الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حياته وأعماله
(1293 - 1377 هـ ، 1876 - 1958 م)
* أسرته:
ينحدر (1) الشيخ محمد الخضر حسين من أسرة عريقة في العلم والدين والشرف؛ إذ ينتمي جميعها إلى التصوف والدين والعلم، كما تنتمي إلى النسب النبوي الشريف، ومن أجل هذا كان لشيوخها -في عصرهم- مكانة مرموقة بين معاصريهم.
ويعود أصل الأسرة إلى جنوب الجزائر، وإلى بلدة (طولقة) بالذات، وهي تبعد زهاء الأربعين كيلومتراً عن مدينة "بسكرة" الواقعة في جنوب القطر الجزائري، وهي تابعة اليوم لولاية "قسنطينة".
يقول أحد تلاميذه:
"هو محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف، وأسرته ترجع
(1) هذا البحث مكرر حرفياً في كتاب "تونسيون في تاريخ الحضارات" للأستاذ الباحث والمحقق والشاعر محمد بوذينة - منشورات محمد بوذينة - الحمامات تونس - الطبعة الأولى/ أكتوبر 1998 م.
والثابت أن الأستاذ محمد بوذينة نقله عن الأستاذ محمد كرو.
ونشر الأستاذ محمد بوذينة هذه الترجمة للإمام محمد الخضر حسين ضمن "سلسلة مشاهير" تحت رقم 135.
إلى بيت العمري (بطولقة) بيت العلم والمجد والشرف".
"وطولقة مركز دائرة الزيبان الأكبر، والزبيان الأصغر مركزه سيدي عقبة، على بعد 18 كم من بسكرة".
"ووالد المترجَم له كان رحل منذ قرن (1) من طولقة إلى نفطة صحبة مصطفى بن عزوز، إذ كان متزوجاً بابنته، شقيقةِ العلامة الشيخ المكي بن عزوز. . . "(2).
وعلى هذا. . يكون الشيخ الخضر جزائري الأصل عن طريق أبيه وأمه معاً.
ويبدو أن الأسرة هاجرت من جنوب الجزائر إلى بلاد الجريد، واستقرت ببلدة "نفطة" إِثر الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830، وكان بين أفرادها الشيخ الحسين والد المترجم له، ولعل هجرتها كانت في منتصف القرن الماضي، بعد أن أخذ الغزو الفرنسي يكتسح مناطق الجنوب الجزائري.
ولد الشيخ محمد الأخضر (3) بن الحسين في بلدة "نفطة"(4) الجميلة في منطقة الواحات -الجريد - بالجنوب الغربي التونسي، يوم (26 رجب
(1) كتب هذا سنة 1958، فيكون تاريخ الرحيل حوالي منتصف القرن الماضي.
(2)
الطيب بن عيسى: جريدة - المشير - عدد 17 - 2 - 1958.
(3)
هكذا كان ينعت في طفولته وشبابه. وهناك نادرة تروى عن سبب إبداله الأخضر بالخضر، وهو إبدال اقترحه عليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، رفيق دراسته وتدريسه في الزيتونة، وصديقه مدة الحياة.
(4)
ثاني مدينة في بلاد الجريد بعد عاصمتها توزر.
عام 1293 هجرياً، الموافق ليوم 26 جويلية يوليو سنة 1876 ميلادية).
وكانت وفاته في القاهرة يوم (12 رجب أيضاً عام 1377 هجرياً، الموافق للثاني من فيفري سنة 1958 ميلادية). وبذلك يكون الشيخ الخضر قد عاش أربعة وثمانين عاماً قمرياً، أو اثنتين وثمانين سنة شمسية.
وبين ميلاده ووفاته، وخلال هذه العقود الثمانية من حياته، اتسعت آفاقه، وامتلأت صحائفه بجلائل الأعمال، وبالأمجاد العلمية والوطنية والدينية العريضة.
* في العاصمة:
ففي عام (1306 هـ / 1888) انتقل الطفل محمد الأخضر الذي نُعت فيما بعد بالخضر، وهو في الثالثة عشرة من عمره، مع والده وأسرته إلى العاصمة حيث أتم تعلمه الابتدائي، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بجامع الزيتونة في العام الموالي (1307/ 1889)، فواصل فيه تعلمه إلى أعلى مراحل تعليمه؛ أي: إلى شهادة التطويع، وكانت معظم العلوم المقررة يومئذ دينية ولغوية. ولكنه تتلمذ على عدد من الشيوخ البارزين الذين كان لهم في نفسه أثر محمود ظل يذكره بالثناء والتقدير إلى آخر حياته. ولعل أهم هؤلاء الشيوخ: سالم بو حاجب (ت 1923)(1)، وعمر بن الشيخ (ت 1911)(2) ومحمد النجار (ت 1913)(3)، وقد درس التفسير على الأخيرين، ودرس
(1) انظر عنه: كتاب "أركان النهضة الأدبية بتونس"(ص 16 - 20).
(2)
انظر عنه: مجلة "الثريا"(س 1 ع 1 ص 3 - 5)(1 - 12 - 1943).
(3)
انظر ترجمته بقلم الشيخ الخضر: مجلة "الهداية الإسلامية"(3 ج 1 ص 53 - 55)، أو في كتابه "تونس وجامع الزيتونة"(ص 97).
"صحيح البخاري" على الشيخ سالم بو حاجب الذي اشتهر بميوله الإصلاحية، وبكثرة المتتلمذين عليه، وشدة تأثيره الإصلاحي فيهم؛ مما ساعد على ظهور عدد كبير من رجال الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي في عهده، والعهود الموالية إلى عصرنا الحاضر. .
ولا شك في أن مترجمنا الشيخ محمد الخضر كان من أنبغ تلاميذه، وأكثرهم تأثراً به، وعملاً بتعاليمه ومذهبه في الإصلاح.
وفي عام (1316/ 1898) نال شهادة التطويع، وهي شهادة سميت بهذا الاسم؛ لأنها تتيح لحاملها أن يتطوع بإلقاء الدروس في الزيتونة نفسها.
وكان هذا التطويع أمراً شائعاً في عصره، بل كان مرقاة للظفر بالمناصب العلمية والدينية، كما كان ميداناً للخبرة والتدريب العلمي على مهنة التعليم.
* رحلة قصيرة:
ويظهر أن الشيخ كان محباً للأسفار، وطموحاً إلى الشرق منذ البداية، وهي سنّة كانت الحياة العلمية بتونس تجري عليها منذ القدم. فقد حاول الشيخ في هذا الوقت السفر إلى الشرق عن طريق ليبيا، ولكنه لم يتجاوز مدينة "طرابلس"، ثم عاد ليتطوع في العام الموالي لتخرجه بالتدريس بين سواري الجامع الأعظم.
ورغم هذا التطوع كان مطية للشهرة، واكتساب الخبرة العلمية للمتخرجين الجدد، لا سيما للأذكياء والمتفوقين، فإن الشيخ الخضر لم ينل من تطوعه ذاك ما كان يرجوه منه من اهتمام ذوي الشأن به، خاصة مشيخة الجامع التي كانت مكونة من نظار عديدين، ولكنهم جميعاً منحدرون من عائلات تقليدية برجوازية احتكرت العلم الرسمي، كما احتكرت جميع المناصب العليا في
الإفتاء والقضاء والتدريس، ولم يكن أي متخرج زيتوني من أبناء (الآفاق)(1) يستطيع أن يشق طريقه بسهولة، ولا أن يفوز بأي منصب يتقدم إليه أحد أبنائهم.
