الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منهاج البلغاء وسراج الأدباء
المعاني
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد.
قال الإمام الحافظ البليغ الحجة في مقام الأدب ومضماره حازم بن محمد القرطاجني.
أو منافرة لها (......) إلى (......) صحيح (......) .
المنهاج الأول
في الإبانة عن ماهيات المعاني وأنحاء وجودها ومواقعها، و (ال) تعريف بضروب هيئاتها و (جهات) التصرف فيها وما تعتبر (به) أحوالها في جميع ذلك، من حيث تكون (ملائمة) للنفوس أو منافرة لها.
أ- معلم (دال) على طرق (العلم بالمعاني) وحقائقها وأنحاء (النظر) فيها (وبما ينبغي)
أن تعتبر به أحوالها، من جهة ما يرجع إليها وما هو خارج (عنها)(......) هنالك موجودات خارج الذهن عن أمثلة لها وجود (......) وهي الهيئات النطقية.
لما كانت المعاني إنما (تتحصل) في الأذهان عن الأمور الموجودة في الأعيان وكانت تلك (المعاني) إنما تتحصل في الذهن بأعلام من العبارة توضع للدلالة (......) عن علم على صورة صورة منها، فتتمثل بحصول تلك الصورة في ال (......) الموجودة في الأعيان التي تلك الصور الحاصلة في الذهن (......) كانت تلك الصور الذهنية إنما يتخيل بها ما هي صور (......)(خارجة) عن الذهن (بوجه) مخصوص وترتيب مخصوص (......) تلك الصور الذهنية في الألفاظ إنما تدل على (......) .
(......) عليها هو الذي ران على قلوب شعراء المشرق المتأخرين (وأعمى) بصائرهم عن حقيقة الشعر منذ مائتي سنة. فلم يوجد فيهم على طول هذه المدة من نحا نحو الفحول ولا من ذهب مذاهبهم في تأصيل مبادئ الكلام وإحكام وضعه وانتقاء مواده التي يجب نحته منها. فخرجوا بذلك عن مهيع الشعر ودخلوا في محض التكلم. هذا على كثرة المبدعين المتقدمين في الرعيل الأول من قدمائهم والحلبة السابقة زمانا وإحسانا منهم.
المنهج الثاني في الإبانة عن طرق اجتلاب المعاني وكيفيات التئامها وبناء بعضها على
بعض، وما تعتبر به أحوالها في جميع ذلك، من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها.
ب- معلم علة طرق العلم باقتباس المعاني وكيفية اجتلابها وتأليف بعضها إلى بعض
.
يحب على من أراد جودة التصرف في المعاني وحسن المذهب في اجتلابها والحذق بتأليف بعضها إلى بعض أن يعرف أن للشعراء أغراضا أول هي الباعثة على قول الشعر. وهي أمور تحدث عنها تأثرات وانفعالات للنفوس، لكون تلك الأمور مما يناسبها ويبسطها أو ينافرها ويقبضها أو لاجتماع البسط والقبض والمناسبة والمنافرة في الأمر من وجهين. فالأمر قد (يبسط) النفس ويؤنسها بالمسرة والرجاء ويقبضها بالكآبة والخوف. وقد يبسطها أيضاً بالاستغراب لما يقع فيه من اتفاق بديع. وقد يقبضها ويوحشها بصيرورة الأمر من مبدإ سار إلى مآل غير سار. وإذا ارتيح للأمر من جهة واكترث له من جهة على نحو ما (......) جرى مجرى ذلك كانت أقوالا شاجية.
1-
إضاءة: والارتياح للأمر السار إذا كان صادرا عن قاصد لذلك أرضى فحرك إلى المدح. والارتماض للأمر الضار إذا كان صادرا عن قاصد لذلك أغضب فحرك إلى الذم. وتحرك الأمور غير المصودة أيضا، من جهة ما تناسب النفس وتسرها ومن جهة ما تنافرها وتضرها، إلى نزاع إليها أو نزوع عنها وحمد وذم أيضا. وإذا كان الارتياح لسار مستقبل فهو رجاء. وإذا كان الارتماض لضار مستقبل كانت تلك رهبة. وإذا كان الارتماض لانقطاع أمل في شيء كان يؤمل، فإن نحي في ذلك منحى التصبر والتجمل سمي تأسيا أو تسليا، وإن نحي به منحى الجزع والاكتراث سمي تأسفا أو تندما. ويسمى استدفاع المخوف المستقبل استلطافا. وإذا استدفع المتكلم ذلك فأسعف به وضمن وصف الحال في ذلك كلاما سمي إعتابا. والتعزير على الأمر المرتمض منه والملامة فيه تسمى معاتبة. فإن كان الارتياح لأمر شأنه أن يسر محضره إلا أنه يكون بعيدا من المتكلم، من جهة زمان ماض أو مستقبل أو مكان أو إمكان، حرك ذلك إلى الاستراحة لذكره والتشوف إليه، فتكون الأقوال في الأشياء التي علقتها بأغراض النفوس على هذا النحو متنوعة إلى فنون كثيرة نحو التشوقيات والإخوانيات وما جرى مجرى ذلك.
