الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(5)
la l''Algérie Initiation a باريس سنة 1957.
(6)
La Berbérie musul-: G. Marcais mane et l'Orient au Moyen Age، باريس سنة 1946.
(7)
وانظر l'Architecture musulmane d'occident ، باريس سنة 1954.
حسن شكرى [هـ ر. أدريس - H.R. Idris]
حفص الفرد
أبو عمرو أو أبو يحيى: يقول صاحب الفهرست (ص 18) إنه فقيه عربى من أهل مصر خرج إلى بغداد حيث درس على الفقيه المعتزلى أبي هذيل، وفى رواية أخرى (المرتضى: اتحاف السادة جـ 2، ص 47) أنه درس من قبل على القاضي أبي يوسف ثم لحق بالمعتزلة؛ وكانت له مناظرات كثيرة مع الإمام الشافعي الذي لم يكن يذكره أو يذكر (كلامه) بخير؛ بل لقبه بالمنفرد بدلا من الفرد (انظر Bauer: Die Dogmatik al Ghazali؛ ص 19) ويقال إنه رجع إلى مذهب أهل السنة وتبعه الأشعرى، وإنه قال بخلق الأفعال؛ وقد نسبه صاحب الفهرست والشهرستانى أيضًا) هو والنجار إلى المجبرة؛ وذكر له ستة مصنفات هاجم في واحد منها المعتزلة وفى آخر النصارى (انظر أيضًا Die phi-: Horten los Systeme der spek Theologen ص 499، والمصادر المذكورة في هذا المؤلف).
خورشيد [باور H. Bauer]
حفصة
بنت الخليفة عمر وزوج النبي [صلى الله عليه وسلم]، وكان خنيس بن حذافة القرشي قد بنى بها قبله، ثم مات في المدينة بعيد غزوة بدر دون أن يعقب منها؛ وتزوجها النبي بعد يوم أحد رغبة منه في اكتساب معونة عمر (1)، ولا شك في أنها كانت وقتئذ في العشرين من عمرها؛ وهجرها مرة لأسبابًا مجهولة ثم عاد إليها بوحى كريم لما تحلت به من فضائل الإسلام،
(1) ادعاء كاتب المادة أن زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفصة كان عن رغبة في اكتساب معونة عمر، ثم ادعاؤه أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عاد إليها بعد هجرها خشية أن يبعد ذلك بينه وبين عمر - ادعاء لا دليل عليه من التاريخ
فقد كانت منصرفة إلى الصلاة والصوم. والواقع أن النبي [صلى الله عليه وسلم] خشى أن يباعد ذلك ما بينه وبين عمر؛ وكانت حفصة في بيت النبي [صلى الله عليه وسلم] تظاهر عائشة على زوجاته الأخريات، وقد وضعت كل مالها من سلطان في خدمة "حكومة الثلاثة" وهو الحزب الذي كان يسعى إلى استخلاف أبي بكر وعمر بعد محمد، [صلى الله عليه وسلم] وقد تلقت نصيبها في غنائم خيبر شأنها شأن سائر زوجات النبي [صلى الله عليه وسلم] ولما مات محمد رصد لها في الديوان دخل يقدر بنحو 10،000 درهم سنويًا. وصفوة القول أنه لم يكن لها شأن كبير حتى في خلافة أبيها، وهي في ذلك على طرفى نقيض من عائشة التي كان لها شأن خطير في كثير من النواحى.
وقد حرضت حفصة أخاها عبد الله، وكان رجلًا ضئيل الشأن (1)، على المطالبة بالخلافة عندها جرى التحكيم في أذرح واجتمع القول على أنها ماتت عام 45 هـ في عهد مروان بن الحكم وقد بلغت الستين أو نحوها، ولم تعقب من النبي [صلى الله عليه وسلم].
المصادر:
(1)
ابن سعد: الطبقات (طبعة Sachau)؛ جـ 3، ص 285 - 286، جـ 8، ص 56 - 60.
(2)
ابن حجر: الإصابة، جـ 4، ص 273 - 274.
(3)
Le triumvirat Abu Bakr،: H.Lammens Omar et Abu Obaida (مستخرج من Mel. facul. orientale، بيروت؛ جـ 3، ص 120.
(4)
ابن هشام: السيرة (طبعة Wues- tentenfeld) ص 321، 1001.
الصحيح، بل هو من الغمزات التي اعتادها هذا الكاتب. فإن عمر كان أشد إخلاصًا لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] وحبا له من أن يتأثر ما بينهما بزواج امرأة أو طلاقها. وكان عمر حين هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه كلهن - لا حفصة وحدها - من أشد الناس على ابنته وعظًا وتعليمًا، حتى لا يغضب الله عليها لغضب رسوله. وتفصيل ذلك ثابت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (برقم 222 بشرحنا وتحقيقنا) ورواه أيضًا البخاري ومسلم في الصحيحين وغيرهما من دواوين الحديث الصحاح.
(1)
ما كان عبد الله بن عمر رجلا ضئيل الشأن، ولكن كان زاهدًا في الحكم والسلطان، يخاف الله، ويخشى أن لا يقوم بحق الولاية، فاعتزل الخلافات السياسية في عصره. وله في هذا رأيه، وليس لأحد أن يجعل من ذلك مغمزًا فيه.
