الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محاضرات الندوة
المرحلة المصرية في حياة الإمام محمد الخضر حسين
(1)
أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ورضي الله عن صحابة رسول الله، وعن التابعين، وتابعي التابعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ورضي الله عن مشايخنا ووالدينا والحاضرين، وجميع المسلمين، آمين يا رب العالمين.
وبعد:
الإمام الشيخ محمد الخضر حسين عَلَم من أعلام الإسلام، فريدُ عصوِه، ووحيدُ دهرِه، وهو فلتة من فلتات الزمن، لن يجود الزمن بمثل هذا الرجل.
صحيح اْن الأمة الاسلامية ولّادة، ولكن هذا الرجل يعتبر فعلاً فلتة
(1) محاضرة الدكتور مجاهد توفيق الجندي مؤرخ الأزهر، وعضو في الجمعية التاريخية العربية الإسلامية.
مع ملاحظة أن هذه للمحاضرة هي نفسها بنصها مع حذف وإضافة القليل، والتي سبق أن ألقاها في (ملتقى الإمام محمد الخضر حسين) في مدينة "بسكر" بالجزائر ديسمبر 2007 م ، ونوردها مجدداً هنا حسب نصها السابق، لعل القارئ لم تصل يده إلى محاضرات الملتقى في الجزائر.
من فلتات الزمن، فهو المصلح لهذه الأمة أمرَ دينها، وهو الذي أنار السبيل لها؛ لتنهض من كبوتها، لتحارب الاستعمار، وتخرجه من بلادها.
وهو السياسي الذي قاد السفينة إلى برِّ الأمان وسطَ الأمواج المتلاطمة، والأعاصير القاتلة، والرياح العاصفة، والبروق والرعود المدوية.
وهو الصحفي الذي لا يُشق له غبار، صاحب مجلة "السعادة العظمى" في تونس، ومجلة "الشبان المسلمين" في مصر، ومجلة "الهداية الإسلامية"، ومجلة "نور الاسلام" التي هي مجلة "الأزهر" بعد ذلك، ومجلة "لواء الإسلام" ومجلة "مجمع اللغة العربية"، وجريدة "الفتح".
ومجلات وصحف أخرى لا نستطيع أن نعرفها بالتحديد، نشر فيها الشيخ الخضر قصائده ومقالاته وبحوثه، سواء الصادرة منها في مصر، أو سورية، أو تونس، أو غيرها من البلاد، ومنها: مجلة "المجمع العلمي العربي" بدمشق. ومجلة "البدر" التونسية، والمجلة "الزيتونية" التونسية، وجريدة "الزهراء" الصادرة بتونس، ومجلة "الزهراء"، وهي علمية أدبية اجتماعية، منشئها محب الدين الخطيب.
وهو الشاعر، والأديب، والخطيب المفوّه الذي يهز المنابر.
والواقع أن الشيخ محمد الخضر حسين ابتدأ حياته الأدبية شاعراً قبل أن يبدأها ناثراً؛ حيث نجد آثاره الشعرية الأولى أكثر اهتماماً بالحياة العامة، وأطرفَ أسلوباً، وأميلَ إلى التجديدِ والمطالبةِ بالإصلاح من نثره.
ولكنه سرعان ما انقلب إلى النثر، فعبّر به عن قضايا الأمة والحياة، والمجتمع والفكر، تاركاً للشعر بعض المناسبات الخاصة، والجوانب الأكثر التصاقاً بالعاطفة والوجدان والإخوانيات، وقد ترك ديوانين كبيرين، أحدهما
طبع، وهو "خواطر الحياة"، والثاني مازال مخطوطاً، لكن كثيراً منه منشور في الصحف. وكان قد أعدّ للطبع، ولكن وفاة الشيخ حالت دون ذلك.
