الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمد الخضر حسين عالم مجاهد
بقلم الدكتور محمد رجب البيومي
"كاتب وباحث في العلوم الإسلامية، له دراسات قيمة في مجلة "الأزهر"، وفي العديد من المنشورات المتخصصة في العالم الإسلامي. وأستاذ في كليات الجامع الأزهر"(1).
يحلو لكثير من النقاد أن يصنفوا المؤلفين طبقتين: طبقة العلماء، وهم أرباب البحوث العلمية في الفقه والتشريع والعلوم اللسانية؛ من نحو وبلاغة وتصريف، وطبقة الأدباء، وهم أصحاب الآثار الفنية؛ من نثر بارع الصوغ، صادق العاطفة، وشعر رائع المعنى دقيق التصوير، فإذا نظم العالم شعراً، أو ألف الأديب مصنفاً علمياً، فقد سلك مسلك التكلف والافتعال، وربما فى عم هذا التقسيم لديهم ما يشاهدونه كثيراً من ركاكة أشعار العلماء، وضحالة إنتاج الأدباء، وهذا حق في أكثر أحواله، ولكنه لا يمنع أن يوجد من الموهوبين من يبرز في الناحيتين على نحو يدهش ويروع!.
أذكر أني كنت أقرأ كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه" للقاضي الشهير علي بن عبد العزيز الجرجاني، فأجد الرائع المبدع من التحليل الأدبي والصوغ البياني، مع الاستشفاف الملهم لأسرار الروح ونوازع الوجدان،
(1) مجلة "الأزهر" القاهرة - الجزء الأول - السنة الثانية والأربعون.
ثم أنتقل إلى ما رواه الثعالبي من شعره، فأجد المطرب المرقص مما يملك الوجدان، دقةَ إحساس، ولطافة منزع! والرجل بعدُ قاض فقيه يؤلف في الفقه والتشريع، ويحذق أساليب الاستنباط والقياس وقواعد الأصول ذات المنحى العويص!! وتفوقه في الناحيتين المختلفتين دليل ملموس على أن العلم لا يمنع الأدب؛ فقد يوجد في ذوي المواهب من يطير بجناحين متعادلين، فيحرز قصب السبق في مضماري العلم والأدب دون نزاع، ولقد كان السيد محمد الخضر حسين أحد هؤلاء دون جدال!! فالرجل قاض فقيه يكتب في الأصول والتشريع والتاريخ كتابة المتعمق الدقيق، وقد كان يدرّس لطلاب كلية أصول الدين أبواباً من السياسة الشرعية، ويغوص فيها مغاص الأصولي الجدلي المتكلم النظار، ثم هو صاحب رسائل أدبية، ومقالات تحليلية، وديوان شعري يجعله في طليعة أرباب الفن الرفيع، ولا ندري كيف تأتى له ذلك، ومنشؤه التعليمي بجامع الزيتونة في تونس إن استطاع أن يلهمه بصر العالم، فلن يستطيع أن يورثه ذوق الأديب دون جهد جهيد!
ولد الأستاذ بقرية من قرى الجزائر على حدود القطر التونسي، في أسرة تعتز بعراقة النسب، وتفخر بمن أنجبت من العلماء والأدباء، وحين بلغ الثانية عشرة من عمره التحق بجامع الزيتونة طالباً. وأكب على التحصيل والتلقي حتى نال الشهادة العالمية عن جدارة، وتهيأ للإفادة العلمية كاتباً ومدرساً وقاضياً.
وتسألني عن طريقة التدريس بجامع الزيتونة إذ ذاك، فلا أجد أحسن مما قاله الأستاذ أحمد أمين، في كتابه "زعماء الإصلاح" (ص 148):
"وعلى رأس هذه الكتاتيب: جامع الزيتونة، وهو صورة مصغرة من
الأزهر في ذلك العهد، تقرأ فيه علوم الدين؛ من تفسير وحديث وفقه وعقائد، وعلوم اللغة؛ من نحو وصرف وبيان ومعان، في كتب مقررة لها متون وشروح وحواش، ويقضى الوقت في تفهم تعبيراتهم، وإيراد الاعتراضات والإجابة عنها، فالعلم شكل علم لا علم، والنتاج جدل لا حقائق، والناجح في الامتحان الذي يستحق أن يكون عالماً: أقدرهم على الجدل، وحفظ المصطلحات الشكلية، أما الجميع، فسواء في عدم التحصيل إذا مسوا الحياة الخارجية، فالمناقشة في أن شرب الدخان حلال أو حرام، والغيبة أشد حرمة أم سماع الآلات الموسيقية، وخيال الظل تجوز رؤيته أو لا تجوز".
