المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ح- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون من المعاني أصيلا في بابي المدح والذم، وما - منهاج البلغاء وسراج الأدباء

[القرطاجني]

فهرس الكتاب

- ‌المنهاج الأول

- ‌أ- معلم (دال) على طرق (العلم بالمعاني) وحقائقها وأنحاء (النظر) فيها (وبما ينبغي)

- ‌المنهج الثاني في الإبانة عن طرق اجتلاب المعاني وكيفيات التئامها وبناء بعضها على

- ‌ب- معلم علة طرق العلم باقتباس المعاني وكيفية اجتلابها وتأليف بعضها إلى بعض

- ‌ب?- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء وجود المعاني

- ‌ج_ معلم دال على طرق العلم بكيفيات مواقع المعاني من النفوس من جهة ما تكون قوية

- ‌د- معرف دال على طرق المعرفة بكيفيات تركيب المعاني وتضاعفها

- ‌هـ- معلم دال على طرق العلم باستثارة المعاني من مكامنها واستنباطها من معادنها

- ‌و معرف دال على طرق المعرفة بما توجد المعاني معه حاضرة منتظمة في الذهن على ما

- ‌ز- معلم دال على طرق العلم بالمناسبة بين بعض المعاني وبعض والمقارنة بين ما تناظر

- ‌ح- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعلم وما تقدم في المعلم المفتتح به هذا

- ‌ط- مأم من المذاهب المستشرفة بالمعلم المتقدم أيضاً وهو مذهب المقابلة

- ‌ي- مأم من المذهب المستشرقة بالمعلم المتقدم أيضاً وهو التقسيم

- ‌يب_ مأم من المذاهب المستشرقة بالمعلم المتقدم أيضاً وهو مذهب التفريع

- ‌المنهج الثالث، في الإبانة عما به تتقوم صنعتا الشعر والخطابة من التخييل والإقناع

- ‌أ?- معلم دال على طرق العلم بما تتقوم به صناعة الشعر من التخييل، وما به تتقوم

- ‌ب- معرف دال على المعرفة بماهية الشعر وحقيقته

- ‌ج- معلم دال على طرق العلم بالأشياء المخيلة

- ‌د- معرف دال عل طرق المعرفة بجهات مواقع التخييل من الأقاويل وما بإزائها من

- ‌هـ- معلم دال على طرق العلم بما تنقسم غليه المحاكاة

- ‌و معرف دال على طرق المعرفة بأحكام المحاكيات وما يجب أن يعتبر فيها، والاستبانة

- ‌ز- معلم دال على طرق العلم بما يخص المحاكاة التشبيهية من الأحكام

- ‌ح- معرف دال على طرق المعرفة بالوجوه التي لأجلها حسن موقع المحاكاة من النفس

- ‌وقال ابن سينا أيضاً في كتاب الشعر من كتاب الشفاء:

- ‌د- المنهج الرابع في الإبانة عن الأحوال التي تعرض للمعاني في جميع مواقعها من

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في أحوال المعاني وما يجب اعتباره فيها من

- ‌ب- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في صحة المعاني وسلامتها من الاستحالة

- ‌ج- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في صحة المعاني وسلامتها من الاستحالة

- ‌د- معرف دال على طرق المعرفة بما يوضع من المعاني وضع غيره من حيث تكون واجبة أو

- ‌هـ- معلم دال على طرق العلم بالوجوه التي بها يقع التدافع بين بعض المعاني وبعض

- ‌ز- معلم دال على طرق بوقوع المعاني المتقاربة متمكنة

- ‌ح- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون من المعاني أصيلا في بابي المدح والذم، وما

- ‌ط- معلم دال على طريقة العلم بما يجب أن يعتمد في مدح صنف صنف من الناس

- ‌ي- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون به وضوح المعاني أو غموضها

- ‌2- تنوير: ووجوه الإغماض في المعاني: منها ما يرجع إلى المعاني أنفسها ومنها ما

- ‌يب- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في المعاني من حيث يكون فهمها متوقفا

