المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة النساء (4) : الآيات 122 الى 126] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ٣

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثالث]

- ‌سورة النساء

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد بين يدي السورة

- ‌[سورة النساء (4) : آية 1]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 2 الى 3]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 4]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 5]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 6]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 7]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 8]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 9]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 10]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 11 الى 14]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 15 الى 16]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 17 الى 18]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 19 الى 21]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 22 الى 24]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 25]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 28]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 29 الى 31]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 32 الى 33]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 34 الى 35]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 36 الى 42]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 43]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 44 الى 55]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 56 الى 57]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 58 الى 59]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 60 الى 68]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 73]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 74 الى 76]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 77 الى 80]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 81 الى 83]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 84 الى 87]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 88 الى 91]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 92 الى 93]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 94]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 95 الى 96]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 100]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 101 الى 102]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 103 الى 104]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 113]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 114 الى 115]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 116 الى 121]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 122 الى 126]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 127 الى 130]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 131 الى 134]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 135 الى 136]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 137 الى 147]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 148 الى 152]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 162]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 163 الى 166]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 167 الى 170]

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 171 الى 175]

- ‌[سورة النساء (4) : آية 176]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «النساء»

الفصل: ‌[سورة النساء (4) : الآيات 122 الى 126]

[سورة النساء (4) : الآيات 122 الى 126]

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126)

وقوله- تعالى- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك، أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جريا على عادة القرآن في تعقيب الإنذار بالبشارة، والوعيد بالوعد.

أى: والذين آمنوا بالله إيمانا حقا، وقدموا في حياتهم الأعمال الصالحات «سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار» أى من تحت غرفها ومساكنها الأنهار «خالدين فيها أبدا» أى: مقيمين فيها إقامة أبدية «وعد الله حقا» أى: واقعا لا محالة ما وعد الله به عباده الصالحين من نعم بخلاف ما وعد الشيطان به أتباعه فإنه وعد كاذب باطل.

وقوله وَعْدَ اللَّهِ منصوب على المصدر المؤكد لمضمون جملة سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لأنها بمعناه فكأنه مؤكد لنفسه وقوله حَقًّا منصوب بفعل محذوف أى: حق ذلك حقا.

ص: 318

والاستفهام في قوله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا للنفي. والقيل مصدر كالقول أى: هذا ما وعد الله به عباده المؤمنين، وما وعد الله به عباده فهو متحقق الوقوع لا محالة، لأنه لا أحد أصدق من الله قولا. فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما سبقه من وعد الله لعباده المؤمنين بالجنة.

وقوله قِيلًا منصوب على أنه تمييز نسبة من قوله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ ثم بين- سبحانه- أن الوصول إلى رضوانه لا يكون بالأمانى والأوهام وإنما يكون بالإيمان والعمل الصالح فقال: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.

والأمانى: جمع أمنية. وهي ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه ويشتهيه من أشياء متنوعة.

كحصوله على الخير الوفير في الدنيا، وعلى الجنة في الآخرة. وهي مأخوذة من التمني.

وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها قول قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا. فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين. وكتابنا يقضى على الكتب التي كانت قبله. فأنزل الله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ

. الآية.

وقال مجاهد: قالت العرب لن نبعث ولن نعذب. وقالت اليهود والنصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى. فأنزل الله- تعالى- لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ. الآية «1» .

والضمير في قوله لَيْسَ يعود إلى ما تقدم ذكره من الوعد المتقدم وهو نيل الثواب ودخول الجنة.

والخطاب لجميع الفرق التي حدث بينها تنازع في شأن الدين الحق، وفي شأن ما يترتب على ذلك من ثواب.

والمعنى: ليس ما وعد الله به من الثواب أو إدخال الجنة، أو ليس ما تحاورتم فيه حاصلا بمجرد أمانيكم- أيها المسلمون- أو أمانى أهل الكتاب أو غيرهم، وإنما ما تمنيتموه جميعا يحصل بالإيمان الصادق، وبالعمل الصالح، وبالسعي والجد في طاعة الله، فقد اقتضت سنة الله- تعالى- أن من يعمل خيرا يجد خيرا، ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أى: من يرتكب معصية مؤمنا كان أو كافرا يجازه الله بها عاجلا أو آجلا إلا إذا تاب، أو تفضل الله عليه بالمغفرة إذا كان مؤمنا.

(1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 388.

ص: 319

وقد سار ابن كثير في تفسيره على أن الخطاب لجميع الطوائف فقال: «والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان ولهذا قال: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ.