2-
تنوير: فقد تبين بهذا أن أغراض الشعر أجناس وأنواع تحتها أنواع. فأما الأجناس الأول فالارتياح والاكتراث وما تركب منهما نحو إشراب الارتياح الاكتراث أو إشراب الاكتراث الارتياح، وهي الطرق الشاجية. والأنواع التي تحت هذه الأجناس هي: الاستغراب والاعتبار والرضى والغضب والنزاع والنزوع والخوف والرجاء. والأنواع الأخر التي تحت تلك الأنواع هي: المدح والنسيب والرثاء والتذكرات وأنواع المشاجرات وما جرى مجرى هذه الطرق من المقاصد الشعرية. وسيأتي تفصيل هذه الجملة في موضعها في القسم الرابع إن شاء الله.
3-
إضاءة: فمعاني الشعر، على هذا القسم، ترجع إلى وصف أحوال الأمور المحركة إلى القول أو إلى وصف أحوال المتحركين لها أو إلى وصف أحوال المحركات والمحركين معا. وأحسن القول وأكمله ما اجتمع فيه وصف الحالين.
4-
تنوير: ولا يخلو الشيء في جميع تلك الأحوال من أن ينسب إلى الشيء بإيجابه له أو تزال نسبته إليه بسلبه عنه أو ينسب إليه لا على جهة إيجاب ولا سلب ولكن على جهة الاحتمال والإمكان. وكل ذلك لا تخلو أن تكون راجعة إلى ما يرجع إلى الشيء ويخصه في ذاته أو يكون غير راجع إلى ما يخصه في ذاته بل لأمر عرض له من غيره أو لما تدركه منه القوى الحسية أو التصورية أو بحسب نسبته إلى شيء تأخر في زمان أو مكان أو بحسب موقعه من اعتقاد ما أو بحسب ما يجعل شرطه فيه أو بحسب مقايسته بشيء آخر أو بحسب الفرض.
5-
إضاءة: والمتصرف في هذه المعاني لا يخلو من أن يكون مثبتا لشيء ببعض تلك الاعتبارات أو مبطلا أو مسويا بين شيئين أو مباينا بينهما أو مرجحا أو متشككا، ولا يخلو من أن يكون معمما أو خاصا حاصرا أو غير حاصر آخذا للشيء بجملته أو محاشيا بعضه. وللعبارة عن جميع ذلك أدوات وضعت للاختصار. وقد يعبر عن جميع ذلك بغير تلك الأدوات. فهذه وأشباهها من المعاني، التي تدل على مقاصد المتكلم واعتقاداته وأحكامه في التصورات والتصديقات المتعلقات بغرضه، معان ثوان ينوطها بمعاني كلامه لتبين فيها أحكاما وشروطا.
6-
تنوير: وهنا معان أخر، وهي أنحاء المخاطبات مثل أن يكون المتكلم مخبرا أو مستخبرا آمرا أو ناهيا داعيا أو مجيبا.
7-
إضاءة: فقد تبين بهذا أن المعاني صنفان: وصف أحوال الأشياء التي فيها القول، ووصف أحوال القائلين أو المقول على ألسنتهم، وأن هذه المعاني تلتزم معاني أخر تكون متعلقة بها ومتلبسة بها، وهي كيفيات مآخذ المعاني وموقعها من الوجود أو الفرض أو غير ذلك ونسب بعضها إلى بعض، ومعطيات تحديداتها وتقديراتها، ومعطيات الأحكام والاعتقادات فيها، ومعطيات كيفيات المخاطبة.
8-
تنوير: ويجب على من أراد حسن التصرف في المعاني، بعد معرفة ضروبها التي أجملت ذكرها، أن يعرف وجوه انتساب بعضها إلى بعض. فيقول: إنه قد يوجد لكل معنى من المعاني التي ذكرتها معنى أو معان تناسبه وتقاربه، ويوجد له أيضاً معنى أو معان تضاده وتخالفه. وكذلك يوجد لمضاد هـ في أكثر الأمر معنى أو معان تناسبه. ومن المتناسبات ما يكون تناسبه بتجاور الشيئين واصطحابهما واتفاق موقعيهما من النفس، ومنه ما تكون المناسبة باشتراك الشيئين في كيفية، ولا يشترط فيه التجاور ولا الاتفاق في الموقع من هوى النفس. وما جعل فيه أحد المتناسبين على هذه الصفة مثالا للآخر ومحاكيا له فهو تشبيه.