ويقص الأستاذ محمد الخضر حسين نفسُه طريقة أحد أساتذته في التدريس، فيقول عن شيخه عمر بن الشيخ، نقلاً من مجلة "الهداية الإسلامية" جمادى الآخرة 1355 هـ:"أما أسلوب الأستاذ في التعليم، فمن أنفع الطرق، كان يقرر عبارة المتن، ويبسطها حتى يتضح المراد منها، ثم يأخذ في سرد عبارات الشرح، وما تمس الحاجة إليه من الحواشي والكتب التي بحثت في الموضوع، لا سيما الكتب التي استمد منها شارح الكتاب، ويتبعها بالبيان جملة جملة، ولا يغادر عويصة أو عقدة إلا فتح مغلقها، وأوضح مجملها، بحيث يتعلم الطالب من دروسه كيف تلتقط الجواهر للمعاني من أفواه المؤلفين، زيادة عما يستفيده من العلم"، ثم يقول عنه:"تلقيت عن الأستاذ رحمه الله دروساً من "تفسير البيضاوي"، ودروساً من "شرح التاودي على العاصمية"، ودروساً من "شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي "، وكنت بعد أن استقال من منصبي الفتوى ونظارة الجامع أزوره كثيراً؛ حرصاً على الاستفادة من علمه".
هذه الطريقة في الشرح والتلقين هي نفسها الطريقة الأزهرية القديمة التي نادى محمد عبده بوجوب إصلاجها، ودعا إلى نمط آخر من الدراسة يهتم باللباب دون القشور، وأرجح أن بعض أساتذة الزيتونة لم يكونوا من هذا الطراز؛ لأن الشيخ الخضر في غضون مقالاته الكثيرة يتحدث عن أستاذه سالم أبو حاجب، فيرينا نمطاً من العلماء الأفذاذ يهتمون بالحقائق الخالصة، ويعملون على إحياء الوعي المجدد الناهض، فهو -مثلاً- في دروسه كان يستشهد على كل كلمة لغوية ببيت من الشعر مما ينبئ بكثرة محفوظة الأدبي.
وزملاؤه إذ ذاك كانوا لا ينظرون إلى دواوين الشعر العربي نظرة تأمل واستيعاب، وأكاد أجزم أن وجود هذا الأستاذ في حياة الخضر العلمية كان ذا أثر بعيد في اتجاهه الفكري، فهو الذي حدا إلى البعد عن دائرة الحواشي والمتون والتقريرات، وهيأه لأن يرد التراث العلمي من أصفى موارده في أمهات الكتب للشافعي، وابن حزم، والغزالي، والفخر، والشاطبي، وأمثال هؤلاء من أفذاذ العلماء!
ولا تجد تعليلاً لنبوغ الخضر في حداثته، وتفوقه عن أقرانه غير صفاء مورده، ودسامة غذائه الفكري، على حين يظل بعض الزملاء في مصر وتونس مولعين بكتب المماحكات، وحواشي المتون.
تخرج الأستاذ في الزيتونة صحيحَ العلم، واسع الأفق، فصيح العبارة، وراعه أن يرى الاحتلال الفرنسي يأخذ بمقبضه الحديدي على أعناق المسلمين في أصقاع المغرب بشتى نواحيه التونسية والجزائرية والمراكشية! فطفق يدعو إلى اليقظة والتحرر، وأنشأ مجلة "السعادة العظمى" لتوضح للقارئين مأساتهم
الدامية، وتكشف تخلفهم الحضاري والعلمي، وبُعدهم عن تعاليم الإسلام في مجتمع يقول الأستاذ أحمد أمين في وصفه (ص 149):
"جزء كبير من السكان بدو لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، ولا يصل إليهم شيء من علم إلا في بعض أماكن أنشأ فيها الصوفية زوايا تعلم الناس شيئاً من الدين، وللجاليات الأجنبية من فرنسية وايطالية وانجليزية مدارس تعلم أبناءها، وقليلَاّ من أبناء البلاد اللغات والجغرافيا والتاريخ والحساب والجبر والهندسة، فتخرج من هم أقدر على فهم الحياة، فإذا انغمسوا فيها، تحولت مالية البلاد إلى أيديهم، أما إدارة البلاد، ففوضى، الحاكم حاكم بأمره، وأحب الناس إليه من يجمع له المال من حله وحرامه، ولا ضبط في دخل ولا خرج، والعدل والظلم متروكان للمصادفات، فإن تولى بعض الأمور عادل، عدل، وكان العدل موقوتاً بحياته -وقلما يكون-، ونظام القضاء والجيش والإدارة والضرائب وجباية المال وانفاقه على النمط العتيق البالي، وكثير من الأمور تنفذ بالأوامر الشفوية، لا مرجع لها، ولا يمكن الحساب عليها".