أحمد محمد شاكر
(5)
Fatima et les Filles de: H. Lammens Mahomet؛ ص 15، 23، 46، 56، 86.
(6)
ابن حنبل: المسند؛ جـ 6، ص 283 - 288.
(7)
Das Leben des Muhamed: Sprenger، جـ 3، ص 74 وما بعدها.
خورشيد [لامنس H. Lammens]
+ حفصة، بنت عمر بن الخطاب، زوج النبي ع [صلى الله عليه وسلم] ، ويقال إنها ولدت قبل البعثة النبوية بخمس سنين حينما كانت قريش تعيد بناء الكعبة. وأمها زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون المشهور تزوجت حفصة أول الأمر خُمَيْس بن حذافة السهمى القريشى، وترملت وهي بعد صبية لم تعقب (زوجها ممن شهدوا بدرًا وتوفى بالمدينة بعد رجوعه من هذه الغزوة)؛ وعرضها أبوها على أبي بكر فسكت، وعلى عثمان بن عفان فأوضح عدم رغبته في الزواج وقتئذ، أما أبو بكر فاعتذر لعمر بعد ذلك بأنه عرف أن النبي عليه السلام قد نوى الزواج من حفصة. وواقع الأمر أن محمدًا عرض على عمر أن يتزوج حفصة فقبل عمر بطبيعة الحال في حماسة. ومن المرجح أن النبي [صلى الله عليه وسلم] سعى إلى عقد هذا الزواج لأسباب سياسة (1) وهى دعم الروابط التى تربطه بشخصيه مثل عمر النصير القوى، ومما يؤيد ذلك إلى حد كبير أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان قد طلب من أبي بكر قبل ذلك بقليل الزواج من ابنته عائشة.
وورد اسم حفصة في المصادر مقترنًا بالحوادث التالية: الهجرة: هاجرت حفصة مع أبيها إلى المدينة. الزواج: تقول معظم المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج حفصة في شهر شعبان الموافق 3 فبراير سنة 625 م بعد زواجه من عائشة وقبل غزوة أحد، ومن ثم كانت رابع زوجة للنبى عليه السلام. الحوادث الخاصة بنساء النبي [صلى الله عليه وسلم] تومئ الآيات التي في صدر سورة التحريم (السورة 66) إلى حادثة أو حوادث هي بلا شك من الأمور الزوجية يقول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} الآية، عتابًا له [صلى الله عليه وسلم]
(1) سبق أن رد الأستاذ أحمد محمد شاكر على هذا في صدر هذه المادة.
بتحريمه على نفسه ما أحل الله له ابتغاء مرضاة ازواجه، وأن إحداهن أفشت حديثًا أسره إليها؛ وتشير آيات في هذه السورة أيضًا إلى أن اثنتين من زوجات النبي [صلى الله عليه وسلم] قد تظاهرتا عليه وتختتم الآيات بتهديدهما بالطلاق. ويشرح المفسرون، ومؤلفو كتب أسباب النزول، وكُتَّاب السيرة النبوية، والمُحَدِّثُون هذه الآيات على هذا النحو: أن الرسول عليه السلام خلا بمارية القبطية في بيت حفصة وفى غيبتها، ورجعت حفصة وعلمت بذلك واشتد غضبها فقال لها: اكتمى على وقد حرَمْتُ مارية على نفسى استرضاء لها. ولكن حفصة أفشت الحديث لصديقتها عائشة. وتغيظ النبي [صلى الله عليه وسلم] فطلق حفصة، فأنزل الله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فقيل له: "راجعها، فإنها صَوَّامة قوَّامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنّة"(ابن سعد، جـ 8، ص 58) أضف إلى ذلك أن عمر حزن على ما أصاب ابنته حزنًا شديدًا (من المرجح أن جزع عمر كان السبب في مراجعة النبي [صلى الله عليه وسلم] لحفصة). وتحلل النبي [صلى الله عليه وسلم] من يمينه بتحريم مارية بالكفارة وهجر أزواجه تسعًا وعشرين ليلة. ويرجع نولدكه تاريخ هذا الحادث إلى سنة 7 هـ (628 - 629 م)، ويرجعه كيتانى إلى سنة 9 هـ (630 - 631 م). ومن الواضح أن بعض رواة الأحاديث لم يرضو عن هذه القصة فقد رأوا فيها ما يمس النبي [صلى الله عليه وسلم]: ويؤكدون أن الحديث الذي أسره النبي [صلى الله عليه وسلم] إلى حفصة وأفشته لعائشة، هو أنه أخبرها بأن الخلافة بعده تكون في أبى بكر وعمر (البلاذرى، أنساب الأشراف، جـ 1، ص 424 إلخ
…
)
أما عن الآية الأولى من سورة التحريم فتزودنا المصادر بأسباب نزول أخرى، ولكنها تقر التفسير المتقدم لما يليها من آيات، وهذه الأسباب هي أن النبي [صلى الله عليه وسلم] زار إحدى زوجاته، ويقال بصفة عامة إنها أُم سلمة، ويقال أحيانًا إنها حفصة (ابن سعد، جـ 8، ص 59 الخ
…