أى ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني. بل العبرة بطاعة الله- سبحانه- واتباع ما شرعه على ألسنة رسله ولهذا قال بعده مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. كقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «1» .

ومنهم من يرى أن الخطاب في قوله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ للمسلمين.

وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله: في لَيْسَ ضمير وعد الله أى: ليس ينال ما وعد الله من الثواب بِأَمانِيِّكُمْ وَلا بأمانى أهل الكتاب. والخطاب للمسلمين، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به. وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله «2» .

ومنهم من يرى أن الخطاب للمشركين. وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله مجاهد من أنه عنى بقوله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ. مشركي قريش.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب. لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وإنما جرى ذكر أمانى نصيب الشيطان المفروض في قوله قبل ذلك.

وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ وقوله يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ فإلحاق معنى قوله- تعالى- لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ بما ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه لا دالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا من أثر الرسول صلى الله عليه وسلم «3» .

ومع وجاهة هذا الرأى الذي سار عليه ابن جرير، إلا أنا نؤثر عليه ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الكريمة تخاطب الناس جميعا سواء أكانوا مؤمنين أم مشركين أم من أهل الكتاب. لأن الآية الكريمة تضع لهم جميعا قاعدة عامة وهي أن الوصول إلى ثواب الله ورضاه لا ينال بالأمانى والأحلام وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح.

وقوله مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ جملة مكونة من شرط وجزاء. والمراد بالسوء ما يشمل الكفر والمعاصي. وقيل: المراد بالسوء هنا الكفر فقط.

(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 557.

(2، 3) تفسير ابن جرير ج 5 ص 291.

ص: 320

قال الآلوسى قوله- تعالى-: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أى: عاجلا أو آجلا. فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبى بكر الصديق قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. فقال رسول الله: يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت على؟ فقلت: بلى يا رسول الله. فأقرأنيها فلا أعلم إلا أنى وجدت انفصاما في ظهري.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. مالك يا أبا بكر؟ قلت بأبى أنت وأمى يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء. وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله- تعالى- ليس عليكم ذنوب. وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون يوم القيامة.

وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله- تعالى- فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سددوا وقاربوا فإن كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها.

قال الآلوسى: والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى. ولهذا أجمع عامة العلماء على أن الأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها- وإن قلت مشقتها- يكفر الله- تعالى- بها الخطيئات، والأكثرون على أنها- أيضا ترفع بها الدرجات، وهو الصحيح المعول عليه. فقد صح في غير ما طريق «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» «1» .

وقوله- تعالى- وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً تذييل قصد به تأكيد ما قبله من أن ثواب الله لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأن عقابه سيحل بمن يعمل السوء.

أى: أن من يعمل السوء سيجازى به، ولا يجد هذا المرتكب للسوء أحدا سوى الله- سبحانه- يلي أمره ويحامى عنه، ولا نصيرا ينصره ويحاول إنجاءه من عقاب الله- تعالى- ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة المؤمنين فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً.

أى: ومن يعمل من الأعمال الصالحات سواء أكان العامل ذكرا أم أنثى ما دام متحليا بصفة الإيمان، فأولئك العاملون بالأعمال الصالحة يدخلون الجنة جزاء عملهم ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم، ولو كان هذا الشيء نقيرا وهو النقطة التي تكون في ظهر النواة ويضرب بها المثل في القلة والحقارة.

ومَنْ في قوله مِنَ الصَّالِحاتِ للتبعيض أى: بعض الأعمال الصالحات لأن الإنسان

(1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 152.

ص: 321

لا يستطيع أن يعمل جميع الأعمال الصالحة، وإنما كل إنسان يعمل على قدر طاقته وقدرته ولا يكلف نفسا إلا وسعها.

ومَنْ في قوله مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى للبيان. أى بيان أن الأحكام الشرعية وما يترتب عليها من ثواب يشترك فيه الرجال والنساء إلا إذا قام دليل على أن أحد الصنفين مختص بحكم معين لا يشاركه فيه الصنف الآخر.

وفي ذلك إنصاف للمرأة من الظلم الذي كان واقعا عليها قبل شريعة الإسلام العادلة.

والجملة الكريمة في موضع نصب على الحال من ضمير يَعْمَلْ.

وقوله وَهُوَ مُؤْمِنٌ قيد لإخراج غير المؤمن لأن الكافر مهما قدم من أعمال صالحة في الدنيا فإنها لن تنفعه في الآخرة بسبب كفره بالدين الحق.

