رَعَوْها يعود لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية، والمراد نفى وقوع الرعاية من جميعهم، أى: فما رعاها كلهم بل بعضهم «2» .

فالآية الكريمة تثنى على الذين أحسنوا اتباع عيسى- عليه السلام فطهروا أرواحهم من كل دنس، وزهدوا في متع الحياة الدنيا.. وتذم الذين بدلوا ما جاء به عيسى- عليه السلام وقالوا الأقوال الباطلة في شأنه، وفعلوا الأفعال القبيحة التي تغضب الله- تعالى-:

ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذا النداء للمؤمنين فقال- تعالى:

(1) راجع تفسير ابن جرير ج 27 ص 238.

(2)

راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 191.

ص: 233