هذه حال تونس، وهي مشابهة لأكثر أحوال الممالك الإسلامية في أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن، ولو كان الأستاذ الخضر ممن يفكرون في ذواتهم الخاصة، لقنع بما أسند إليه من وظائف القضايا بالمحكم، والتدريس والخطابة بالزيتونة وغيرها من المدارس، وهي وظائف تضمن العيش الرغيد، وتوفر صعاب الرزق، بل إنها كانت -عند بعض الوصوليين- مدعاة التقرب إلى المحتلين؛ إذ يصيرون لعبة هينة في أيديهم، يصدرون عن آرائهم، ويمهدون لتمكين سيطرتهم بما يلفقون من تقريب وتمهيد!
ولكن الرجل حي الضمير، شديد الحساسية؛ فقد رأى الأجنبيَّ يحاول أن يطمس نور الشريعة عن عيون تهيم بالإسلام، كما يبذل قوته الحاشدة لتشويه اللغة العربية، والحكم عليها بالجمود والتقهقر؛ لينصرف الناس عن قرآنهم المجيد، وأحاديث نبيهم الكريم، ثم تنقطع صلاتهم بأصحاب الذخائر العلمية الرائعة من ورثة الأنبياء وهداة المصلحين.
لذلك أنشأ صحيفة "السعادة العظمى" على نمط "العروة الوثقى"؛ لتنشر محاسن الإسلام، وتفضح أساليب الاستعمار، وكانت خطة السيد -منذ حمل لواء الدعوة في صباه إلى أن لقي الله في شيخوخته- واضحة مفهومة، فهو يعتقد أن فساد الأمم الإسلامية يرجع -في أصح أسبابه- إلى انصراف المسلمين عن هدي الشريعة الإسلامية، ويرى أن السيطرة الأوروبية لم تملك زمام الأمور في الشرق إلا حين اعتصمت بالعلم، واستضاءت بالعقل، وأن الشلل العقلي لم تتمهد وسائله المؤسفة وأسبابه القاتلة في ربوع الحنيفية إلا حين استطاع الدخلاء أن يلبسوا الحق بالباطل، فيصموا الإسلام بما هو براء منه من الجمود والتزمت والاستسلام، والأخذ بالخرافات والبدع والغيبيات المزعومة، مما لم يأت به وحي سماوي، أو هدي محمدي!
ولذلك كانت مهمة "السعادة العظمى" شاقة خطيرة؛ إذ أخذت تحارب القوة والمال والنفوذ بعزم وأثق، وجهد صابر أمين! والرائع حقاً أن الأستاذ رضي الله عنه قد ثبت على معتقده ثبات الأبطال في كل مكلان رحل إليه، فهو في تركيا ودمشق، وألمانيا والقاهرة، شاباً وكهلاً وشيخاً، هو في تونس يافعاً غضّاً يناهض الباطل بالحق، ويحارب الكفر بالإيمان! ومن يطالع روائع قلمه، وبخاصة كتاب "رسائل الإصلاح" بأجزائه الثلاثة، يدرك يقينه الثابت بماضي
الأمة الإسلامية، فهو في كل مقال يخطه، أو محاضرة يلقيها يلتمس الأدلة اليقينية على مجد السلف، وعزّ الأجداد، وكان ذلك أمراً لابد له أمام مزاعم الاستعمار وأذنابه، ممن يرون في الشرق كل تأخر، وفي الغرب كل تقدم وازدهار، ويمكننا أن نستعير بعض ما كتبه السيد في مقدمة كتابه "نقض الشعر الجاهلي"؛ ليرى القارئ إجمال دعوة الرجل موجزاً بقلمه البليغ، قال الأستاذ:
"نهضت الأمم الشرقية فيما سلف نهضة اجتماعية ابتدأت بطلوع كوكب الإسلام، واستوثقت حين سارت هدايته سيرها الحثيث، وفتحت عيون هذه الأمم في طريقة الحياة المثلى، سادت هذه النهضة، وكان لها الأثر الأعلى في الأفكار والهمم والآداب، ومن فروعها نهضة أدبية لغوية، جعلت تأخذ مظاهرها العلمية لعهد بني أمية، واستوت على سوقها في أيام بني العباس.
تمتع الشرق بنهضتيه الاجتماعية والأدبية حقباً، ثم وقف التعليم عند غاية، وأخذ شأناً غير الشأن الذي تسمو به المدارك، وتنمو نتائج العقول، فإذا غفوة تدب إلى جفون هذه الأمم، ولم تكد تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها.