غير أن الشيخ الذي لم ينل لدى هؤلاء من الاعتبار والمكانة ما هو جدير بهما، فقد نال شهرة كبيرة وتقديراً عالياً لدى طلاب الزيتونة، وفي الأوساط العلمية والأدبية خارج الجامع، مما حمل الشيخ على الدخول في الحياة العامة بشكل بارز، وبأسلوب جديد.
* السعادة العظمى:
فقد أسس أول مجلة صدرت بتونس عام 1904 هي مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها نصف شهرية، وتتابعت أعدادها إلى رقم واحد وعشرين، أي: قرابة العام.
ويبدو أنه تخلى عنها ليتولى منصب قاض شرعي ببنزرت عام 1905، كما تولى الخطابة والتدريس بجامعها الكبير.
* دفاع عن الحرية:
"على أن هذه الوظائف لم تكن لتقيده عن القيام بواجباته الاجتماعية والإصلاحية، والمجاهرة بالدعوة إلى الإصلاح الديني والوطني. وذلك منه خلاف ما كان شائعاً -يومئذ- بين الموظفين في دوائر حكومة الحماية؛ إذ تعود الشعب أن لا يرى منهم إلا ما يرضى السلط العليا، لهذا كانت أقل حركة يقوم بها الموظف خارج الإدارة -ولو كانت مشاركة في نشاط ثقافي
(1) أي: المدن والقرى بداخل القطر.
أو جمعيات أدبية -فإن الرؤساء-أي: ممثلي الاستعمار - ينزعجون منها، ويتوعدون الموظف بأوخم العواقب، ولا غرو، فإن الجمعيات الأدبية إنما تهدف إلى معاضدة اللغة العربية، لا الفرنسية، الأمر الذي يعتقد أولئك الرؤساء -الأجانب- أنهم لم يأتوا من وراء البحر لتأييده" (1).
ولكن الشيخ الخضر ليس من هؤلاء الموظفين الخانعين الذين يجد لديهم المستعمر كل طاعة وعون وخضوع. لذا نراه يتقدم بأول محاضرة علنية قامت في تونس عن الحرية، وهي المحاضرة التي ألقاها الشيخ الخضر في نادي قدماء الصادقية عام 1906 بعنوان "الحرية في الإسلام"، والتي طبعت بعدُ بكتاب مستقل. وهي من الأعمال الأولى الدالة على شجاعته ووطنيته وحبه لبلاده.
"ولما كان الرجل حراً بطبيعته، فقد أحس بأن الحكومة -الاستعمارية إذ ذاك- تحاول أن تطفئ منه ذلك النور المشع، وتقتل روحاً نشيطة لا زالت متأججة بين جنبيه؛ ليكون على ما عودت به سائر موظفيها من السكون والاستسلام في ظل مرتب يأتي بانتظام. لما أحس بذلك أبى أن يكون ذلك المستضعف المغبون، فقدم استقالته، وأصر على قبولها"(2)، فقبلت منه. وبذلك تحرر من أعباء الوظائف التي للاستعمار يد وسلطان عليها. ومن ثم عاد للعاصمة ليلقي دروسه العلمية تطوعاً في جامع الزيتونة. وهنا بدأت إدارة الجامع تهتم به، فكلفته -ضمن لجنة- بوضع فهارس لمكتبات جامع
(1) عن مجلة "العرب"(م 3 ج 1 ص 28 - 29) بتصرف زهيد.
(2)
المرجع نفسه بتصرف بسيط.
الزيتونة (1)، ثم شارك في مناظرة للتدريس من الطبقة الثانية، ففاز بها في عام (1325/ 1907)، ثم عين أستاذاً في العام الموالي بالمدرسة الصادقية. وبين توليه لهذين المنصبين عرضت عليه سلطات القضاء الاستعماري أن يكون عضواً في المحكمة المختلطة التي كانت تختص بالقضايا التي يكون فيها أحد الطرفين أجنبياً، فرفض الشيخ أن يكون قاضياً أو مستشاراً في محاكم تعيش في ظل الاستعمار، ولخدمة أغراضه ومصالحه، وهو موقف مشرف آخر من مواقفه المجيدة الكثيرة.
* في الخلدونية:
وفي هذا العام انتدبته الجمعية الخلدونية ليلقي دروس الآداب والإنشاء على طلابها، وكان إلى جانب هذه المهام التدريسية الثلاث: في الزيتونية، والصادقية، والخلدونية -وهي أعلى معاهد تونس يومئذ، وكلها لم تكن معاهد للعلم فقط، بل كان خريجوها هم أقطاب الحركات الوطنية والاجتماعية والدينية والفكرية، لا في تونس وحدها، بل في المغرب العربي كله- إلى جانب مهامه التدريسية تلك، كان يواصل إلقاء المحاضرات، ونظم القصائد، وكتابة المقالات في مختلف شؤون الحياة التونسية. فمن محاضراته على منبر الخلدونية وقدماء الصادقية محاضرة عن "حياة اللغة العربية"، وأخرى عن "حياة ابن خلدون"، وثالثة عن "الدعوة إلى الإصلاح".
* داعية للإصلاح:
وخلال هذه الفترة كان يحث الطلاب على المطالبة بإصلاح التعليم
(1) طبع من هذه الفهارس أربع مجلدات، شملت المخطوط والمطبوع.
الزيتوني، وعلى تنظيم صفوفهم في جمعية طالبية، وقد تكللت دعوته بالنجاح؛ إذ أسس الطلبة الزيتونيون أول منظمة طالبية في تونس عام 1907، وشرع الطلبة يطالبون يالإصلاح بإيعازه وتوجيهه الخفي لهم، حتى تطور الأمر إلى إعلان أول إضراب عن التعليم قام به الطلاب بتونس، وهو الإضراب الذي أعلنه طلاب الزيتونة يوم 16 أفريل عام 1910، وكان عددهم يومئذ زهاء السبع مئة طالب (1). وقد فطن الاستعمار إلى أن المحرك الحقيقي للطلاب إنما هو داعية الإصلاح الشيخ محمد الخضر حسين؛ مما جعل سلط الاحتلال تنظر إليه بريبة، وتعتقد فيه -رغم ما يظهر عليه من هدوء واعتدال- خطراً جسيماً يهيئ للاستعمار أجيالاً من الثائرين والمشاغبين.
* عصر الشيخ:
وكانت تونس في هذا العهد (2) تعج بالحركة والنشاط في ميدان الإحياء والبعث، وفي ميدان الكفاح الوطني، فقد كان حزب (تونس الفتاة) بزعامة المرحوم علي باش حانبة، ينبه الشعب من غفوته، ويحاول تنظيم صفوفه للقيام برد الفعل بعد صدمة الاحتلال العنيفة. كما كانت الحركة الفكرية تعج بالمناقشات والدعوات للنهوض والبناء من جديد، وكان الصراع شديداً بين دعاة التطور، وبين المحافظين، ولكن العلاقات بين قادة الكفاح الوطني وبين رجال الفكر والأصلاح كانت قوية متماسكة، رغم الاختلافات الجزئية بينهما في منابع الثقافة، أو في أهداف الإصلاح وعمقه ومداه.
(1)"أركان النهضة الأدبية"(ص 42)، وانظر تفصيلاً أكثر عن حركة الطلاب في "الحركة الأدبية والفكرية بتونس"(ص 96 - 99).
(2)
انظر عن هذه المرحلة: "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي"، و"هذه تونس".
يؤكد لنا المعاني موقف الأستاذ علي باشا حانبة من ذلك الإضراب الذي أعلنه الزيتونيون، حين حضر إلى جامع الزيتونة، وخطب فيهم معلناً تأييده التام، وممجداً لحركتهم، ومفاخراً بأنه يعتبر نفسه زيتونياً مثلهم؛ إذ كان قد تردد على دروس الجامع مدة عامين، كما أعلن فتح أعمدة جريدته "التونسي" لنشر كل ما يهم قضيتهم (1).
