الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استقرارها، وعلاج ما يكون بين الزوجين من أسباب النزاع
…
بعد هذا البيان الحكيم عن ذلك أخذت السورة الكريمة في دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى التحلي بمكارم الأخلاق، ونهتهم عن الإشراك بالله- تعالى-، وعن الغرور والبخل والرياء، وغير ذلك من الأعمال التي ترضى الشيطان وتغضب الرحمن فقال- تعالى-:
[سورة النساء (4) : الآيات 36 الى 42]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40)
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42)
قال القرطبي ما ملخصه: أجمع العلماء على أن هذه الآية- وهي قوله- تعالى- وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً- من المحكم المتفق عليه- ليس منها شيء منسوخ. وكذلك هي في جميع الكتب. ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب. والعبودية هي التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار. فالآية أصل في خلوص الأعمال لله وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره. وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله- تعالى- أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه» «1» .
والمعنى: عليكم أيها الناس أن تخلصوا لله- تعالى- العبادة والخضوع، وأن تتجهوا إليه وحده في كل شئونكم بدون أن تتخذوا معه أى شريك لا في عقيدتكم ولا في عبادتكم ولا في أقوالكم ولا في أعمالكم، كما قال- تعالى- وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ.
وهذه العبادة الخالصة لله- تعالى- هي حقه- سبحانه- علينا، فهو الذي خلقنا وهو الذي رزقنا وهو المتفضل علينا في جميع الحالات.
روى البخاري عن معاذ بن جبل قال: كنت ردف النبي- صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفيرة.
فقال: يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فان حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا) .
وقد صدر- سبحانه- تلك الوصايا الحكيمة التي اشتملت عليها الآية الكريمة بالأمر بعبادته والنهى عن أن نشرك به شيئا، لأن إخلاص العبادة له أساس الدين، ومداره الأعظم الذي بدونه لا يقبل الله من العبد عملاما، ولأن في ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن تلك الوصايا التي سيقت بعد ذلك، إذ قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها عظمة وجلالا.
وعطف النهى عن الشرك على الأمر بالعبادة لله- تعالى- من باب عطف الخاص على
(1) تفسير القرطبي ج 5 ص 180
.
العام، لأن الإشراك ضد التوحيد فيفهم من النهى عن الإشراك الأمر بالتوحيد.
ثم أوصى- سبحانه- بالإحسان إلى الوالدين فقال: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.
أى: عليكم أن تخلصوا لله العبادة ولا تشركوا معه شيئا، وعليكم كذلك أن تحسنوا إلى الوالدين بأن تطيعوهما وتكرموهما وتستجيبوا لمطالبهما التي يرضاها الله، والتي في استطاعتكم أداؤها.
وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله، لأن أحق الناس بالاحترام والطاعة بعد الله- عز وجل هما الوالدان لأنهما هما السبب المباشر في وجود الإنسان.
ومن الآيات التي قرنت الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بطاعة الله قوله- تعالى-:
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.
وقوله- تعالى-: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.
وقوله- تعالى-: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.
ومن الأحاديث التي أمرت بالإحسان إلى الوالدين ونهت عن الإساءة إليهما ما رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين» .
وروى أبو داود والبيهقي عن رجل من بنى سلمة أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله هل بقي على من بر أبوى شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم. الصلاة عليهما.
والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما» «1» .
وقد جاءت هذه الجملة وهي قوله تعالى وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً في صورة الخبر إلا أن المراد بها الأمر بالإحسان إليهما، ففي الكلام محذوف والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فقوله وبالوالدين متعلق بالفعل المقدر.
ثم أمر- سبحانه- بالإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين فقال: وبذي القربى واليتامى والمساكين.
أى وأحسنوا كذلك إلى أقاربكم الذين جمعت بينكم وبينهم رابطة القرابة والنسب، وإلى اليتامى الذين فقدوا الأب الحانى بأن تعطفوا عليهم، وترحموا ضعفهم، وتحسنوا تربيتهم
(1) التاج الجامع للأصول ج 5 ص 6 للشيخ منصور على ناصف.
ورعايتهم. وإلى المساكين الذين هم في حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم وضعفهم وعدم وجود ما يقوم بكفايتهم.
وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو المسلمين إلى الإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، ومن ذلك قوله- تعالى- وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ.
وقوله- تعالى- وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً.
ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» ، وروى الشيخان أيضا عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى- أى أشار وفرج بين إصبعيه السبابة والوسطى» .
