الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(5)
ابن حجر: تهذيب التهذيب، هذه المادة.
(6)
الذهبي: ميزان الاعتدال، هذه المادة.
(7)
ياقوت: معجم الأدباء، جـ 10، ص 215 - 216.
(8)
Gesshichte des Qoran: Noeldeke جـ 3، الجداول.
خورشيد [هيئة التحرير]
حفص، بنو
أسرة من البربر في شمالى إفريقية حكمت "إفريقية" نيفًا وثلاثة قرون (626، 981 هـ = 1228 - 1574 م) ، وقد نسبت هذه الأسرة إلى الشيخ أبي حفص عمر رأس الهنتاتة ومن أوائل مريدى ابن تومرت، وأحد ضباط عبد المؤمن المخلصين وقد بلغ من تعظيم الناس لقدرهم أنهم، كما يقول ابن خلدون قد تناوبوا الحكم على الأندلس والمغرب وإفريقية هم وأولاد عبد المؤمن ومن ثم أقام الخليفة الناصر في سنة 603 هـ (1207 م) أبا محمد بن أبى حفص حاكمًا على إفريقية، فانتصر انتصارات عظيمة على ابن غانية واحتفظ بسلطانه إلى أن توفى سنة 618 هـ - 1221/ 1222 م) ، فاستخلف رؤساء الموحدين في تونس ابنه أبا زيد، ولكنه استخلف مرة أخرى كما أقام الخليفة العادل ولدين آخرين من أولاده هما أبو محمد عبد الله وأبو زكريا، فأقام الأول على إفريقية والثانى على قابس، وبقى الحفصيون تحت سلطان الموحدين إلى ذلك الحين، ولكن أبا زكريا خرج على طاعتهم وأقام أسرة مستقلة بأمر نفسها، وقد عينه المأمون حاكمًا على إفريقية بدلا من أخيه الذي رفض أن يعترف بهذا الخليفة، وأقام في تونس سنة 1228 م، ولكنه سرعان ما تذرع بقسوة الخليفة وبدعه الخارجة على الدين فحذف اسمه من الخطبة ولقب نفسه بالأمير، ثم جعل الخطبة باسمه آخر الأمر وذلك عام 634 هـ (1236 - 1237 م) وأنفذ عدة حملات ناجحة استولى بها على قسنطينة وبجاية والجزائر كما قسا في معاقبة الهوارة الذين انتقضوا عليه
واستولى على تلمسان سنة 639 هـ (1242 م) وأجبر يغمراسن على دفع الجزية له، ودان المرينيون وأهل مكناسة أيضًا بالولاء لأمير تونس فامتد ملكه من طرابلس إلى سبتة وطنجة، ومن البحر المتوسط إلى الزاب وسجلماسة، وهدد النصارى مدن بلنسية ومرسية وإشبيلية وشريش وجزيرة طريف فاستنجد أهل هذه المدن به ودانوا لحكمه ثم مات في مدينة بونة سنة 647 هـ (1249 م) وكان بحق أقوى حاكم في إفريقية المسلمة.
ولم يكن عصر ابنه وخليفته أبي عبد الله المستنصر بالله (647 - 675 = 1249 - 1277 م) أقل من عصر أبيه ازدهارًا، فما كاد يخرج ظافرًا من تلك الفتنة التي أثارها عليه بن عمه اللحيانى بواسطة عرب رياح والدواودة وغيرهم حتى اتجه إلى التميكن للحفصين في المغرب الأوسط فنجح في ذلك كما نجح أيضًا في القضاء على الحملة التي وجهها على تونس القديس لويس وشارل صاحب أنجو، وذاعت شهرته في الآفاق واجتمع في بلاطه رسل المرينيين وسفراء ملك كانم وأمراء المسيحيين الذين لجأوا إليه وساهموا مع زعماء المسلمين في الحملات التي وجهوها على بلاد المغرب. ولم يقنع المستنصر بلقب الأمير الذي قنع به أبو زكريا فلقب نفسه (بالخليفة وأمير المؤمنين) ونجح في الحصول على وثيقة من شريف أشراف مكة تجعله وريثًا للخلفاء العباسيين بعد أن قضى التتار على ملك هؤلاء واستولوا على بغداد.
