الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الراسخون في ظلماته، وأعتدنا أى وهيأنا وادخرنا للكافرين جميعا عذابا يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم.
وقوله حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، وعامله محذوف أى: أولئك الكافرون حق ذلك حقا. ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. أى أولئك هم الكافرون كفرا حقا أى:
كفرا كاملا لا شك في وقوعه منهم وانغماسهم فيه.
هذا هو شأن الكافرين بالله ورسله، وتلك هي عاقبتهم أما المؤمنين الصادقون فقد بشرهم الله بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ حق الإيمان وآمنوا رُسُلِهِ جميعا وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أى: لم يفرقوا في الإيمان بين رسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا.
أُولئِكَ الذين استقر الإيمان الكامل في قلوبهم، والذين وصفهم الله- تعالى- بتلك الأوصاف الحميدة سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ الله- تعالى- أُجُورَهُمْ التي وعدهم بها وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أى: وكان الله وما زال كثير المغفرة والرحمة لمن هذه صفاتهم، وتلك نعوتهم.
والتعبير بسوف لتأكيد الأجر الذي وعدهم الله به، وللدلالة على أنه كائن لا محاولة وإن تراخى. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد قابلت بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين ليقلع الناس عن الكفر والمعاصي، ويستجيبوا لأوامر الله لينالوا رضاه.
ثم حكى- سبحانه- جانبا من الأسئلة المتعنتة التي كان اليهود يوجهونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن النعم التي أنعم- سبحانه- بها عليهم ومن المنكرات التي قالوها وفعلوها، ومن العقوبات التي عاقبهم الله بها بسبب ظلمهم وفسوقهم.. استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول:
[سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 162]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَاّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157)
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162)
ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ.. إلخ ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا أنت بالألواح من عند الله حتى نصدقك. فأنزل الله- تعالى- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ. إلى قوله وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً وعن السدى: قالت اليهود: يا محمد، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موسى.
وعن قتادة: أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا، تأمر بتصديقه واتباعه «1» .
والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، بدليل سياق الآيات الكريمة التي ذكرت أوصافا تنطبق عليهم، وبدليل ما ذكرناه في سبب نزول الآيات.
والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد، أن تنزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موسى لآبائهم بالتوراة مكتوبة في الألواح جملة. أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من السماء تأمرهم بتصديقك، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود، ولو كانوا يريدون الإيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة لأن الأدلة القاطعة قد قامت على صدقك.
وعبر بالمضارع في قوله يَسْئَلُكَ لقصد استحضار حالتهم العجيبة في هذا السؤال، حتى لكأن السامع يراهم، وللدلالة على تكرار أسئلتهم وتجددها المرة تلو الأخرى بدون حياء أو خجل.
وقوله: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً بيان للون من رذائلهم وقبائحهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه منهم من أذى وسوء أدب.
والفاء في قوله فَقَدْ سَأَلُوا معطوفة على جملة محذوفة والتقدير: لا تبتئس يا محمد من أقوال هؤلاء اليهود، ولا تهتم بأسئلتهم، فتلك شنشنة قديمة معروفة عن آبائهم، فقد سأل آباؤهم موسى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا له: أرنا الله جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث نعاينه ونشاهده بأبصارنا ويطلب إلينا الإيمان بك. ويصح أن تكون الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، وإليه أشار صاحب الكشاف بقوله: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، جواب لشرط مقدر معناه (إن استكبرت ما سألوك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم.
ومضاهين لهم في التعنت «2» .
أى: أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم الأقدمين،
(1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 7.
(2)
تفسير الكشاف ج 1 ص 585.
وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل- عليهم الصلاة والسلام- والإساءة إليهم.
والفاء في قوله: فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً تفسيرية كما في قولهم: توضأ فغسل وجهه.
وقوله: جَهْرَةً من الجهر الذي هو ضد الإخفاء. يقال جهر البئر- كمنع- واجتهرها، إذا أظهر ماءها. وجهر الشيء: كشفه، وجهر الرجل: رآه بلا حجاب.
أى: أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله جَهْرَةً مفعولا مطلقا، لأن لفظ جَهْرَةً نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله في الفعل.
ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أى: أرنا الله مجاهرين معاينين وقوله: «فأخذتهم الصاعقة بظلمهم» بيان للعقوبة التي حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم.
والصاعقة- كما يقول ابن جرير-: كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة «1» .
وقال الراغب: الصاعقة على ثلاثة أوجه: الموت كقوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ. والعذاب كقوله: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ، والنار كقوله:
وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وما ذكره- سبحانه- إنما هي أشياء حاصلة من الصاعقة فإن الصاعقة هي الصوت الشديد في الجو، ثم يكون منه نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد. وهذه الأشياء تأثيرات منها «2» .
ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا: ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة، والذي كان من آثاره أن صعقوا: أى خروا مغشيا عليهم أو هلكوا، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر الله.