ويظهر أن السلط الاستعمارية بدأت منذ إضراب الطلاب تراقب الشيخ الخضر (2)، وتحاول انتهاز أي فرصة لإزعاجه، ولكنه -بما عرف عنه من هدوء في الطبع، وميل إلى قلة الكلام، واعتدال في الرأي- لم يتح للاستعمار أو للرجعية المتعاونة معه أي فرصة لذلك، غير أن الظروف المعاكسة أتاحت للاستعمار هذه الفرصة، كما ساندته فيها العقلية البرجوازية المسيطرة على الحياة في جامع الزيتونة يومئذ.
* الجهاد الليبي:
أعلنت إيطاليا الحرب على ليبيا المحكومة من طرف الأتراك العثمانيين، ومعظم البلاد العربية الأخرى، وكانت الحركات الوطنية والدينية في جميع البلاد العربية ذات صلة أو نزعة تميل للخلافة؛ إذ تراها الجامعة الوحيدة التي تجمع بين المسلمين، والتي يمكن أن تشد أزرهم في كفاحهم ضد الحكم والاحتلال الأجنبي.
وكانت تونس في هذا العهد قد شعرت بواجبها نحو جارتها الشقيقة ليبيا، فهبت لمساندة المجاهدين الطربلسيين بالقول والعمل وبالمتطوعين،
(1)"الحركة الأدبية"(ص 98).
(2)
انظر كتب: "معركة الجلاز"، "هذه تونس"، "الحركات الاستقلالية".
فتأسست لجان الهلال الأحمر لجمع التبرعات للمجاهدين، ومدهم بالمساعدات الطبية والمدنية؛ كما كانت الحركة الوطنية تساعدهم بالرجال والمال والسلاح.
وكانت الصحافة الحرة والوطنية تؤيد الكفاح المسلح الذي يخوضه أهل ليبيا دفاعاً عن وطنهم.
ورغم أن الشيخ الخضر لم يكن منخرطاً في أي تشكيل حزبي، فإنه بنزعته الإسلامية وما يجيش في نفسه من حب للحرية وتعلق بها، هبَّ -هو الآخر- يساندهم بشتى الطرق، ومن ذلك قصيدته المطولة التي نشرها بصحف تونس، والتي حث فيها المواطنين على مساندة الجهاد الليبي، بل ودعاهم هم بدورهم إلى القيام بعمل مماثل في بلادهم، ومطلع هذه القصيدة كافٍ وحده للدلالة على هذه الأفكار؛ إذ يقول فيه:
ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا
…
يكفي مضاجعنا نومٌ دها حقبا
وكان ما كان بعد هذا من نفي زعيم الحركة الوطنية يومئذ المرحوم علي باش حانبة إلى الخارج عقب الاشتبكات الدموية التي قامت بين المواطنين وبين الجالية الإيطالية، وبينهم وبين سلط الاستعمار، إثر الحوادث المعروفة بحوادث الترمواي، وبمعركة الجلاز (1).
وكان واضحاً -بعد هذا كله- أن الخضر حسين لم يعد ينظر إليه بعين الرضا (2)، ولكن الاستعمار لم يجد أي حجة -مهما كانت واهية- للقيام بأي
(1) انظر كتب: "معركة الجلاز"، "هذه تونس"، "الحركات الاستقلالية".
(2)
"أركان النهضة. . ."(ص 52).
عمل ضده. غير أن الشيخ الخضر لم يعد يطيق الحياة في تونس، بعد أن أعلنت الأحكام العرفية فيها، وعطلت الصحافة الوطنية دفعة واحدة، وبعد أن نفي أو سجن معظم القادة والمفكرين الوطنيين (1). بعد كل هذا وجد الشيخ الخضر نفسه يعيش في جو مكبوت ومكفهر، ومحبوك بالمؤامرات والأحابيل الاستعمارية، فحاول تغيير الجو على نفسه، والتنفس خارج حدود الوطن، فقام بعدة سفرات متوالية إلى الخارج، كانت أولاها إلى الجزائر عام (1327/ 1909).
* في الجزائر:
وفي الجزائر لقي من أهلها وعلمائها ترحيباً، وصدى لنزعته الدينية الإسلامية، فطاف بعدد من المدن الجزائرية، وألقى فيها العديد من المحاضرات والدروس الدينية. ثم عاد إلى تونس، فكانت هذه الرحلة بداية جديدة لحياة جديدة شرع الشيخ الخضر في بنائها لنفسه، ولأفكاره وميوله الإصلاحية (2).
ولم يلبث بعد عودته إلا قليلاً حتى شرع يعد نفسه للقيام برحلة طويلة، عبر البلاد العربية والإسلامية التي تعيش تحت ظل الخلافة العثمانية.
* انجذاب للآستانة:
وكان معظم مفكري تونس ورجال الحركات الوطنية والدينية فيها يومئذ، يشعرون برابطة قوية، وبانجذاب كبير نحو عاصمة الخلافة، والبلدان التابعة لها، ويرون فيها كلها مراكز إشعاع خاص للدين والفكر والثقافة، بل
(1) "الحركات الاستقلالية
…
" (ص 42).
(2)
"أركان النهضة الأدبية"(ص 42).
وللحرية أيضاً، ويظهر أن النزعة الاستقلالية والانفصالية عن الخلافة التي كانت قد بدأت تنتشر بين كثير من الحركات والزعماء في الشرق لم تجد لها صدى في تونس يومئذ؛ إذ كان جميع الزعماء والعلماء الذين ينفون من تونس، أو يهاجرون منها، يقصدون رأساً عاصمة الخلافة. وهو أمر يسهل تفسيره وتبريره في تلك الظروف.
* المكي بن عزوز:
ولكن الشيخ الخضر كان يجذبه لبلاد الشرق ولعاصمة الخلافة بالذات حافز آخر، بالإضافة إلى ما كان يجذب غيره، وهو الجاذب العائلي والنفسي، فقد كان خاله العلامة الشيخ المكي بن عزوز قد سبقه إلى الهجرة إلى المشرق في ظروف مماثلة تقريباً (1)، واستقر في الآستانة عاصمة الخلافة بالذات، ونال فيها حظوة ومكانة مرموقة، كما نشر فيها العديد من كتبه ورسائله العلمية (2)، فكان هذا الحافز العائلي محركاً آخر خاصاً بالشيخ الخضر. أما العنصر النفسي، فهو تشوقه الدائم إلى الشرق، ورغبته في أن يرى مهبط الوحي، وأماكن الإسلام الأولى، خاصة وأن نهضة الشرق في ميدان العلوم والآداب والصحافة، كانت متقدمة أشواطاً عن مثيلاتها في المغرب العربي؛ لأسباب تاريخية واستعمارية معروفة.
وزاده شوقاً إلى الرحلة: إقدام مواطن آخر من أهل الجريد على الهجرة
(1) انظر عنه: "الحركات الاستقلالية"(ص 47 - 48)، و"معجم المؤلفين"(ج 12 ص 49، وج 13 ص 4).
(2)
أحصينا من هذه الكتب والرسائل زهاء السبعين عنواناً، بين مطبوع ومخطوط، وننوي أن نكتب عنها وعن صاحبها بحثاً مستقلاً.