، وفى هذه الحالة تتغير الأسماء كما سيأتى) فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، حيث قدمت له شرابا من عسل كان يحبه. فتواطأت عائشة وحفصة، وبعض زوجات النبي [صلى الله عليه وسلم] الأخريات
حتى لا يصبح ذلك عادة: فقالت له إحداهن تلو الأخرى حين دنا منها: ما هذه الريح التي أجد منك: أكلت مغافير (لبانة شامية حلوة من شجرة العرفط) ولكن النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يكن أكل من هذا النبات، ومن ثم فإن هذه الريح لا يمكن أن تأتى إلا مما شربه من قبل عند أم سلمة، وأن السبب هو أن العرفط قد جرسه النحل. وكان من نتيجة ذلك أن حرم النبي [صلى الله عليه وسلم] على نفسه شرب العسل، وقد حلله الله. وفى حديث من الأحاديث (البخاري، جـ 3، ص 258، جـ 4، ص 273 وما بعدها) نجد أن السر الذي أسره النبي [صلى الله عليه وسلم] إلى إحدى زوجاته، والقسم الذي يشير إليه القرآن يتعلقان بتحريم النبي [صلى الله عليه وسلم] شرب العسل على نفسه (وليس بحادث مارية القبطية). ومن ثم نجد بعض رواة الحديث المتقدمين يؤكدون وجود قاعدة أخلاقية مختلفة عن تلك القاعدة التي سادت في وسط النبي [صلى الله عليه وسلم]، محاولين بقدر الإمكان تعديل الروايات التي نقلها رواة آخرون. وهذا الاتجاه الذي يرمى إلى فرض ستار من التحفظ الحكيم على حياة النبي [صلى الله عليه وسلم] الزوجية تؤكده التفاسير الحديثة، وخاصة تلك النسخة من القرآن وترجمته التي نشرها مولانا محمد على برعاية الطائفة الأحمدية.
وثم حادثة أخرى لم يشر القرآن إليها، توضح لنا مرة أخرى كيف حاولت عائشة وحفصة الكيد لسيدة نبيلة الأرومة هي أسماء بنت النعمان الجونية التي أرسل النبي [صلى الله عليه وسلم] إلى قبيلتها طالبًا الزواج منها. إذ أنهما بعد أن قاما بتزينيها للدخول بالنبى [صلى الله عليه وسلم] نصحتاها حين يقربها أن تقول (إنى أعوذ بالله منك) وأخبرتاها بأن هذه العبارة تسره إذا فاهت بها امرأة في مثل هذه الظروف. وكان من نتيجة هذه النصيحة أن النبي [صلى الله عليه وسلم] غطى وجهه بكم عباءته، وقال ثلاث مرات (أنا الذي أعوذ بالله منك) وتركها وسرعان ما أعادها إلى قبيلتها محملة ببعض الهدايا ليخفف عنها حزنها، ولم تتزوج المسكينة مرة أخرى، وماتت كمدًا. وعن حفصة وهي واحدة من زوجات النبي [صلى الله عليه وسلم] الأربع اللاتى كن أحب نسائه إليه يقول القرآن في سورة الأحزاب الآية 51 {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا
يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا}. وتبين هذه الآية أن الله رخص للنبى [صلى الله عليه وسلم] أن يؤخر أو يقدم ما يشاء من زوجاته ولا حرج عليه في ذلك. وكانت أحب زوجاته إليه عائشة وزينب وأم سلمة، ولكن البلاذرى (أنساب الأشراف، جـ 1، ص 448، 467) واليعقوبي (جـ 2، ص 93) يضيفان حفصة إليهن. وفى مرض النبي [صلى الله عليه وسلم] الأخير تذكر الأحاديث المحاولات التي بذلتها عائشة وحفصة لتدبير أن يقع حديث خاص بين النبي [صلى الله عليه وسلم] وبين أبويهما قبل وفاته مع استبعاد صحابته الآخرين، وعلى بخاصة. وهذا أمر محتمل بالتأكيد رغم أن هذه الأحاديث تناقضها أحاديث أخرى فيما يتعلق بالأشخاص الذين دعاهم النبي [صلى الله عليه وسلم] ليكونوا بجواره. ويستحيل علينا القول أي هذه الأحاديث أقرب إلى الصحة. وتذكر بعض الأحايث أن النبي [صلى الله عليه وسلم] أرسل حفصة إلى أبي بكر ليؤم الناس في الصلاة في أثناء مرضه. ويقال إن حفصة اقترحت على النبي بناء على نصيحة عائشة (أو نصيحة [صلى الله عليه وسلم] أبي بكر عن طريق عائشة) أن يكلف عمرًا بهذا الأمر بدلًا من أبي بكر نظرًا لضعف صحته الشديد، وأن صوته قد تخنقه العبرات، ويبدو غريبًا أن تصدر هذه النصيحة من عائشة؛ على أنه قد أشير إلى أن من اختير لإمامة الناس في الصلاة، لا بد أن يحس بالضر أكثر من إحساسه بما يصيبه من فضل بخلافة النبي عليه السلام في وقت لم يكن فيه لهذه المهمة أي مغزى سياسى بعد. وفى هذا الشأن أيضًا رويت بعض الأحاديث المختلفة كل الاختلاف ..