وقوله: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً بيان لنوع ثالث من جرائمهم، ولمظهر من مظاهر رحمة الله بهم.
أى: أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، أخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على
(1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 290
(2)
المفردات في غريب القرآن ص 281 للراغب الاصفهانى.
ظلمهم، لم يرتدعوا ولم ينزجروا، بل لجوا في طغيانهم وضلالهم فاتخذوا العجل معبودا لهم من دون الله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أى من بعد ما جاءتهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله وصدق أنبيائه.
وقوله: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أى. عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها.
وقوله: وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أى. أعطينا موسى بفضلنا ومنتنا حججا بينات ومعجزات باهرات، وقوة وقدرة على الانتصار على من خالفه و (ثم) في قوله. ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ للتراخي الرتبى لأن اتخاذهم العجل إلها أعظم جرما مما حكاه الله عنهم من جرائم قبل ذلك.
وقوله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بيان لفرط ضلالهم وانطماس بصيرتهم، لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة، وإنما عبدوه من بعد ما وصلت إلى أسماعهم وعقولهم الدلائل الواضحة وعلى وحدانية الله، وعلى أن عبادة العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شيء من التعقل وحسن الإدراك.
واسم الإشارة في قوله فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ يعود إلى اتخاذ العجل معبودا من دون الله.
والجملة الكريمة حض لليهود المعاصرين للعهد النبوي على الدخول في الإسلام فإنهم متى فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم كما غفر لآبائهم بعد أن تابوا من عبادة العجل.
هذا، وما حكته هذه الآية الكريمة من جرائم بنى إسرائيل بصورة مجملة قد جاء مفصلا في مواطن أخرى ومن ذلك قوله- تعالى-: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «1» .
ثم بين- سبحانه- لونا آخر من عنادهم وجحودهم فقال: وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ.
قال ابن كثير: وذلك أنهم حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاء به موسى- عليه السلام رفع الله على رءوسهم جبلا. ثم ألزموا فالتزموا، وسجدوا،
(1) سورة البقرة الآيات من 54، 56 وراجع تفسيرها في كتابنا (بنو إسرائيل في القرآن والسنة) ج 1 ص 462. [.....]
وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم. كما قال- تعالى-: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ.. الآية «1» .
وقوله- تعالى-: وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أى: وقلنا لهم على لسان أنبيائهم ادخلوا باب القرية التي أمرناكم بدخولها ساجدين لله، أى: ادخلوها متواضعين خاضعين لله، شاكرين له فضله وكرمه، ولكنهم خالفوا ما أمرهم الله مخالفة تامة.
والمراد بالقرية التي أمرهم الله بدخول بابها ساجدين: قيل: هي بيت المقدس وقيل:
إيلياء، وقيل: أريحاء. وقد أبهمها الله- تعالى- لأنه لا يتعلق بذكرها مقصد أو غرض. ولم يرد في السنة الصحيحة بيان لها.
وقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول هذه القرية ساجدين بصورة أكثر تفصيلا في سورتي البقرة والأعراف، فقال- تعالى- في سورة البقرة:
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً، وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، وَقُولُوا حِطَّةٌ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ 58 فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ 59.
وقوله: وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أى: وقلنا لهم كذلك لا تتجاوزوا الحدود التي أمركم الله بالتزامها في يوم السبت والتي منها: ألا تصطادوا في هذا اليوم، ولكنهم خالفوا أمر الله، وتحايلوا على استحلال محارمه.
وقصة اعتداء اليهود على محارم الله في يوم السبت قد جاء ذكرها في كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله- تعالى- في سورة البقرة: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ 65 فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ 66.
وقال- تعالى- في سورة الأعراف: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. الآية 163.
وقوله وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أى: وأخذنا منهم عهدا مؤكدا كل التأكيد، وموثقا كل التوثيق، بأن يعملوا بما أمرهم الله به، ويتركوا ما نهاهم عنه. ولكنهم نقضوا عهودهم، وكفروا بآيات الله، ونبذوها وراء ظهورهم.
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 573.
وأضاف- سبحانه- الأخذ إلى ذاته الكريمة تقوية لأمر هذا الميثاق، وتنويها بشأنه. وإشعارا بوجوب الوفاء به لأن ما أخذه الله على عباده من مواثيق من واجبهم أن يفوا بها إذ هو- سبحانه- وحده سيجازيهم على نكثهم ونقضهم لعهودهم.
ووصف- سبحانه- الميثاق الذي أخذه عليهم بالغلظ أى: بالشدة والقوة لأنه كان قويا في معناه وفي موضوعه وفي كل ما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام، ولأن نفوسهم كانت منغمسة في الجحود والعناد فكان من المناسب لها تأكيد العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها وفسوقها عن أمر الله.
ثم عدد- سبحانه- ألوانا أخرى من جرائمهم التي عاقبهم عليها عقابا شديدا فقال- تعالى-: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.