في تلك الظروف بالذات، بعد أن كافح كفاح الأحرار والأبطال في ميدان الصحافة والدفاع عن حقوق الشعب. وهذا الرائد البطل هو الصحفي المغامر الشيخ الهاشمي ابن المكي صاحب جريدة "أبو قشة"، الذي ناله من اضطهاد الاستعمار لحريته ولصحفه وكلماته الشيء الكثير، حتى اضطر عام 1909 إلى الهجرة إلى الشرق الأقصى بعد الاستقرار بعض الوقت بطرابلس حيث أعاد إصدار صحيفة "أبو قشة" المعطلة بتونس (1).
* الحدث الحاسم:
كل هذه العوامل حركت في الشيخ نوازع السفر. ولكن عاملاً آخر حاسماً حدث في عام (1330/ 1912) حين شارك الشيخ الخضر في مناظرة للتدريس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وكان هو في الطبقة الثانية، فحرم من النجاح باطلاً وعدواناً، وهو النجاح الذي كان يستحقه "بما أبدى من الكفاءة والتفوق"(2)؛ إذ أن لجنة المناظرة، وهي مكونة من شيوخ تقليديين، قدمت عليه أحد أبنائها، رغم تفوق الشيخ الخضر عليه علماً وأدباً، ومقدرة في إلقاء درس المناظرة بالذات، فحز في نفسه أن تكون سياسة الظلم والمحاباة مسيطرة على الحياة العلمية بتونس، وعلى علماء الزيتونة الكبار بالذات.
ويظهر لي: أن الشيخ الخضر بدأ منذ هذه الحادثة يفكر جدياً في الهجرة نهائياً إلى الشرق، ولكنه فضل القيام برحلة استطلاعية لمعرفة الأحوال هناك.
(1) توفي بأندونيسيا سنة 1942. انظر عن حياته ونضاله كتاب "كفاح صحفي" للأستاذ علي مصطفى المصراتي.
(2)
"أركان النهضة الأدبية"(ص 42).
فسافر في هذا العام نفسه إلى الآستانة ماراً بمصر والشام، وقد دون لنا الشيخ الخضر وصفاً أدبياً واجتماعياً لهذه الرحلة نشره تباعاً في جريدة "الزهرة"(1)، وعقب عودته في 2/ 10/ 1912 (2) منع من التدريس بالمدرسة الصادقية لأسباب واهية للغاية (3)، فأدرك الشيخ أن الاستعمار والرجعية قد تحالفا ضده. وأن الأمور قد تتطور إلى ما هو أسوأ، فقرر الهجرة نهائياً إلى الشرق، فهاجر في نفس السنة (4)، وكان معة إخوته الأربعة، وبينهم أخواه العالمان: الشيخ المكي ابن الحسين (5)، وأخوه الشيخ زين العابدين الذي بقي مستقراً إلى الآن في دمشق (6).
(1)"المرجع السابق"(ص 42).
(2)
في "الأدب التونسي"(ج 2 ص 197) أنه عاد إلى تونس في (ذي الحجة 1330 نوفمبر 1912) بينما أكد لي شخصياً المرحوم محمد الصالح المهيدي بأنه عاد بحراً في اليوم الثاني من كتوبر 1912. وقد أكد العودة بحراً محب الدين الخطيب مجلة "الأزهر" (29 ص 738)، و"الديوان" (ص 115 و 164).
(3)
أكد المهيدي أيضاً أن فصله من التدريس بالصادقية كان بحجة غيابه عن افتتاح المعهد بيومين؟!
(4)
أي: سنة 1912 التي يتفق أولها مع أواخر سنة 1330، ويتفق آخرها مع أوائل سنة 1331 الهجرية، وقد ظن بعضر مترجميه أنه هاجر سنة 1330، ثم عاد زائراً لتونس في 1331. وقد يكون هذا الظن مبنياً على أن أسرته (والدته وإخوته) قد هاجروا فعلاً سنة 1330 هـ.
(5)
عاد إلى تونس بعد سنوات، واستقر بها إلى وفاته سنة 1963، وهو شاعر، واشتهر أكثر بتنقيباته وأبحاثه اللغوية. انظر عنه:"الأدب التونسي"(ج 1 ص 193 - 201).
(6)
له عدة كتب ورسائل مدرسية ودينية مطبوعة.
وإلى هنا تكون المرحلة الأولى من حياة الشيخ الخضر قد انتهت، وهي مرحلة استغرقت نصف حياته تقريباً.
* المرحلة الثانية بين التنقل والاكتشاف:
وبسفره إلى المشرق بدأت أيضاً المرحلة الثانية، التي أسميها: بمرحلة التنقل والاكتشاف. حيث إن الشيخ الخضر قد زار في هذه المرحلة الجزائر ومصر والشام والحجاز والآستانة وألبانيا، ومعظم بلاد البلقان التي كانت خاضعة للحكم العثماني، ثم استقر بدمشق مع عائلته. وكانت سورية يومئذ تحت الحكم العثماني. وقد عين الشيخ الخضر -عقب استقراره بدمشق- أستاذاً في المدرسة السلطانية بها حيث مكث إلى عام (1336/ 1917). وكان خلال إقامته بدمشق مثابراً على نفس النشاط العلمي والإصلاحي الذي كان يقوم به في تونس، فكان يكتب المقالات، ويلقي المحاضرات والدروس الدينية والأدبية واللغوية (1)، ويدعو إلى التضامن العربي التركي في ظل الخلافة الإسلامية. وهو في ذلك يدعو عن عقيدة قوية صادقة، أساسها ثقافته الدينية من ناحية، وإحساسه الخاص من ناحية أخرى، والبيئة الفكرية والسياسية التي نشأ وترعرع فيها بتونس من ناحية ثالثة.
* في السجن:
ورغم ما كان عليه دائماً من اعتدال في كل شيء، فإن السفاح المعروف باسم جمال باشا الحكم التركي لبلاد الشام، والذي كان يحمل أفكاراً عنصرية معادية لكل جنس غير الجنس الطوراني، قد زج بشيخنا في السجن، إثر حركة
(1) مجلة "الأزهر"(مجلد 29 ص 740).
القمع الواسعة التي قام بها هذا السفاح في سوريا ولبنان، والتي أعدم فيها عدداً كبيراً من رجال الوطنية والفكر في كلا البلدين (1)، وكانت التهمة الموجهة للشيخ الخضر هي: أنه كان على علم بالحركة السرية المعادية للأتراك، والتي كان الأحرار من زعماء سوريا ولبنان ينظمونها ضد الاحتلال والحكم التركي لبلادهم. وقد مكث الشيخ الخضر في السجن مدة ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، "وكان في زنزانة واحدة هو والأستاذ سعدي بك الملا، الذي تولى رئاسة الحكومة اللبنانية بين الحربين العالميتين"(2)، ثم قدم للمحاكمة، فثبتت براءته، وأطلق سراحه.
ولم يكن الشيخ الخضر في سجنه يشعر بأي خوف على حياته، فهو يعتقد من ناحية أنه بريء، ومن أخرى هو يعلم أنه إن قتل كغيره من العلماء العرب، فإنه سيموت شهيداً في سبيل الإسلام، ولم يكن يؤلمه شيء في السجن سوى أنه لا يجد قلماً ولا ورقاً ليسجل خواطره، ويكتب أفكاره وأشعاره، وفي هذا وذاك يقول الشيخ الخضر:
غلّ ذا الحبس يدي عن قلمٍ
…
كان لا يصحو عن الطرس، فناما
هل يذوذ الغمض عن مقلته
…
أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همةٌ تحدو إلى
…
خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليست الدنيا وما يقسم من
…
زهرها إلا سراباً أو جَهاما
وكان خروج الشيخ الخضر من السجن في الرابع من ربيع الثاني عام
(1) راجع عن ذلك: "البلاد العربية والدولة العثمانية" لساطع الحصري.
(2)
مجلة "الأزهر"(مجلد 29 ص 740).