ولقد حقق قيام إمبراطورية الحفصيين لإفريقية تقدمًا عظيما فجعل تونس لا مقر الحكم فحسب بل المركز السياسى والثقافى للقطر بأسره أيضًا (انظر مادة تونس) وشيد الحاكمان الأولان لهذه الأسرة أبنية عدة (قصورًا ومساجد وزوايا ومكتبات وقناطر معلقة) واجتذبا إلى البلاد الشعراء والعلماء من جميع بقاع العالم الإسلامى لا سيما الأندلس، وكانت العلاقات الودية بينهما وبين المسيحيين حافزًا على رواج التجارة بين أوربا وإفريقية، فعقدت معاهدات مع فردريك
الثانى ملك صقلية (1231) ومع مارسيليا وبيزة (1234) والبندقية، وجددت هذه المعاهدات جميعًا في عهد المستنصر.
وأعقبت هذه الفترة المزدهرة فترة ساد فيها الاضطراب والاختلال. ذلك أن الواثق خلف المستنصر في الحكم، على أنه عزل على يد عمه أبي إسحق عام 678 هـ (1279 م). بيد أن بن عمارة اغتصب ملك أبي إسحق وطرده من قصبة بلاده ثم قتله بالقرب من بجاية سنة 682 هـ (1293 م)، وسرعان ما انقسمت إمبراطورية الحفصيين إلى مملكتين: مملكة تونس وقد حكمها أبو حفص، ومملكة بجاية وحكمها أبو زكريا (683 = 1284 م)، وشبت حرب ضروس اشتبكت فيها القبائل العربية في إفريقية والمغرب الأوسط وقبائل عبد الواد التلمسانيين ودامت هذه الحرب ثلاثة وعشرين عامًا ثم استتب السلام وعقد صلح بين أبي عصيدة محمد بن الواثق ملك تونس وأبى البقاء سلطان بجاية قضى بأن تؤول الإمبراطورية بأسرها إلى أحدهما بعد وفاة الآخر. وهكذا استطاع أبو البقاء أن يعيد للإمبراطورية الحفصية وحدتها ولكن إلى حين، ذلك أن الأمير الحفصى أبا زكريا اللحياني استولى على تونس عام 1311 وقتل أبا البقاء بينما قام مغتصب آخر يدعى أبا يحيا فأقام نفسه حاكمًا على بجاية. على أن أبا يحيا نجح عام 718 هـ (1318) في حكم تونس ووحد إفريقية والمغرب الأوسط تحت سلطانه. ومع ذلك فقد ظل مركزه مزعزعًا محفوفًا بالمكاره. ذلك أنه اضطر إلى قتال الكعوب وغيرها من قبائل سليمانى التي تحالفت مع بنى عبد الواد وقتال أبي ضربه سلطان تونس السابق وطُرد أبو يحيا من عاصمة ملكه في أربع مناسبات، وتغلب أخيرًا على أعدائه بمعاونة المرينيين الذين عقد معهم حلفًا وثيقًا. وتزوجت أميرة من بنى حفص بأبى الحسن بن سعد سلطان فاس ونجح أبو يحيا في أواخر حكمه في إعادة الأمن إلى إفريقية وفى إخضاع مدن الجريد التي انتهزت فرصة الفوضى التي كانت سائدة فجعلت من أنفسها إمارات مستقلة. وقد خرجت طرابلس من
قبضته إلا أنه نجح على الأقل في استعادة جربة التي كان المسيحيون قد استولوا عليها في نهاية القرن السابق.