والفاء في قوله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ للتفريع على ما تقدم من قوله وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً والباء للسببية، وما هنا مزيدة لتأكيد نقضهم للميثاق. والجار والمجرور متعلق بمحذوف لتذهب نفس السامع في تقديره كل مذهب في التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقضين لعهودهم مع الله- تعالى- فيكون المعنى:
فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم وبسبب كفرهم بآياتنا، وبسبب قتلهم لأنبيائنا، وبسبب أقوالهم الكاذبة. بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من أنواع العقوبات الشديدة، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ذل ومهانة وصغار ومسخ.... إلخ.
ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله- تعالى- بعد ذلك حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
…
أى: فبسبب نقضهم للميثاق. وكفرهم بآيات الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم.
قال الفخر الرازي: واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان:
أحدهما: أن الكلام طويل جدا من قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ إلى قوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ.
الثاني: أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله- تعالى- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ عظيمة جدا. لأن كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وإنكارهم للتكليف بقولهم: قلوبنا غلف، أعظم الذنوب، وذكر الذنوب العظيمة، إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة، وتحريم
بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة» «1» .
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد لعن بنى إسرائيل كما جاء في قوله- تعالى- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ومسخهم قردة وخنازير كما جاء في قوله- تعالى- فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ وكما في قوله- تعالى- قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ.
وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التي سجلتها عليهم الآيات القرآنية والتي من أجمعها هذه الآيات التي معنا.
فالآيات التي معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق، ثم تسجل عليهم- ثانيا- كفرهم بآيات الله.
وقد عطف- سبحانه- كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذي أخذه عليهم مع أن ذلك الكفر من ثمرات النقض، للاشعار بأن النقض في ذاته إثم عظيم والكفر في ذاته إثم عظيم- أيضا- من غير التفات إلى أن له سببا أو ليس له سبب.
وسجل عليهم- ثالثا- قتلهم الأنبياء بغير حق. فقد قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من رسل الله- تعالى- ولا شك أن قتل الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى توغله في الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات عن وصفها، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر، ولا للخير أن يسود، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هي السائدة في الأرض.
وقوله: بِغَيْرِ حَقٍّ ليس قيدا لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبدا، وإنما المراد من قوله:
بِغَيْرِ حَقٍّ بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية في الظلم والفجور والتعدي. لأنهم قد قتلوا أنبياء الله بدون أى مسوغ يسوغ ذلك، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم
…
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله، فإن قلت: وقتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت. معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم- ولا عند غيرهم-، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم.
فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل «2» .
(1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 97
(2)
تفسير الكشاف ج 1 ص 416
ثم سجل عليهم- رابعا- قولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ.
وقوله: غُلْفٌ جمع أغلف- كحمر جمع أحمر- والشيء الأغلف هو الذي جعل عليه شيء يمنع وصول شيء آخر إليه.
والمعنى: أن هؤلاء الجاحدين قد قالوا عند ما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحق إن قلوبنا قد خلقها الله مغطاة بأغطية غليظة، وهذه الأغطية جعلتنا لا نعى شيئا مما تقوله يا محمد، ولا نفقه شيئا مما تدعونا إليه، فهم بهذا الكلام الذي حكاه القرآن عنهم، يريدون أن يتنصلوا من مسئوليتهم عن كفرهم، لأنهم يزعمون أن قلوبهم قد خلقها الله بهذه الطريقة التي حالت بينهم وبين فهم ما يراد منهم.
وقريب من هذا قوله- تعالى- حكاية عن المشركين: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ «1» .
وقيل: إن قوله: غلف: جمع غلاف- ككتب وكتاب- وعليه يكون المعنى: أنهم قالوا إن قلوبنا غلف أى أوعية للعلم شأنها في ذلك شأن الكتب، فلا حاجة بنا يا محمد إلى ما تدعونا إليه، لأننا عندنا ما يكفينا.
والذي يبدو لنا أن التأويل الأول أولى، لأنه أقرب إلى سياق الآية، فقد رد الله عليهم بقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. والطبع معناه. إحكام الغلق على الشيء وختمه بحيث لا ينفذ إليه شيء آخر.
والمعنى: أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون، وتخليهم عن مسئولية الكفر ليس صحيحا. لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق- كما يزعمون- بل الحق أن الله- تعالى- ختم عليها، وطمس معالم الحق فيها، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة. فهو- سبحانه- قد خلق القلوب على الفطرة، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر، واختاروا الكفر على الإيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم. فالله- تعالى- طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغي على سبيل الرشد، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله- تعالى-.
فقوله إِلَّا قَلِيلًا نعت لمصدر محذوف أى إلا إيمانا قليلا. كإيمانهم بنبوة موسى- عليه السلام وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله، لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر
(1) سورة فصلت. الآية 5
ببعضهم، يعتبره الإسلام كفرا بالكل كما سبق أن بينا في قوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا.