(1235 هـ، 29 جانفي - يناير - 1917 م)، فعاد إلى عمله السابق، ويظهر أن الآستانة قد علمت بحادثته هذه، فعطفت عليه، واستدعته إليها؛ حيث ألحق منشئاً عربياً بوزارة الحربية. وقد يكون هذا التعيين جرى نتيجة سعي منه للخروج من جحيم دمشق، وحكم جمال باشا السفاح، كما يحتمل جداً أن يكون الزعيم علي باش حانبة ورفاقه بالآستانة هم الذين سعوا في هذا التعيين؛ ليكون الشيخ الخضر قوة تعاضدهم في العمل من أجل تحرير المغرب العربي؛ حيث كان علي باش حانبة وأخوه محمد (1)، والشيخان صالح الشريف (2)، وإسماعيل الصفائحي (3)، وغيرهم يعملون في الآستانة وفي أوروبا على إعداد حملات تحريرية مسلحة ضد الاحتلال الإيطالي والفرنسي في المغرب العربي، وكانوا يتحركون بكثرة بين العواصم، ولهم اتصالاتهم السرية المنظمة، وأنصارهم الكثيرون في تونس وليبيا والجزائر. وقد نجحوا فعلاً في تنظيم حركات ثورية مسلحة بالجزائر وتونس وليبيا (4).
* رحلات إلى ألمانيا:
وما كاد الشيخ الخضر بن الحسين يستقر بالآستانة في منصبه الجديد بوزارة الحربية، حتى كلف بمهمة في ألمانيا التي كانت في حالة حرب مع فرنسا. وكان أبناء الشمال الأفريقي -خاصة من الجزائر وتونس، المجندين
(1) انظر عن جهادهما معاً: "الحركات الاستقلالية"، و"هذه تونس".
(2)
توفي سنة 1920 - انظر عنه: مجلة "البدر"(م 2 ج 2 ص 100 - 102).
(3)
توفي سنة 1918 - انظر: ترجمته في مجلة "البدر"(م 2 ج 1 ص 26 - 33 - وج 8 - 9 ص 498 - 499).
(4)
"هذه تونس"(ص 84)، و"الحركات الاستقلالية"(ص 53).
في الجيش الفرنسي، وفي واجهات القتال بالخصوص - يزيدون عن المئتي ألف.
وكان هدف علي باش حانبة ورفاقه هو بث الدعاية في صفوف المغاربة داخل الجيش الفرنسي، وبين أسراهم في ألمانيا؛ لحملهم على القتال ضد فرنسا، وليس معها؛ لأن مصلحة بلادهم في هذا الموقف. كما كانت ترمي هذه الحملة إلى إقناع الجنود المغاربة -والأسرى منهم بالخصوص- بالتطوع في الحركات الجهادية التي كان يقودها علي باش حانبة ورفاقه، والتي كانت الدولة العثمانية تساندها معنوياً ومادياً، وقد حل الشيخ الخضر في ألمانيا مع بعثته من العلماء المسلمين بينهم الشيخ التونسي صالح الشريف، ومكث في ألمانيا زهاء تسعة شهور تعلم في أثنائها اللغة الألمانية، وقام بمهمته أحسن قيام، ثم تردد بين الآستانة و "برلين" إلى أواخر الحرب العالمية الأولى حيث أقام مرة أخرى زهاء السبعة أشهر (1).
* محمد باش حانبة:
وأثناء إقامته ببرلين توثقت الصلة بينه وبين عدد من رجالات تونس، وزعماء العرب المنضوبن تحت راية الخلافة العثمانية. نذكر منهم بالخصوص: الزعيم محمد باش حانبة شقيق علي باش حانبة؛ فقد كان محمد يمثل الحركة الوطنية التونسية والمغربية عموماً في أوروبا، كما أسس أول مجلة مغربية في أوروبا تدافع عن حقوق المغرب، وعن حريته واستقلاله.
وكان المحامي محمد باش حانبة قد أسس في برلين لجنة لتحرير المغرب
(1)"الحركات الاستقلالية"(ص 53 - 54)، ومجلة "الأزهر"(مجلد 29 ص 740 - 741).
العربي سميت باسم: (اللجنة التونسية الجزائرية)؛ إذ لم يكن في "برلين" يومئذ من يمثل المغرب وليبيا، وإن كانت اللجنة تعمل لتحرير المغرب العربي كله.
ومحمد هذا وأخوه علي هما أول من فكر ودعا وعمل بالفعل على توحيد المغرب العربي، وتحريره جماعياً من الاستعمار. وكان محمد باش حانبة قد أسس مجلة "المغرب"، وأصدرها أسبوعية في "جنيف". ومحررة باللغة الفرنسية للتعريف بقضايا المغرب العربي إلى الرأي العام الأوروبي. وقد عاشت هذه المجلة مدة عامين، فلما انتهت الحرب عام 1918، انقطع المدد العثماني عنها، فتوقفت عن الصدور، وإذ ذاك استقر محمد نهائياً في "برلين"، وظل يكافح بوسائله الخاصة؛ إذ كانت الدولة العثمانية قد استسلمت للحلفاء. وكان أخوه علي قد توفي قبل احتلال الحلفاء للآستانة بأسبوع واحد، فشيع إلى مقره الأخير في موكب رسمي كبير (1).
* ضريح محمد باش حانبة:
وبقي محمد في "برلين" إلى عام 1920 حيث مات هو الآخر غريباً عن أرض الوطن الذي عاش له، ومات في سبيله. وقبر محمد معروف جداً في "برلين" لكل من يزور الجناح الإسلامي من مقبرة "تمبلهوف" حيث دفن الفقيد، وحيث شيد قبره كلٌّ من طلعت باشا الصدر الأعظم العثماني، وإسماعيل بك لبيب الوطني المصري الشهير (2).
(1)"الحركات. . ."(ص 54)، و"مشاهير المهاجرين التونسيين" -خط- (ص 22).
(2)
"الحركات الاستقلالية"(ص 55)، و"هذه تونس"(ص 85)، و"مشاهير المهاجرين"(ص 25)، ومجلة "الشعب" سنة 5 عدد 103 (16 - 4 - 1968).
* العودة إلى دمشق:
أما شيخنا الخضر، فإنه ما كاد يعوذ إلى الآستانة حتى استسلمت الحكومة العثمانية إلى الغزاة المحتلين الذين اقتسموا عاصمتها كما اقتسموا إمبراطوريتها.
فلم يجد بداً من النزوح عنها، والعودة إلى دمشق حيث كانت سوريا قد تحررت من الحكم العثماني، وأصبحت فيها حكومة عربية تحت حكم الأمير فيصل بن الحسين.
وقد أحس الشيخ الخضر وهو في طريقه إلى دمشق بمرارة الفراق للوطن، وبمحن الاغتراب عنه، وكثرة تنقلاته، وقلة استقراره، فوصف حاله في هذه الفترة بقوله:
أنا كأس الكريم والأرض نادٍ
…
والمطايا تطوف بي كالسقاة
ربَّ كأس هوت إلى الأرض صدعاً
…
بين كفٍّ يديرها واللهاة
فاسمحي يا حياة بي لبخيلٍ
…
جفنُ ساقيه طافحٌ بالسبات
ما كاد الشيخ الخضر يستقر في دمشق عقب الحرب العالمية الأولى عائداً من الآستانة، حتى عين مدرساً في ثلاثة معاهد دفعة واحدة، وهي: المدرسة العثمانية، والمدرسة العسكرية، والمدرسة السلطانية التي كان بها قبيل سفره الأخير إلى الآستانة (1).
* في المجمع العلمي العربي:
وفي منتصف 1919 م تأسس بدمشق المجمع العلمي العربي، وانعقدت جلسته الأولى يوم 30 جويلية من العام نفسه، وفي هذا الجلسة تم تعيين
(1)"الأدب التونسي"(ج 2 ص 201 - 202)، ومجلة "الأزهر"(م 29 ص 741).
الشيخ محمد الخضر عضواً عاملاً في إحدى لجان المجمع، وقد مارس هذه العضوية طيلة إقامته بدمشق، ثم أصبح عضواً مراسلاً للمجمع، بعد اضطراره إلى النزوح عن دمشق عقب احتلال الجيش الفرنسي لها في منتصف عام 1920 م، وقد احتفظ بعضويته هذه إلى آخر أيام حياته (1).
* حكم بالإعدام:
ورغم حبه الخاص لدمشق، وتعلقه الشديد بها، وحنينه الدائم إليها، فإن الاستعمار الفرنسي الذي كان قد حارب آماله الوطنية والإصلاحية بتونس، والذي أصدر على الشيخ محمد الخضر حسين حكم الإعدام (2) غيابياً أثناء قيامه في ألمانيا بتحريض المغاربة -والتونسيين منهم خاصة- على الثورة ضد المستعمر، هذا المستعمر نفسه، قد أصبح سيداً وحاكماً لدمشق ولسوريا كلها عقب انتصاره على الجيش العربي في موقعة ميسلون الشهيرة حول مشارف دمشق يوم 24 جويلية 1920 (3).
* هجرة جديدة:
وهكذا لم يكن أمام الشيخ الخضر إلا أن يترك دمشق، وأن يفر من الطغاة المستعمرين حتى لا ينفذوا فيه حكم الإعدام، ويشفوا غليلهم منه (4).
(1) راجع عن علاقته به، وعضويته فيه: كتاب "تاريخ المجمع العلمي العربي" لأحمد الفتيح.
(2)
جريدة "الدعوة"، في استجواب أجرته مع الشيخ إثر توليه مشيخة الأزهر،
عدد 30 صفر 1372 هـ.
(3)
انظر عن هذه المعارك ونتائجها: كتاب "يوم ميسلون" لساطع الحصري.
(4)
لم نجد حتى الآن أي وثيقة تثبت صدور هذا الحكم عليه، ومكان صدوره، والنص =
بارحها وهو يردد أسفه وحنينه قائلاً:
كأني دينار ودمشق راحة
…
تعودت الإنفاق طولَ حياتها
فكم سمحت بي للنوى عقب النوى
…
ولم أقض حق الأنس بين سراتها
فارق دمشق، وفارق أهله فيها. . وانطلق إلى مصر أمله الأخير، وهدفه القديم، وبذلك بدأت المرحلة الثالثة والأخيرة من حياته.
* المرحلة الثالثة:
وفي مصر بدأ حياته من جديد معتمداً على أصدقائه من الوطنيين المصريين الذين تعرف عليهم في دمشق والآستانة وفي أوروبا (1)، ومعتمداً بوجه خاص على مواهبه وكفاءاته الأدبية والعلمية والدينية العالية.
وليس غريباً أن يظل في مصر مغموراً بعض الوقت، ريثما يتعرف إلى أحوالها ورجالاتها، ويدرك أهلُ الشأن فيها مكانته وقيمته.
ومن هنا كان عليه أن يجد لنفسه عملاً -مهما كان-؛ ليضمن سد حاجاته الضرورية، حتى لا يكون عالة على أحد، وهو من نعرف: شهامة نفس، وعفة لسان وقلب ويد.
وكان العلامة البحاثة أحمد تيمور (2) أول من قدر في شيخنا علمه وأدبه،
= الوحيد الصريح في ذلك هو تصريح للشيخ أدلى به لجريد "الدعوة"، ونشرته في عدد 30 صفر 1372 هـ.
(1)
من هؤلاء محب الدين الخطيب الذي هاجر إلى مصر من دمشق. وعن هجرتهما انظر: مجلة "الأزهر"(م 29 ص 741)، وقد انفرد الخطيب بذكر أن الخضر فكر في العودة لتونس، ثم قرر الهجرة إلى مصر؟!
(2)
راجع ما كتبه تيمور عن الخضر في كتاب "أعلام الفكر الإسلامي"، وما كتبه =
فأمده بكل رعاية وعناية ومساعدة. وقد ظلت العلاقة وثيقة بينهما إلى آخر أيام تيمور الكبير عام 1930، ويقيت بعد ذلك بين شيخنا وبين عائلة تيمور، ويكفي دليلاً على ذلك: أن الشيخ محمد الخضر حسين لما توفي في القاهرة مطلع عام 1958 وقع دفنه في تربة آل تيمور بوصية منه، وباتفاق سابق مع أسرة تيمور.
* بداية متواضعة:
قلت: إن الشيخ الخضر بدأ حياته في القاهرة معتمداً على نفسه، فاشتغل مصححاً بدار الكتب المصرية، وهي وظيفة صغيرة العنوان، ولكنها كبيرة الدلالة؛ إذ لا يكلف بها إلا من ثبتت مقدرته العلمية، وكفاءته الأدبية واللغوية.
ومع ذلك، فإن الشيخ الخضر لم يكن يرضي طموحه، ولا يساوي علمه هذا المنصب رغم دلالته الكبيرة، لهذا نشط في ميادين أخرى، منها: الكتابة في المجلات، والمحاضرة في الجمعيات، والدروس في المساجد.
ولم يكن في كل ذلك إلا مجاهداً في سبيل العلم والإسلام والوطن.
وقد وجه اهتمامه منذ البداية إلى تنظيم شؤون الجالية المغربية في مصر، فأسس عام 1923 (جمعية تعاون جاليات شمال أفريقيا)، وكان يرأس هذه الجمعية بنفسه، وهدفها رفع مستوى تلك الجاليات من الناحيتين الثقافية والاجتماعية.
= الخضر عن تيمور في "الهداية الإسلامية"، وفي "ديوان"، وعن الشخصيات المصرية التي تعرف عليها الخضر بأوروبا والآستانة "حاضر العالم الإسلامي"(ط 3 ج 4 ص 378).
* فرصة العمر:
وفي عام 1925 م صدر في مصر كتاب أثار فيها وفي العالم العربي ضجة كبرى هو كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، وكان هدف هذا الكتاب إبعاد منصب الخلافة عن الملك فؤاد ملك مصر يومئذ، فقد ألغى مصطفى كمال -محرر تركيا وبانيها الجديد- الخلافة العثمانية، وطرد السلطان التركي الذي كان خليفة للمسلمين، فبدأ أذناب الملك فؤاد يروجون فكرة انتخابه خليفة، وكان قصدهم من هذا: الحصول على زعامته للعالم الإسلامي، وما في هذه الزعامة من مكاسب أدبية ومادية وسياسية.
وكان الأحرار من المصريين بالمرصاد من هذه المحاولة، فتولى علي عبد الرازق إصدار كتاب في بيان أن الخلافة ليست ضرورية لقيام حكومات إسلامية حديثة، وأنها أصلاً ليست من الدين في شيء.
وكان من الواضح أن كتابه لن يرضى عنه أنصار الملك فؤاد، وبالأحرى: الملك نفسه، كما لن يرضى عنه معظم شيوخ الأزهر ورجال الدين في مصر؛ لأسباب دينية وفكرية معروفة.
وهكذا تصدى للرد عليه كثير من رجال الدين، وشيوخ الأزهر في مصر، بل وفي غيرها من البلاد العربية (1).
وكالعادة فإن تهمه الإلحاد كانت أولى التهم الموجهة لعلي عبد الرازق.