التفت الشرق إلى ما كان في يده من حكمة، وإلى ما شاد من مجد، وإلى من شب في مهده من أعاظم الرجال، أخذ ينظر إلى ماضيه؛ ليميز أبناؤه بين ما هو من تراث آبائهم، وبين ما يقتبسونه من الغرب، ويشعروا بما كان لهم من مجد شامخ، فتأخذهم العزة إلى أن يضموا إلى التالد طريفاً، وليذكروا أنهم ذرية أولئك السراة، فلا يرضوا أن يكونوا للمستبدين عبيداً".
هذا هو المجال الذي انطلق فيه يراع الأستاذ طيلة حياته: مجال التذكير
بالأمجاد عن دراسة وتنقيب، وكشف الخدل عن بهارج الغرب في استشفاف ونفاذ، ووضع العلاج لأدواء الشرق في بصر وتشخيص!! وقد ألح في ذلك إلحاحاً جعل فريقاً من المؤرخين يفهمون رسالته الإصلاحية على غير وجهها الصحيح. فالأستاذ (ولفريد كانتويل سميث) أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة (مونتريال) يضع كتاباً عن الإسلام في التاريخ الحديث، يتعرض فيه إلى مجلة "الأزهر"، موازناً بين رئيسي تحريرها السابقين: محمد الخضر حسين، ومحمد فريد وجدي، فيجعل الأول ممثلاً للمدرسة السلفية فقط، والثاني مجدداً عصرياً تسير طريقته في التجديد على قواعد المعرفة الحديثة، وهذا شطط بالغ تنبه إليه الأستاذ حين تعرض لنقد الكتاب، فقال نقلاً عن مجلة "الأزهر" رجب 1381 هـ:
"ويقول صاحب الكتاب في مقابلته بين الشيخ الخضر، ومنهج الأستاذ وجدي: إن أولهما يعتبر الإسلام وحياً تاماً قد تنزل على صورته الكاملة منذ عصر الرسالة المحمدية، فلا إضافة إليه، ولا زيادة عليه، ولا تحوير فيه، وإنما الإيمان بالإسلام هو الذي يحتمل القوة والضعف، كما يحتمل زيادة المعرفة، أو النقص فيها، أو يحتمل المراجعة من عصر إلى عصر لتفقد الآثار العصرية فيه، وليس الأستاذ الخضر -كما يرى المؤلف- من أنصار الحنين إلى الماضي، بل هو من أنصار الدعوة التي لا زمان لها؛ لأنها صالحة لكل زمان، ومهما تتجدد مذاهب المعرفة، فالمسلم يسلم أمره إلى إرادة الله كما هدته معارفه إلى فهم تلك الإرادة الإلهية بالدرس والإلهام، وقد تساوى في نظر الشيخ الخضر كلا الطرفين من المسلمين في الحاجة إلى التصحيح والإصلاح، وهما -على تعبير المؤلف- طرف اليسار من المتعلمين الذين
جاوزوا حدود الإسلام، وطرف اليمين من الجامدين وأتباع الطرق الصوفية الذين ضيقوا حدوده عليهم، وان لم يجاوزوه".
ولم يسكت المستعمرون عن صاحب السعادة، وقد أقضّ مضاجعهم بما ينادي به من استقلال واصلاح، فآذوه وناوؤوه، وحكموا عليه بالإعدام، حتى اضطر إلى الفرار إلى الآستانة واهماً أن مجال الإصلاح بها أوسع وأرحب، ولكنه فوجئ بانهيار آماله حين وجد عاصمة الخلافة الإسلامية مسرحاً للدسائس المغرضة، والمؤامرات الرخيصة، وأن من يجعلون أنفسهم رجال الدين هناك لا يدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة، بل لا يتناهون عن كل منكر يفعلونه، فهم يحيكون المكائد بالليل، ويفسرون المنامات، ويقرؤون الكف بالنهار، على أنهم يضيقون بكل عالم مصلح يصدع بالحق، وينادي باليقظة والاستبصار، فهاجر الرحالة الصابر إلى دمشق، وحرص على البقاء بها مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية، ولكن مبادئه تهتف به أن يسهم بنصيبه في البعث الإسلامي، فيكتب ويخطب ويدعو، ثم يسافر إلى ألمانيا، فيلتقي بالأحرار من أنصار الفكرة الإسلامية أمثال: محمد فريد، وعبد العزيز جاويش، وعبد الحميد سعيد، ويعملون جميعاً على استقلال الدول الإسلامية أمداً طويلاً في وطأة الحرب العالمية الأولى، وبين طلقات المدافع وأزيز الطائرات في مسرح جهنمي تشيب له الرؤوس؟
ثم يعود إلى دمشق ثانية، فيواصل التدريس بالدار السلطانية، ويقرأ كتاب "مغني اللبيب"؛ ليكون -فيما بعد - أساساً لمؤلف نحوي بلاغي شامل.
حتى إذا ختمت الحرب، وأسرعت فرنسا باحتلال الشام، رأى نفسه
مضطراً إلى الهجرة بنفسه فراراً من هؤلاء الذين حكموا عليه بالإعدام في تونس يسابقه جهاده، ورائعه ونضاله، فيمم وجهه شطر الديار المصرية، ليصبح له فيها شأن جديد. .
حضر السيد محمد الخضر حسين إلى مصر في وقت عصيب من تاريخها الفكري، وكانت الحاجة ماسة إلى كل رجل مثقف من رجال الدين قد فهم الشريعة فهماً صحيحا، يستند إلى الأصول من القواعد والأمهات من المراجع، مع مطاوعة سهلة للبيان النير المشرق، يوضح به للقراء ما التبس عليهم من أوجه الخلاف بين دعاة الإلحاد وأنصار الفكرة الإسلامية، هؤلاء الذين وُصفوا -فيما بعد- بأنصار القديم، ووصف خصوصهم بأنصار الجديد، كما حلا للدكتور طه حسين أن يسهب في ذلك ويزيد!
نعم، كان المخلصون من حماة الفكرة الإسلامية في غير الدوائر الدينية الرسمية كثيرين، ولكن وجود أمثال العالم المحقق الأديب المبين محمد الخضر حسين أمر ضروري، يحتم أن يقوم أحد أصحاب العمائم المستنيرة بالجهر بكلمة الإسلام فيما ران من شكوك، وما أذاعه أذناب الاستشراق من مفتريات!
وقد ملئ كتاب "الشعر الجاهلي"، و"الإسلام وأصول الحكم" بأقسى عبارات التهكم بالمعممين! فحق لأحدهم أن يقول فيجيد!
كانت سيطرة الثقافة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى مدعاة إلى إغراء براق بأوربا، وازدراء ناقم لأمجاد الشرق في رأيي من جهلوا الحق فضلوا عن سبيله، ومن عرفوا الحق مستبصرين، ولكنهم مالؤوا الباطل ليصلوا إلى الشهرة والجاه والزعامة الفكرية من سفاح دنيء لا يعرف معنى الشرف
في القول أو الفعل، وإن تستر بخداع زائف من التصايح بالحرية الفكرية، والمنهج العلمي، ويشهد الله أن لا حرية ولا منهج، ولكن الهوى يهمي وبصم!.
ما كاد الأستاذ الخضر ينزل حي الحسيين بمصر غريباً لا يعرف أحداً من الناس، ومهاجراً في سبيل الله بقلمه المجاهد الشجاع، حتى وفق لعمل بدار الكتب بأجر زهيد لا يتفق ومنزلته الكبيرة، ولكنه كان -بتوفيق الله- صلة حميدة إلى اشتهاره الأدبي، ونبوعه العلمي، ثم إلى اتصاله بأشباهه من الغُير على مقدسات الإسلام من أعلام المفكرين؛ كأحمد تيمور، ومحب الدين الخطيب، وعبد الحميد سعيد، وعبد الوهاب النجار، ومحمد رشيد رضا، ثم شاءت الأقدار أن تفتضح معركة الشعر الجاهلي، وأن يكون الأستاذ بطلاً معلماً من أبطال المعركة، يصيح بالحق، ويندد بالضلال.
لقد ظهر كتاب "الشعر الجاهلي" ينادي باحتقار كل قديم دونه في صحف الأدب والشك فيه، ويزعم أن جل ما قيل منسوباً إلى شعراء الجاهلية اختلاق زائف بغيض، وهذه الآراء مهما صادمت البداءة الواضحة، لا تحدث ضجة بين الناس يسعى إليها الدكتور طه حسين باذلاً جهده الجهيد، فلا بد إذن من الهجوم على المقدسات الدينية هجموماً لا هوادة فيه، فليتعرض الكاتب إلى القرآن المجيد، وليزعم أن حديثه عن إبراهيم وإسماعيل لا يكفي لإثبات وجودهما في التاريخ!
إذ أن رواية ذلك وتسجيله لا يكفيان لإثباته دون بحث عن العوامل القريبة والبعيدة في الرواية والتدوين!
ونحن لا نريد أن نفيض في دعوى الانتحال الشعري؛ لأنها لب الكتاب
وفحواه، وهي دراسة أدبية يتبين وجه الحق في بطلانها من أيسر طريق، ولكننا نلخص ما تورط فيه الكاتب ملحاً ليهاجم الإسلام هجوماً يرضي أساتذته من قساوسة المستشرقين، ويجعل الرجل صاحب دعوة جديدة في الفكر الإسلامي الحديث.
فالدكتور طه يعلن أن محمداً قد استغل المقدسات بمكة، وفي مقدمتها البيت الحرام الذي بناه إبراهيم؛ كيلا يفقد قوته الروحية مع صراع الشرك، فالمسألة مسألة استغلال للسيطرة فحسب، لا أن بيتاً لله بناه إبراهيم على وجه التحقيق.
والدكتور يعلن أن القرآن لم يكن جديداً على العرب، إذ أن عقائده الجديدة كانت معروفة في شبه الجزيرة بدليل عجيب يرتضيه طه وحده، وهو قبول من قبل الدين، ومعارضة من عارض؛ إذ لو لم يكن مألوفاً، ما حفل به أحد.
والدكتور طه يعلن أن دعوة الإسلام دعوة محلية، في جماعة خاصة، وفي حياة خاصة، فهي ليست دعوة عامة للبشرية كما ينطق بذلك القرآن الصريح.
ومنطق هذا كله كما يقول الأستاذ الدكتور البهي -في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث"(ص 19): إن القرآن ليس وحياً لرسالة الله!! وإذا كان المؤلف النابغة قد أثبت اقتراب هذه الأفكار من كتاب "المذهب المحمدي" للمستشرق الإنجليزي (جب)، فإن الأستاذ الخضر قد استطاع أن يجد الأصل الاستشراقي الذي سطا عليه الدكتور سطواً فاحشاً فيما كتبه الدكتور (مرغليوث) في مجلة "الجامعة الآسيوية الملكية" سنة 1916، وفي كتاب
"محمد" المطبوع سنة 1905، وقارئ الرد المفحم الذي كتبه الأستاذ يرى عجباً حين يجد الدكتور يضطر للشك في المتواتر من أخبار القرآن بحكم منهج (ديكارت)، ثم يقبل كل رواية مريضة واهية يذكرها كتاب "الأغاني" كحق مسلَّم يستند إليه في قضية الانتحال، حتى اضطر القارئ إلى الاعتقاد بأن المنهج الديكارتي لا يصلح فقط إلا حين يجابه الحقائق لا الأراجيف.
وإذا كان فريق من الأساتذة الأعلام؛ كالأستاذ الرافعي، والدكتور الغمراوي، ومحمد لطفي جمعه، ومحمد فريد وجدي، قد مزقوا كتاب الدكتور تمزيقاً علمياً بما فضحوه من السرقة والتدليس ومجافاة الحق، فإن الأستاذ الخضر قد زاد عليهم جميعاً بشيء تفرد به، وهو غوصه على النصوص العربية من أمهات كتبنا العلمية التي جهلها الدكتور، فظن أفكاره في الشك والانتحال والاستشهاد بالقرآن ستكون جديدة على القارئ العربي! وأكثرها مدون بنزاهة في الكتب الأمينة التي حرفها الاستشراق عن قصد، ثم سطا عليها طه بعد التحريف، فثرثر وأطال.
فطه مثلاً يقول في (ص 9): "وينتهي بنا البحث إلى نتيجة غريبة، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتاويله". والأستاذ الخضر يقول -مثلاً- في الرد على ذلك (ص 22): "لم تكن هذه النتيجة غريبة إلا عند من يتناول البحث خطفاً، ولا يمشي فيه على روية وأناة، وقد أنكر بعض أهل العلم فيما سلف على من يتوقف من النحويين في تقرير ألفاظ القرآن على شاهد عربي، ومن هؤلاء: فخر الدين الرازي؛ حيث يقول في "تفسيره الكبير": "إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول عن قائل مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن
العظيم كان أولى، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول، فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وقفه دليلاً على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحته أولى".
وأنكر أبو محمد بن حزم على من لا يمضي في الاحتجاج بظاهر القرآن، فقال في كتاب "الفصل":"ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الطرماح، أو لأعرابي أسدي أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظاً في شعر أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد الله تعالى خالقِ اللغات وأهلها كلاماً، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه".
وهكذا نرى في الكتاب عشرات النصوص القوية التي تسلك مسلكاً جديداً في الفهم، ولو كانت هذه مزية الكتاب وحده، لكفته فخراً، فكيف إذا لم يدع شبهة تحوم إلا بددها برأيه ونقله وعقله في بصر وتمكين؟!.
وكأن المصادفات العلمية الفذة قد هيأت للرجل أن يجول الجولة الثانية بمصر، حين صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعالم من علماء الأزهر، قد امتلأ يقيناً بأقوال الاستشراق، فجعلها المنبع الأول لفهم الحكم في الإسلام على نحو يقرب من تعاليم المسيحية وحدها، إذ أن المعروف المتفق عليه أن المسيحية دين لا دولة، ولكن الإسلام شيء، والمسيحية شيء آخر، فالإسلام دين ودولة، والرسول حاكم ومبلغ معاً، ونصوص القرآن مليئة بما يجعل هذه الحقيقة في مرتبة البدهيات!