- ‌يج- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في المعاني، من حيث تكون قديمة متداولة

- ‌المباني

- ‌القسم الثالث في النظم وما تعرف به أحواله من حيث يكون ملائما للنفوس أو منافراً

- ‌المنهج الأول في الإبانة عن قواعد الصناعة النظمية والمآخذ التي هي مداخل إليها

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بقواعد الصناعة النظمية التي عليها تقوم مباني النظم

- ‌ب- معرف دال على طرق المعرفة بكيفيات مآخذ الشعراء في نظم الكلام وإنشاء مبانيه وما

- ‌ج- معلم دال على طرق العلم بكيفية العمل في المروى والمرتجل

- ‌د- معرف دال على طرق المعرفة بكيفية التصرف في مقاصد الشعر وجهاته

- ‌هـ- معلم دال على طرق العلم بتحسين هيآت العبارات والتأنق في اختيار موادها، وإجادة

- ‌المنهج الثاني في الإبانة عن أنماط الأوزان في التناسب، والتنبيه على كيفيات مباني

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بمجازي الأوزان وأبنيتها وضروب تركيباتها ووضعها

- ‌فنقول: إن الأوزان الشعرية منها ما تركب من أجزاء خماسية، ومنها ما تركب من أجزاء

- ‌ب- معرف دال على طرق المعرفة بما وقع في أوزان العرب من ضروب التركيبات المتلائمة

- ‌ج - معلم دال على طرق العلم بمقادير تناسب الوزان وما يسوغ فيها من التعابير وما لا

- ‌د- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في بناء الأشعار على أوفق الأوزان لها

- ‌فالتأليف من المتناسبات له حلاوة في المسموع، وما ائتلف من غير المتناسبات

- ‌هـ- معلم دال على طرق العم بما قصد في أبنية القول من أنحاء التناسب وذهب فيها من

- ‌معرف دال على طرق المعرفة بتأصيل القوافي وبناء ما قبلها عليها وبنائها على ما

- ‌ز- معلم دال على طرق العلم بما يجب في المطالع والمقاطع على رأي من قال هي أوائل

- ‌المنهج الثالث في الإبانة عما يجب في تقدير الفصول وترتيبها ووصل بعضها ببعض وتحسين

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بأحكام مباني الفصول وتحسين هيئاتها ووصل بعضها ببعض

- ‌ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يجب اعتاده في الفصول من جهة اشتمالها على أوصاف

- ‌ج - مأم من مذاهب البلاغة المستبانة بهذا المنهج وهو مذهب التسويم

- ‌د- مأم من المذاهب المستشرفة مما تقدم أيضا، وهو مذهب التحجيل

- ‌المنهج الرابع في الإبانة عن كيفية العمل في إحكام مباني القصائد وتحسين هيآتها

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بإحكام مباني القصائد وتحسين هيآتها وما تجب العناية

- ‌ب- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعلم وهو مذهب الإبداع في الاستهلال

- ‌ج- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء التخلصات من حيز إلى حيز وعطف أعنة الكلام من

- ‌د- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعرف وهو مذهب الإبداع في التخلص

- ‌هـ- معلم دال على طق العلم بالفرق بين المقصد والمقطع

- ‌الأسلوب

- ‌القسم الرابع في الطرق الشعرية وما تنقسم إليه وما ينحى بها نحوه من الأساليب

- ‌المنهج الأول في الإبانة عن طريق الشعر من حيث تنقسم إلى جد وهزل، وما تعتبر به

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بما يجب اعتماده في طريقة الجد

- ‌ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يجب أن يعتمد في طريقة الهزل

- ‌ج- معلم دال على طرق العمل بما تأخذه طريقة الجد من طريقة الهزل

- ‌د- معرف دال على طرق المعرفة بما تأخذه طريقة الهزل من طريقة الجد

- ‌المنهج الثاني في الإبانة عن طرق الشعر من حيث تنقسم إلى فنون الأغراض، وما تعتبر