وهنا وجد الشيخ الخضر فرصته المنتظرة، فتصدى للرد عليه، بكتاب
(1) من هذه الردود: رد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
سماه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"(1).
وقد بادرت هيئة كبار العلماء الأزهريين إلى طرد الشيخ علي عبد الرازق من صفوفها، كما حوكم الكتاب، وصودر من الأسواق.
* ضد طه حسين:
وما كادت الضجة حول هذا الكتاب تهدأ بعض الشيء، حتى ظهر في مصر كتاب آخر، أثار أيضاً ضجة أشد من الكتاب الأول، وقد وضعه أيضاً شيخ أزهري سابق، استطاع -رغم فقده لبصره- أن يشق طريقه نحو ثقافة عصرية أوروبية جديدة، وأن ينال في خلال خمس سنوات شهادة الدكتوراه في الآداب مرتين، وأعني به: الدكتور طه حسين، الذي أصدر عام 1926 كتاب "في الشعر الجاهلي".
وقد تصدى له كثير من الأدباء ورجال الدين بالرد أو التكفير، وكان من بين الرادين: شيخنا محمد الخضر حسين الذي نقض كتاب طه حسين بكتاب يساويه حجماً وصفحات وتبويباً (2)، وسماه:"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" الذي أعيد نشره مراراً بعد تعديله تحت اسم: "في الأدب الجاهلي".
وكلا الكتابين قفزا بالشيخ الخضر إلى الصف الأول بين أدباء مصر وعلمائها، فأخذت شهرته تنتشر، ومكانته ترتفع بسرعة كبيرة.
وكان من الواضح أن رده على كتاب الخلافة، أدى إليه خدمة كبيرة
(1) أهدى الشيخ الخضر لصديقه أحمد تيمور القلم الذي كتب به الكتاب مع أبيات ضمنها نضاله عن الحق، مستعيناً في ذلك بخزانة تيمور:"الديوان"(ص 81).
(2)
وللشيخ الخضر ردود عليهما في موضوعات أخرى.
في القصر الملكي؛ مما جعله يتقلد المناصب، ويحظى بتقدير ذوي الشأن بصفة ظاهرة، كما منح الجنسية المصرية (1)، التي هي مفتاح الدخول إلى سلك الوظائف العمومية.
* تفسير مواقفه:
وفي الواقع، فإن الشيخ الخضر لم يكن مدفوعاً للرد على علي عبد الرازق وطه حسين بدوافع شخصية بقدر ما كان مدفوعاً بعقائده الدينية والأدبية؛ فقد رأيناه من قبل نشأ في بيئة علمية واجتماعية وسياسية تؤمن بالخلافة كرابطة للمسلمين، وكمبدأ من مبادئ الإسلام في الحكم؛ كما رأيناه بعد هجرته من تونس يكون في خدمة هذه الخلافة، رغم ما كان يعتريها من الفساد في الحكم، والانحراف عن الدين؛ كما ذكر ذلك الشيخ نفسه في بعض قصائده (2).
وعلى ذلك، فإنه لا يمكن أن نصف ردوده على طه حسين، وعلى علي عبد الرازق إلا بأنها ردود عقائدية.
والحق أن الشيخ الخضر كان في ردوده عليهما أكثر اعتدالاً، وأقرب إلى المنهج العلمي من أي كاتب آخر تصدى للرد عليهما.
وإذا كان قد استفاد من عمله هذا فوائد خاصة، فإنه لم ينل شيئاً أكثر من علمه، أو فوق ما يستحق.
(1) لم نعثر حتى الآن على التاريخ الرسمي لحصوله عليها. لكن صاحب مجلة "العالم الأدبي" نشر خبراً عنها في عدد (5/ 9/ 1932) يفيد حصوله عليها في نفس السنة. ويبدو لي أنه حصل عليها قبل هذا التاريخ بسنوات.
(2)
"الديوان"(ص 61).
* مدرساً بالأزهر:
وفي عام 1928 تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي، فسعى إلى قبول الشيخ الخضر أستاذاً في كليات الأزهر، وكان الشيخ الخضر قد اجتاز امتحان شهادة العالمية بتفوق، ومنح الجنسية المصرية، وأصبح بذلك أحد شيوخ الأزهر، ومن علمائه البارزين، وكان قبل هذا التعيين مدرساً في معاهد الأزهر الثانوية. وقد تقدم الشيخ محمد الخضر حسين -فيما بعد، وعلى التحديد 1950 - إلى هيئة كبار العلماء طالباً قبوله عضواً بينهم، وكانت العضوية لا تكون إلا بشروط، منها: شهادة العالمية، وتقديم بحث علمي ممتاز، فقدم الشيخ الخضر بحثاً مطولاً عن القياس في اللغة (1)، فقبل بالإجماع، وأصبح من كبار علماء الأزهر، ابتداء من عام (1370 هـ / 1950 م).
* العالم المناضل:
لم يخلد الشيخ الخضر إلى الراحة والاستمتاع بالحياة الخاصة، كما كان شأن معظم علماء الأزهر في القاهرة، والزيتونة بتونس، بل كان جم النشاط، كثير العمل في المجالات الأدبية والاجتماعية والدينية، بل وحتى السياسة.
ففي عام 1928 أسس جمعية (الهداية الإسلامية)، وتولى رئاستها، وإدارة مجلتها، والتحرير فيها، كما تولى رئاسة تحرير كثير من المجلات الدينية التي أصدرها الأزهر، مثل مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "لواء الإسلام".
(1) أصل البحث وضعه في دمشق أثناء فترة إقامته وتدريسه بها، ثم نقحه وطبعه بمصر (1353/ 1943)، ثم جدده، وتقدم به إلى الهيئة. . . راجع مجلة "الأزهر"(م 29 ص 744).
كما كان من مؤسسي (جمعية الشبان المسلمين)، وهي جمعية تهتم بإصلاح أخلاق الشبان وتهذيبهم وتكوينهم دينياً وبدنياً وثقافياً.
* في المجمع اللغوي:
وفي ديسمبر عام 1932 تأسس في القاهرة (مجمع اللغة العربية) بمرسوم من الملك فؤاد. ثم صدر مرسوم ثان في أكتوبر من العام الموالي بتعيين أعضاء المجمع المصريين وغير المصريين (1)، فكان الشيخ محمد الخضر حسين أحد هؤلاء الأعضاء، كما كان من بينهم العلامة التونسي حسن حسني عبد الوهاب (2).
وكان الشيخ الخضر يوم صدور هذا المرسوم أستاذاً في قسم التخصص بكلية أصول الدين في الجامعة الأزهرية.
* حب جارف للوطن:
عقب الحرب العالمية الثانية أسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، وكان غرضه منها: التعريف بقضايا المغرب العربي، وجمع شمل أبنائه المهاجرين في مصر، وجعلهم في خدمة بلادهم، مهما كانت ظروفهم وأعمالهم، وبذلك ترى أنه لم ينس وطنه الأول قط، رغم حصوله على الجنسية المصرية، وزواجه بامرأة مصرية، وإقامته الطويلة في الشرق، وفي مصر بوجه خاص.
(1) انظر: مجلة "مجمع اللغة العربية"(المجلد الأول ص 12)، وكتاب "المجمعيون"(ج 1 ص 17، 19، 23).
(2)
انظر عن الأعضاء التونسيين في المجمع: الملحق الثقافي لجريدة "العمل"(عدد 24/ 3/ 1972، و 31/ 3/ 1972).
وليس أدل على ذلك من الأعمال الكثيرة التي قام بها لفائدة قضايا المغرب العربي، ومساندة أبنائه ورجالاته المهاجرين والزائرين.