وعادت الفوضى إلى إفريقية مرة أخرى عند وفاة أبي يحيا عام 747 هـ (1346 م) فاغتصب أبو حفص السلطان من الوريث الشرعى أبي العباس بعد أن ذبح أمراء بنى حفص. ولقد أثار هذا العمل المرينيين ودفعهم إلى التدخل، فتقدم السلطان الحسن إلى إفريقية واحتل قسنطينة وبجاية ودخل تونس التي هجرها أبو حفص عام 748 هـ (1437 م) ولكنه هزم في السنة التالية بالقرب من القيروان على يد بعض العرب الثائرين واستدعى إلى وطنه بسبب الثورة التي قام بها ابنه أبو عنان، وبذلك لم يستطع هذا السلطان المرينى أن يحتفظ بفتوحاته. ولقد استطاع من بقى من أمراء بنى حفص أن يؤسسوا ملكهم من جديد في بجاية وبونة وقسنطينة، بل نجح أحدهم وهو الفضل في دخول تونس ثانية، ولكنه وقع فريسة لمؤامرة دبرها له وزيره ابن تافراجين، واستطاع المرينيون أن يغزوا مملكة الحفصيين من جديد، إذ نجح أبو عنان في الاستيلاء على بجاية في سنة 1353 وعلى قسنطينة وبونة وتونس في سنة 1457 م (758 هـ)، ولكنه عندما حاول أن يكبح جماح العرب الذين لم يروا في هذه الحروب إلا وسيلة للتخريب والسلب تخلى عنه جيشه مما اضطره إلى ترك إفريقية. وانتهز أبو إسحق الثانى أحد أمراء بنى حفص هذه الفرصة فدخل تونس ثانية.
ومع ذلك فقد ظلت مملكة الحفصيين في حالة يرثى لها، وانتشرت الفوضى في كل ربوعها وحكمها ثلاثة أمراء في وقت واحد هم: أبو إسحق الثانى في تونس وأبو عبد الله في بجاية، وأبو العباس في قسنطينة ثم انتهى الأمر بأن أصبح أبو العباس هو الحاكم الوحيد عام 870 هـ - (1368 - 1369 م). وقد حاول في مدة حكمه أن يعيد الأمن والنظام إلى البلاد فكبح جماح العرب وأرغم مشايخ الجريد وقفصة وقابس على الخضوع له. واستمرت سلطة الحفصيين التي
استعادوها قائمة طوال عهد ابنه فارس عزيز (796 - 837 هـ = 1393 - 1434 م) الذي حافظ على توازن القوى في المغرب، واستطاع بذلك أن يتدخل في شئون تلمسان فظاهر أولا أبا عبد الله المطالب بالعرش على السلطان عبد الملك ثم انقلب إلى تعضيد عبد الملك نفسه، واستولى على السلطان بعد وفاة هذا الملك ووضع على عرشها أميرًا من بنى زيان اعترف بسيادة تونس (1431 م). وقد أحيا أبو العباس سنن أجداده في العناية بالأدب والفنون. ويذكر القيروانى بيانًا طويلًا بشتى المبانى التي أقيمت برعايته كالمساجد والزوايا والمدارس والمكتبات والمستشفيات. وقد كان خلفاؤه أبو عمر عثمان (834 - 893 هـ = 1434 - 1488 م) وأبو زكريا يحيا (893 - 899 هـ = 1488 - 1494 م) وأبو عبد الله محمد (899 - 932 هـ = 1494 - 1526 م) حماة للأدب والفن، ولكن كانت تعوزهم القوة مما أدى إلى انحلال سلطان الحفصيين من جديد فما حلت نهاية القرن الخامس عشر حتى كانت قسنطينة وبجاية وبونة قد استعادت استقلالها، وجعلت طرابلس وقابس ومدن الجريد من نفسها جمهوريات. ولم تخلص قبائل العرب في الداخل لسلاطين تونس.
وكانت سياسة الحكام الحفصيين نحو المسيحيين في هذه الفترة كسياسة أسلافهم، إذ جددت في القرن الرابع عشر المعاهدات التجارية التي عقدت في القرن الثالث عشر مع جنوه وبيزه، وأبرمت معاهدات جديدة مع أراغون وميورقة ومنتبلييه والبندقية وفلورنسة. وقد كان في تونس وبونة وبجاية وصفاقس وجربة فنادق يخزن فيها التجار المسيحيون بضائعهم. على أنه كان من الصعب الإبقاء على هذه الصداقة نظرًا لما قام به المسيحيون من الأعمال العدائية باحتلالهم جربة وهجومهم على المهدية .. وغير ذلك، واشتداد القرصنة على الساحل الإفريقى منذ أواخر القرن الرابع عشر، وقد كانت موانى مملكة الحفصيين ملجأ هؤلاء القرصان مما جعلها معرضة لغزوات الأسبانيين الذين فكروا في تثبيت أقدامهم في النقط الهامة على