المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة النساء (4) : الآيات 19 الى 21] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ٣

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثالث]

- ‌سورة النساء

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد بين يدي السورة

- ‌[سورة النساء (4) : آية 1]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 2 الى 3]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 4]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 5]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 6]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 7]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 8]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 9]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 10]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 11 الى 14]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 15 الى 16]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 17 الى 18]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 19 الى 21]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 22 الى 24]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 25]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 28]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 29 الى 31]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 32 الى 33]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 34 الى 35]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 36 الى 42]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 43]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 44 الى 55]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 56 الى 57]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 58 الى 59]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 60 الى 68]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 73]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 74 الى 76]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 77 الى 80]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 81 الى 83]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 84 الى 87]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 88 الى 91]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 92 الى 93]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 94]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 95 الى 96]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 100]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 101 الى 102]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 103 الى 104]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 113]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 114 الى 115]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 116 الى 121]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 122 الى 126]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 127 الى 130]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 131 الى 134]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 135 الى 136]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 137 الى 147]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 148 الى 152]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 162]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 163 الى 166]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 167 الى 170]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 171 الى 175]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 176]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «النساء»

الفصل: ‌[سورة النساء (4) : الآيات 19 الى 21]

[سورة النساء (4) : الآيات 19 الى 21]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21)

قال القرطبي عند تفسيره للآية الأولى: اختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها فروى البخاري عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً.

وقال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت. وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً. الآية.

وقيل: كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لما لها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية.

ثم قال القرطبي: والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال.. «1» .

(1) تفسير القرطبي ج 5 ص 94.

ص: 89

وهناك روايات أخرى في سبب نزول هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وهي قريبة في معناها، مما أورده القرطبي، لذا اكتفينا بما ساقه القرطبي.

وكلمة كَرْهاً قرأها حمزة والكسائي بضم الكاف. وقرأها الباقون بفتحها قال الكسائي:

وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الفراء: الكره- بفتح الكاف- بمعنى الإكراه. وبالضم بمعنى المشقة. فما أكره عليه الإنسان فهو كره- بالفتح- وما كان من جهة نفسه فهو كره- بالضم-.

والمعنى: يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذي جاءهم من عند الله، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها.

وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا، ويظلمونهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك. فقيل: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أى: أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات» «1» .

وقد وجه- سبحانه- النداء إلى المؤمنين فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام أم من غيرهم.

وفي مخاطبتهم بصفة الإيمان تحريك لحرارة العقيدة في قلوبهم، وتحريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإيمان من طاعة لشريعة الله- تعالى-.

وصيغة لا يَحِلُّ لَكُمْ صيغة تحريم صريح لأن الحل هو الإباحة في لسان العرب ولسان الشريعة. فنفيه يرادف معنى التحريم.

وليس النهى في قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً منصبا على إرث أموالهن كما هو المعتاد، وإنما النهى منصب على إرث المرأة ذاتها كما كانوا يفعلون في الجاهلية إذ كانوا يجعلون ذات المرأة كالمال فيرثونها من قريبهم كما يرثون ماله.

وقوله كَرْهاً مصدر منصوب على أنه حال من النساء. أى حال كونهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه.

والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفى ما عداه، كما في قوله- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ.

(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 490.

ص: 90

وقوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ نهى آخر عن بعض الأعمال السيئة التي كان أهل الجاهلية يعاملون بها المرأة. وهو معطوف على قوله:

أَنْ تَرِثُوا.... وأعيد حرف «لا» للتوكيد.

أى: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا يحل لكم أن تعضلوهن.

وأصل العضل: التضييق والحبس والمنع. يقال: عضلت الناقة بولدها، إذا نشب في بطنها وتعسر عليه الخروج. وأعضل به الأمر، إذا اشتد وتعسر.

والمراد به هنا: منع المرأة من الزواج والتضييق عليها في ذلك، سواء أكان هذا المنع والتضييق من الزوج أم من غيره.

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قوله- تعالى-: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ.