بعد موت النبي [صلى الله عليه وسلم] خصص لحفصة مثل سائر زوجات النبي راتب سنوى، وحظيت باحترام المسلمين، ولكنها لم تقم بأى دور سياسى حتى في أثناء خلافة أبيها، ويتعلق كل ما روى عنها خلال هذه الفترة بأمور غير ذات بال، فقد سألها بعض الصحابة أن تلح على عمر في أن يخصص لنفسه من بيت المال راتبًا أسخى، ولكن عمر لم يكن بالذى يقتنع بذلك: لأنه انتهج نهج النبي [صلى الله عليه وسلم] وعاش عيشة غاية في الاقتصاد في مطعمه وملبسه، كان يأكل القليل ويلبس الخشن من الثياب. على
أن حفصة حضته على أن يوسع على نفسه دون جدوى وغلبها الغضب لما قتل أبو لؤلؤة والدها فكانت من بين من حرضوا عبيد الله بن عمر على الثأر من الهرمزان، حتى أن أخاها عبد الله ضاق بهذا التدخل فصاح "رحم الله حفصة"(ابن سعد جـ 3 - 1، ص 259). وعندما انتقضت عائشة وطلحة والزبير على علىَّ، أرادت حفصة الانضمام إلى هذه الجماعة، ولكن أخاها عبد الله ألح عليها ألا تتورط في هذا الأمر. ولما جرى التحكيم على الخلافة في "أذرح" حثت حفصة عبد الله على أن يشترك فيه ليحول دون انقسام المجتمع الإسلامى. ويبرهن هذان الحادثان وحدهما على أنها لم تشترك في الأحداث التي وقعت فى أثناء الفتنة الكبرى.
وفاة حفصة: تقول أغلب المصادر أن حفصة توفيت بالمدينة في شهر شعبان سنة 45 هـ (أكتوبر - نوفمبر 665 م) أي خلافة معاوية، وتذكر بعض المصادر أن وفاتها كانت سنة 41 هـ (661 - 662 م) عقب تولى معاوية الخلافة مباشرة ويقول ابن الأثير (جـ 3، ص 73) إن وفاتها كانت سنة 27 هـ (647 - 648 م)(! ) وإن مروان ابن الحكم الذي كان واليًا على المدينة وقتذاك سار في جنازتها وصلى عليها.
نص القرآن في حوزة حفصة: كانت أول مجموعة من نصوص القرآن التي جمعها زيد بن ثابت بأمر من أبي بكر من ممتلكات حفصة الخاصة، وظلت هذه المجموعة في حوزة أبي بكر، وانتقلت بعد وفاته إلى أيدى عمر ثم إلى حفصة (Noeldeke-Schwally جـ 2 Gesch: ص 15). وقد أفادت الجماعة التي عهد إليها عثمان بجمع أول نسخة رسمية من القرآن بهذه الصُحُفْ، وأعادتها إلى حفصة بعد أن انتهت هذه المهمة. فلما ماتت حفصة انتقلت إلى مروان ابن الحكم الذي أعدمها (البلاذرى، جـ 1، ص 427).
شخصية حفصة. لم تكن لحفصة شخصية بارزة، ذلك أنها لم تتصف بما اتصفت به عائشة من نشاط وذكاء وجاذبية ولا اتصفت بالحصافة والرصانة والنجدة مثل أم سلمة، ولم تظهر شخصيتها ظهورًا بينًا من خلال
الروايات التي تحدثت عنها بالرغم من أن بعض الأحاديث تؤكد أنها أشبهت أباها (مثال ذلك، ابن حنبل، جـ 6، ص 141، 237 وما بعدها) ومن العسير أن نجد أي وجه للتشابه بينهما، وربما تشير هذه الأحاديث إلى السهولة التي تستسلم بها إلى عاطفتها، أو إلى قدرتها على السير في حياتها على طريقتها الخاصة. ولم تكن بالتأكيد من أوسم النساء وأكثرهن خضوعًا. وحين هدد رسول الله بتطليق زوجاته كلهن (البلاذرى، أنساب الأشراف، جـ 1، ص 425 وما بعدها الخ .. ) قال عمر لحفصة لا تلحفى في سؤالك ولا تراجعى رسول الله، ولا تسأليه شيئًا وسلينى من مالى ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] منك، يريد عائشة. ومن المؤكد أن حفصة لم تكن تغار من بنت أبي بكر، بل على العكس، فقد كانتا صديقتين، وتذكر كثير من الأحاديث أنهما كانتا تتناولان الطعام معًا وتصومان معًا، وتعين كل منهما الأخرى للحفاظ على مكانهما بين نساء النبي [صلى الله عليه وسلم]، وربما سعتا إلى رفع شأن والديهما. على أننا يجب أن نذكر أنه في سنوات زواجهما الأولى كانت حفصة هي المهيمنة على عائشة التي كانت لا تزال صبية، ولكن سرعان ما انتقلت هذه الهيمنة إلى عائشة فسيطرت على جماعة من جماعتين من زوجات النبى [صلى الله عليه وسلم](عائشة، حفصة، سودة، صفية). وإذا كان لحفصة أى تأثير على النبي ثم على أبيها، فلا بد أنها مارست هذا التأثير عليهما في حصافة بالغة حتى أن المصادر لم تذكر ذلك. ولم تعرف حفصة القراءة والكتابة، بينما كانت بعض زوجات النبي عليه السلام يقرأن ولا يكتبن وبعضهن أميات كل الأمية.