ومنهم من جعل قوله إِلَّا قَلِيلًا صفة لزمان محذوف أى: فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا.
ومنهم من جعل الاستثناء في قوله إِلَّا قَلِيلًا من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو في قوله فَلا يُؤْمِنُونَ أى: فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه. والجملة الكريمة وهي قوله: طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ معترضة بين الجمل المتعاطفة. وقد جيء بها للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة، وأقاويلهم الباطلة.
ثم سجل عليهم- خامسا وسادسا- جريمتين شنيعتين فقال: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً.
والمراد بالكفر هنا: كفرهم بعيسى- عليه السلام وهو غير الكفر المذكور قبل ذلك في قوله: طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ لأن المراد به هنا مطلق الجحود الذي لا يجعل الشخص يستقر على شيء، فهو إنكار مطلق للحق.
وقد أشار إلى هذا المعنى الآلوسى بقوله: وقوله: وَبِكُفْرِهِمْ عطف على بِكُفْرِهِمْ الذي قبله- وهو قوله- تعالى- بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ- ولا يتوهم أنه من عطف الشيء على نفسه ولا فائدة فيه لأن المراد بالكفر المعطوف: الكفر بعيسى. والمراد بالكفر المعطوف عليه: إما الكفر المطلق. أو الكفر بمحمد- صلى الله عليه وسلم لاقترانه بقوله- تعالى- قُلُوبُنا غُلْفٌ. وقد حكى الله عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له- عليه الصلاة والسلام في مواضع. ففي العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية ويجوز أن يكون قوله:
وَبِكُفْرِهِمْ معطوف على قوله فَبِما نَقْضِهِمْ «1» .
والبهتان: هو الكذب الشديد الذي لا تقبله العقول، بل يحيرها ويدهشها لغرابته وبعده عن الحقيقة. يقال: بهت فلان فلانا، إذا قال فيه قولا يدهشه ويحيره لغرابته وشناعته في الكذب والافتراء.
والمعنى: إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم، كفرهم بعيسى- عليه السلام، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. وافتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى، ورميهم لها بما هي بريئة منه، وغافلة عنه، فقد اتهموها بالفاحشة
(1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 9
لولادتها لعيسى من غير أب. وقد برأها الله- تعالى- مما نسبوه إليها. في قوله- تعالى- وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها، فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ «1» .
وقوله: بُهْتاناً منصوب على أنه مفعول به لقوله- تعالى- وَقَوْلِهِمْ، فإنه متضمن معنى كلام نحو: قلت خطبة وشعرا. ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أى: وبكفرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا. أو هو مصدر في موضع الحال أى: مباهتين. ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية في الكذب والافتراء.
ثم سجل عليهم بعد ذلك رذيلة سابعة ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويفضحهم على رءوس الأشهاد في كل زمان ومكان فقال: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ، وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ والمسيح: لقب تشريف وتكريم لعيسى- عليه السلام قيل: لقب بذلك لأنه ممسوح من كل خلق ذميم. وقيل: لأنه مسح بالبركة كما في قوله- تعالى-: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل لأن الله مسح عنه الذنوب.
أى: وبسبب قولهم على سبيل التبجح والتفاخر إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، لعنهم الله وغضب عليهم، كما لعنهم وغضب عليهم- أيضا- بسبب جرائمهم السابقة.
وهذا القول الذي صدر عنهم هو في ذاته جريمة لأنهم قالوه على سبيل التبجح والتفاخر لقتلهم- في زعمهم- نبيا من أنبياء الله، ورسولا من أولى العزم من الرسل. وقولهم هذا وإن كان يخالف الحقيقة والواقع، إلا أنه يدل على أنهم أرادوا قتله فعلا، وسلكوا كل السبل لبلوغ غايتهم الدنيئة، فدسوا عليه عند الرومان، ووصفوه بالدجل والشعوذة، وحاولوا أن يسلموه لأعدائه ليصلبوه، بل زعموا أنهم أسلموه فعلا لهم، ولكن الله- تعالى- خيب سعيهم، وأبطل مكرهم، وحال بينهم وبين ما يشتهون، حيث نجى عيسى- عليه السلام من شرورهم، ورفعه إليه دون أن يمسه سوء منهم.
ولا شك أن ما صدر عن اليهود في حق عيسى- عليه السلام من محاولة قتله، واتخاذ كل وسيلة لتنفيذ غايتهم، ثم تفاخرهم بأنهم قتلوه وصلبوه، لا شك أن كل ذلك يعتبر من أكبر الجرائم لأنه من المقرر في الشرائع والقوانين أن من شرع في ارتكاب جريمة من الجرائم واتخذ كل الوسائل لتنفيذها، ولكنها لم تتم لأمر خارج عن إرادته، فإنه يعد من المجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد.
(1) سورة التحريم الآية 12
واليهود قد اتخذوا كافة الطرق لقتل عيسى- عليه السلام كما بينا-، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون لأسباب خارجة عن طاقتهم. ومعنى هذا أنه لو بقيت لهم أية وسيلة لإتمام جريمتهم النكراء لما تقاعسوا عنها، ولأسرعوا في تنفيذها فهم يستحقون عقوبة المجرم في تفكيره، وفي نيته، وفي شروعه الأثيم، لارتكاب ما نهى الله عنه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى- عليه السلام أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ؟
قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم، رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله: لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً «1» .
وقوله- تعالى- وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ رد على مزاعمم الكاذبة، وأقاويلهم الباطلة التي تفاخروا بها بأنهم قتلوا عيسى- عليه السلام. أى: إن ما قاله اليهود متفاخرين به، وهو زعمهم أنهم قتلوا عيسى- عليه السلام، هو من باب أكاذيبهم المعروفة عنهم فإنهم ما قتلوه، وما صلبوه ولكن الحق أنهم قتلوا رجلا آخر يشبه عيسى- عليه السلام في الخلقة فظنوه إياه وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا. إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله.
قال الفخر الرازي: قوله: شُبِّهَ مسندا إلى ماذا؟ إن جعلته مسندا إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر؟ والجواب من وجهين:
الأول: أنه مسند إلى الجار والمجرور. وهو كقولك: خيل إليه. كأنه قيل: ولكن وقع لهم الشبه. الثاني: أن يسند إلى ضمير المقتول، لأن قوله: وَما قَتَلُوهُ يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق فحسن إسناد شُبِّهَ إليه «2» .
وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه، فأكذبهم الله- تعالى- في ذلك وقال: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. أى:
شبه لهم المقتول بأن ألقى عليه شبه المسيح فلما دخلوا عليه ليقتلوه- أى ليقتلوا المسيح- وجدوا الشبيه فقتلوه وصلبوه، يظنونه المسيح وما هو في الواقع، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء، ونجاه من شر الأعداء.
(1) وتفسير الكشاف ج 1 ص 587
(2)
تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 99
وقيل المعنى: ولكن التبس عليهم الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما أوهمهم بذلك أحبارهم «1» .
هذا، وللمفسرين في بيان كيفية التشبيه لهم وجوه من أهمها اثنان:
الأول: أن الله- تعالى- ألقى شبه عيسى- عليه السلام على أحد الذين خانوه ودبروا قتله وهو (يهوذا الإسخربوطى) الذي كان عينا وجاسوسا على المسيح، والذي أرشد الجند الذين أرادوا قتله إلى مكانه، وقال لهم: من أقبله أمامكم يكون هو المسيح، فاقبضوا عليه لتقتلوه، فدخل بيت عيسى ليدلهم عليه ليقتلوه فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى.
وهذا الوجه قد جاء مفصلا في بعض الأناجيل وأشار إليه الآلوسى بقوله: كان رجل من الحواريين ينافس عيسى- عليه السلام فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، وأخذ على ذلك ثلاثين درهما، فدخل بيت عيسى- عليه السلام فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه، وهم يظنون أنه عيسى «2» .
الثاني: أن الله- تعالى- ألقى شبه المسيح على أحد تلاميذه المخلصين حينما أجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه سيرفعه إليه، فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم أنا. فألقى الله صورة عيسى عليه، فقتل ذلك الرجل وصلب.
وقد أطال الإمام ابن كثير في ذكر الروايات التي تؤيد هذا الوجه، ومنها قوله: عن ابن عباس قال: لما أراد الله- تعالى- أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فقال لهم إن منكم من يكفر بعدي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي.
قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معى في درجتي؟
فقام شاب من أحدثهم سنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال: أنا. فقال له عيسى، هو أنت ذاك.
فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح عن ابن عباس، ورواه النسائي عن أبى كريب عن أبى معاوية، وقال
(1) تفسير صفوة البيان ص 178 لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين مخلوف.
(2)
تفسير الآلوسى ج 6 ص 10.
غير واحد من السلف: إنه قال لهم. أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة
…
؟ «1» .
والذي يجب اعتقاده بنص القرآن الكريم أن عيسى- عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله إليه، ونجاه من مكر أعدائه، أما الذي قتل وصلب فهو شخص سواه.
ثم قال- تعالى-: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. أى: وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل الكتاب لفي شك دائم من حقيقة أمره. أى: في حيرة وتردد، ليس عندهم علم ثابت قطعى في شأنه، أو في شأن قتله، ولكنهم لا يتبعون فيما يقولونه عنه إلا الظن الذي لا تثبت به حجة. ولا يقوم عليه برهان.
ولقد اختلف أهل الكتاب في شأن عيسى اختلافا كبيرا. فمنهم من زعم أنه ابن الله.
