الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
، أى: وإن تكفروا- أيها الناس- فلن يضر الله كفركم، فإنه- سبحانه- له ما في السموات والأرض خلقا وملكا وتصرفا، وكان الله- تعالى- عليما علما تاما بأحوال خلقه، حكيما في جميع أفعاله وتدبيراته.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد توعدت الكافرين بسوء المصير، وحضت الناس على الدخول في زمرة المؤمنين، وحذرتهم من الكفر حتى ينجوا يوم القيامة من عذاب السعير.
ثم وجهت السورة الكريمة بعد ذلك نداء إلى أهل الكتاب حذرتهم فيه من المغالاة في شأن عيسى- عليه السلام وبينت لهم وللناس أن عيسى إنما هو عبد الله ورسوله، وبشرت المؤمنين بالأجر الجزيل، وأنذرت المستكبرين بالعذاب الأليم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يرشد إلى كل ذلك فيقول:
[سورة النساء (4) : الآيات 171 الى 175]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (173) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175)
وقوله: لا تَغْلُوا أى: لا تتجاوزوا الحد المشروع. مأخوذ من الغلو، وهو- كما يقول القرطبي- التجاوز في الحد ومنه: غلا السعر يغلو غلاء. وغلا الرجل في الأمر غلوا. وغلا الجارية لحمها وعظمها، إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها- أى: أترابها- «1» .
وقد تجاوز أهل الكتاب الحد وغالوا في شأن عيسى. أما اليهود فقد أنكروا رسالته واتهموا أمه مريم بما هي منه بريئة.
وأما النصارى فقد رفعوا عيسى- عليه السلام إلى مرتبة فوق مرتبة البشرية، واعتبره بعضهم إلها، واعتبره بعض آخر منهم ابنا لله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
والمعنى: يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا الحد المشروع والمعقول في شأن دينكم، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الذي شرعه الله- تعالى-، وارتضته العقول السليمة.
وقد ناداهم- سبحانه- بعنوان أهل الكتاب. للتعريض بهم، حيث إنهم خالفوا كتبهم التي بين أيديهم.
والخطاب هنا وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى، إلا أن النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا، بدليل سياق الآية الكريمة، فقد ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى في شأن عيسى، ولذا قال ابن كثير ما ملخصه: قوله- تعالى- يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا: ينهى- سبحانه- أهل الكتاب عن الغلو والإطراء. وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على
(1) تفسير القرطبي ج 6 ص 21
دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء أكان حقا أم باطلا، أم ضلالا أم رشادا، ولهذا قال- تعالى- اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» «1» .
وقوله: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ من باب عطف الخاص على العام، للاهتمام بالنهى عن الافتراء الشنيع الذي افتروه على الله.
أى: لا تصفوه- سبحانه- بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تقولوا عليه- سبحانه- إلا القول الحق الثابت القائم على الدليل المقنع، والبرهان الواضح.
وعدى- سبحانه- قولهم بحرف على، لتضمنه معنى الافتراء والكذب، فقد قالوا قولا وزعموا أنه من دينهم، مع أن الأديان السماوية بريئة مما زعموه وافتروه.
ثم بين- سبحانه- القول الفصل في شأن عيسى فقال. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
أى: إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. أرسله- سبحانه- لهداية الناس إلى الحق، وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أى: أن عيسى مكون ومخلوق بكلمة من الله وهي كلمة (كن) من غير واسطة أب ولا نطفة. وهذه الكلمة ألقاها- سبحانه- إلى مريم، أى: أوصلها إليها بنفخ جبريل فيها فكان عيسى بإذن الله بشرا سويا.
وقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أى: ونفخة منه، لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل في درع مريم فكان عيسى بإذن الله. فنسب إلى أنه روح من الله، لأنه بأمره كان. وسمى النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح. قال- تعالى-: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ «2» .
وقيل المراد بقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أى: وذو روح من أمر الله، لأنه- سبحانه- خلقه كما يخلق سائر الأرواح.
وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة. كما في قوله- تعالى- وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أى: برحمة منه. وصدر- سبحانه الجملة الكريمة بأداة القصر (إنما) للتنبيه على أن عيسى- عليه السلام ليس إلا رسولا أرسله الله لهداية الناس إلى الحق.
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 905
(2)
سورة الأنبياء الآية 91
وذكره- سبحانه- بلقبه وباسمه وببنوته لمريم، للإشارة إلى أنه إنسان كسائر الناس، وبشر كسائر البشر، فهو مولود خرج من رحم أنثى كما يخرج الأولاد من أمهاتهم. وإذا كان لم يخرج من صلب أب، فيكفى أنه قد خرج من رحم أم، وكفى بذلك دليلا على بشريته.
قال بعض العلماء ما ملخصه: وقوله: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أى: خلقه بكلمة منه وهي (كن) كما خلق آدم. وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها، فقد خلق من غير بذر يبذر في رحم أمه، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد، وللأسباب التي تجرى بين الناس، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته (كن) وبذلك سمى كلمة الله.
وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته- تعلق باطل- فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد. وإنما سمى بذلك، لأنه نشأ بكلمة لا بمنى من الرجل يمنى....
وقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أى أنه- سبحانه- أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين. وقد يقال: إنه نشأ بروح منه- سبحانه- أى: أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال- تعالى-: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ «1» .
والرأى الأول أولى. وعلى ذلك يكون معنى قوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أى: أنه نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية، ونطفة تتشكل إنسانا، وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل
…
وسمى الله- تعالى- عيسى روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة، ولأنه غلبت عليه الروحانية..
وبهذا يزول الوهم الذي سيطر على عقول من غالوا في شأن عيسى فنحلوه ما ليس له، وما ليس من شأنه، إذ جعلوه إلها، أو ابن إله
…
«2» .
وقوله الْمَسِيحُ مبتدأ، وعِيسَى عطف بيان له أو بدل منه. وقوله ابْنُ مَرْيَمَ صفة له وقوله رَسُولُ اللَّهِ خبر للمبتدأ. وقوله وَكَلِمَتُهُ معطوف على ما قبله وهو رسول الله. أو قوله أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ جملة حالية من الضمير المجرور في كَلِمَتُهُ بتقدير قد، والعامل فيها معنى الإضافة. والتقدير: وكلمته ملقيا إياها إلى مريم.
(1) سورة السجدة الآيات من 7- 9
(2)
تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة، بمجلة لواء الإسلام السنة 18 العدد 9
وقوله وَرُوحٌ مِنْهُ معطوف على كَلِمَتُهُ والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لروح.
ومن لابتداء الغاية مجازا وليست تبعيضية، أى أن الروح كائن من عند الله- تعالى- ونافخ بإذنه.
وبعد أن بين- سبحانه- القول الحق في شأن عيسى، دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به وبجميع رسله. ونهاهم عن التمسك بالضلال والوهم فقال- تعالى- فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ. انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ، سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
والفاء في قوله: فَآمِنُوا للافصاح عن جواب شرط مقدر.
أى: إذا كان ذلك هو الحق في شأن عيسى، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم، ولا تغالوا في أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته..
وقوله: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ نهى لهم عن النطق بالكلام بالباطل.
أى: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة، أو المعبودات ثلاثة. فثلاثة خبر لمبتدأ محذوف وعبر- سبحانه- بقوله: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ بدل قوله- مثلا-: ولا تؤمنن بثلاثة لأن أمر الثلاثة قول يقولونه، فإن سألتهم عن معناه قالوا تارة معناه: الأب والإبن والروح القدس، أى أنهم ثلاثة متفرقون. وتارة يقولون معناه: أن الأقانيم «1» ثلاثة والذات واحدة.. إلى غير ذلك من الأقوال التي ما أنزل الله بها من سلطان.
قال صاحب الكشاف: والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة. وأن المسيح ولد الله من مريم. ألا ترى إلى قوله- تعالى-: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون: في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم
…
) «2» .
هذا، وقد أفاض بعض العلماء في الرد على مزاعم أهل الكتاب في عقائدهم «3» ..
وقوله: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ أمر لهم بسلوك الطريق الحق، والإقلاع عن الضلالات والأوهام.
(1) الأقانيم جمع الأفنوم- بضم الهمزة وسكون القاف- بمعنى الأصل أو الصف.
(2)
تفسير الكشاف ج 1 ص 594
(3)
راجع تفسير الآلوسى ج 6 من ص 26 إلى 36، وتفسير القاسمى ج 5 ص 1765
أى: انتهوا عما أنتم فيه من ضلال يا معشر أهل الكتاب، واتركوا القول بالتثليث، يكن انتهاؤكم خيرا لكم، بعبادتكم لله وحده تكونون قد خرجتم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية.
وقوله: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ إثبات لوحدانية الله- تعالى- بأقوى طريق. أى: إن المعبود بحق ليس إلا واحد، وهو الله- تعالى- ذو الجلال والإكرام، الخالق لهذا الكون، والمدبر لأمره.
وقوله: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ تنزيه له- جل وعلا- عن صفات المخلوقين، وتوبيخ لمن وصفه بصفات لا تليق به.
وسبحان منصوب بفعل مقدر من لفظه: أى: أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها عن أن يكون له ولد، لأن الأبوة والبنوة من صفات المخلوقين، وهو- سبحانه- منزه عن صفات المخلوقين، قال- تعالى-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وقوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه أى أنه- سبحانه- مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها، ولا يخرج عن ملكه منها شيء.
قال- تعالى- إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ومن كان شأنه كذلك تنزه عن أن يلد أو يولد أو يكون له شريك في ملكه.
وقوله: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا تذييل قصد به بيان سعة قدرته- سبحانه وهيمنته على هذا الكون. والوكيل: هو الحافظ والمدبر لأمر غيره.
أى: وكفى بالله وكيلا يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه.
ومفعول كفى محذوف للعموم. أى: كفى كل أحد وكالة الله وحفظه وتدبيره، فتوكلوا عليه وحده، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له.
ثم بين- سبحانه- أن المسيح عيسى- عليه السلام عبد من عباد الله- تعالى-، وأنه لن يستنكف أبدا عن عبادة الله والإذعان لأمره فقال: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
وأصل سْتَنْكِفَ
- يقول القرطبي: نكف، فالياء والسين والتاء زوائد. يقال: نكفت من الشيء واستنكفت منه وأنكفته أى: نزهته عما يستنكف منه. ومنه الحديث: سئل- رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبحان الله فقال: «إنكاف الله من كل سوء» .
يعنى: تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد.
قال الزجاج: استنكف أى: أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك.
ومنه الحديث «ما ينكف العرق عن جبينه» أى: ما ينقطع.
وقيل: هو من النّكف وهو العيب. يقال: ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا وكف. أى عيب. أى لن يمتنع المسيح ولن يتنزه عن العبودية لله- تعالى- ولن ينقطع عنها. ولن يعاب أن يكون عبدا لله تعالى «1» .
والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير ما سبقها من تنزيه لله- تعالى- عن أن يكون له ولد، وإثبات لوحدانيته- عز وجل وإفراده بالعبادة.
وقد روى المفسرون في سبب نزولها أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا يا محمد؟ قال: «ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى، قال صلى الله عليه وسلم: وأى شيء قلت؟ قالوا تقول: إنه عبد الله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله» «2» .
والمعنى: لن يأنف المسيح ولن يمتنع عن أن يكون عبدا لله، وكذلك الملائكة المقربون لن يأنفوا ولن يمتنعوا عن ذلك، فإن خضوع المخلوقات لخالقها شرف ليس بعده شرف. والله- تعالى- ما خلق الخلق إلا لعبادته وطاعته.
قال- تعالى- وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ.
وصدر- سبحانه- الجملة بحرف (لن) المفيدة للنفي المؤكد، لبيان أن عدم استنكاف المسيح والملائكة المقربين عن عبادة الله والخضوع له أمر مستمر وثابت ثبوتا لا شك فيه، لأنه- سبحانه- هو الذي خلق الخلق ورزقهم. ومن حقه عليهم أن يعبدوه، ويذعنوا لأمره، بل ويشعروا باللذة والأنس والشرف لعبادتهم له- سبحانه- كما قال الشاعر الحكيم:
ومما زادني عجبا وتيها
…
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
…
وجعلك خير خلقك لي نبيا
هذا، وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وممن فهم هذا الفهم الإمام الزمخشري فقد قال:
وقوله: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
أى: لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة، (من نكفت الدمع إذا نحيته عن خدك بإصبعك) لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
أى: ولا من هو أعلى منه قدرا،
(1) تفسير القرطبي ج 6 ص 26- بتصرف يسير-. [.....]
(2)
تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 117.
وأعظم منه خطرا وهم الملائكة الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم.
ثم قال: فإن قلت: من أين دل قوله لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
على أن المعنى: ولا من فوقه؟ قلت: من حيث إن علم المعاني لا يقتضى غير ذلك. وذلك أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع عيسى عن منزلة العبودية. فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أعلى منه درجة. فكأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة، تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة «1» .
وهذا الفهم الذي اتجه إليه الزمخشري من أن الملائكة أفضل من الأنبياء، لم يوافقه عليه أكثر العلماء، فقد قال الإمام ابن كثير:
وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال:
لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
. وليس له في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع. والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل إنما ذكروا لأن بعض الناس اتخذهم آلهة مع الله كما اتخذ الضالون المسيح إلها أو ابنا لله. فأخبر- سبحانه- أنهم عبيد من عباده، وخلق من خلقه «2» .
وقد حاول بعض العلماء أن يجعل الآية الكريمة بعيدة عن موطن النزاع فقال: وعندي أن الترقي قائم، ولكن في المعنى الذي سيق له الكلام. وذلك أن النصارى غلوا غلوا كبيرا في المسيح، لأنه ولد من غير أب، ولأنه جرت على يديه معجزات كثيرة، ولأنه روحانى المعاني، فيبين الله- تعالى- أنه مع كل هذا لن يستنكف أن يكون عبد الله، ولا يستنكف من هو أعلى منه في هذه المعاني أن يكون عبدا لله، وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا أم. وأجرى على أيديهم ما هو أشد وأعظم من معجزات، ومنهم من كان الروح الذي نفخ في مريم، وهم أرواح طاهرة مطهرة. فكان الترقي في هذه المعاني، وهم فيها يفضلون عيسى وغيره. وبذلك تكون الآية بعيدة عن الأفضلية المطلقة، فلا تدل على أفضلية الملائكة على الرسل في المنزلة عند الله. وتكون الآية بعيدة عن موطن الخلاف، والترقي دائما يكون في المعاني التي سيق لها الكلام دون غيرها. وليس المتأخر أعلى في ذاته من المتقدم وأفضل، ولكنه أعلى في الفعل الذي كان فيه كقول القائل: لا تضرب حرا ولا عبدا. فالتدرج هنا في النهى عن الضرب، لأنه إذا كان
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 595.
(2)
تفسير ابن كثير ج 1 ص 591.
ضرب العبد غير جائز فأولى أن يكون ضرب الحر غير جائز.
وذكر وصف المقربين، لأنهم إذا كانوا لا يستنكفون فأولى بذلك غيرهم «1» .
ثم هدد- سبحانه- كل من يمتنع عن عبادته والخضوع له فقال: مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً.
أى: ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها، ويأبى الخضوع لطاعة الله ويستكبر عن كل ذلك، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب استنكافه واستكباره، فإن مرد العباد جميعا إليه- سبحانه- وسيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
فالضمير في قوله سَيَحْشُرُهُمْ
يعود إلى المستنكفين والمستكبرين وإلى غيرهم من المؤمنين المطيعين بدليل أن الحشر عام للمؤمنين والكافرين، وبدليل التفصيل المفرع على هذا الحشر في قوله- تعالى- بعد ذلك:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أى: أن مرجع العباد جميعا إلى الله من استكبر عن عبادته وامتنع ومن لم يفعل ذلك بل آمن وأطاع.
فأما الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، ولم يستنكفوا ولم يستكبروا، فسيعطيهم- سبحانه- ثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، ويزيدهم على ذلك شيئا عظيما من الرضا والفضل ومضاعفة الأجر. وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادة الله وطاعته فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً لا يحيط به الوصف وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا أى أحدا يدافع عنهم ويلي أمورهم، ولا يجدون كذلك «نصيرا» ينصرهم وينجيهم من عذاب الله وبأسه.
وبعد هذا الوعد والوعيد والتبشير والإنذار، والترغيب والترهيب، وجه- سبحانه- نداء عاما إلى الناس أمرهم فيه باتباع طريق الحق فقال- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً.
والمراد بالبرهان هنا الدلائل والمعجزات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه.
ويصح أن يكون المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وسماه- سبحانه- بذلك بسبب ما أعطاه من البراهين القاطعة التي شهدت بصدقه صلى الله عليه وسلم، والمراد بالنور المبين: القرآن الكريم.
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى، وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب. ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
(1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد العاشر.
والبرهان: هو محمد صلى الله عليه وسلم وإنما سماه برهانا، لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل. والنور المبين هو القرآن الكريم. وسماه نورا، لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب «1»
…
ومِنْ في قوله: مِنْ رَبِّكُمْ لابتداء الغاية مجازا، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لبرهان. أى: قد جاءكم برهان كائن من ربكم.
وفي وصف البرهان بأنه من الله- تعالى-، تقوية وتشريف لمعنى البرهان، لأنه ما دام قد جاء من عند من له الخلق والأمر- سبحانه- فلا بد أن يكون برهانا صادقا مقنعا لمن يريد أن يتبع الحق.
وقال- سبحانه- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ بإسناد الإنزال إلى ذاته- تعالى-، للإشارة إلى أنه هو مصدر الإنزال.
وقال إِلَيْكُمْ مع أن المنزل عليه هو النبي صلى الله عليه وسلم للإشعار بكمال اللطف بهم، وللمبالغة في إزالة أعذارهم.
ووصف الشرائع والمواعظ والآداب والحكم التي اشتمل عليها القرآن الكريم بالنور المبين أى الواضح الظاهر، لأن هذه الشرائع والآداب. لا يخفى صدقها واشتمالها على الحق إلا على من انطمست بصيرته، وفسدت مداركه.
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة المستجيبين للحق، السالكين الطريق المستقيم، فقال:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً.
أى: أن الله- تعالى- قد أرسل إلى الناس رسوله وأنزل عليهم بواسطته قرآنه، فمنهم من آمن واهتدى، ومنهم من كفر وغوى، فأما الذين آمنوا بالله- تعالى- حق الإيمان، واعتصموا به- سبحانه- مما يضرهم ويؤذيهم، فلم يستجيروا إلا به، ولم يخضعوا إلا له، ولم يعتمدوا إلا عليه.
هؤلاء الذين فعلوا ذلك سيدخلهم الله- تعالى في رحمة منه وفضل أى سيدخلهم في جنته ورضوانه، ويضفى عليهم من فضله وإحسانه بما يشرح صدورهم، ويبهج نفوسهم، ويصلح بالهم.
وقوله وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً أى: ويوفقهم في دنياهم إلى سلوك الطريق الحق وهو
(1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 119- طبعة عبد الرحمن محمد.