المصادر:
أ - بيانات من التراجم.
(1)
ابن سعد: الطبقات، جـ 3 - 1، ص 199، 222، 259، 286؛ جـ 8، ص 56، 58، 76، 131 وما بعدها، ص 133 وما بعدها، ص 222.
(2)
ابن حبيب: المُحبِّر، طبعة حيدر آباد، سنة 1361 هـ (1942 م)، ص 54، 83، 92 ، 95، 99.
(3)
ابن قتيبة: المعارف، طبعة وستنفلد، ص 66.
(4)
البلاذرى: أنساب الأشراف، طبعة حميد الله، جـ 1، القاهرة سنة 1959، ص 214، 422 - 428، 431، 448، 467، 554 - 557.
(5)
المؤلف نفسه: فتوح البلدان، ص 472.
(6)
اليعقوبى: طبعة هوتسما، جـ 2، ص 93، 282 وما بعدها.
(7)
الطبرى: جـ 1، ص 1383، 1771، 1801، 1810، 2241، 2242، 2732، 3100، 3101، 3105؛ جـ 3، ص 1441 وما بعدها.
(8)
ابن حنبل: المسند، طبعة القاهرة سنة 1313 هـ، جـ 1، ص 12، 256؛ جـ 2، ص 27، جـ 3، ص 478؛ جـ 4، ص 75، 141، 237 وما بعدها، ص 263، 283 - 288.
(9)
البخاري: طبعة كرهل Krehl، جـ 1، ص 176، جـ 2، ص 132 وما بعدها، جـ 3، ص 96، 206 وما بعدها، ص 359، 360 م وما بعدها، ص 393، 425، 428، 431، وما بعدها، ص 442.
(10)
مسلم: الصحيح، طبعة بولاق سنة 1290 هـ، جـ 1، ص 426.
(11)
النسائي: السنن طبعة القاهرة سنة 1312 هـ، جـ 2، ص 75، 77.
(12)
ابن عبد البر: الاستيعاب، طبعة حيدر آباد سنة 1318 - 1319 هـ، ص 734 (وقسم 3248).
(13)
ابن الأثير: أسد الغابة، جـ 5، ص 245 وما بعدها.
(14)
المؤلف نفسه: الكامل، جـ 2، ص 114، 234، 393؛ جـ 2، ص 73، 168.
(15)
ابن حجر: الإصابة، طبعة كلكته سنة 1856 - 1893، جـ 4، ص 520 - 523 (رقم 294) ، ص 547، 769 وما بعدها، ص 888.
(16)
ابن تغرى بردى: طبعة ليدن سنة 1851 - 1857، جـ 1، ص 138، 146 وما بعدها.
(17)
الديار بكرى: تاريخ الخميس
(طبعة القاهرة) سنة 1302 هـ، جـ 1، ص 325، 469.
(18)
الحلبى: السيرة الحلبية، طبعة الإسكندرية سنة 1280 هـ، جـ 2، ص 405؛ جـ 3، ص 437 - 542 (تفصيلات عن طلاق حفصة).
ب - مصادر الكتاب الغربيين:
(1)
Annali: L. Caetani أخبار سنة 1 هـ فصل 15، رقم 38؛ أخبار سنة 3 هـ؛ فصل 10؛ أخبار سنة 7 هـ، فصل 42؛ أخبار سنة 9 هـ، فصل 23؛ أخبار سنة 11 هـ، فصل 26، حاشية 1، فصل 221، حاشية 1، فصل 229 رقم 14، 231، 232؛ أخبار سنة 32 هـ، فصل 110 والكشافات، أخبار سنة 36 هـ فصل 30، وأخبار سنة 38 هـ، فصل 37.
(2)
Le "Triumvirat" d': H. Lamens Abou Bekr، Omar et Abou Obaida في Mélanges de La Faculté orientale، de Bei- rut، جـ 4، ص 120، 123 وما بعدها.
(3)
المؤلف نفسه Fatima et les Filles de Mohomet رومة سنة 1912، ص 15، 23، 46، 56، 86.
(4)
Aishah the beloved: N. Abott Muhammed الطبعة الثانية، شيكاغو سنة 1944، ص 9 - 12، 41، وما بعدها، ص 44، 50 - 54، 63، 77، 96، 138، 205.
(5)
Marriage in early Islam: G. Stem، لندن سنة 1939، ص 132 - 134. حادث زواج مارية القبطية وطلاق حفصة.
(6)
ابن سعد، جـ 8، ص 59، 133 وما بعدها.
(7)
البلاذرى، جـ 1، ص 423، 426، 427.
(8)
الديار بكرى، جـ 2، ص 135. حادث شرب العسل.