9-
إضاءة: فإذا أردت أن تقارن بين المعاني وتجعل بعضها بإزاء بعض وتناظر بينها فانظر مأخذ يمكنك معه أن تكون المعنى الواحد وتوقعه في حيزين، فيكون له في كليهما فائدة، فتناظر بين موقع المعنى في هذا الحيز وموقعه في الحيز الآخر فيكون من اقتران التماثل، أو مأخذا يصلح فيه اقتران المعنى بما يناسبه فيكون هذا من اقتران المناسبة، أو مأخذا يصلح فيه اقتران المعنى بمضادة فيكون (هذه مطابقة أو مقابلة، أو مأخذا يصلح فيه اقتران الشيء بما يناسب) مضاده فيكون هذا مخالفة، أو مأخذا يصلح فيه اقتران الشيء بما يشبهه ويستعار اسم أحدهما للاخر فيكون هذا من تشافع الحقيقة والمجاز.
10-
تنوير: وقد يكون المأخذ في العبارة المقترن فيها معنيا بأحد هذه الاقترانات على أن يكون كلا المعنيين عمدة في الكلام وركنا يثلم الغرض إزالته. وقد يكون المأخذ فيها على أن يكون أحد المعنيين عمدة والآخر فضلة أو كالفضلة لضروب من التتميميات والتعريضات وتحقيق صحة مفهوم أحدهما ببيان الصحة في مفهوم الآخر كمن يقول: العفاف فضيلة كما أن الفسوق رذيلة.
11-
إضاءة: وإذ قد عرفنا كيفية التصرف في المعاني التي لها وجود خارج الذهن والتي جعلت بالفرض بمنزلة ما له وجود خارج الذهن فيجب أيضاً أن (يشار) إلى المعاني التي ليس لها وجود خارج الذهن أصلا، وإنما هي أمور ذهنية محصولها صور تقع في الكلام بتنوع طرق التأليف في المعاني والألفاظ الدالة عليها والتقاذف بها إلى جهات من الترتيب والإسناد، وذلك مثل أن تنسب الشيء إلى الشيء على جهة وصفه به أو الإخبار به عنه أو تقديمه عليه في الصورة المصطلح على تسميتها فعلا أو نحو ذلك. فالإتباع والجر وما جرى مجراهما معان ليس لها خارج الذهن وجود لأن الذي خارج الذهن هو ثبوت نسبة شيء إلى شيء أو كون الشيء لا نسبة له على الشيء. فأما أن يقدم عليه أو يؤخر عنه أو يتصرف في العبارة عنه نحوا من هذه التصاريف فأمور ليس وجودها إلا في الذهن خاصة.
12-
تنوير: وإذ قد تبين هذا فيجب أن نشير إلى ما يحسن اعتماده في التصرف في هذه المعاني الذهنية. وإن تعددت في الشيء الواحد بحسب وضعه (و) ترتيبه فالواجب أن يعتمد من تلك الصور المتعددة وإن استوت دلالة ومعنى به يليق (......) عبارة لا تسد مسد عبارة في حسن وقع وإن كان مفهومهما واحدا، لان إحداهما أليق بالموضع وأشدهما مناسبة لما وقع في جنبتي الكلام المكتنفتين له أو لما وقع (......) إحداهما. ويكون هذا التناسب يقع بين المفهومات أو بين المسموعات الدالة عليها.
13-
إضاءة: ويحسن أيضاً أن يقصد تنويع الكلام من جهة الترتيبات الواقعة في عباراته وفي ما دلت عليه بالوضع في جميع ذلك والبعد به عن التواطؤ والتشابه، وأن يؤخذ الكلام من كل مأخذ حتى يكون كل مستجدا بعيد من التكرار، فيكون أخف على النفس وأوقع منها بمحل القبول. ويقتدر على هذا بعرفتة كيفيات تصاريف العبارات وهيآت ترتيبها وترتيب ما دلت عليه، والبصيرة بضروب تركيباتها وشتى مآخذها، وبقوة ملاحظات الخواطر لضروب تلك العبارات وأصناف هيآتها وهيآت ما دلت عليه، وللحيل التي تنتظم بها تلك العبارات على الهيآت المختارة لمسلك الوزن باختصار أو حشو أو إبدال لفظة مكان لفظة أو تقديم أو تأخير، وبسرعة التنبه للموضع الذي تطابقه العبارة من الوزن في ترتيب الحركات والسكنات فيطبعها في ذلك الموضع ويصلها بما قبلها بزيادة أو نقص أو إبدال أو غير ذلك. وإن اتفق ألا يحتاج في صلتها بما قبلها إلى شيء من ذلك فهو أحسن. ولما كان التصرف في ترتيب العبارات بإزاء التصرف في ترتيب المعاني جعلت هذه الإضاءة الموضحة عن الوجوه التي يجب اعتمادها في جميع ذلك.
14-
تنوير: يشترط في النقلة من بعض هذه المعاني الذهبية إلى بعض أن يكون ذلك غير خارج عن الهيآت التي وقعت للعرب في النقلة من بعض ذلك إلى بعض. ويشترط في المعاني التي خارج الذهن أن ينتقل في أمثلتها الذهبية يكون النظر في صناعة البلاغة من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيأته ودلالته، ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها، ومن جهة مواقعها من النفوس من جهة هيآتها ودلالاتها على ما خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس.