المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌1 - تاريخها - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ٦

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌البحرين

- ‌التاريخ:

- ‌البحرين: الوضع السياسي الآن

- ‌إنتاج الزيت:

- ‌بحيرا

- ‌البخاري

- ‌تعليق على مادة البخاري

- ‌كتابه "الجامع الصحيح

- ‌شرط البخاري في صحيحه

- ‌نبأ وفاته

- ‌بدر

- ‌بديع

- ‌تعليق على مادة "بديع

- ‌بديع الزمان

- ‌براءة

- ‌براق

- ‌تعليق على مادة "براق

- ‌البرامكة

- ‌1 - أسرة فارسية من أبنائها الوزراء الأولون من الفرس للخلافة الإِسلامية

- ‌2 - خالد بن برمك

- ‌3 - الوزارة وسقوط البرامكة

- ‌4 - أفراد آخرون من أسرة البرامكة

- ‌5 - النسبة: البرامكة

- ‌البراهمة

- ‌برهان الدين أحمد

- ‌بسملة

- ‌تعليق على مادة بسملة

- ‌بشار

- ‌تعليق على مادة "بشار بن برد

- ‌بعث

- ‌تعقيب

- ‌بعل

- ‌تعليق على مادة "بعل

- ‌بغداد (العراق)

- ‌1 - تاريخها

- ‌2 - تخطيط المدينة القديمة

- ‌تعليق على مادة "بغداد" بغداد حديثًا

- ‌السيد عبد الرزاق الحسيني

- ‌التاريخ

- ‌بغداد خاتون

- ‌البغوي

- ‌تعليق على مادة "البغوي

- ‌بقي بن مخلد

- ‌البكري

- ‌بكاء

- ‌البلاذرى

- ‌البلاغة

- ‌تعليق علي مادة البلاغة

- ‌بلال بن رباح

- ‌بلغاريا

- ‌بلقيس

- ‌بلوجستان

- ‌الوصف العام

- ‌المناطق الرئيسية:

- ‌التقسيم السياسي:

- ‌بلوخستان الفارسية:

- ‌المناخ:

- ‌حروف النسبة:

الفصل: ‌1 - تاريخها

والذي شبّه على ابن حزم في هذا أنه سمع أخبارًا سماها "مستفيضة" أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل، وليس لهذا أصل صحيح، بل ورد فيه أثر رواه الحاكم في المستدرك جـ 2، ص 552 - 553) عن ابن عباس، وهو اثر ضعيف الإسناد جدًّا، والثابت الصحيح ينفيه، ففي صحيح البخاري (جـ 6، ص 285 - 286) حديث لابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة إبراهيم وإسماعيل، وفيه أن إسماعيل وهاجر بقيا وحدهما بجوار زمزم، حتى مرت بهم رفقة من جُرْهم، وأنهم استأذنوا في النزول عندها فأذنت، ثم قال في الحديث: "فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبّ الغلام وتعلم العربية منهم إلى آخر الحديث، فهذا نص صريح صحيح، عن خبر الصادق صلى الله عليه وسلم أن إسماعيل تعلم العربية من جرهم.

وبعد: فإذا كانت كلمة "بعل" العربية لها شبه بكلمة في نحو معناها من اللغات السامية، فليس معنى هذا أن العرب أخذوها منهم، ولا يدل على أن ما في القرآن الكريم مأخوذ من التوراة.

أحمد محمد شاكر

‌بغداد (العراق)

" بَغْداد": حاضرة العراق (بابل)(1) في الوقت الحاضر، وقد كانت فيما مضى قصبة العباسيين الزاهرة وعاصمة العالم الإسلامي، وهي الآن أعظم البلاد شأنًا في الولاية المعروفة بالاسم نفسه والتي كان يحكمها باشا فيما سلف، ويخترقها دجلة، وهي على خط عرض 39 ْ 19 َ شمالا وخط طول 44 ْ 44 َ شرقي كرينوتش.

‌1 - تاريخها

اسم بغداد -ونطقه الشائع الآن "بُغداد"- فارسى من غير شك، ومعناه عطية الله أو هبته. وقد روى في

(1) بابل مدينة قديمة كانت عاصمة دولة بابل، ما العراق فقطر مساحته 143000 كيلو متر، وبابل جزء صغير جدا من العراق الوسطى لا تتجاوز مساحته الخمسين كيلوا مترا.

(التحرير) =

ص: 1704

العصور الوسطى بصيغ مختلفة، منها بَغْدان وهي أكثرها ذيوعًا M. Streck: Babyylonien؛ جـ 1، ص 49 De Geoje المجلة الأسيوية، السلسلة العاشرة، جـ 3، سنة 1904 م، ص 159). وكان الناس يفضلون دائما هذا الاسم الجاهلى بغداد (1)" أما الاسم الذي أطلقه المنصور على المدينة التي أنشأها وهو "مدينة السلام" أو "دار السلام" فقد انحصر استعماله في الشئون الرسمية بصفة عامة، ومن ثم ضربت السكة به، وقد أخذ منه اللفظ اليونانى إيرونومولس. وتضاربت أقوال كتاب العرب تضاربًا كبيرًا في أصل هذا الاسم الأخير ومعناه، ولعل المنصور تفاءل به فاختاره لحاضرة ملكه.

ومن المؤكد أن دار السلام فيها إشارة إلى الجنة، لأننا نجد بعد ذلك أن بغداد أصبحت أحد المواضع الأربعة التي أطلق عليها المسلمون جنة الأرض، وهذه المواضع هي الأبلّة وغوطة دمشق ووادي بَوّان ببلاد فارس وبغداد،

= ويبلغ عد سكان جمهورية العراق 19.890.000 نفس والكثافة: 118 في الميل المربع. المناطق الحضرية 70 % والأعراق: عرب 85 % أكراد: 15 %.

الحكم: جمهورية يرأسها الرئيس صدام حسين التكريتى. المولود في 29 إبريل سنة 1937 والذي شغل منصبه في 16 يوليو سنة 1979 كما شغل منصب رئيس الوزراء في 29 مايو سنة 1994. تنقسم العراق إلى 18 قضاء (مديرية). والعملة: الدينار العراقي.

أعلنت العراق مملكة مستقلة سنة 1932.

وفي 1958 قامت ثورة أعلنت الجمهورية ووثقت علاقاتها بالاتحاد السوفيتى وتم تأميم معظم الصناعات الكبرى كما تم تفتيت الملكيات الزراعية الكبيرة. وحكم حزب البعث العربي الاشتراكى منذ سنة 1968، وفي 22 سبتمبر سنة 1980 خاض العراق وإيران حربا شعواء في نزاعات حدودية وفي مايو سنة 1982. عادت القوات العراقية إلى حدودها تاركة الأراضي الإيرانية التي كانت قد احللتها.

في 7 يوينو 1981 حطم سلاح الجو الإسرائيلى المفاعل النووي العراقي. وفي 1984 توسع نطاق الحرب العراقية الإيرانية لتهدء منطقة الخليج كلها. وانتهت هذه الحرب الشنيعة في أغسطس 1988 عندما قبلت العراق وقف إطلاق النار بناء على قرار الأمم المتحدة.

وفي 2 أغسطس سنة 1990 اجتاحت القوات العراقية أراضى دولة الكويت، فقررت الأمم المتحدة قطع العلاقات التجارية مع العراق ودعت كل أعضائها لتأييد عودة حكومة الكويت الشرعية. وقادت الولايات المتحدة تحالفا أخرج القوات العراقية من الكويت في 16 يناير 1991، د. عبد الرحمن الشيخ

(1)

قد تحقق اليوم أن اللفظة ليست بفارسية بل هي آرامية تفيد معنى باب الآله أو باب الضان أو دار العزل. فهي بل دودو أو بكداد أو بيت كدادا.

ص: 1705

ومهما يكن من شيء فإن الفرس قد فهموا مدينة السلام أو دار السلام على هذا المعنى، وشاهد ذلك أنهم نقلوه إلى لغتهم فقالوا "بهشت آباذ" أي موضع الجنة، أو الجنة العامرة إذا شئت التدقيق. وهم يستعملون هذه التسمية في الشعر غالبا كما يفعل الأتراك الذين نقلوها عنهم. وتنسب بغداد أحيانا إلى مَنشئها فيقال "المنصورية". ولها اسم آخر يشوبه الإبهام هو "الزَوْراء" ولعله صيغة عربية لكلمة إيرانية قديمة أكسبها خضوعها للصور القياسية الشائعة معنى جديدًا Baghdad: Le Strange) . ص 11، Babylonien: Streck، جـ 1، ص 50؛ Salmon، تاريخ الخطيب البغدادي، ص 94؛ Die Ab-: P. Schwarz basiden-Residenz Samarra ليبسك 1909، ص 38 وما بعدها).

وكثيرًا ما خلط الرحالة الأوربيون في القرون الوسطى بين بغداد وبابل كما خلطوا في بعض الأحيان بينها وبين سلوقية وطيسفون. فقد وردت بغداد في مؤلفاتهم باسم بابل Babel وبابَلونيا Babellonia وغيرهما من الأسماء المشابهة؛ وإطلاق هذه التسمية الأخيرة على بغداد شائع في التفاسير التلمودية لشيوخ العشائر البابلية في العصر العباسى وفي مصنفات اليهود المتأخرين. وكان بترو دلا فاله Pietro della Valle الذي عاش في بغداد بين عامي 1616 و 1617 م أول من دحض هذا الخطأ الذي فشا في عهده. وكان الغربيون إلى القرن السابع عشر الميلادي يعرفون بغداد بالصيغة المحرفة بلدخ Baldach أو بلدتشو Baldacco.

ومن المحقق أنه كانت هناك محلة منذ عهد سحيق في المكان الذي أصبح بعدُ مقر الخلافة. فقد وجد كل من رولنسون H. Rawlinson عام 1848 م وأوبيرت J. Oppert عام 1853 وبونيون وهاربر Pognon- Harper عام 1889 م قطعًا من الآجر نقش عليها اسم بختنصر الثاني مأخوذة من محجر لا يزال جزء منه باقيا إلى اليوم على الضفة الغربية لدجلة (1) (H.Rawlinson

(1) لم يبق أي جزء من هذا الأثر ظاهرا، وقد يجوز أن هناك جزءًا صغيرًا منه قد غمرته مياه دجلة.

ص: 1706

في Encycl. Britan، مادة بغداد، المجلد الثاني، ص 234، عمود 1؛ Herodotus: G. Rawlinson، لندن 1852، جـ 1، ص 513؛ Exped.: J. oppert Scientif، جـ 1، ص 92؛ The: Harper Academy 1880، رقم 877، ص 139). وهناك بقايا بناء يشبه هذا المحجر أسفل المدينة الحالية بالقرب من قناة الحِرَ.

وليس لدينا حتى اليوم دليل يؤيد الزعم القائل بأن بغداد رسمت في النقوش المسمارية بصيغة "بكدادو" لأننا إذا أخذنا بهذا أصبح في مقدورنا أن نقرأ "حُدَ دو" بدلا من "كُدُرّو" وهو الاسم المشكوك فيه لمكان ظهر لأول مرة على حجر من معالم الحدود للملك البابلى "مردخ بلادان" الأول الذي حكم من عام 1194 إلى 1182 ق م Scheil: Deleg. en Perse ، جـ 6، 1905، ص 31 وما بعدها؛ Mitt. der Vorderas: Streck Ges، جـ 11، ص 227) زد على هذا أنه ليس من المعقول أن اسما لا شك في إيرانيته يرجع إلى مثل هذا العهد السحيق، كما أن ما ذهب إليه ليتمان Littmann من أن هذا الاسم ورد في نقوش ثمود مشكوك فيه (Euting، رقم 565، Mitt.der Vorderas Gas: Littmann، جـ 4، ص 28)، ونجد من جهه أخرى أنه من المقطوع به أن هناك إشارتين في التلمود إلى بغداد في العصر الجاهلى، فقد وردت فيه بصيغة. (انظر Beitr. z. Geogr. u.: Berliner .Ethnogr. Baby loniens im Talmud u Midrasch، برلين سنة 1883، ص 25) ويمكن الرجوع إلى بحث بلوشيه - Blo chet فيما يختص باحتمال ورود بغداد في نص يهلوى باسم بكداد) Bolchet في Recueil de Travaux جـ 17، ص 170).

ووضعت مدينة "ثلثى" في موقع بغداد بمصور بطلميوس (بطلميوس، جـ 6، ص 1) كما أن مدينة ستاكى التي وردت بمصنف أكسينفون (Anabasis، 4، 13) كانت مجاورة لموقع بغداد (انظر R. Kieperl في Formae orbis antipul جـ 5 عام 1910، ص 6).

ومن الخطأ أن نقول إن إسكى بغداد التي فوق سامراء هي أصل مدينة بغداد الحالية، استنادًا إلى أن

ص: 1707

كلمة إسكى معناها بالتركية قديم. وإن كانت هذه التسمية لم تنشأ إلا منذ عهد قريب، فقد جرت العادة بأن تسمى الأطلال باسم المدينة الشهيرة التي تجاورها، وشاهد ذلك قولنا إسكى موصل. ويطلق اسم بغداد على مكان آخر فقط في المشرق هو تل بغداد في الجنوب الشرقي من الرها أسفل خط عرض 37 شمالا.) Reise in Syr.: Sachau u. Mesop، ص 216).

وأجمع كتاب العرب على أن المنصور لم يشيد مدينته في إقليم خلو من السكان، وذكروا بيانا كاملًا بأسماء محلات جاهلية أخذت تندمج تدريجًا في الأماكن التي شملتها العاصمة العباسية فيما بعد. وكانت بغداد أهم هذه الأماكن، وهي قرية نصرانية من أعمال بادوريا على الضفة اليسرى لدجلة، ويلوح أنها كانت تشمل المدينة المدوّرة التي بناها المنصور، كما أنها أضحت نواة لحاضرة العباسيين الجديدة، بل إن بغداد قد أخذت اسمها الشائع منها. ويجب أن نبحث عن معظم المحلات القديمة التي كان جل سكانها من النصارى الآراميين في النصف الجنوبي الذي أصبح فيما بعد الجانب الغربي للمدينة التي على الضفة الغربية لدجلة، في نطاق الحى الكبير الذي به السوق الكبيرة، أي في الكرخ وما جاور الكرخ شرقا وغربا. وفي هذا الإقليم قرى أصلها ساسانى نذكر منها ما يلي: بيَاورَى أو بَناوري ويال وشَرْوانية؛ وسونايا (وقد أصبح اسمها فيما بعدَ "العَتيقة")؛ ووَرْدانية؛ وورْثال أو ورْثالا.

وأخذت مدينة الكرخ اسمها من قرية قديمة سابقة لها في العهد أسسها الملك الساسانى سابور الثاني الذي حكم من عام 309 إلى 379 م. وكلمة الكرخ تقابل في الآرامية كلمة كرخا ومعناها مدينة.

وكانت "بَراثا" التي على مسافة من الشمال الغربي للكرخ بليدة قائمة بذاتها قبل عهد العباسيين، ولكن الجانب الغربي من بغداد اتسع بمرور الزمن فاحتضنها. وكانت قريتا الخطابية والشَرفانيّة موجودتين في النصف الشمالي من هذا الجانب قبل أن يحل عهد المنصور. وقد عرف هذا النصف فيما بعد بحى الحربية.

ص: 1708

ويقول أكسينفون إن الإكميئيين كانوا يملكون حدائق فسيحة في إقليم بغداد عند ستّاكه Sittake . وهذا القول ينطبق أيضًا على ملوك الفرس المتأخرين. وأنشئت عمائر في حديقتين من هذه الحدائق الساسانية فكونتا حيين هما دار عمارة بن حمزة وبستان القَسّ. وابتنى الساسانيون بالقرب من مصب نهر عيسى قصرًا أطلق عليه فيما بعد اسم "قصر عيسى". وأقيم في عهدهم قنطرة وصلت هذه البقعة بالضفة الشرقية لدجلة. وفي هذا المكان أقيم فيما بعد جسر من القوارب وصل بين قصر الخلفاء وقصر عيسى. وكان هناك جسر آخر مشيد في الجاهلية فوق قناة الصراة في الجنوب الغربي من الكوفة، ويعرف هذا الجسر بالقنطرة العتيقة. ولا يوجد من الأماكن التي في شرقي دجلة ما يرجع عهده إلى ما قبل العباسيين سوى سوق الثلاثاء عدى نهر المُعَلَّى ومحدة المُخَرم، وهي أول محلة سكنت في عهد عمر بن الخطاب. وليست هناك صلة بين سوق الثلاثاء وثالثا المذكورة في بطلميوس (جـ 5، ص 19)، لأن ثلثى لا ثالثا هو الموضع الذي يتفق وموقع بغداد في مصور بطلميوس. ويؤكد كتاب العرب أيضًا أن المكان الذي أصبح فيما بعد مقبرة الخيزرانية كان قبل عهد المنصور مقبرة للمجوس. ولا شك في أن معظم أديرة النصارى التي ازدهرت في بغداد إبان العهد الساسانى قد شيد في الجاهلية، ولدينا من الشواهد الأصلية ما يفيد أن قصر الخلفاء المعروف بالخلد على الضفة الغربية لدجلة شيد مكان دير قديم، وأن مكانا من الأمكنة التي عند ملتقى الصراة بدجلة قد أنشئ لمثل هذا الغرض، كما نستدل من الاسم الذي أطلق عليه في عصور متأخرة وهو "الدير العتيق".

ولم يكن لمحلة من هذه المحلات القديمة الكائنة في الموقع الذي قامت عليه بغداد فيما بعد أي شأن من الناحيتين السياسية والتجارية. ولذلك فإننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن المدينة التي ابتناها المنصور ثانى خلفاء العباسيين كانت مؤسسة جديدة بمعنى الكلمة.

ص: 1709

وجرت العادة في المشرق أن يعقب تغير الأسرة الحاكمة انتقال مقر الحكم، وقد كان من المتعين على العباسيين بصفة خاصة أن يتخلوا عن دمشق قصبة أسلافهم التي ظلت على ولائها للأمويين، لأن هذه المدينة كانت قريبة من حدود الروم كما كان مركزها القاصى ناحية الغرب لا يلائم دولة تمتد أراضيها من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر السند. ومن السهولة بمكان أن نتوقع أن تنقل الأسرة الحاكمة الجديدة مقر ملكها من الشام، وهو إقليم فقير ضئيل الشان. إلى العراق الغنى بموارده الطبيعية. زد على هذا أن إقليم العراق قدر له أن يكون حلقة الاتصال بين العالم السامى والعالم الإيرانى فأصبح بذلك واسطة العقد بين العنصرين الرئيسيينَ اللذين تألفت منهما الجماعة الإسلامية. ومما يجدر ذكره أيضًا أنه فضلا عن أن جل قوة العباسيين كانت في فارس لاعتمادهم على جند خراسان، فإنه لا شك في أنه كانت لهم مصلحة خاصة في نقل حاضرتهم ناحية المشرق، وما إن قاموا بتأسيسها حتى غدت ذات خطر في السياسة والثقافة.

وإنا لنجد أيضًا أن السفاح أول خلفاء بنى العباس قد اتخذ مقره على ضفتى الفرات فلم يختر البصرة أو الكوفة، وهما المدينتان الكبيرتان اللتان كانتا موجودتين منذ الفتح الإسلامي الآول للعراق. وبديهى أن هذا لم يأت عفوًا. فقد كان أهل الكوفة نزاعين إلى الشغب هواهم مع العلويين، أما البصرة فكانت لا تصلح حاضرة للدولة بالنسبة لموقعها في الجنوب. وكذلك فضل السفاح الهاشمية بالقرب من الأنبار. وشيد خلفه المنصور مقرًا له بهذا الاسم على مقربة من الكوفة ولكنه سرعان ما تخلى عنه لأنه كان مجاور، للكوفة البغيضة إلى نفسه لتعصبها للعلويين، وبحث المنصور عن مكان جديد يصلح مقرًا لحكمه وجنده، واختار آخر الأمر بقعة على دجلة فوق مصب نهر عيسى، وهو أكبر قناة هن قنوات الفرات، وكان في هذه البقعة كما سبق أن بينا قرية تعرف ببغداد وعدة محلات صغيرة أخرى.

ويجدر بنا أن نعترف بأنه قد تحقق الطالع الذي أنبأ الخليفة بحسن هذا

ص: 1710

الموقع وصلوحه لتشييد حاضرته الجديدة، والحق أن الخليفة لم يكن أمامه أطيب منه، لأن الأرض الخصبة التي تمتد بين دجلة والفرات عند اقتراب أحدهما من الآخر حيث تصل بينهما قنوات صالحة في بعض أجزائها للملاحة فتألف من هذا كله مجموعة مائية منظمة، وحيث يصب ديالى (1) في دجلة فيكون ممرا طبيعيا يمكن بواسطته الوصول إلى الهضاب الإيرانية المرتفعة، هذه الأرض كانت على الدوام موطنا للحضارة ومهدًا للثقافة الشرقية القديمة ومركزًا للتجارة وملتقى عدة طرق تصل بين مختلف الأمم. فقد تعاقبت في هذه البقعة الحواضر العظيمة مثل بابل وسلوقية وطيسفون، وورثت مدينة الخلفاء الجديدة هذه الحواضر، وكانت على مسيرة يوم (سبعة فراسخ أو حوالي أربعين كيلو مترًا) من طيسفون العاصمة التي سبقتها في الزمن مباشرة.

والحق أن امتداد البطائح في المجرى الأسفل للفرات جنوبي بابل وصعوبة الاتصال الملاحى المتزايدة بالخليج الفارسى يفسر لنا لماذا كان موقع العاصمة منذ العهد السلوُقى يختار دائمًا على نهر دجلة.

وضع المنصور أول حجر في بناء عاصمته الجديدة عام 145 هـ (762 م) وجمع العمال من بابل وغيرها، ويقال أن عددهم بلغ مائة ألف، فأتموا في أربع سنوات انشاء مدينة عظيمة على الشاطئ الغربي لدجلة وفق خطة تجعلها مدوّرة وبنى في وسطها قصر الخليفة المعروف بباب الذهب أو القبة الخضراء، والمسجد الجامع، وجلبت معظم الأحجار اللازمة للبناء من أطلال طيسفون المجاورة، وقد نشأت المدينة بمعناها الحقيقي حول نواة مدورة ثم قسمت إلى أحياء ضفصلة وسرعان ما اتسعت اتساعًا كبيرًا، ومن الواضح أن المنصور قد شعر سريعًا أنه منعزل في قصره لتزايد السكان من حوله، أو لعله لم يكن آمنا على نفسه، فشيد بعد بضع سنوات من بناء المدينة المدورة

(1) يغلط معظم كتاب الشرق في كتابة هذا العلم "ديالى" بالتاء الملفوفة وصوابه الألف المقصورة.

عبد الرراق الحسينى

ص: 1711

قصرًا آخر على دجلة خارج أسوار المدينة وإلى الشرق منها: هو قصر الخُلْد. ولا يعتبر المنصور مشيد الجانب الغربي من بغداد، أي المدينة التي على الضفة اليمنى لنهر دجلة فحسب، بل إنه يعتبر أيضًا مشيد القسم الشرقي الذي بنى بعد الأول. وفي عام 151 هـ (768 م) شيد عدة مبان في شمالي المدينة لولده وولى عهده المهدي، وأهم هذه المبانى قصر الرصافة.

ولم يكن المنصور يقصد بحال أن ينشئ حاضرة الدولة في بغداد بل كان غرضه أول الأمر هو إقامة مدينة على مقربة من الكوفة يعسكر فيها جنوده الخراسانيون، ولذلك قسم الأراضي التي حولها إلى قطاعات وزعها بين أقاربه ومواليه وقواد جيشه، وفعل مثل هذا عندما ابتنى الرصافة. وقد أورد اليعقوبى والخطيب البغدادي بيانًا بهذه الإقطاعات.

وينقسم تاريخ بغداد الذي يبدأ بالمنصور إلى عهدين عظيمين: الأول عهد بنى العباس الذي دام خمسمائة سنة، وكانت فيه بغداد -فيما خلا فترة تبلغ خمسة وخمسين عامًا- قصة دولة إسلامية عظيمة شاسعة الأطراف، وغدت مركز الحياة العقلية وأهم مركز تجارى للشرق الأدنى، وكسفت شمسها حواضر الولايات في العالم الإسلامي بل إنها احتلت أرفع مكان في العالم المتمدين في ذلك العهد بفضل اتساعها وازدهارها وثروتها. أما العهد الثاني فيبدأ بسقوط الخلافة العباسية إلى وقتنا هذا، ولم تكن هذه المدينة في هذا العهد سوى حاضرة ولاية من الولايات، اللهم إلا فترات كانت خلالها المشتى المختار لبعض الإيلخانية. وهكذا كانت حالها إبان الحكم التركى، فقد ظلت مدة طويلة عالية المكانة باعتبارها قصبة أكبر ولايات الترك وأهمها: كانت تعادل مصر أو تأتى بعدها. وتقلصت رقعة ولاية بغداد منذ ذلك الحين، وضعف لذلك سلطانها السياسي وانحصرت أهميتها شيئًا فشيئًا في الناحية التجارية، واستعادت في هذه الناحية الكثير من مجدها القديم وظلت محتفظة به إلى يومنا هذا. والحق إن تاريخ بغداد بأكمله في عهدها الأول هو في الواقع تاريخ بنى العباس، ولذلك

ص: 1712

فإنه يجدر بنا في هذا المقام أن نقتصر على فذلكة خاصة بتطور التاريخ المحلى لهذه المدينة بمعناه الضيق.

بلغت بغداد أزهى عصورها في القرن الذي أعقب وفاة المنصور، أو بوجه أدق في عهد خلفائه الخمسة من المهدي إلى وفاة المأمون، أي من عام. 159 إلى 218 هـ (775 - 833 م)، إذ كانت مساحة المدينة خمسة أميال مربعة أو ستة في الوقت الذي أرتقى المهدي فيه العرش، ولما نقل هذا الخليفة بلاطه إلى الرصافة، أي الحى القائم على الشاطئ الشرقي لدجلة، اتسع هذا القسم من المدينة سريعا، واستقرت هناك في الوقت نفسه الأسر الغنية وأتباعها من العبيد والموالى الذين يبلغون بضعة آلاف، وشيدت في هذا القسم قصور فخمة أجملها القصر الذي كان مسرحًا للهو والسرور وهو قصر أسرة البرامكة المشهورة ذات الحول والطول الذي انتقل إلى بيت الخلافة بسقوط هذه الأسرة الفجائى، وأصبح بذلك نواة المبانى العظيمة التي كان يتألف منها قصر الخلفاء على الشاطئ الشرقي لدجلة، وفي بداية حكم الرشيد، ولعله أزهى عهود المدينة، أصبح القسم الشرقي ينافس في الاتساع القسم الغربي.

وبعد عامين من وفاة الرشيد اشتجر الخلاف بين ولديه الأمين والمأمون. وحوصرت بغداد لأول مرة في تاريخها ودام هذا الحصار أربعة عشر شهرًا. وحوالى نهاية عام 196 هـ (812 م) أطبق جند هرثمة وطاهر، قائدى المأمون، على الأمين في بغداد وعزل هرثمة الجانب الشرقي الذي لم يكن يحميه سوى سور سرعان ها أزاله، بينما عسكر طاهر أمام باب الأنبار فسيطر بذلك على الجانب الغربي، وحدثت مناوشات بين جنود الأخوين المتقاتلين، ودب الشجار بين جنود الحامية والسكان اليائسين، وامتلأ زمن الحصار بالدسائس والغدر على اختلاف أنواعه ورزح الجانب الغربي تحت المجانيق، وتخرب الجزء الأكبر من نصفها الشمالي المعروف بالحربية.

ووجد الخليفة نفسه آخر الأمر منعزلا في قصر الخلد على شاطئ دجلة، وها لبث أن وقع في الأسر وهو يحاول الفرار، وقتل في أوائل عام 198 هـ

ص: 1713

(813 م) وبموته رفع الحصار وأصبحت بغداد المزدهرة خرائب ورمادًا لأول مرة في تاريخها. فقد دمرت النيران أحياء بأكملها وأتت على سجلات الدولة كلها، ولم ينتعش الجانب الغربي الذي كان أكثر تعرضا للنيران من سواه بل أنه لم يعد إلى ما كان عليه من اتساع. والطبرى هو المصدر الذي ينبغي الرجوع إليه في أخبار الحصار الأول لاستفاضة روايته ولما أورده في وصف المدينة من التفاصيل الدقيقة القيمة، أضف إلى ذلك أن ما ذكره الطبري هو أقدم ما وصل إلينا في هذا الموضوع (الطبري، جـ 3 ص 864 - 925؛ Gesch. der Chalifen: Weil ص 190 وما بعدها؛ Mueller: Der Islam جـ 1، ص 501 وما بعدها؛ Baghdad: Le Strange ، ص 303، 306، وما بعدها).

وأثار موت الأمين سخط أهل بغداد، وتمكن إبراهيم بن المهدي العباسى بفضل الخلاف بين الناس الذي اتخذ صورة الشغب من أن يستولى على بغداد ويصبح صاحب الأمر فيها ما يقرب من عامين، غير أن خيانة قواده أجبرته على تسليم المدينة وزمام الحكم إلى الخليفة المأمون. وقد ألحق الحصار الذي حدث في عهد الأمين ضررًا جسيما بقصرى الخليفة، وهما قصر الذهب في سرة مدينة المنصور المدورة وقصر الخلد على دجلة، فنقل المأمون مقر الحكم إلى الجانب الشرقي من المدينة، واستولى على قصر البرامكة السابق ذكره وبسط في رقعته. وفي عهد خلفه المعتصم الذي حكم من عام 218 إلى عام 227 هـ (833 - 842 م) قدر لبغداد أن تنزل عن مركزها الممتاز باعتبارها حاضرة الدولة إلى بليدة ضئيلة الشأن هي سامراء على مسيرة ثلاثة أيام من منبع النهر، وذلك لمدة خمس وخمسين سنة. فتحولت سامراء في طرفة عين إلى مقر فخم للخلافة. والسبب المباشر لنقل مقر الخلافة إلى هذه المدينة عام 221 هـ (836 م) هو أن أهل بغداد أسخطتهم قسوة الجند الخليط من الترك والبربر الذين غدوا في عهد المعتصم جيشا عدته حوالي سبعين ألف مقاتل، لأن الاحتفاظ بمثل هذه الحامية الكبيرة في حاضرة الدولة أمر محفوف بالصعاب، ويلوح أن

ص: 1714

حرمان بغداد من بلاط الخليفة وعمال الدولة لم يحل بينها وبين التقدم؛ وكانت هذه النقلة تشعر بأنها لحست الحظ موقوته لا يرجى استمرارها طويلا. وكان يحكم بغداد خلال هذه الفترة عمال معظمهم هن أسرة بنى طاهر القوية النفوذ.

وفي هذه الفترة التي تعرف بالعصر السامرائى في تاريخ الخلافة حدث الحصار الثاني لبغداد الذي شغل من عام 251 هـ (865 م) تقريبًا. وأخد استبداد العمال في سامراء يشتد شيئًا فشيئًا، وكان الترك يقتتلون فيما بينهم، ففر المستعين إلى بغداد في القسم الأصغر من جنده، أما القسم الأكبر من الجنود الترك فقد بقى في سامراء وبايعوا المعتز ابن عم المستعين بالخلافة، ولم يجد المستعين فسحة من الوقت يتم فيها السور حول الجانب الشرقي بأسره والجانب الغربي من بغداد، إذ فاجأه المعتز على رأس جيش وبدأ يحاصر الحاضرة القديمة.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلها المحاصرون في الدفاع عن أنفسهم خوفًا من عودة الحكم التركى الباطش واستماتتهم في الدفاع، فإن المستعين بضعفه وتردده اضطر إلى التسليم آخر الأمر بشروط مهينة، وتنازل عن كل حق له في الحلافة. وبينما قضى الحصار الأول الذي حدث في عهد الأمين على ادهار الجانب الغربي من بغداد إلى الأبد فإن الحصار الثاني الذي حدث في عهد المستعين أصاب الجانب الشرقي بأضرار جسيمة، وتخربت أهم أحيائه كالرصافة والشماسية والمخرم وأعيد بناء أجزاء منها فقط بعد ذلك (انظر أخبار هذا الحصار الثاني في الطبري، جـ 3، ص 1553 - 1578، weil: كتابه المذكور جـ 2، ص 385 وما بعدها، Mueller: كتابه المذكور جـ 1، ص 528، Le Strange كتابه المذكور، ص 311 وما بعدها)، وظلت الأمور بعد الحصار على اضطرابها وسادت القلاقل وأعمال الشغب في الأعوام 249 هـ (863 م) و 253 هـ (867 م) و 255 هـ (869 م) بنوع خاص. (Weil: كتابه المذكور، جـ 2، ص 381 وما بعدها، ص 402 وما بعدها ص 412).

ص: 1715

وأخذ مركز الخليفة في سامراء يتحرج شيئًا فشيئًا لأنه كان في الواقع تحت رحمة القواد من مرتزقة الترك، ولذلك فإن المعتمد سابع الخلفاء بعد المعتصم هجر قصر الخلافة عام 279 هـ (892 م)، وهو القصر الذي اختاره سلفه المعتصم وجعل بغداد حاضرة الدولة للمرة الثانية، ولم يكن يزعجها الترك والبربر الذين كان يحزم أمرهم أخوه الموفق: وظلت حاضرة للدولة لا تنازعها في ذلك مدينة اخرى حتى سقطت دولة بنى العباس. وبين رجوع الخلفاء إلى الحاضرة القديمة ودخول أمراء بنى بويه خمسون عامًا امتازت بامتداد قصر الخليفة امتداد، عظيما في الجانب الشرقي، وأظهر الخلفاء الثلاثة الذين تولوا بعد المعتمد -وهم المعتضد والمكتفى والمقتدر- نشاطًا فائقًا في هذا السبيل، وشيدت في العهد نفسه عدة قصور وحدائق شغلت نحو ثلث مساحة الجانب الشرقي بأسره، وكانت تفصلها أسوار عن بقية المدينة، وسرعان ما انشأت أحياء جديدة مكتظة بالسكان حول الحى الفسيح الذي يشغله قصر الخليفة.

وساد السلام بغداد في عهدى الخليفتين الحازمين المعتضد والمكتفى، إذ أن الجند من الأتراك لم يجسروا على رفع رءوسهم في هذه الحقبة، ولكن ما إن مات المكتفى حتى أخذت سلطة الخلفاء في التدهور السريع، وازدادت القلاقل على مر الأيام في العاصمة وبخاصة فتن الجند المصحوبة بالحرائق وأعمال السلب والشغب مما أدى إلى اضمحلالها السريع

[شترك M. Streck]

وتحسنت الأحوال عندما استولى على بغداد معز الدولة أحمد الديلمى البويهى عام 334 هـ (945 م) وجمع في يده ما كان للخلفاء من سلطان، واستمر الحكم في بيته أكثر من قرن، واستولى الأمير البويهى في الجزء الشمالي من الجانب الشرقي على قصر الأمير السابق مؤنس وبنى هو وحلفاؤه من ذوي الميل الفني على توالى الزمن عدة قصور فخمة في ذلك الجزء من المدينة الذي أصبح قفرًا منذ حصار عام 251 هـ وقد عرفت جميع هذه القصور باسم "دار المملكة": ومما تجدر الإشارة

ص: 1716

إليه أن عضد الدولة أعاد بناء قصر الخلد الذي كان للمنصور وجعل منه بيمارستان، وأثارت ميول بنى بويه الشيعية في كثير من الأحيان عدة فتن.

وبينما كان أهل الكرخ في الجانب الغربي على ما عرف عنهم من نشاط يميلون إلى التشيع. كانت الأحياء الأخرى يسكنها أناس معظمهم من أهل السنة، ولهذا لم يستطع البويهيون قط أن يعيدوا المدينة إلى ما كانت عليه في أزهى أيامها، ولو أن السبب الأساسي الذي من أجله فشلت جهودهم هو انقسام البيت البويهى نفسه بعد وفاة عضد الدولة عام 372 هـ (983 م) واقتتال أفراده، وانغمست بغداد في هذا النضال أكثر من مرة، وسادتها الفوضى في كثير من الأحيان، وكانت المعارك الدموية بين أهل السنة والشيعة وبين الترك والديلم، هي الصفة الغالبة على هذا العهد، وانتهز العامة فرصة هذه القلاقل فأعملوا السلب والنهب بما تشتهيه نفوسهم، واستمرت الأحوال على هذا المنوال إلى أن وزر ابن المُسْلمة للخليفة القائم بأمر الله، فطلب العوَن من طغرل بك السلجوقى، ودخل هذا بغداد عام 447 هـ (1055 م). وبعد مضى بضع سنوات، أي في عام 450 هـ (1059 م) شبت فتنة البساسيرى الذي أمر بأن تكون الخطبة باسم الخليفة الفاطمى، وعلى ذلك اضطر العباسيون إلى هجر المدينة، ولكن هذا الأمر لم يدم طويلًا، فما إن رجع طغرل بك بعد ذلك بعام حتى أجبر البساسيرى على مغادرة المدينة، استعاد الخليفة القائم سلطانه عليها. فأضحت الخلافة منذ ذلك الوقت في حماية آل سلجوق الأقوياء، ولم يكن أمراء هذا البيت يقطنون بغداد وقتذاك، بل إن ألب أرسلان لم يزر تلك الحاضرة قط، ولكنهم أقاموا من قبلهم حاكما عسكريًّا نيط به العملَ على استتباب الأمن في المدينة، وكان ملكشاه أول من زارها منهم. ولم يقتصر في ذلك على زيارة واحدة، بل زارها مرات، وعقد عزمه في سنيه الأخيرة على أن يجعل منها مشتى له، ولهذا الغرض أصلح قصر بنى بويه الذي أقام فيه، ووسَّعه ووضع أساس المسجد الجامع المعروف بجامع السلطان، وعاجلته منيته في سن

ص: 1717

مبكرة، فلم يستطع إتمامه، فأكمل بعد وفاته ببضع سنين عام 524 هـ (1130 م)، وأقيمت في بغداد وفي غيرها من المدن عدة مدارس منها المدرسة النظامية التي أنشأها الوزير المشهور نظام الملك عام 457 هـ (1065 م) وسرعان ما ذاع صيتها وكانت في الجزء الجنوبي من الجانب الشرقي قريبة من ضفاف دجلة.

واشتهر الخليفتان المقتدى، وحكم من عام 467 إلى عام 487 هـ (1075 - 1094 م) والمستظهر، وحكم من عام 487 إلى عام 512 هـ (1094 - 1118 م) بشغفهما بإقامة العمائر، ففي أوائل حكم المستظهر بنى سورًا حول الجانب الشرقي لبغداد حيث يقيم الخلفاء، أي في الحى المعروف باسم الحريم وما جاوره من أحياء وهذا السور بأسره هو عين سور بغداد بصورته التي بقيت إلى وقت مدحت باشا في القرن الماضي. ويقول ابن حوقل (طبعة ده غويه، ص 164 تعليق، انظر، ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ 11، ص 260) إن الخليفة المستضئ، هو الذي بنى هذا السور عام 568 هـ (1173 م) ولو أن المستظهر هو الذي بدأ بنايته على التحقيق. ويقول ابن جبير الذي وصف هذا السور بعد ذلك ببضع سنين أي عام 581 هـ (1185 م)، إن لهذا السور أربعة أبواب نذكرها مبتدئين من الجانب الذي يلي دجلة ناحية الشمال:

(1)

باب السلطان ويعرف الآن بباب المعَظَّم.

(2)

باب الظفرَّية، ويعرف الآن بالباب الوسطانى.

(3)

باب الحلْيَة، وهو الآن مسدود.

(4)

باب البصلية، ويعرف الآن بالباب الشرقي، وقد أطلق عليه نيبور Neihuhr اسم قرا لق قابى (قرانلق قابى).

وساد بغداد السلام بصفة عامة في القرنين الأخيرين من العهد العباسى، وكانت الحرائق بطبيعة الحال تشب كثيرًا بين الحين والحين، كما حدث في عام 466 هـ (1074 م) 554 هـ (1159 م) و 614 هـ (1217 م) وغمرها الفيضان الخطر عدة مرات، ولم تكن

ص: 1718

الفتن وأعمال الشغب نادرة الحدوث، وكان المجرمون وقطاع الطريق يلقون الرعب في قلوب سكان المدينة، ولكن بغداد لم ترزح تحت حصار شديد الوطأة إلا مرة واحدة على يد السلطان محمد الثاني السلجوقى عام 551 هـ (1157 م) وقد قص علينا أخبار هذا الحصار على اختلافها شاهد عيان هو الكاتب والمؤرخ عماد الدين Recueil de textes retatifs a l'histoire des Seldinucides . جـ 2، ص 246 - 255) واضطر هذا السلطان آخر الأمر إلى الارتداد عنها دون أن يظفر بطائل.

وابتنى اثنان من الخلفاء المتأخرين منشآت لا تزال باقية إلى يومنا هذا، أولهما هو الخليفة الناصر لدين الله الذي رمم باب الحلية عام 618 هـ (1221 م) وزينه بنقشى كان أول من عرفنا به نيبور، ودرسه حديثًا كل من متوخ Mittwoch (في johrbuch der koen. preuss. Kunstsammlungen المجلد 26، ص 19)، وبرشم) M. van Berchem في Archaeologische Reise in Euphrat-und Ti gris، Gebiet. Arabische Inschriften ص 35).

وقد فصل البحاثة برشم الكلام عن نقش رائع يزين حنيتى العقد الذي يعلو الباب -المسدود الآن- والمؤدى إلى البرج ويعرف الآن بباب الطلسم. أما الخليفة الثاني المستنصر بالله فقد ابتنى مدرسة نستدل من نقش نشره نيبور لأول مرة أنها بنيت عام 630 هـ (1232 - 1233 م؛ M.Berchem ، الكتاب المذكور، ص 43). ولا تزال هذه العمارة قائمة على ضفة دجلة عند جسر القوارب، وهي الآن دار المكوس. والحق إن جزءًا كبيرًا من النقش القديم اختفى وحل محله نقش آخر جديد. وهناك نقش آخر للخليفة المستنصر على جامع الخلفاء يرجع تاريخه إلى عام 633 هـ (1235 - 1236 م) واختفى هذا النقش الآن، وربما كانت مئذنة سوق الغزل القديمة التي لا تزال قائمة إلى اليوم هي مئذنة هذا الجامع. وقد نشر أوبنهيم Oppenheim صورة لهذا النقش في كتابه (Vom. Mitteimee zum pers Golf، جـ 2، ص 240) والراجح أن يكون الخليفة المستنصر قد رمم جامع الخلفاء وليس هو الذي شيده. ويقوم هذا

ص: 1719

الجامع وسط المدينة شرقي المستنصرية، ويقال إنه نفس جامع القصر الذي شيده الخليفة المكتفى الذي حكم من عام 289 إلى عام 295 هـ (902 - 907 م). وهو من أهم مساجد المدينة (Le Strange: كتابه المذكور، ص 522 وما بعدها).

ووصل هولاكو وجنوده من المغول والترك إلى أسوار بغداد في المحرم من عام 656 هـ (يناير 1258 م) وفي الرابع من صفر (10 فبراير) وجد المستعصم آخر خلفاء بنى العباس نفسه مضطرًا إلى التسليم دون قيد ولا شرط. وقتل بعد ذلك بعشرة أيام هو وأفراد كثيرون من أهل بيته بينما نهبت المدينة وأحرقت، ولكنها لم تخرب بأسرها كغيرها من المدن التي فتحها هولاكو، لأنه كان يريد أن يتخذ منها عاصمة له، فنجده على العكس من ذلك قد أمر بترميم عدد من العمائر التي أصابها التخريب أكثر من سواها، مثل جامع القصر الذي سلفت الإشارة إليه.

ولما كنا لا نستطيع أن نفصّل القول في تاريخ بغداد هنذ فتحها المغول فسنقتصر على المعالم البارزة منه: كانت المدينة حتى عام 740 هـ (1339 - 1340 م) تابعة للمملكة الإيلخانية أو الهولاكية وجعلت حاضرة للعراق العربي. وفي هذا العهد زارها الرحالة المشهور ابن بطوطة عام 727 هـ (1327 م) ومما يدعو إلى الأسف أن وصفه لها مأخوذ في جملته من ابن جبير (رحلة ابن بطوطة، طبعة باريس، جـ 2، ص 100 وما بعدها). ويرجع وصف حمد الله مستوفى إلى هذا العهد أيضًا، أي إلى عام 740 هـ (1339 م). وفي عام 740 هـ ظهر حسن بزرك واستقل بالأمر فيها وأسس الدولة الجلائرية، وقام بتشييد مدرسة تم بناؤها في عهد ولده أونس، ولعل هذا كان عام 758 هـ (1357 م)، وسميت المرجانية نسبة إلى أمير يدعى مرجان، ولا يزال بناؤها قائمًا، وقد نشرت النقوش التي عليه: نشر نيبور جزءًا منها ونشرها كلها برشم (كتابه المذكور ص 45 وما بعدها).

واستمر حكم الأسرة الجلائرية إلى عام 1410 م، وفي أيامها استولى

ص: 1720

تيمور على بغداد مرتين؛ الأولى عام 795 هـ (1392 - 1393 م) ولم يلحق المدينة هن فتحه ضرر جسيم. أما في المرة الثانية، عام 803 هـ، (1410 م) فقد ذُبح أهلها وخرب الكثير من المساكن والمنشآت العامة. ورجع السلطان أحمد الجلائرى إلى بغداد بعد وفاة تيمور عام 807 هـ (1405 م) وأصلح بقدر استطاعته الأسوار التي دمرها تيمور، ولم ينقض وقت طويل حتى قتله قره يوسف أمير القطيع الأسود من التركمان عام 813 هـ (1410 م) واستولى رجاله على المدينة، وظلت في حوزتهم إلى عام 872 هـ) (1467 - 1468 م) وهنالك انتزعها منهم تركمان القطيع الأبيض يقودهم أوزون حسن. وفي عام 914 هـ (1507 - 1508 م) غزا الشاه إسماعيل الصفوى بغداد وظلت في حوزة خلفائه إلى عام 941 هـ (1534 م). واستعاد الشاه طهماسب المدينة للصفويين من يد ذي الفقار عام 936 هـ (1530 م). وكان هذا الزعيم الكردى قد جعل الخطبة باسم السلطان سليمان الأول العثمانى أمدًا وجيزًا. وفي عام 941 هـ (1534 م) دخل السلطان سليمان الأول مدينة بغداد، وظل يحكمها منذ ذلك الوقت وال من قِبل الأتراك إلى أن طلب الثائر بكير صوباشى معونة الشاه عباس الأول الصفوى فاستولى هذا على المدينة عام 1033 هـ (1623 م)، ولم يكن الترك عازمين بحال من الأحوال على ترك المدينة، فاستعادوها عام 1048 هـ (1638 م) بقيادة السلطان مراد الرابع نفسه. وسد مراد بهذه المناسبة باب الطلسم، ورمم عدة أضرحة مثل ضريح أبي حنيفة في قرية المعظم الحديثة على الشاطئ الشرقي لدجلة شمالي بغداد، وضريح عبد القادر الجيلانى بداخلها. وفي هذا العهد هبطت بغداد إلى الدرك الأسفل، ويقول تافرنييه Tavemiei عام 1652 إن سكانها في ذلك الحين بلغوا 14.000 نسمة فقط.

وأضحت بغداد من جديد قصبة ولاية تركية يحكمها هي والبصرة وال واحد في بعض الأحيان، وقد زودنا كل من نيبور وإيوارببيان بأسماء هؤلاء

ص: 1721