(9)
ابن سعد، جـ 8، ص 76، 122 وما بعدها.
(10)
البلاذرى، جـ 1، ص 424 وما بعدها.
(11)
ابن حنبل، جـ 6، ص 59، 221.
(12)
البخارى، جـ 3، ص 358، 462 وما بعدها، جـ 4، ص 273 وما بعدها.
(13)
النسائي، جـ 2، ص 141 وما بعدها. مصادر عن بعض التفاسير، وكتاب أسباب النزول - المشروح فيها السورة 66 من القرآن (سورة التحريم) الآيات من 1 - 5 حول الحادث موضع المناقشة.
(14)
الطبرى، التفسير، طبعة القاهرة، سنة 1321 هـ، جـ 28، ص 90 - 95.
(15)
الزمخشرى، طبعة كلكته سنة 1856 - 1859، جـ 2، من 1499 - 1501.
(16)
البيضاوى، طبعة Fleischer، جـ 2، ص 340 وما بعدها.
(17)
مولوى محمد على The Holy Our-an، الطبعة الثانية، لاهور سنة 1920، ص 1089 - 1092.
(18)
الواحدى، كتاب أسباب النزول، طبعة القاهرة سنة 1315 هـ، ص 325 - 327 مكيدة دبرت لأسماء بنت النعمان:
(19)
ابن سعد، جـ 8، ص 104.
(20)
البلاذرى، جـ 1، ص 457.
(21)
الطبرى، جـ 3، ص 2458.
(22)
ابن حجر، جـ 4، ص 443، 444. ما كان في حوزة حفصة من صحف القرآن.
(23)
البخارى، جـ 3، ص 393.
(24)
ابن الأثير، جـ 3 ص 86.
(25)
السيوطى، الإتقان، طبعة كلكته سنة 1857، ص 133 وما بعدها.
(26)
Geschichte des: Noeldeke-Schwally Qoran، جـ 2، ص 15، 19، 21، 23، 27، 43، 48، 67 والكشافات.
(27)
آيات القرآن (سورة التحريم الآيات من 1 - 5، وشرح المفسرين: وانظر جـ 1 ص 217.
(28)
Introduction to the Qur'an: R. Bell، ادنبرة، سنة 1945، ص 40، 42، 44، 97.
حسن شكرى (فتشيا فالييرى [L.Veccia Vaglieri]
التعليق على مادة حفصة:
لقد كفانا الدكتور محمد حسين هيكل الرد على ما أثاره كاتب هذه المادة من شبهات. وذلك في كتابه القيم: "حياة محمد"، قال:
وحدث أن كانت حفصة يومًا قد ذهبت إلى أبيها فتحدثت عنده. وجاءت مارية إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] وهو في دار حفصة وأقامت بها زمنًا معه. وعادت حفصة فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وهي أشد ما تكون غيرة، وجعلت كلما طال بها الانتظار تزداد الغيرة بها شدة. فلما خرجت مارية ودخلت حفصة على النبي [صلى الله عليه وسلم]، قالت له:"لقد رأيت من كان عندك، والله لقد سببتنى. وما كنت لتصنعها لولا هوانى عليك". وأدرك محمد [صلى الله عليه وسلم] أن الغيرة قد تدفع حفصة إلى إذاعة ما رأت والتحدث به إلى عائشة أو إلى غيرها من أزواجه، فأراد إرضاءها بأن حلف لها أن مارية عليه حرام إذا هي لم تذكر مما رأت شيئًا، ووعدته حفصة أن تفعل. لكن الغيرة أكلت صدرها فلم تطق كتمان ما به، فأسرته إلى عائشة. وأومأت هذه إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] بما رأى منه أن حفصة لم تصن سِرَّه. ولعل الأمر لم يقف عند حفصة وعائشة من أزواج النبي [صلى الله عليه وسلم]. ولعلهن جميعًا وقد رأين ما رفع من مكانة مارية قد تابعن عائشة وحفصة حين ظاهرتا على النبي [صلى الله عليه وسلم] على أثر قصة مارية هذه، وإن تكن لذاتها قصة لا شيء فيها أكثر مما يقع بين رجل وزوجه، أو بين رجل وما ملكت يمينه، مما هو حل له ومما لا موضع فيه لهذه الضجة التي أثارتها ابنتا أبي بكر وعمر محاولتين أن تقتصا لذاتيهما من ميل النبي [صلى الله عليه وسلم] لمارية. وقد رأينا أن شيئًا من الجفوة وقع بين النبي [صلى الله عليه وسلم] وأزواجه في أوقات مختلفة بسبب النفقة، أو بسبب عسل زينب، أو لغير ذلك من الأسباب التي تدل على أن أزواج النبي [صلى الله عليه وسلم] كن يَجِدن عليه أن يكون لعائشة أحب، أو أن يكون لمارية أهوى.