ولكن الأستاذ علي عبد الرازق، يجهر بدعواه، واهماً أنه وحده صاحب
القول الفصل! وقد تطرق إلى الرد عليه في الصحف اليومية من لا يقف معه في مستوى واحد، كما وجد من تساند الإلحاديين وتكالبهم على تأييده بما يملكون من صحف وأندية وأقلام ما يخلع على كلامه بعض الوجاهة لدى الضعفاء، ولكن السيد محمد الخضر -نضر الله وجهه- يتصدى لهذا الإفك الصريح، فيأتي على بنيانه من القواعد، وكان مجاله النقدي هذه المرة في قمة من القوة والتمكن والإفحام؛ لأن الجدال ليس في الرواية والقصص والانتحال كما في أكثر فصول "الشعر الجاهلي"، ولكنه يدور حول قواعد أصولية عميقة في الفقه والحكم والتشريع، ويجد من تاريخ الإسلام الحافل برجاله وحوادثه ومؤلفاته ما يعين على جلاء الشك، ورد الزيغ، لذلك كان مؤلَّف الخضر حجة قوية تقود المنصفين إلى مراشد اليقين، وقد ظل الأستاذ علي عبد الرازق ضائقاً به حتى بعد ربع قرن من صدوره، وانتهاء المعركة على نحو يرضي المخلصين، فقد قرأت بالسنة الثامنة -على ما أذكر- من مجلة "لواء الإسلام" كلمة للأستاذ علي عبد الرازق تنبئ عن غضبه الموقد على الأستاذ، وتعيب طريقته في نقد الكتاب، ومجمل العيب في رأيي الأستاذ عبد الرازق أن الأستاذ الخضر ينقل كل نص من نصوص الكتاب على حدة، ثم يفنده بالرأي والدليل، وذلك أدعى إلى تمزيق الفصل الواحد وتشتيته. ونحن نقول للأستاذ عبد الرازق: إنه قد ظلم الحق فيما قال؛ لأن هذه النصوص تأتي متوالية متعاقبة، وقارئ النقد يستطيع أن يجمعها بسهولة لتكون كل ما جاء بالفصل الواحد من الكتاب، وهي بعد خير وأقوم من مسلك ناقد يلخص الموضوع من عنده، ثم يعقب عليه، إذ ربما فات من التلخيص شيء هام لا يعرفه القارئ المحايد، ولا ندري كيف يحافظ الخضر على نصوص الكتاب
جميعها، فلا يسقط منها شيئاً ذا بال، ثم يكون ذلك مطعناً يوجه إليه من ناقد نبيه؟! إن الغيظ وحده لم يستطع أن يخمد في نفس المنقود على تطاول الأيام به حتى وجد المنفذ على صفحات "لواء الإسلام"! ولو كان نقد الأستاذ عبد الرازق للأستاذ الخضر علمياً نزيهاً، ما تعرض لأمور شخصية لا تتصل بالبحث في شيء، ولكنه تخيل الموهوم، ثم خاله حقيقة، فتيقنه! على طريقة بعض الناس.
لقد كان تمكن الخضر في الدفاع مدعاة التقدير من ذوي الأحلام، فتقدم لامتحان العالمية بالأزهر، وكان الشيخ عبد المجيد اللبان رئيس اللجنة مع نخبة من زملائه المختارين، فأبدى الشيخ من الرسوخ والتمكن ما أدهش، حتى إن الشيخ اللبان صاح بملء فيه:"هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟! ". ونال الشهادة العالمية الأزهرية، وبها صار أستاذاً في الأزهر، فمدرساً بكلية أصول الدين، بل كانت طريقه فيما بعد إلى مشيخة الأزهر ذات القدر الخطير!
وقد اتجه الأستاذ إلى تأسيس الجماعات الدينية، فكان أحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين، وقد وضع لائحتها الأولى مع صديقه محب الدين الخطيب، وقامت هذه الجمعية برسالتها المخلصة في هداية الشباب الإسلامي، ومحاربة الإلحاد العلمي، والنزق الخلقي، واستطاعت أن تصد هجوم الحضارة الملحدة المادية بما تقوم به من ندوات ومحاضرات، وما تنشره من صحف ومؤلفات.
وكأني بالخضر وقد شاء أن ينشئ جماعة الهداية الإسلامية؛ لتساند أختها في الدعوة إلى الله، وقد كان نشاطها علمياً أكثر منه اجتماعياً؛ إذ أن
محاضراتها المتتابعة قد وجهت الأذهان إلى كنوز الثقافة الإسلامية، كما أن مجلتها الشهرية كانت تحمل الروائع من التفسير والتشريع واللغة والتاريخ. وإذا عرفنا أن مجلة "الأزهر"، ومجلة "لواء الإسلام" قد ظلتا سنوات عديدة تصدر عن رأيي الشيخ وتوجيهه، أدركنا جهاده الشاق في مضمار الصحافة العلمية الراقية، وعرفنا مصادر متنوعة تجمع إنتاجه الدسم الفياض، هذا ولم يفت الأستاذ أن يحارب على صفحات هذه المجلات جميعها ما يند من الأقوال المتطرفة في الأدب واللغة والدين، حتى اختلف في الرأي مع أناس مخلصين لا ترقى إليهم الشبهة في علم أو خلق أو دين، ولكن العلم الأصيل شيء غير الإخلاص والخلق، فقد يكون المخلص الغيور متسرعاً ينظر إلى زاوية واحدة، فلا بد أن يناقشه إنسان مطمئن ثاقب النظر منفرج الزوايا واسع الاطلاع كالأستاذ الخضر، والنقاش بعدُ سديد مفيد.
هذا وقد اختير الرجل عضواً بالمجمع اللغوي بمصر، فأبدى من الآراء السديدة في الإصلاح اللغوي ما تشهد به مجلة المجمع، ومحاضر جلساته، وهو أول من أعلن بالمجمع صحة الاحتجاج بالحديث النبوي، وأحد من اشتركوا في معارك النقاش اللغوي حول الوضع الاصطلاحي، وحق المحدثين في وضع الكلمات، هذا غير ما خاضه من بحوث تتعلق بالاشتقاق، والتعريب، والفصيح، والدخيل، وجموع التكسير قياسية وسماعية، مما يشهد بالتخصص الماهر الفاحص في فنون اللغة والبيان، على أنه تقدم إلى هيئة كبار العلماء برسالة في القياس، يقول المغفور له الأستاذ محب الدين الخطيب عنها بمجلة "الأزهر" شعبان سنة 1377 هـ:
"وفي أثناء إقامته بدمشق شرع في دراسة كتاب "مغني اللبيب" في علم
العربية لجمال الدين بن هشام، بمحضر جماعة من أذكياء طلاب العلم بدمشق، وكان يرجع في تقرير المسائل المتصلة بالسماع والقياس إلى تلك الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه أولو الجد من الطلبة جمع هذه الأصول المتفرقة؛ ليكونوا على بينة منها ساعة المطالعة، فألف مقالات تشرح القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، ومن هذه المقالات تألفت رسالة "القياس في اللغة العربية" التي أعاد عليها النظر بمصر". وهي -كما رأيتها- تجمع الأصول العالية في أحكام القياس والسماع، وتضم فصولاً عن شروط القياس وأقسامه، وقياس التمثيل، والقياس الأصلي، مع إيضاح الأمور المشتركة بينهما، هذا إلى أبواب في فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم المدنية، وحاجتها إلى المجتمع، وحاجة المجتمع إليها، وتأثيرها في التفكير، وتأير التفكير فيها! وغير ذلك كثير! فإذا أضفنا إلى رسالته عن القياس رسالته الأدبية في الخيال العربي، عرفنا جهد هذا الأديب، كما عرفنا من قبل مقام ذلك الفقيه!
أما مشيخته الكبرى للأزهر، فقد كانت دليلاً على أن الله لا يتخلى عن رجاله المناضلين، إذ يأبى عدله الرحيم أن يترك هذه الجهود المضينة في الدين واللغة والأدب تضيع بدداً دون تقدير مادي ملموس، فرأى الأزهر لعهده حلقة ذهبية من حلقات الكمال والجلال والوقار، وطفق الزائرون من كتاب وعلماء وصحافيين يتقاطرون على مكتبه، وكلهم يسأل عن أمور هامة في الإصلاح الديني، والتشريع الإسلامي، والتقدم الحضاري، فيجد الإجابة الرصينة السديدة يفوح بها شيخ الإسلام الدارس المستنير، ولكن أعباء السنين تتراكم على كاهله الضعيف، فيترك المشيخة معتكفاً محتسباً حتى يلبي نداء
ربه في 13 رجب سنة 1377 هـ ، وهو التاريخ الهجري الذي كان رضي الله عنه يحرص على تدوينه في كل مكاتبة أو رسالة، ونحن نسجل به رحيله الطاهر إلى ساحة الرحمة والرضوان في جنة عرضها السماوات والأرض.