يقول: ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، يعنى الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدى- أى: لتفتدى نفسها منه بأن تترك له مالها عليه من مهر أو مال- «1» .

وقيل: كان أولياء الميت يمنعون زوجته من التزوج بمن شاءت، ويتركونها على ذلك حتى تدفع لهم ما أخذت من ميراث الميت، أو حتى تموت فيرثوها.

والمعنى: لا يحل لكم- أيها المؤمنون- أن ترثوا النساء كرها، ولا أن تمنعوهن من الزواج لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ من الصداق أو غيره، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن، فإن هذا الفعل يبغضه الله- تعالى-.

ويبدو لنا من سياق الآية أن النهى عن عضل المرأة هنا- وإن كان يتناول جميع المكلفين-، إلا أن المعنى به الأزواج ابتداء، لأنهم- في الغالب- هم الذين كانوا يفعلون ذلك.

ولذا قال ابن جرير- بعد أن ذكر الأقوال في المعنى بالخطاب في قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ.

«وأولى الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ قول من قال:

«نهى الله زوج المرأة عن التضييق عليها، والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدى منه ببعض ما آتاها من الصداق.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل المرأة إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها

ليأخذ منها ما آتاها

أو لوليها الذي إليه إنكاحها. ولما كان

(1) تفسير ابن جرير ج 4 ص 308.

ص: 91

الولي معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا. كان معلوما أن الذي عنى الله- تعالى- بنهيه عن عضلها هو زوجها الذي له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه» «1» .

والاستثناء في قوله إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ متصل من أعم العلل والأسباب، أى لا تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. لسوء أخلاقهن، وكاشفة عن أحوالهن. كالزنا والنشوز، وسوء الخلق، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء وفحش القول ونحوه، فلكم العذر في هذه الأحوال في طلب الخلع منهن، وأخذ ما آتيتموهن من المهر لوجود السبب من جهتهن لا من جهتكم.

والأصل في هذا الحكم قوله- تعالى- وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها.

ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى: ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل لكم أخذ المهر الذي آتيتموهن إياه أو أخذ بعضه.

ثم أمر الله- تعالى- الرجال- وخصوصا الأزواج- بحسن معاشرة النساء فقال:

وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.

والمعاشرة: مفاعلة من العشرة وهي المخالطة والمصاحبة.

أى: وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، أى بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال الحميدة، والأقوال الحسنة.

قال ابن كثير: قوله- تعالى- وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أى: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت مثله. كما قال- تعالى- وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى» . وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويضاحك نساءه. حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين- رضى الله عنها- يتودد إليها بذلك.

قالت: سابقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني. فقال: هذه بتلك. وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد. يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار.

(1) تفسير ابن جرير ج 4. ص 309- بتصرف وتلخيص.

ص: 92

وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام. يؤانسهن بذلك صلى الله عليه وسلم.

وقد قال- تعالى- لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «1» .

هذا، وللإمام الغزالي كلام حسن في كتابه الإحياء عند حديثه عن آداب معاشرة النساء، فقد قال ما ملخصه: ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن. قال- تعالى-: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال في تعظيم حقهن:

وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً.

ثم قال: واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عن طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام. ومن آداب المعاشرة- أيضا- أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة، فهي التي تطيب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال.

وقال عمر- رضى الله عنه- ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبى. فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلا.

وكان ابن عباس- رضى الله عنه- يقول: «إنى- لأتزين لامرأتى كما تتزين لي» «2» .

ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا في كراهية النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية، بل عليهم أن يغلبوا النظر إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكاره فقال- تعالى-: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً.

أى: فإن كرهتم صحبتهن وإمساكهن فلا تتعجلوا في مفارقتهن، فإنه عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله لكم في الصبر عليه وعدم إنفاذه خيرا كثيرا في الدنيا والآخرة.