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بما ينقسم إليه الشعر بحسب ما قصد به من الأغراض

- ‌ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يوجد لبعض الخواطر من قوة على التشبه فيما لا يجري

- ‌ج- معلم دال على طرق العلم بما ينقسم إليه الشعر بحسب اختلافات أنحاء التخاطب

- ‌د- معرف دال على طرق المعرفة بما ينقسم إليه الشعر بحسب إيقاع الحيل الشعرية فيه

- ‌هـ- معلم دال على طرق العلم بما يجب اعتماده فيكل غرض من أغراض الشعر المتقدم تقسيمه

- ‌المنهج الثالث في الإبانة عن الأساليب الشعرية وأنحاء الاعتمادات فيها، وما يجب أن

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بالأساليب الشعرية وما تنوع إليه، وينحى بها نحوه

- ‌ب- معرف دال على طرق المعرفة بما ينحى بالأساليب نحوه من جهة ما يقصد حسن موقعها من

- ‌ج- مأم من المذاهب المستشرفة بهذا المعرف وهو مذهب تأنيس المعاني بعضها ببعض

- ‌د- مأم من المذاهب المستشرفة بالعلم المتقدم أيضا، وهو مذهب المراوحة بين المعاني

- ‌هـ- معلم دال على طرق العلم بكيفية الاستمرار في الأساليب والاطراد عليها وما يحسن

- ‌المنهج الرابع في الإبانة عن المنازع الشعرية وأنحائها وطرق المفاضلة بين الشعراء

- ‌أ- معلم دال على طرق العلم بما يجب اعتماده في المنازع الشعرية التي يكون للكلام

- ‌ب- معرف دال على طرق المعرفة بالمآخذ اللطيفة في المنازع التي ربما خفي الوجه الذي

- ‌ج- معلم دال على طرق العلم بما يجب أن يعتقد ويقال في المفاضلة بين الشعراء، بحسب

- ‌د- معرف دال على طرق المعرفة بمبلغ هذا الكتاب من أصول هذه الصناعة

الفصل: ‌ح- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون من المعاني أصيلا في بابي المدح والذم، وما

2-

تنوير: والنقد الذي أشار إليه سيف الدولة في بيتي المتنبي وبيتي امرئ القيس هو أن صدر البيت الأول من قول امرئ القيس يقضي ظاهر الكلام أن يوصل بعجز البيت الثاني ويوصل صدر البيت الثاني بعجز الأول، وكذلك يظهر في باديء الرأي أن صدر البيت الأول من قول المتنبي يصلح أن يتمم بعجز البيت الثاني ويتمم صدر الثاني بعجز الأول. فيقال في قول امرئ القيس:

كأني لم اركب جوادا ولم أقل

لخيلي كري كرة بعد إجفال

ولم أسبأ الزق الروي للذة

ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال

ويقال في قول أبي الطيب:

وقفت وما في الموت شك لواقف

ووجهك وضاح وثغرك باسم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة

كأنك في جفن الردى وهو نائم

3-

إضاءة: وقد احتج أبو الطيب لامرئ القيس بما أوردناه وبقي أن نبين وجه الحجة في قول أبي الطيب. فنقول: إن أبا الطيب أراد أن يقرن بين أن الردى لا نجاة منه لواقف وبين أن الممدوح وقف ونجا منه، وبين أن الأبطال ريعت وانهزمت وأن سيف الدولة لم يرع ولم ينهزم، وابتسام الثغر وانبلاج الوجه مما يدل على عدم الروع.

4-

تنوير: وإنما قال: "كأنك في جفن الردى وهو نائم" لأنه جعل الردى في هذا الموضع بصورة الناظر المبصر الذي لا يعيب عنه شيء ولا يخفى عليه مقتلو ولأن السبل إلى المهج واضحة له. فلما نجا الممدوح تعجب في سلامته منه وخفائه عنه مع كونه بالموضع الذي يبصر فيه، فقدر سببا لخفائه عنه النوم الشاغل للأجفان عن رؤية ما دنا منها.