وروى البخاري وغيره عن صفوان بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل» «1» .
ثم أمر- سبحانه- بالإحسان إلى طائفة أخرى من الناس فقال- تعالى-: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ.
والجار ذو القربى: هو الجار الذي قرب جواره. أو هو الذي له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين، فإن له مع حق الجوار حق القرابة.
والجار الجنب: هو الجار الذي بعد جواره عن جوارك من الجنابة ضد القرابة. يقال:
اجتنب فلان فلانا إذا بعد عنه. وقيل هو الجار الذي لا قرابة في النسب بينه وبين جاره، ويقابله الجار ذو القربى.
وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الجملة أكثر من عشرة أحاديث تتعلق بالإحسان إلى الجار ومنها ما رواه الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» .
وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» «2» .
والصاحب بالجنب: هو الرفيق في كل أمر حسن: كتعليم أو تجارة أو سفر أو غير ذلك.
(1) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ج 5 ص 9 وما بعدها.
(2)
تفسير ابن كثير ج 1 ص 494
قال صاحب الكشاف: «والصاحب بالجنب: هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان.
وقيل: الصاحب بالجنب المرأة» «1» وابن السبيل: هو المسافر الذي انقطع عن بلده، ونفد ما في يده من مال يوصله إلى مبتغاه.
والسبيل: الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه وملابسته له.
ومن الإحسان إليه. إيواؤه وإطعامه ومساعدته بما يوصله إلى موطنه.
والمراد بقوله وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ العبيد الأرقاء الذين ملكت رقابهم، فصاروا ضعاف الحيلة لامتلاك غيرهم لهم.
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان إليهم في كثير من الأحاديث ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجة عن على بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعل يوصى أمته في مرض موته فيقول:
الصلاة الصلاة. اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» .
وروى الإمام أحمد والنسائي عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة. وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة. وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة. وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة) .
وروى الشيخان عن أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هم إخوانكم خولكم. جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم» «2» وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أمرت الناس بإخلاص العبادة لله- تعالى-، كما أمرتهم بالإحسان إلى آبائهم وإلى أقاربهم وإلى البائسين والمحتاجين وغيرهم ممن هم في حاجة إلى مدّ يد العون والمساعدة.
وبتنفيذ هذه الوصايا السامية تسعد الإنسانية، وتنال ما تصبو إليه من رقى واستقرار.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً.
والمختال: هو المتكبر المعجب بنفسه: سمى بذلك لأنه يتخيل لنفسه من السجايا والصفات
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 509
(2)
تفسير ابن كثير ج 1 ص 495.
والأفعال ما ليس فيه فيستعلى على الناس ولا يلتفت إليهم.
والفخور: هو الشديد الفخر بما يقول أو يفعل، المكثر من ذكر مزاياه ومناقبه، والمحب لأن يحمد بما لم يفعل.
أى: إن الله لا يحب من كان متكبرا معجبا بنفسه، ومن كان كثير الفخر بما يقول أو يفعل لأن من هذه صفاته لا يقوم برعاية حقوق الناس بل إن غروره ليجعله يستنكف عن الاتصال بهم وإن فخره ليحمله على التطاول عليهم.
والجملة الكريمة علة لكلام محذوف والتقدير: لا تفتخروا ولا تختالوا فإن الله لا يحب من كان متصفا بهذه الصفات القبيحة.
وقوله الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ يدل من قوله مُخْتالًا فَخُوراً أى: أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.
ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر والتقدير: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله مبغضون من الله أو أحقاء لكل ما ينزل بهم من عذاب.
وحذف لتذهب نفس السامع فيه كل مذهب. ودل على هذا الخبر المحذوف قوله: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا على الذم. إلى غير ذلك مما ذكروه في وجوه إعراب هذه الآية الكريمة.
والمعنى: أن الله- تعالى- لا يحب هؤلاء المختالين والفخورين، ولا يحب كذلك الذين لا يكتفون بالبخل بأموالهم عن إنفاق شيء منها في وجوه الخير مع أن بخلهم هذا مفسدة عظيمة. بل يأمرون غيرهم بأن يكونوا بخلاء مثلهم، وأن يسلكوا مسلكهم الذميم.
قال صاحب الكشاف: أى يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدى غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد منه السخاء. وفي أمثال العرب أبخل من الضنين بنائل غيره.
ثم قال: ولقد رأينا ممن بلى بداء البخل، من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد، شخص به، أى قلق وضجر، وحل حبوته واضطرب ودارت عيناه في رأسه. كأنما نهب رحله، وكسرت خزائنه ضجرا من ذلك وحسرة على وجوده» «1» .