فالآية الكريمة ترشد إلى حكم عظيمة منها أن على العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، لا من ناحية واحدة منها وهي ناحية البغض والحب.. وأن ينظر في العلاقة التي بينه وبين زوجه بعين العقل والمصلحة المشتركة، لا بعين الهوى.. وأن يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ووجدانه. فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، وربما يكون الشيء الذي كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل في كراهيته سيجعل الله فيه خيرا كثيرا في المستقبل. قال- تعالى- وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 466.

(2)

من كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالى ج 2 ص 39. [.....]

ص: 93

قال القرطبي: روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضى منها آخر» أى: لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أى لا ينبغي له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب. - والفرك البغض الكلى الذي تنسى معه كل المحاسن-.

وقال مكحول: سمعت ابن عمر رضى الله عنهما- يقول: إن الرجل ليستخير الله- تعالى- فيخار له، فيسخط على ربه- عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له» «1» .

وبعد أن بين- سبحانه- أنه يجوز للرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعطاها من صداق إذا أتت بفاحشة مبينة.. عقب ذلك ببيان الحكم فيما إذا كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال- تعالى- وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً والاستبدال: طلب البدل، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى.

والقنطار: أصله من قنطرت الشيء إذا رفعته. ومنه القنطرة، لأنها بناء مرتفع مشيد. والمراد به هنا المال الكثير الذي هو أقصى ما يتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة.

والمعنى: وإن أردتم أيها الأزواج اسْتِبْدالَ زَوْجٍ أى تزوج امرأة ترغبون فيها «مكان زوج» أى مكان امرأة لا ترغبون فيها، بل ترغبون في طلاقها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التي تريدون طلاقها مالا كثيرا على سبيل الصداق لها فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أى فلا نأخذوا من المال الكثير الذي أعطيتموه لهن شيئا أيا كان هذا الشيء، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن.

وعبر- سبحانه- ب إِنْ التي تفيد الشك في وقوع الفعل للتنبيه على أن الإرادة قد تكون غير سليمة، وغير مبنية على أسباب قوية، فعلى الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر في عواقب الأمور.

والمراد بالزوج في قوله اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ الجنس الذي يصدق على جميع الأزواج.

والمراد من الإيتاء في قوله وَآتَيْتُمْ الالتزام والضمان. أى: التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير.

(1) تفسير القرطبي ج 5 ص 98.

ص: 94

والجملة حالية بتقدير قد. أى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج والحال أنكم قد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا.

والاستفهام في قوله أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً للإنكار والتوبيخ، والبهتان: هو الكذب الذي يدهش ويحير لفظاعته. ويطلق على كل أمر كاذب يتحير العقل في إدراك سببه أو لا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدى على الناس ويتقول عليهم الأقاويل، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبينهم.

قال صاحب الكشاف: والبهتان: أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برىء منه ولأنه يبهت عند ذلك. أى يتحير.

والإثم: هو الذنب العظيم الذي يبعد صاحبه عن رضا الله- تعالى- والمبين هو الشيء الواضح الذي يعلن عن نفسه بدون لبس أو خفاء.

وقوله بُهْتاناً وَإِثْماً مصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف، أى: أتأخذون ما تريدون أخذه منهن باهتين، أى فاعلين فعلا تتحير العقول في سببه، وآثمين بفعله إثما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء؟! ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله، ويكون ذلك أشد في التوبيخ والإنكار، إذ يكون المعنى عليه: أتأخذونه لأجل البهتان والإثم المبين الذي يؤدى إلى غضب الله عليكم؟! إن إيمانكم يمنعكم من ارتكاب هذا الفعل الشنيع في قبحه.

قالوا: كان الرجل في الجاهلية إذا أراد التزويج بامرأة أخرى، بهت التي تحته- أى رماها بالفاحشة التي هي بريئة منها- حتى يلجئها إلى أن تطلب طلاقها منه في نظير أن تترك له ما لها عليه من صداق أو غيره، فنهوا عن ذلك.

ثم كرر- سبحانه- توبيخه لمن يحاول أخذ شيء من صداق زوجته التي خالطته في حياته مدة طويلة فقال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً.