وقد يكون عدم التمكن في المعاني من أنحاء أخر قد ذكرت في مواضعها من هذا الكتاب. وإنما نبهت بهذا المعلم على هذا الضرب الواقع في المعاني التي يوضع بعضها بإزاء بعض لنسب تقتضي ذكر المعنى مع ما يناسبه وإيقاعه على جانب ما يليق به.

‌ح- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون من المعاني أصيلا في بابي المدح والذم، وما

ليس منها أصيلا في ذلك.

لما كان الإنسان في جميع ما يحاوله ويسعى نحوه إنما يلتمس حظوظا يكون فيها صلاح لنفسه أو حظوظا فيها صلاح لبدنه، وكان استقصاء الإنسان مصالح نفسه وابتغاؤه لها من كل وجه لا يصل منه على غيره مضرة ولا ظلم، وكان استقصاؤه حظوظ بدنه وطلبه لها من كل وجه يؤدي إلى ضرر غيره وظلمه -والظلم قبيح فما أدى إليه قبيح- وجب لذلك أن يكون الفضل في القناعة من حظوظ البدن بما لا يؤدي على مزاحمة ذي استحقاق وفي الرغبة في جميع حظوظ النفس.

وحظوظ النفس هي التي يكون لها خيرات وكمالات بالنظر على نعيمها الباقي، وحظوظ البدن هي التي تكون لها خيرات وكمالات بالنظر على نعيمها الفاني، فالفاضل من آثر نعيم نفسه الباقي على نعيم بدنه الفاني، ومن أنصف غيره من ذوي الاستحقاق فيما فيه نعيم بدنه الفاني أو آثره بذلك على نفسه. والإيثار أفضل ليعتاض بذلك ما يكون له سببا على النعيم الباقي كالأجر أو ما يتنزل في توهمه منزلة النعيم الباقي كالذكر الجميل.

ص: 51

1-

إضاءة: ولما كان للإنسان كمالات في بدنه تحصل عن اعتياد ما يصدر عنها بعد تحصيلها أو ما ينحو نحوها ليحصلها عن اعتياد ما يصدر عنها بعد تحصيلها أو ما ينحو نحوها ليحصلها ملكات تصدر عنها أفعال، وكمالات في نفسه تصدر عنها أو تنحو نحوها أفعال وانفعالات، وكمالات في عقله تصدر عنها تمييزات وإدراكات، وكان الإنسان فيما يصدر عن تلك الكمالات وينحو نحوها لا يخلو من أن يروم حظا يوثر به نفسه على بدنه أو بدنه على نفسه أو غيره على نفسه أو نفسه على غيره، وكان المحمود من ذلك إيثار نفسه على بدنه وإيثار غيره على نفسه، والطرفان الآخران مذمومان، وكانت الأفعال المحمودة والمذمومة من جميع ذلك تختلف رتبها في مقدار ما يجب عليها من الحمد والذم بحسب اختلاف الأحوال المطيفة بها -والأحوال المطيفة بالأفعال هي: الزمان، والمكان، وما منه الفعل، وما إليه الفعل، وما عنده الفعل، وما به الفعل، وما من أجله الفعل. فأخذ أبي دؤاد الحق من ابنه وإقادته بحاره الذي قتله يربي على كثير مما يجل من فواضل الكرم ونوافه، وإن كان ذلك نصفة منه، وجود كعب على النمري بالجرع التي آثره بها على نفسه حتى مات عطشا في المكان الذي كانا فيه أعظم أثرا في الكرم من وجود غيره بكل حظ جليل لا تعود به السماحة عليه بمثل ما عادت على كعب.- وجب أن يكون الفعل معتبرا بتلك الأحوال المطيفة. فيكون بالنسبة إلى حال منها محمودا، وبالنسبة إلى حال أخرى مذموما، ويكون بالنسبة إلى بعض تلك الأحوال في أعلى درجات الحمد، وتارة في أدنى الدرجات من ذلك، ووسطا بين الحالين. وكذلك تختلف أيضاً حاله في درجات الذم بحسب اختلاف تلك الأحوال المطيفة.