وقوله: وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة أى:
أنهم يبخلون بما في أيديهم ويأمرون غيرهم بذلك، ويكتمون ويخفون نعم الله التي أعطاها لهم
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 510.
فلا يظهرونها سواء أكانت هذه النعم نعما مالية أم علمية أم غير ذلك من نعم الله عليهم.
وقوله- تعالى- وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً بيان للمصير السيئ الذي يصيرون إليه بسبب أفعالهم القبيحة.
أى: وهيأنا لهؤلاء الجاحدين لنعم الله الكافرين بوحيه عذابا يهينهم ويذلهم وينسيهم ما كانوا فيه من فخر وخيلاء وغرور.
قال الآلوسى ما ملخصه: ووضع- سبحانه- المظهر موضع المضمر للإشعار بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله، ومن كان كافرا لنعمه فله عذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإخفاء.
وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار فيقولون لهم:
لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله قوله- تعالى- الَّذِينَ يَبْخَلُونَ إلى قوله: وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً.
وقيل نزلت في الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبخلوا بحق الله عليهم وهم أعداء الله- تعالى- أهل الكتاب «1» .
وقوله- تعالى وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ معطوف على الَّذِينَ يَبْخَلُونَ.
وإنما شاركوهم في الذم وسوء العاقبة لأن البخل بإظهار نعم الله في مواضع الخير وكتمانها، يستوي مع الإنفاق الذي لا يقصد به وجه الله في القبح واستجلاب العقاب، إذ أن الذي ينفق ماله على سبيل الرياء والسمعة لا يتوخى به مواقع الحاجة، فقد يعطى الغنى ويمنع الفقير، وقد يبذل الكثير من المال ولكن في المفاسد والشرور والمظاهر الكاذبة.
والمعنى: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أى قاصدين بإنفاقهم الرياء والسمعة لا وجه الله- تعالى- ولا يؤمنون بالله الذي له الخلق والأمر، ولا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب
…
هؤلاء الذين يفعلون ذلك يبغضهم الله- تعالى-، ويجازيهم بما يستحقون من عذاب أليم.
روى مسلم عن أبى هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله- تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك معى فيه غيرى تركته وشركه.
وقوله وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً جملة معترضة لبيان أن صحبتهم للشيطان
(1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 30.
ومطاوعتهم له هي التي دفعتهم إلى البخل وإلى الرياء وإلى عدم الإيمان بالحق الذي آمن به العقلاء من الناس.
والمراد بالشيطان هنا: كل ما يغرى الإنسان بالشر ويدفعه إليه من الإنس أو الجن.
والقرين: هو المصاحب الملازم للإنسان. فهو فعيل بمعنى مفاعل، كخليط بمعنى المخالط.
وساء هنا: بمعنى بئس. وقرينا تمييز مفسر للضمير المستكن في ساء. والمخصوص بالذم محذوف وهو الشيطان الذي يدفع الإنسان إلى الشرور والآثام.
والمعنى ومن يكن الشيطان مقارنا ومصاحبا له فبئس المصاحب وبئس المقارن الشيطان لأنه يدعوه إلى المعاصي التي تفضى به إلى النار.
وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن قرناء السوء يفسدون الأخلاق: لأن عدوى الأخلاق تسرى بالمجاورة، كما تسرى عدوى الأمراض البدنية.
والمقصود من الجملة الكريمة نهى الناس عن طاعة شياطين الإنس والجن الذين يحرضون على ارتكاب الفواحش والقبائح، ويزينون لأتباعهم الشرور والآثام.
ثم وبخ- سبحانه- هؤلاء الذين يؤثرون رضا الناس على رضا الله، والذين كفروا بالحق بعد إذ جاءهم فقال-: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ.
والمعنى: وأى ضرر على هؤلاء الكافرين البخلاء المرائين لو أنهم آمنوا بالله- تعالى- حق الإيمان، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وأنفقوا مما رزقهم الله من فضله ابتغاء وجهه؟.
إنه لا ضرر مطلقا من إيمانهم وإنفاقهم واستجابتهم للحق، بل إن الخير كل الخير في اتباع ذلك، والشر كل الشر فيما هم عليه من كفر وبخل ورياء.
فالجملة الكريمة توبيخ لهم على سلوكهم الطريق المعوج وتركهم للطريق المستقيم.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: قوله وَماذا عَلَيْهِمْ. وأى تبعة عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله. والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك: وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت بارا. وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة في العفو والبر. ولكنه ذم وتجهيل وتوبيخ بمكان المنفعة» «1» .
