الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة، قد بينت أقسام الناس يوم القيامة. وفصلت ما أعده- سبحانه- للسابقين، من عطاء جزيل، وفضل عميم.
وبعد هذا الحديث الزاخر بالخيرات والبركات عن السابقين.. جاء الحديث عن أصحاب اليمين وعما أعده الله- تعالى- لهم من ثواب فقال- سبحانه-:
[سورة الواقعة (56) : الآيات 27 الى 40]
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (31)
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36)
عُرُباً أَتْراباً (37) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ
…
شروع في بيان تفاصيل شئونهم، بعد بيان شئون السابقين.
وأصحاب: مبتدأ وقوله: ما أَصْحابُ الْيَمِينِ جملة استفهامية مشعرة بتفخيمهم، والتعجب من حالهم، وهي خبر المبتدأ.. أو معترضة، والخبر قوله: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ
…
«1» .
والسدر: شجر النبق، واحده سدرة، ومخضود. أى: منزوع الشوك، يقال: خضد فلان الشجر، إذا قطع الشوك الذي به فهو خضيد ومخضود، أو مخضود بمعنى ملئ بالثمر حتى تثنت أغصانه، من خضدت الغصن، إذا ثنيته وأملته إلى جهة أخرى.
أى: وأصحاب اليمين، المقول فيهم ما أصحاب اليمين على سبل التفخيم، مستقرون يوم القيامة في حدائق مليئة بالشجر الذي خلا من الشوك وامتلأ بالثمار الطيبة، التي تثنت أغصانها لكثرتها
…
(1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 139.
قال القرطبي: وذكر ابن المبارك قال: حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم. قال: أقبل أعرابى يوما فقال: يا رسول الله، لقد ذكر الله في القرآن: شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذى صاحبها؟
فقال صلى الله عليه وسلم: وما هي؟ قال: السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال: صلى الله عليه وسلم: ألم يقل الله- تعالى- فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ؟ خضد الله- تعالى- شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة «1» .
وقوله- تعالى-: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ بيان لنعمة ثانية. والطلح: قالوا هو شجر الموز.
واحدة طلحة، والمنضود: المتراكب بعضه فوق بعض، بحيث صار ثمره متراصا على هيئة جميلة تسر الناظرين.
فقوله مَنْضُودٍ اسم مفعول من النضد وهو الرص. يقال نضد فلان متاعه، - من باب ضرب- إذا وضع بعضه فوق بعض بطريقة منسقة جميلة، ومنه قوله- تعالى-:
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ.
وقوله- سبحانه-: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ أى: متسع منبسط، بحيث لا يزول كما يزول الظل في الدنيا، ويحل محله ضوء الشمس.
أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها عاما- وفي رواية مائة عام- اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ «2» .
وقوله- سبحانه- وَماءٍ مَسْكُوبٍ أى: وفيها ماء كثير مصبوب يجرى على الأرض، ويأخذون منه ما شاءوا، بدون جهد أو تعب.
يقال: سكب فلان الماء سكبا، إذا صبه بقوة وكثرة.
وقوله- تعالى-: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ أى: وهم بجانب كل ذلك يتلذذون في الجنة بفاكهة كثيرة، هذه الفاكهة ليست مقطوعة عنهم في وقت من الأوقات، ولا تمتنع عن طالبها متى طلبها.
وجمع- سبحانه- بين انتفاء قطعها ومنعها، للإشعار بأن فاكهة الجنة ليست كفاكهة الدنيا
(1) تفسير القرطبي ج 17 ص 207.
(2)
تفسير ابن كثير ج 4 ص 289.
فهي تارة تكون مقطوعة، لأنها لها أوقاتا معينة تظهر فيها، وتارة تكون موجودة ولكن يصعب الحصول عليها، لامتناع أصحابها عن إعطائها.
وقوله- تعالى-: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ أى: وفيها- أيضا- فرش منضدة، قد ارتفعت عن الأرض، ليتكئ عليها أهل الجنة وأزواجهم.
والضمير في قوله- تعالى-: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً
…
عائد إلى غير مذكور، إلا أنه يفهم من سياق الكلام. لأن الحديث عن الفرش المرفوعة يشير إلى من يجلس عليها، وهم الرجال ونساؤهم، أى: نساؤهم من أهل الدنيا أو الحور العين، ويرى بعضهم أنه يعود إلى مذكور، لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمى المرأة لباسا، وإزارا، وفراشا.
والإنشاء: الخلق والإيجاد. فيشمل إعادة ما كان موجودا ثم عدم، كما يشمل الإيجاد على سبيل الابتداء.
أى: إنا أنشأنا هؤلاء النساء المطهرات من كل رجس حسى أو معنوي، إنشاء جميلا، يشرح الصدور.
فَجَعَلْناهُنَّ بقدرتنا أَبْكاراً أى: فصيرناهن أبكارا ليكون ذلك أكثر تلذذا بهن.
قال الآلوسى: وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أبى سعيد مرفوعا إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم، عدن أبكارا «1» .
وقوله: عُرُباً أَتْراباً صفة أخرى من صفات هؤلاء النساء الفضليات الجميلات.
وقوله: عُرُباً جمع عروب- كرسل ورسول- من أعرب فلان في قوله إذا نطق بفصاحة وحسن بيان.
وأترابا: جمع ترب- بكسر التاء وسكون الراء- وترب الإنسان هو ما كان مساويا له في السن.
أى: إنا أنشأنا هؤلاء النساء على تلك الصورة الجميلة، فجعلناهن أبكارا كما جعلناهن- أيضا- محببات إلى أزواجهن، ومستويات في سن واحدة.
روى الترمذي عن الحسن قال: أتت عجوز فقالت يا رسول الله ادع الله- تعالى- أن يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم:«يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكى» .
(1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 142.