2-

تنوير: ولما كانت الأشياء الصادرة عن تكل الكمالات والناحية نحوها منها ما للإنسان أني فعله، ومنها ما ليس إليه أن يفعله بل هو مضطر إليه، وكان ما ليس إليه أن يفعله منه ما يدل على وجود ما للإنسان أن يفعله، ومنه ما لا يدل على وجود ذلك له، والذي يدل على وجود ذلك له ولو بتقوية الظن في ذلك منه ما يدل على وجود الأفعال المحمودة، ومنه ما يدل على وجود الأفعال المذمومة، وجب أن تكون الأشياء التي تدل على وجود الأشياء المحمودة قد تستعمل في الحمد، كما أن الأشياء الدالة على وجود الأفعال المذمومة قد تستعمل في الذم وليت بأصلية في ذلك.

3-

إضاءة: وقد يجري مجرى هذه الأشياء، في كونها يحمد بها لدلالتها على ما يحمد، أشياء أخر خارجة عن أوصاف الشيء المحمود، كذكر كرم الأسرة وشرف السلف لكون فضل الأصل يدل على فضيلة الفرع في كثير من الأمر.

4-

تنوير: وأكثر ما تعتمد العرب به في المدح الأفعال التي تتجشم الأنفس فيها الضرر لنفع غيرها ممن له أدنى استحقاق أو حاجة على ذلك. ولهذا قال أبو الطيب المتنبي: (البسيط -ق- المترادف)

لولا المشقة ساد الناس كلهم،

الجود يفقر، والإقدام قتال

4-

إضاءة: والأمور التي تتجشم فيها النفوس المشقة والضرر لتنفع بذلك غيرها وتريحها: إما أن تكون حقوقا ثابتة قبل المتجشم للمشقة فيها فيكون ذلك منه نصفة وعدلا، وإما أن تكون غير واجبة قبله بل يسمح بها تبرعا ويتفضل بها إيثارا فيكون ذلك منه نافلة وفضلا. وأحسن المدح ما كان بهذا الصنف من الأفعال.

6-

تنوير: وقد فرق الناس بين ما يكون المدح أو الذم حقيقيا، وما ليس بحقيقي من ذلك. وقسموا الفضائل التي يكون بها المدح الحقيقي إلى أربع خلال على ما أنا في ذكره.

فمن ذلك قول أبي الفرج قدامة، وقد سبقه القدماء إلى هذه القسمة قال: "لما كانت فضائل الناس، من حيث هم ناس -لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان- على ما عليه أهل الألباب، إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيبا وبما سواها مخطئا. وقد قال زهير:(الطويل -ق- المتدارك)

أخي ثقة لا تتلف الخمر ما له

ولكنه قد يتلف المال نائل

لأنه قد وصفه بالعفة وبقلة إمعانه في اللذات وبأنه لا ينفذ فيها ماله وبإهلاكه ما له في البذل وانحرافه إلى ذلك عن اللذات وذلك هو العدل، ثم قال:

تراه إذا ما جئته متهللا

كأنك تعطيه الذي أنت سائله

أراد أن فرحه بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه بأن جعله يهش ولا يحلقه مضض ولا تكره لفعله ثم قال:

ص: 52

ومن مثل حسن في الحروب ومثله

لإنكار ضيم أو لخصم يحاوله

فأتي في هذا البيت بالوصف من جهة العقل والشجاعة، فاستوفى ضروب الممادح الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة. وزاد ما هو وإن كان داخلا في الأربعة فكثير من الناس لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة، فوصفه بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا.