وقوله وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً تذييل قصد به تهديدهم على إيثارهم طريق الغي على طريق الرشد.
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 511. [.....]
أى: وكان الله بهم عليما علما يشمل بواطنهم وظواهرهم، وسيجازيهم على ما أسروه وما أعلنوه بالعقاب الذي يستحقونه.
ثم بين- سبحانه- أنه منزه عن الظلم بعد أن أقام الحجة على الظالمين، ودعاهم إلى سلوك طريق الخير، فقال إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.
والمثقال: مفعال من الثقل. ويطلق على الشيء القليل الذي يحتمل الوزن.
والذرة: تطلق على النملة، وعلى الغبار الذي يتطاير من التراب عند النفخ.
وهذا أحقر ما يقدر به الشيء، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى.
والمراد: أن الله- تعالى- لا ينقص أحدا من ثواب عمله شيئا مهما ضؤل هذا الشيء وحقر، فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس. كما قال- تعالى- فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
وكما في قوله- تعالى- وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ.
ومفعول يظلم محذوف والتقدير: لا يظلم أحدا مثقال ذرة.
وقوله مِثْقالَ منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى لا يظلم أحدا ظلما وزن ذرة. كما تقول: لا أظلم قليلا ولا كثيرا.
وقوله وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً بيان لسعة جوده- سبحانه- وعظيم رحمته وعفوه.
وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر حسنة- بالضم- على أن تك مضارع كان التامة أى وإن توجد أو تحصل حسنة يضاعفها.
وقرأ الباقون حَسَنَةً- بالنصب- على أنها خبر لقوله تَكُ المشتقة من كان الناقصة.
وأصل تَكُ تكن فحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة، وتخفيفا لكثرة الاستعمال.
والضمير المستتر في الفعل «تك» يعود إلى المثقال. وجيء به مؤنثا مراعاة للفظ ذرة الذي أضيف إليه لفظ مثقال لأن لفظ مثقال مبهم لا يميزه إلا لفظ ذرة فكان كالمستغنى عنه.
وقيل: إنما جيء به مؤنثا حملا على المعنى، لأنه بمعنى: وإن تك زنة ذرة حسنة يضاعفها.
وقيل: إنما جيء به كذلك لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه
كما في نحو قولهم: كما شرقت صدر القناة من الدم..
والمعنى: إن الله- تعالى- بفضله وجوده لا يظلم الناس شيئا، ولا ينقصهم أى نقص من ثواب أعمالهم بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها أى وإن تك الفعلة الحسنة بالغة في القلة مثقال ذرة يضاعف ثوابها بكرمه وجوده أضعافا كثيرة. وفوق ذلك فإنه- سبحانه- يعطى من يشاء إعطاءه عطاء عظيما من عنده ولا يعلم مقدار هذا العطاء إلا هو- سبحانه.
وفي إضافة هذا العطاء العظيم إلى ذاته- تعالى- في قوله مِنْ لَدُنْهُ تشريف له، وتهويل من شأنه.
وسماه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح الذي عمله عباده المؤمنون الصادقون.
هذا، وقد أورد الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث في معنى هذه الآية ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيقول الله- تعالى- لملائكته! ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقول أبو سعيد: اقرؤا إن شئتم قوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ.
وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن أنس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق في الدنيا. ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة» «1» .
ثم نبه- سبحانه- هؤلاء الكافرين إلى ما يكونون عليه من حال سيئة يوم القيامة إذا استمروا في كفرهم فقال: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً. يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً.
قال الفخر الرازي: وجه النظم هو أنه- تعالى- بين أن في الآخرة لا يجرى على أحد ظلم، وأنه- تعالى- يجازى المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه. فبين في هذه الآية- وهو قوله- تعالى- فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ أن ذلك يجرى بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق لتكون الحجة على المسيء أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته أشد. ويكون سرور من قبل من الرسول وأظهر الطاعة أعظم. ويكون هذا وعيدا للكفار الذين قال الله فيهم إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ووعدا للمطيعين الذين قال فيهم «وإن تك حسنة يضاعفها» «2» .
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 497.
(2)
تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 105.
والفاء في قوله «فكيف» للإفصاح عن شرط مقدر نشأ من الكلام السابق وكيف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف.