وها هو يقول لأحد زائريه من أدباء تونس:
أمحدثي رُبيتَ في الوطن الذي
…
ربيتُ تحت سمائه وبلغت رشدا
وجنيتَ زهر ثقافة من روضة
…
كنتُ اجتنيتُ بنفسجاً منها ووردا
هات الحديث فإنني أصبو إلى
…
أنباء تونس من صميم القلب جِدّا
وله في حب وطنه، والدفاع عن تونس، بل المغرب العربي كله قصائد كثيرة، تعد من عيون شعره. من ذلك قصيدة بعنوان:(حب الوطن) يقول فيها:
وطني علمتني الحب الذي
…
يدع القلب لدى البين عليلا
لا تلمني إن نأى بي قدر
…
وغدا الشرق من الغرب بديلا
عزمة قد أبرمتها همة
…
وجدت للمجد في الظعن سبيلا
أنا لا أنسى على طول المدى
…
وطناً طاب مبيتاً ومقيلا
في يميني قلم لا ينثني
…
عن كفاح، ويرى الصبر جميلا
هو ذا طاعنْ به خصمك من
…
قبل أن تخترط السيف الصقيلا
* دفاع عن المغرب العربي:
وقد ظل دائماً يدافع عن المغرب العربي، ويشيد برجال العلم والكفاح من أبنائه، بل ويفاخر الشرق بهم أحياناً، كما كان يحمل الشرق مسؤولية عدم مناصرته العملية للحركات التحريرية في أقطار المغرب العربي مما يؤدي ببعضها إلى الفشل.
وها هو يذكر كل ذلك عقب زيارته للأمير عبد الكريم الخطابي على
ظهر الباخرة التي كانت ستقله من منفاه في أفريقيا إلى منفاه الجديد في فرنسا، وحين رست هذه الباخرة بميناء السويس عام 1947، كان الشيخ الخضر من بين الشخصيات التي زارت الأمير، وأقنعته بطلب اللجوء إلى مصر، والفرار من الأسر.
ها هو يصف بطولة الأمير عبد الكريم، باعتبارها مثلاً من بطولات المغرب العربي، ويحمل الشرق عدم مؤازرته له أيام كفاحه:
قلت للشرق وقد قام على
…
قدم يعرض أرباب المزايا
أرني طلعة شهم ينتضي
…
سيفه العضب ولا يخشى المنايا
فأراني بطل الريف الذي
…
دحر الأعداء فارتدوا خزايا
غضبة حراء هزته لأن
…
ينقذ المغرب من أيدي الرزايا
شب حرباً لو شددنا أزرها
…
لأصابت كل باغ بشظايا
وبالإضافة إلى قصائده، وجمعياته، وأعماله الأخرى، كانت مجلة "الهداية الإسلامية" مجلة مغربية واضحة الدلالة؛ في كتابتها، وأبحاثها، ودفاعها عن مختلف المواقف الوطنية والإسلامية والعربية (1).
وقل مثل هذا عن مجلاته الأخرى، وقد شبهه بعض الكتاب المعاصرين بابن خلدون في هجرته إلى مصر، وفي نزعته المغربية، قال:
"لاشك أن محمد الخضر حسين كان علَماً من أعلام الفكر المغربي الإسلامي مكافحاً وطنياً، ومغترباً في سبيل الحفاظ على حرية الكلمة. وأقام -كابن خلدون- بقية عمره في مصر، ورقي فيها إلى أعلى المناصب، وعمل
(1)"الفكر والثقافة المعاصرة"(ص 176).
في ميدان الإصلاح الإسلامي، واللغوي، وعمل في التدريس والصحافة والكفاح الوطني. ولقد أتيح له أن يقاوم حركات التغريب بدعوته إلى إنشاء جمعية (الشبان المسلمين). وكانت مجلته وقلمه من ألسنة الدفاع عن المغرب العربي وقضاياه، ورسولاً قوياً يستصرخ المشارقة حين يكشف لهم عن مؤامرات الاستعمار، ويدعوهم إلى مقاومة التغريب والتجنيس والفرنسة. فهو منذ أقام في مصر بعد الحرب العالمية الأولى يحمل هذه الرسالة، ويعمل في كل هذه الميادين: الإسلام، واللغة، والكفاح السياسي" (1).
"وكان محمد الخضر حسين مستنيراً، متفتح الذهن، يدعو إلى الإصلاح على أساس قاعدة علمية واضحة، فهو يؤمن بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويثق بالرواية بعد أن يسلمها النقد إلى صدق الغاية"(2).
* قمة مجده شيخ للأزهر:
هذا هو الشيخ محمد الخضر حسين، الذي بلغ في شهر سبتمبر عام 1952 قمة مجده الديني والعلمي حين أصبح شيخاً للأزهر، فكان أول عالم غير مصري يتولى هذا المنصب منذ قرون عديدة خلت (3). وكان اختياره لهذا المنصب من طرف اللواء محمد نجيب، ومجلس وزرائه، وقد زاره
(1)"المرجع نفسه"(ص 173 - 174).
(2)
"المرجع نفسه"(ص 174).
(3)
عن مشيخة الأزهر، وأسماء شيوخه، انظر: كتاب "مساجد ومعاهد" سلسة الشعب - (ج 1 ص 66 - 67).
في بيته ثلاثة وزراء، وأعلموه بهذا القرار (1).
وكان الشيخ الخضر حسين حين تولى هذا المنصب قد شارف الثمانين من عمره، ورغم تقدمه في السن، فقد تحمل أعباء هذه المسؤولية الثقيلة بصبر وحلم اشتهر بهما منذ صباه، كما أهّله لذلك علمه الواسع، وماضيه المجيد في الكفاح الوطني والعلمي والإسلامي والأدبي والاجتماعي، وخاصة نزاهته وعفته، وشخصيته الرصينة المهيبة.
* دسائس ومنافسات:
ومنصب شيخ الأزهر تحيط به دائماً الدسائس والمناورات، والحسد والمنافسة. والشيخ الخضر كان يعرف ذلك كله. ولم يكن -حين قبل أعباء المنصب - ينوي أن يستمر فيه طويلاً، فلا سنّه تسمح له بذلك، ولا مغربيته أيضاً؟! ولكنه أراد أن يحقق أسمى هدف لعالم ديني، جاهد ستين عاماً في سبيل العلم والدين والوطن، وقد حققه. ولما شعر بأن المنافسة المصرية قد بدأت تتحرك بين شيوخ الأزهر، لم يكترث بذلك -لاعتماده على مناصرة حكومة اللواء نجيب له- رغم اللمز والغمز اللذين قامت بهما صحف معينة في القاهرة (2).
* استقالته، وفاته:
ولكن لما أُبعد اللواء محمد نجيب عن الحكم، ونفُي إلى مكان مجهول يوم 20 أوت 1953، شعر الشيخ الخضر بأن عليه أن يتنحى باختياره قبل أن
(1) مجلة "الأزهر"، م 29 (عدد 20/ 2/ 1958)(ص 744).
(2)
منها مجلة "روز اليوسف"، ومجلة "الجيل الجديد".
يحدث شيء آخر. فاستقال من منصبه في جانفي -يناير- 1954 م بحجة مرضه، وحاجته إلى العلاج والاستجمام. وقام فعلاً بزيارة شقيقه الشيخ زين العابدين المقيم في دمشق، ثم عاد إلى مصر؛ حيث أقام إلى أن توفي في شهر رجب وشهر فيفري (1377 هـ / 1958 م)، ودفن في تربة آل تيمور. . . كما أسلفت القول.
وبهذا نكون قد أحطنا بعناصر حياته المدنية والعلمية والوطنية في جميع مراحلها، وفي مختلف ظروفها.