وقد يتفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقسامها، وكل داخل في جملتها، مثل أن يذكروا ثقافة المعرفة والحياء والبيان والسياسة والصدع بالحجة والعلم والحلم عن سفاهة الجهلة وغير ذلك مما يجري هذا المجرى وهي من أقسام العقل، وكذكركم القناعة وقلة الشره وطهارة الإزار وغير ذلك وهي من أقسام العفة، وكذكركم الحماية والأخذ بالثأر والدفاع عن الجار والنكاية في العدو وقتل الأقران والمهابة والسر في المهامة والقفار الموحشة وما شاكل ذلك وهي من أقسام الشجاعة، وكذكركم السماحة والتغابن والانظلام والتبرع بالنائل والإجابة للسائل وقرى الأضياف وما جانس هذه الأشياء وهي من أقسام العدل.

فأما تركيب بعضها مع بعض فيحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب والوفاء بالوعود، وعن تركيب العقل مع السخاء البر والإنجاز للموعد وما أشبه ذلك، وعن تركيب العقل والعفة التنزه والرغبة عن المساوي والاقتصار على أدنى معيشة وما أشبه ذلك، وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف والإخلاف وما جانس ذلك، وعن تركيب الشجاعة مع العفة إنكار الفواحش والغيرة على الحرم، وعن تركيب السخاء مع العفة الإسعاف بالقوت والإيثار على النفس وما أشبه ذلك".

قال: "وكل واحد من هذه الفضائل وسط بين طرفين مذمومين".

7-

إضاءة: وإذ قد حكينا كلام أبي الفرج قدامة فلنتبع ذلك بإشارة إلى بيان قوله: "إن كل واحد من هذه الفضائل وسط بين طرفين مذمومين". فأقول: إن الفعل العائد بمنفعة ما إنما يحمد ما لم يعد الإفراط فيه بمضرة وما لم يكن من القلة والتقصير بحيث لا يغني، فإذا وقع وسطا بين هذين الطرفين كان محمودا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:"خير الأمور أوساطها". ألا ترى أن الكرم إذا أفرط عد سرفا وتبذيرا، والإقدام إذا أفرط فهجم بصاحبه على المتالف في كل حين وموطن عد ذلك تهورا وهوجا، وإذا وقع التقصير عن الإقدام والبذل بالجملة أو وقع من ذلك ما لا اعتداد به عد ذلك بخلا وجبنا. وقد تكون قلة الشيء بحيث لا يوجب عليه حمدا ولا ذما.

8-

تنوير: وجميع تلك الأفعال ونقائصها إنما تعد فضائل أو رذائل فيستوجب عليها الثناء عليها الثناء المطلق أو الذم المطلق، ويعتقد في صاحبها أنه خير أو شرير، إذا حصلت له فيها ملكة وصارت له عادة لا يفارقها إلى ما ناقضها. فإن وقع الفعل المسمى فضيلة منه ولم يتبعه بمثله ولا تمادى عليه لم يستحق أن يسمى فاضلا ولا أن يثنى عليه الثناء المطلق. وعلى هذا يجب أيضاً أن يكون الاعتبار في وقوع الفعل المسمى رذيلة، فاعلم ذلك.

9-

إضاءة: وكان أبو الفرج قدامة يذهب إلى أن المدح بالحسن والجمال والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة ولا ذم على الصحة، ويخطئ من يمدح بهذا ويذم بذلك. ويستدل بانكار عبد الملك بن مروان قول ابن قيس الرقيات:(المنسرح -ق- المتراكب)

يأتلق التاج فوق مفرقه

على جبين كأنه الذهب

وقد رد عليه هذا الآمدي، وتابعه الخفاجي في الرد عليه. فقال:"إن كان قدامة يعتقد أن ذلك ليس بفضيلة، لما كان الإنسان قد خلق عليه، فهذا حكم الفضائل النفسانية. فإن الكريم قد خلق كريما والشجاع شجاعا. فكما لا يقدر القبيح الوجه أن يستبدل صورة غير صورته، فكذلك الجاهل لا يقدر أن يستفيد عقلا فوق عقله".

ص: 53