وبلغ من أمرهن أن أوفدن إليه يومًا زينب بنت جحش وهو عند عائشة تصارحه بأنه لا يعدل بين نسائه، وأنه لحبه لعائشة يظلمهن. ألم يجعل لكل امرأة يومًا وليلة! ثم رأت سودة انصراف النبي [صلى الله عليه وسلم] عنها وعدم بشاشته لها، فوهبت يومها وليلتها لعائشة إرضاء للرسول [صلى الله عليه وسلم]، ولم تقف زينب من سفارتها عند الكلام في ميل النبي عن العدل بين نسائه، بل نالت من عائشة وهي جالسة بما جعل عائشة تتحفز للرد عليها لولا إشارات من النبي [صلى الله عليه وسلم] كانت تهدئ من حدتها. غير أن زينب اندفعت ولج بها الاندفاع وبالغت في النيل من عائشة، حتى لم يبق للنبى [صلى الله عليه وسلم] بُدٌّ من أن يدع لحميرائه أن تدافع عن نفسها. وتكلمت عائشة بما أفحم زينب وسَرَّ النبي [صلى الله عليه وسلم] ودعاه إلى الأعجاب بابنة أبى بكر.
وبلغت منازعات أمهات المؤمنين في بعض الأحايين، بسبب إيثاره بعضهن بالمحبة على بعضهن، حدًا هم النبي [صلى الله عليه وسلم] معه أن يطلق بعضهم لولا أنهن جعلنه في حل أن يؤثر من يشاء منهن على من يشاء. فلما ولدت مارية إبراهيم لجت بهن الغيرة أعظم لجاج، وكانت بعائشة ألج. ومدَّ لهن في لجاج الغيرة بهن هذا الرفق الذي كان محمد [صلى الله عليه وسلم] يعاملهن به، وهذه المكانة التي رفعهنَّ إليها. ومحمد [صلى الله عليه وسلم] ليس خليًّا فيشغل وقته بهذا اللجاج ويدع نفسه لعبث نسائه، فلا بد من درس فيه حزم وفيه صرامه يرد الأمور بين أزواجه إلى نصابها، ويدع له طمأنينة التفكير فيما فرض الله عليه من الدعوة إلى رسالته. وليكن هذا الدرس هجرهن والتهديد بفراقهن، فإن ثبن إلى رشادهن فذاك، وإلا متعهن وسرحهن سراحًا جميلًا.
وانقطع النبي [صلى الله عليه وسلم] عن نسائه شهرًا كاملًا لا يكلم أحدًا في شأنهن، ولا يجرؤ أحد أن يفاتحه في حديثهن. وفى خلال هذا الشهر اتجه بتفكيره إلى ما يجب عليه وعلى المسلمين للدعوة إلى الإسلام، ولمد سلطانه إلى ما وراء شبه الجزيرة. على أن أبا بكر وعمر وأصهار النبي [صلى الله عليه وسلم] جميعًا كانوا في قلق أشد القلق على ما قُدِّر مصيرًا لأمهات
المؤمنين، وما يتعرضن له من غضب رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، وما يجر إليه غضب الرسول من غضب الله وغضب ملائكته، بل لقد قيل: إن النبي [صلى الله عليه وسلم] طلق حفصة بنت عمر، بعد الذي كان من إفشائها ما وعدت أن تكتمه. وقد سرى الهمس بين المسلمين أن النبي [صلى الله عليه وسلم] مطلق أزواجه، وأزواجه خلال ذلك مضطربات نادمات أن دفعتهن الغيرة إلى إيذاء هذا الزوج الرفيق بهن، هو منهن الأخ والأب والأبن وكل ما في الحياة وما وراء الحياة. وجعل محمد [صلى الله عليه وسلم] يقضى أكثر وقته في خزانة له ذات مشربة، يجلس غلامه رباح على أسْكُفَّتها (عتبتها) ما أقام هو بالخزانة، ويرقى هو إليها على جذع من نخل هو الخشونة كل الخشونة.
وإنه لفى خزانته يوم أو في الشهر الذي نذر فيه هجر نسائه على التمام، وقد أقام المسلمون بالمسجد مطرقين ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله [صلى الله عليه وسلم] نساءه، ويأسون لذلك أسى يبدو على وجوههم واضحًا عميقًا، إذ قام عمر من بينهم فقصد إلى مقام النبي [صلى الله عليه وسلم] بخزانته، ونادى غلامه رباحًا كى يستأذن له على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظر إلى رباح يروم الجواب، فإذا رباح لا يقول شيئًا علامة أن النبيّ لم يأذن. فكرر عمر النداء، ولم يجب رباح مرة أخرى. فرفع عمر صوته قائلا:(يا رباح استأذن لى عندك على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فإنى أظنه ظن أنى جئت من أجل حفصة. "والله لئن أمرنى بضرب عنقها لأضربن عنقها". وأذن النبي [صلى الله عليه وسلم]، فدخل عمر فجلس ثم أجال بصره فيما حوله وبكى. قال محمد: ما يبكيك يا بن الخطاب؟ وكان الذي أبكاه هذا الحصير الذي رأى النبي [صلى الله عليه وسلم] مضطجعًا عليه وقد أثَرَّ في جنبه، والخزانة لا شيء فيها إلا قبضة من شعير ومثلها من قرظ وأفيق (جلد) معلق. فلما ذكر عمر ما يبكيه علَّمه محمد من وجوب الإعراض عن الدنيا ما ردَّ إليه طمأنينته، ثم قال عمر: يا رسول الله، ما يشق عليك من أمر النساء؟ إن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. ثم انعكف يحدث
النبي [صلى الله عليه وسلم] حتى تحسَّر الغضب عن وجهه وحتى ضحك فلما رأى عمر ذلك منه ذكر له أمر المسلمين بالمسجد وما يذكرون من طلاقه نساءه. فلما ذكر النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه لم يطلقهن استأذنه في أن يفضى بالأمر إلى أولئك المقيمين بالمسجد ينتظرون. ونزل إلى المسجد، فنادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول الله [صلى الله عليه وسلم] نساءه. وفى هذه القصة نزلت الآية الكريمة:
وبذلك انتهى الحادث، وثاب إلى نساء النبي [صلى الله عليه وسلم] رشادهن، ورجع هو إليهن تائبات عابدات مؤمنات، وعادت إلى حياته البيتية السكينة التي يحتاج اليها كل إنسان لأداء ما فُرض عليه أداؤه.