وأصل أفضى- كما يقول الفخر الرازي- من الفضاء الذي هو السعة يقال: فضا يفضو فضوا وفضاء إذا اتسع. ويقال: أفضى فلان إلى فلان أى: وصل إليه وأصله أنه صار في فرجته وفضائه.

والمراد بالإفضاء هنا: الوصول والمخالطة: لأن الوصول إلى الشيء قطع للفضاء الذي بين المتواصلين.

ص: 95

والاستفهام في قوله وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ

للتعجب من حال من يأخذ شيئا مما أعطاه لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ.

والمراد بالميثاق الغليظ في قوله «وأخذن منكم ميثاقا غليظا» هو ما أخذه الله للنساء على الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما في قوله- تعالى-: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. وليس أخذ شيء مما أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان، بل يكون من التسريح الذي صاحبه الظلم والإساءة.

والمراد بالميثاق الغليظ الذي أخذ: كلمة النكاح المعقودة على الصداق، والتي بها تستحل فروج النساء، ففي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع:

«استوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «1» .

والمعنى: بأى وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال ان تأخذوا شيئا من الصداق الذي أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن والحال أنكم قد اختلط بعضكم ببعض، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه، وأخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه!!؟

فأنت ترى أن الله- تعالى- قد منع الرجال من أخذ شيء من الصداق الذي أعطوه لنسائهم لسببين:

أحدهما: الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة.

وثانيهما: الميثاق الغليظ الذي أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة.

والضمير في قوله وَأَخَذْنَ للنساء. والآخذ في الحقيقة إنما هو الله- تعالى- إلا أنه سبحانه- نسبه إليهن للمبالغة في المحافظة على حقوقهن، حتى جعلهن كأنهن الآخذات له.

قال بعضهم: وهذا الإسناد مجاز عقلي، لأن الآخذ للعهد هو الله. أى: وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسببهن. فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب» «2» .

ووصف- سبحانه- الميثاق بالغلظة لقوته وشدته. فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة.

فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟! هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ما يأتى:

1-

تكريم الإسلام للمرأة، فقد كانت في الجاهلية مهضومة الحق، يعتدى عليها بأنواع من

(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 467.

(2)

حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 369.

ص: 96

الاعتداء، فرفعها الله- تعالى- بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التي كانت فيها، وقرر لها حقوقها، ونهى عن الاعتداء عليها.

ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال. وكذلك حرم عضلها وأخذ شيء من صداقها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة. وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف، وأن يصبروا على أخطائهن رحمة بهن.

2-

جواز الإصداق بالمال الكثير: لأن الله- تعالى- قال: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً.

والقنطار: المال الكثير الذي هو أقصى ما يتصور من مهور.

قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى- وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً دليل على جواز المغالاة في المهور، لأن الله- تعالى- لا يمثل إلا بمباح.

وخطب عمر- رضى الله عنه- فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت:

يا عمر. يعطينا الله وتحرمنا!! أليس الله تعالى- يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر..

وفي رواية أنه أطرق ثم قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار.

ثم قال القرطبي: وقال قوم: لا تعطى الآية جواز المغالاة في المهور، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة: كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد..

ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن أبى حدرد- وقد جاءه يستعين في مهره فسأله عنه فقال: مائتين، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة» أى من ذلك المكان الذي به حجارة نخرة سود- فاستنتج بعض الناس من هذا منع المغالاة في المهور» «1» .

والذي نراه ان الآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإصداق بالمال الجزيل، إلا ان الأفضل عدم المغالاة في ذلك، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى والفقر وغيرهما.

ولقد ورد ما يفيد الندب إلى التيسير في المهور. فقد أخرج أبو داود والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير الصداق أيسره» «2» .

3-

أن الرجل إذا أراد فراق امرأته. فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا مادام الفراق بسببه ومن

(1) تفسير القرطبي ج 5 ص 99 بتصرف وتلخيص.

(2)

أخرجه أبو داود في باب «من تزوج ولم يسم صداقا حتى مات «من كتاب النكاح ج 2 ص 231.

ص: 97