وادعى أن في عيسى عنصرا إلهيا مع العنصر الإنسانى. وأن الذي ولدته مريم هو العنصر الإنسانى. ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإلهى.
ومنهم من قال: إن مريم ولدت العنصرين معا.
ولقد اختلفوا في أمر قتله. فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبا فقتلناه قتلا حقيقيا، وتردد آخرون فقالوا: إن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا. وإن كان المقتول صاحبنا فأين عيسى؟
وقال آخرون: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا.
إلى غير ذلك من خلافاتهم التي لا تنتهي حول حقيقة عيسى وحول مسألة قتله وصلبه «2» .
فالمراد بالموصول في قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا ما يعم اليهود والنصارى جميعا. والضمير في قوله (فيه) يعود إلى عيسى- عليه السلام.
وقوله مِنْهُ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة الشك.
قال الآلوسى: وأصل الشك أن يستعمل في تساوى الطرفين، وقد يستعمل في لازم معناه وهو التردد مطلقا، وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا. ولذا أكده بنفي العلم الشامل لذلك أيضا بقوله- سبحانه-: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ «3» .
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص
(2)
إذا أردت المزيد من معرفة هذه المسألة فراجع تفسير القاسمى ج 5 ص 1629 إلى ص 1716. وتفسير المنار ج 6 من ص 23 إلى 59
(3)
تفسير الآلوسى ج 6 ص 11
وقوله إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ الراجح أن الاستثناء فيه منقطع، أى ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن.
وقيل: هو متصل، لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين.
ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما فكيف يكونون شاكين ظانين؟ قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة ظنوا.
ولم يرتض هذا الجواب صاحب الانتصاف فقال: وليس في هذا الجواب شفاء الغليل.
والظاهر- والله أعلم- أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك في أمره والتردد، فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم، ثم كانوا لا يخلون من ظن في بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرتفعون إلى العلم فيه البتة. وكيف يعلم الشيء على خلاف ما هو به؟ فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة في الظن نافية عنهم ما يترقى عن الظن «1» .
وقوله: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً تأكيد لنجاة عيسى مما يزعمونه من قتلهم له، وبيان لما أكرمه الله به من رعاية وتشريف.
واليقين: هو العلم الجازم الذي لا يحتمل الشك والضمير في قوله وَما قَتَلُوهُ لعيسى.
وقوله يَقِيناً ذكر النحاة في إعرابه وجوها من أشهرها: أنه نعت لمصدر محذوف مأخوذ من لفظ قتلوه: أى: ما قتلوه قتلا يقينا، أى متيقنين معه من أن المقتول عيسى عليه السلام وهذا فيه ترشيح للاختلاف والشك الذي اعتراهم.
أو هو حال مؤكدة لنفى القتل. أى انتفى قتلهم إياه انتفاء يقينا. فاليقين منصب على النفي. أى: أن: نفى كونه قد قتل أمر متيقن مؤكد مجزوم به، وليس ظنا كظنكم أو وهما كوهمكم يا معشر أهل الكتاب.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك بقوله: قوله: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أى: وما قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك في قولهم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ أو يجعل يَقِيناً تأكيدا لقوله: وَما قَتَلُوهُ كقولك: ما قتلوه حقا. أى حق انتفاء قتله حقا.
والمعنى: أن اليهود قد زعموا أنهم قتلوا عيسى- عليه السلام وزعمهم هذا أبعد ما يكون عن الحق والصواب، لأن الحق المتيقن في هذه المسألة أنهم لم يقتلوه، فقد نجاه الله من مكرهم،
(1) تفسير الكشاف وحاشيته ج 1 ص 857. [.....]
ورفع عيسى إليه، وكان الله عَزِيزاً. أى منيع الجناب، لا يلجأ إليه أحد إلا أعزه وحماه.
حَكِيماً في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور.
هذا، وجمهور العلماء على أن الله- تعالى- رفع عيسى إليه بجسده وروحه لا بروحه فقط قال بعض العلماء: والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له- عليه السلام هي في رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمر المقدر له «1» .
وفي بعضهم الرفع في قوله- تعالى- بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بأنه رفع بالروح فقط.
وقد بسطنا القول في هذه المسألة عند تفسيرنا لسورة آل عمران في قوله تعالى-: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ «2» .
وإِنْ هنا نافية بمعنى ما النافية، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه. أى: وما أحد من أهل الكتاب. وحذف أحد لأنه ملحوظ في كل نفى يدخله الاستثناء. نحو: ما قام إلا زيد. أى ما قام أحد إلا زيد.
وللمفسرين في تفسير هذه الآية اتجاهان:
الأول: أن الضمير في قوله قَبْلَ مَوْتِهِ يعود إلى عيسى- عليه السلام وعليه يكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى- عند نزوله في آخر الزمان- حق الإيمان، قَبْلَ مَوْتِهِ أى: قبل موت عيسى، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عيسى- عليه السلام عَلَيْهِمْ أى: على أهل الكتاب شَهِيداً فيشهد عليهم بأنه قد أمرهم بعبادة الله وحده، وأنه قد نهاهم عن الإشراك معه آلهة أخرى.
وقد انتصر لهذا الاتجاه كثير من المفسرين وعلى رأسهم شيخهم ابن جرير. فقد قال- بعد سرد الأقوال في الآية-: وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال. تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى «3» .
وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير بقوله: ولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح. لأن المقصود من سياق الآيات، بطلان ما زعمته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وبطلان تسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك. فقد أخبر الله- تعالى أن الأمر لم يكن
(1) تفسير صفوة البيان ص 109 لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف
(2)
راجع تفسير الآية الكريمة في سورة آل عمران.
(3)
تفسير ابن جرير ج 2 ص 23
كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك. ثم إن الله- تعالى- رفع إليه عيسى، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة.
ثم عقد ابن كثير فصلا عنونه بقوله: ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ثم ساق ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى منها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها» .
ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ «1» .
أما الاتجاه الثاني: فيرى أصحابه أن الضمير في قوله قَبْلَ مَوْتِهِ يعود إلى الكتابي المدلول عليه بقوله: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ. وعليه يكون المعنى:
وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته أى قبل موت هذا الكتابي، لأنه عند ساعة الاحتضار يتجلى له الحق، ويتبين له صحة ما كان ينكره ويجحده فيؤمن بعيسى- عليه السلام ويشهد بأنه عبد الله ورسوله، وأن الله واحد لا شريك له، ولكن هذا الإيمان لا ينفعه، لأنه جاء في وقت الغرغرة، وهو وقت لا ينفع فيه الإيمان، لانقطاع التكليف فيه.
قالوا: ويؤيد هذا التأويل قراءة أبى: إلا ليؤمنن به قبل موتهم- بضم النون وبميم الجمع-.
وقد صدر صاحب الكشاف كلامه بذكر هذا التأويل فقال ما ملخصه: والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى. وبأنه عبد الله ورسوله. يعنى: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه.
فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معالجة الإيمان به في وقت الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم.
وقيل: الضميران لعيسى بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله «2» .
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 577- بتصرف يسير-.
(2)
تفسير الكشاف ج 1 ص 589
والذي نراه أولى أنه لا تعارض بين التأويلين. فإن كلا منهما حق في ذاته.
فكل كتابي عند ما تحضره الوفاة يعلم أن عيسى كان صادقا في نبوته، وأنه عبد الله، وأنه قد دعا الناس إلى عبادة الله وحده. وكذلك كل كتابي يشهد نزول عيسى في آخر الزمان سيؤمن به ويتبعه ويشهد بأنه صادق فيما بلغه عن ربه.
ثم حكى- سبحانه- ألوانا أخرى من جرائم اليهود، وحكى بعض العقوبات التي حلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال- تعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
والفاء في قوله فَبِظُلْمٍ للتفريع على جرائمهم السابقة، والباء للسببية، والتنكير للتهويل والتعظيم. والجار والمجرور متعلق بحرمنا. وقدم الجار والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم.
والمعنى فبسبب ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، ولو أنهم لم يقعوا في هذا الظلم الشديد لما حرم الله عليهم هذه الطيبات التي هم في حاجة إليها.
والآية الكريمة تعليل لبعض العقوبات التي نزلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم، ومن ضروب هذا الظلم والبغي ما سجله الله عليهم قبل ذلك من نقض للمواثيق، ومن كفر بآيات الله.
وما سجله عليهم- أيضا- بعد ذلك من صد عن سبيل الله، ومن أخذ للربا وقد نهاهم الله عن أخذه.
وهذه الطيبات التي حرمها الله عليهم منها ما حكاه- سبحانه- في سورة الأنعام بقوله:
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ.
والتعبير عنهم بقوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا إيذان بشناعة ظلمهم، حيث إنهم وقعوا في هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة العجل. وقولهم: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أى: تبنا ورجعنا إليك يا ربنا.
وقوله أُحِلَّتْ لَهُمْ هذه الجملة صفة للطيبات فهي في محل نصب.
والمراد من وصفها بذلك. بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا ما ارتكبوا من موبقات.
أى: حرمنا عليهم طيبات كانت حلالا لهم، ثم حرمت عليهم بسبب بغيهم وظلمهم.
قال ابن كثير: يخبر- سبحانه- أنه بسبب ظلم اليهود، وبسبب ما ارتكبوه من ذنوب، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم. وقرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم. وهذا التحريم قد يكون قدريا. بمعنى أن الله قيضهم لأن يتأولوا في كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فحرموها على أنفسهم تضييقا، تنطعا. ويحتمل أن يكون شرعيا. بمعنى أنه- تعالى- حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك. كما قال- تعالى- كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ «1» .
وقوله: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً معطوف هو وما بعده من أخذهم الربا وغيره على الظلم الذي تعاطوه. من عطف الخاص على العام، لأن هذه الجرائم تفسير وتفصيل لظلمهم.
والصد والصدود: المنع. أى: وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق التي شرعها الله لعباده وصدهم غيرهم عنها صدا كثيرا، بسبب ذلك عاقبناهم وطردناهم من رحمتنا.
وقوله كَثِيراً صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو بِصَدِّهِمْ أى: وبصدهم عن سبيل الله جمعا كثيرا من الناس. أو صفة لمصدر محذوف، أى: وبصدهم عن سبيل الله صدا كثيرا. وقوله: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بيان للون آخر من رذائلهم وقبائحهم. أى: ومن أسباب تحريم بعض الطيبات عليهم ولعنهم، أخذهم الربا مع نهيهم عنه على ألسنة رسلنا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أى. على طريق الرشوة، والخيانة، والسرقة وغير ذلك من سائر الوجوه المحرمة.
وما حملهم على هذا الولوغ في المحرمات بشراهة وعدم مبالاة إلا أنانيتهم وبيعهم الدين بالدنيا. وقوله. وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ جملة حالية في محل نصب.
قال الآلوسي. وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا لأى النهى يدل على حرمة المنهي عنه، وإلا لما توعد- سبحانه- على مخالفته.
تلك هي بعض العقوبات التي عاقبهم الله بها في الدنيا. أما عقوبة هؤلاء اليهود في الآخرة فقد بينها- سبحانه- في قوله. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
أى. وهيأنا وأعددنا للكافرين من أولئك اليهود الذين فسدت نفوسهم عذابا موجعا أليما، جزاء ظلمهم وفسوقهم عن أمر الله.
وقوله لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ احتراس قصد به إخراج من آمن منهم من هذا العذاب الأليم،
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 485
لأن العذاب إنما هو للكافرين منهم فحسب، أما من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه فلهم أجرهم عند ربهم.
وقد أكد- سبحانه- هذا المعنى بعد ذلك، بأن أكرم من يستحق الإكرام منهم، وبشره بالأجر العظيم فقال، لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ، وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً.
وقوله الرَّاسِخُونَ جمع راسخ. ورسوخ الشيء ثباته وتمكنه. يقال شجرة راسخة، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف. والراسخ في العلم هو المتحقق فيه، الذي لا تؤثر فيه الشبهات، المتقن لما يعلمه إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق.
وقوله، لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ استدراك من قوله قبل ذلك وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً وبيان لكون بعض أهل الكتاب على خلاف حال عامتهم في العاجل والآجل.
والمعنى: إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق في الدنيا، ومن سوء عاقبة في الآخرة، لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أى الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها، ورسخت في نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده، أو هوى يبعث به، أو ريب يزعزعه.
وَالْمُؤْمِنُونَ أى منهم. وقد وصفوا بالإيمان بعد وصفهم بما يوجبه وهو الرسوخ في العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة بين المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي.
وقوله يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ خبر لقوله الرَّاسِخُونَ. أى هؤلاء الراسخون في العلم من أهل الكتاب والمؤمنون منهم بالحق، يؤمنون بما أنزل إليك من قرآن، ويؤمنون بما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من كتب سماوية على أنبياء الله ورسله.
وقوله: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح.
أى: وأمدح المقيمين الصلاة.
قال صاحب الكشاف: وقوله وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع. وقد فسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف: وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة
ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يرفوه من يلحق بهم وقيل: هو عطف على بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد الله: والمقيمون بالواو. وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي «1» .
وقوله: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ معطوف على الرَّاسِخُونَ أو على الضمير المرفوع في يُؤْمِنُونَ. أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً.
والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون في إيمانهم. فقد وصفهم- أولا- بالرسوخ في العلم، ثم وصفهم- ثانيا- بالإيمان الكامل بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات، ثم مدحهم- ثالثا- بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ثم وصفهم- رابعا- بإيتاء الزكاة لمستحقيها، ثم وصفهم- خامسا- بالإيمان بالله إيمانا حقا، وبالإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب.
وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين- سبحانه- حسن عاقبتهم فقال: أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً.
أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب، لأنهم جمعوا بين الإيمان الصحيح وبين العمل الصالح.
هذا. والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات التي تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة، وعن فنون من رذائلهم وقبائحهم
…
فأنت تراها- أولا- تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم للعهود والمواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وبهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
…
إلى غير ذلك من الرذائل التي سجلها الله عليهم.
ثم تراها- ثانيا- تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم، وعفوه عنهم، ونعمه عليهم، كما تذكرهم- أيضا- وتذكر الناس جميعا، ببعض العقوبات التي عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم.
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 590