ما قصصت الآن، عن هجر محمد [صلى الله عليه وسلم] نساءه وتخييره إياهن ومقدمات هذا الهجر ونتائجه والوقائع التي سبقته وأدت إليه، هو في رأيى الرواية الصحيحة لتاريخ هذا الحادث. وهى رواية يتضافر على تأييدها ما جاء في كتب التفسير وفى كتب الحديث، وما جاء متفرقًا عن أخبار محمد [صلى الله عليه وسلم] ونسائه في كتب السيرة المختلفة. بيد أنه لم تكن واحدة من هذه السير تَقُصُّ الحوادث أو تضع المقدمات والنتائج بالصورة التي سردناها ها هنا. وأكثر السير تمر بهذا الحادث مَرًّا دون أن تقف عندها؛ وكأنما تجده خشن الملمس فتخشى أن تقربه. وبعضها يقف عند رواية العسل والمغافير، ولا يشير بكلمة إلى مسألة حفصة ومارية. فأما
(1) سورة التحريم. الآيات من 1 - 5.
المستشرقون فيجعلون مسألة حفصة ومارية وإفضاء حفصة إلى عائشة بما عاهدت النبى [صلى الله عليه وسلم] أن تكتمه، سبب كل الذى وقع؛ ليحاولوا بذلك أن يضيفوا جديدًا لما يلقون فى روع قرائهم عن النبىّ [صلى الله عليه وسلم] العربى من أنه كان رجلًا محبًا للنساء حبًا معيبًا، وعندى أن المؤرخين المسلمين لا عذر لهم فى إغفال هذه الوقائع ولها مغزاها الدقيق الذى سقنا شيئًا من أمره، وأن المستشرقين يتخطَّون الدقة التاريخية متأثرين فى ذلك بهواهم المسيحى. فالنقد التاريخى النزيه يأبى كل الإباء على أى إنسان، بلَهْ عظيم كمحمد [صلى الله عليه وسلم]، أن يجعل من إفضاء حفصة لعائشة بأنها وجدت زوجها فى بيتها مع مولاة له هى ملك يمينه، فهى بذلك حِلُّ له. سببًا لهجر محمد نساءه جميعًا شهرًا كاملًا، وتهديده إياهن جميعا بأن يطلقهن. والنقد التاريخى النزيه يأبى كذلك أن تكون حكاية العسل سبب هذا الهجر والتهديد. فإذا كان الرجل عظيمًا، رفيقًا كمحمد [صلى الله عليه وسلم]، واسع الصدر طويل الأناة متصفًا بما لمحمد من سائر الصفات التى يقر له بها مؤرخوه على السواء، كان اعتبار أىّ الحادثين لذاته سببًا لهذا الهجر والتهديد بالطلاق مما يَزْوَرّ عند النقد التاريخى وينأى عنه بجانبه أشد النأى، وإنما يطمئن هذا النقد ويستقيم منطق التاريخ إذا سيقت الحوادث المساق الذى لا مفر معه من أن تؤدى إلى نتائجها المحتومة، فتصبح بذلك أمورًا طبيعية يسيغها العقل ويرضاها العلم. وما فعلنا نحن هو فى نظرنا المساق الطبيعى للحوادث، وهو الذى يتفق مع حكمة محمد [صلى الله عليه وسلم] وعظمته وحزمه وبعد نظره.
ويتحدث بعض المستشرقين عما نزل من الآيات فى مستهل سورة التحريم مما نقلنا هنا، ويذكر أن كتب الشرق المقدسة جميعا لم تشر إلى مثل هذا الحادث المنزلى على هذه الصورة. وما أحسبنا فى حاجة إلى أن نذكر ما ورد بالكتب المقدسة جميعًا والقرآن من بينها، عن قوم لوط ونقيصتهم، وما كان من مجادلتهم الملكين ضَيْفَى لوط، ولا ما ورد فى هذه الكتب عن إمرأته وأنها كانت من الغابرين. بل إن التوراة لتقص نبأ ابنتى لوط، إذ سقتا أباهما حتى ثمل ليلتين متتاليتين ليمس كل واحدة منهما ليلة كيما يخصبها فتلد،