والتقدير: إذا أيقنت بما أخبرناك به أيها الرسول الكريم أو أيها السامع من أن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فكيف يكون حال هؤلاء الكفرة إذا ما جئنا من كل أمة من الأمم السابقة بشهيد يشهد عليهم بما ارتكبوه من سوء الصنيع وقبح الأعمال، وهذا الشهيد هو نبيهم الذي أرسله الله لهدايتهم، وجئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء الذين بعثك الله لإخراجهم من الظلمات إلى النور فكذبوك واستحبوا العمى على الهدى.
لا شك أن حالهم سيكون أسوأ حال، ومصيرهم سيكون أقبح مصير، بسبب كفرهم وبخلهم وريائهم واتباعهم للهوى والشيطان.
ومن العلماء من يرى أن المراد بقوله- تعالى- وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً أى جئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء الأنبياء بأنهم قد بلغوا رسالة الله ولم يقصروا في نصيحة أقوامهم.
والذي نراه أولى هو أن شهادة النبي صلى الله عليه وسلم تشمل كل ذلك أى تشمل شهادته على قومه بأنه قد بلغهم رسالة الله، وشهادته للأنبياء السابقين بأنهم نصحوا لأقوامهم وبلغوا رسالة ربهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله تعالى- من المنزلة العالية ما لم يعط أحدا سواه.
روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ على شيئا من القرآن. فقلت يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل قال: نعم. إنى أحب أن أسمعه من غيرى. فقرأت عليه سورة النساء: حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ.. الآية» فقال: حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان» .
وقوله تعالى- يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ استئناف مبين لحالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً.
والتنوين في قوله يَوْمَئِذٍ عوض عن الجملتين السابقتين أى مجيء الشهيد على كل أمة، ومجيء الرسول شهيدا على قومه.
أى: يوم أن يشهد الرسل على أقوامهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله، ويوم أن تشهد أنت يا محمد على من كذبك من قومك بأنك قد أمرتهم بعبادة الله وحده يومئذ وهو يوم القيامة، يتمنى ويحب الذين كفروا وعصوا الرسول الذي جاء لهدايتهم لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أى يودون لو انشقت الأرض فبلعتهم لما يرون من هول الموقف ولما يحل بهم من الخزي والفضيحة والعذاب. أو يودون لو يدفنون فيها فتسوى عليهم كما تسوى على الموتى ويبقون على
هذه الحال في باطنها بدون بعث أو نشور، حتى لا يصيبهم ما أعد لهم من عقاب بسبب سوء أعمالهم.
والمقصود أنهم لشدة خوفهم وفزعهم يتمنون أن لو أخفتهم الأرض في باطنها بحيث لا يظهر شيء منهم عليها في أى وقت من الأوقات.
وجملة لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ مفعول يَوَدُّ على أن لو مصدرية. أى: يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض متلبسة بهم حتى لكأنهم جزء منها.
وقوله وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً معطوف على يَوَدُّ أى أنهم يومئذ يودون لو تسوى بهم الأرض، ويعترفون لله تعالى بجميع ما فعلوه، لأنهم لو كتموا شيئا بألسنتهم لشهدت عليهم بقية جوارحهم.
ويصح أن تكون الواو في قوله وَلا يَكْتُمُونَ للحال. أى: أنهم يومئذ يودون لو تسوى بهم الأرض والحال أنهم مع ذلك لا يكتمون عن الله- تعالى- حديثا من أحوالهم في الدنيا لأنهم لا يستطيعون هذا الكتمان.
والمقصود أنهم مع شدة هلعهم وجزعهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من عقاب الله، ولن يستطيعوا أن يكتموا شيئا مما ارتكبوه من جرائم.
أخرج ابن جرير عن الضحاك أن نافع بن الأزرق- وكان ممن يسألون عن متشابه القرآن- أتى إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس: قال الله- تعالى- وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وقوله وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ- كيف الجمع بينهما-؟ فقال له ابن عباس. إنى أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقى على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله- تعالى- يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد. فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده. فيقولون: تعالوا نجحد فيسألهم فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين.
قال: فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين.
فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثا» «1» .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت بإخلاص العبادة لله- تعالى- وحده كما أمرت بالإحسان إلى الوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين وإلى الجار القريب والبعيد، وإلى الصاحب والمسافر والمملوك، ونهت عن البخل والرياء وجحود الحق واتباع الشيطان.
وبينت أن الله- تعالى- لا يظلم أحدا مثقال ذرة وأنه- سبحانه- يضاعف ثواب الحسنات،
(1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 94.