واسم الإشارة وهو قوله فَأُولئِكَ يعود إلى من في قوله وَمَنْ يَعْمَلْ باعتبار معناها.

وقوله وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً بيان لفضل الله- تعالى- وعد له، وأنه- سبحانه- إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.

ثم أثنى- سبحانه- على من أخلص له الإيمان والعمل فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ.

أى: لا أحد أحسن دينا، وأجدر بالقبول عند الله وبجزيل ثوابه ممن أخلص نفسه لله، وجعلها سالمة له بحيث لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه.

وقوله وَهُوَ مُحْسِنٌ أى: وهو مؤد لما أمره الله به ومبتعد عن كل ما نهاه الله عنه، على الوجه اللائق الحسن.

فالاستفهام في قوله وَمَنْ أَحْسَنُ للنفي. والمقصود منه مدح من فعل ذلك على أتم وجه.

وقوله وَهُوَ مُحْسِنٌ جملة في موضع الحال من فاعل أَسْلَمَ.

فالآية الكريمة قد أشارت إلى أن الدين الحق يقتضى أمرين:

أولهما: إخلاص القلب والنية لله- تعالى- بحيث لا يكون عامرا إلا بذكر الله.

والثاني: إتقان العمل الصالح وإجادته حتى يصل إلى مرتبة الإحسان الذي عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .

وقوله وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً بيان لما كان عليه إبراهيم- عليه السلام من عقيدة سليمة، ودين قويم. وهو معطوف على قوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ.

ص: 322

أى: لا أحد أحسن دينا، وأصوب طريقا ممن أخلص نفسه لله، وأتقن أعماله الصالحة على الوجه الذي يرضاه الله- تعالى- واتبع ملة إبراهيم الذي كان مبتعدا عن كل الملل الزائفة المعوجة ومتجها إلى الدين الحق، والمنهاج المستقيم.

والمراد بملة إبراهيم: شريعته التي كان يدين الله عليها، ومنهاجه الذي يوافق منهاج الإسلام الذي أتى به محمد- عليه الصلاة والسلام.

وحنيفا من الحنف وهو الميل عن الضلال إلى الاستقامة. وضده الجنف يقال: تحنف فلان أى تحرى طريق الاستقامة.

وقوله وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا تذييل جيء به للترغيب في اتباع ملة إبراهيم، وللتنويه بشأنه- عليه السلام وبشأن من اتبع طريقته.

والخليل في كلام العرب: هو الصاحب الملازم الذي لا يخفى عليه شيء من أمور صاحبه.

مشتق من الخلة وهي صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار.

قال الآلوسى: والخليل مشتق من الخلة- بضم الخاء- وهي إما من الخلال- بكسر الخاء- فإنها مودة تتخلل النفس وتخالطها مخالطة معنوية. فالخليل من بلغت مودته هذه المرتبة.

وإما من الخلل على معنى أن كلا من الخليلين يصلح خلل الآخر. وإما من الخل- بالفتح- وهو الطريق في الرمل، لأنهما يتوافقان على طريقة. وإما من الخلة- بفتح الخاء- بمعنى الخصلة لأنهما يتوافقان في الخصال والأخلاق. وأطلق الخليل على إبراهيم، لأن محبة الله تعالى، قد تخللت نفسه وخالطتها مخالطة تامة، أو لتخلقه بأخلاق الله تعالى «1» .

والمعنى: واتخذ الله إبراهيم حنيفا له من بين خلقه، لأنه- عليه السلام كان خالص المحبة لخالقه- عز وجل ومبغضا لكل ما يبغضه الله من الشريك والأعمال السيئة، وغيورا على إعلاء كلمة الله وعلى تمكين دينه في الأرض فوصفه الله- تعالى- بهذا الوصف الجليل، وأسبغ عليه الكثير من ألوان نعمه وفضله.

قال الجمل: وقوله وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا في خَلِيلًا وجهان، فإن عدينا اتخذ لاثنين كان مفعولا ثانيا وإلا كان حالا. وهذه الجملة عطف على الجملة الاستفهامية التي معناها الخبر للتنبيه على شرف المتبوع وأنه جدير بأن يتبع لاصطفاء الله له بالخلة، وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته، لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا جديرا بأن تتبع ملته.

وأظهر اسم إبراهيم في مقام الإضمار لتفخيم شأنه، والتنصيص على أنه متفق على مدحه «2» .

(1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 115

(2)

حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 148

ص: 323