وقد رثى والدته السيدة حليمة السعدية التي توفيت سنة (1335 هـ - 1913 م) بقصيدة يقول فيها:
قَطَّبَ الدَّهْرُ فأَبْدَيْتُ ابتساما
…
وانتضى الخطبُ فما قلتُ سَلاما
لستُ أدْري أنَّ في كفَّيكَ يا
…
دهرُ رُزْءاً يملأُ العيْنَ ظَلَاما
إلى آخر القصيدة.
وقد رثى زوجته المصرية الأولى السيدة زينب مدكور -وهي من عائلة مدكور، وهي عائلة كبيرة في مصر تتبع قبيلة النجمة التي تعيش في منطقة الهرم، وأعتقد أنها قبيلة من أصول يمنية- بقصيدة منها:
أعاذلُ غُضَّ الطَّرْفَ عَنْ جَفْني الباكي
…
فخَطْبٌ رمى الأكْبَاد مني بأشواكِ
ولي جارةٌ أَوْدى بها سَقَمٌ إلى
…
نوًى دونَ منآها المحيطِ بأفْلاكِ
إلى آخر القصيدة.
* معارك الشيخ محمد الخضر حسين الأدبية والفكرية:
ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية سنة 1322 هـ. وقد أثار هذا القرار ضجة كبرى في العالم الإسلامي، فعقدت المؤتمرات، وكتبت المقالات المعارضة للتشهير بهذا الإلغاء الذي يتعارض مع أهل السنّة والجماعة. وقد كان الملك فؤاد رحمه الله ملكُ مصر من أكبر المعارضين لهذا القرار؛ لأنه كان يسعى لتولِّي خلافة المسلمين؛ لما في ذلك من مكاسب مادية وأدبية وسياسية.
وقام أنصار الملك فؤاد بترويج هذه الفكرة بوسائل عديدة، وفي خضم
هذا الخلاف الشديد بين المناوئين للملك فؤاد، والموافقين له، والمدافعين عن هذه الفكرة، أصدر الشيخ علي عبد الرازق أحدُ علماء الأزهر كتابة "الإسلام وأصول الحكم" سنة 1925 م.
في الحقيقة: أن الشيخ علي عبد الرازق رحمه الله، وهو من بيت علم قديم في قرية أبو جرج التابعة لمحافظة المنيا في مصر، وهذا الرجل قد وهبه أبوه مع ثلاثة من إخوته للأزهر الشريف، وهو من بيت أثرياء، بيتهم مفتوح لعابري السبيل، ولا يذهب أي قاصد لصدقة، أو لطلبة فيرجع خائباً.
في حديث لي مع المرحوم الشيخ أحمد إدريس وكيلِ لجنة الفتوى بالأزهر، عندما قلت له: عندنا ندوة غداً، أو بعد غد في المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة مرور سبعين سنة على كتاب "في الشعر الجاهلي"، وتحدثنا بشأن كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، قال: يا بني! هذا الكتاب ليس للشيخ علي عبد الرازق، ولكنه لطه حسين، أضافه إليه، ليأخذ به شهرة.
وكان بينه ويين طه حسين علاقة ما من النسب أو القرابة، فخجل الرجل، كان رجلاً طيبا جداً، لم يشأ أن يُحرج طه حسين، برغم أن هيئة كبار العلماء اجتمعت، ومحت اسمه من سجلات الأزهر، وأخرجته من زمرتها.
قلت للشيخ أحمد إدريس: ما الذي عَرفك؟ قال: كنت واعظاً لهذا المركز في محافظة المنيا، مركز يتبع بني مزار، وبني مزار بلدة بها العديد من الصحابة، صحابة رسول الله الذين استشهدوا بالمعارك، الذين صاحبوا عمرو بن العاص في الفتوحات الإسلامية.
بلدة أبو جرج هذه بلدة علي عبد الرازق، وآلُ عبد الرازق بيت كريم، الشيخ أحمد إدريس ذهب إلى هذا البيت، وكان واعظاً للمركز، ذهب ليتغذى
هناك، وليبيت. وعندما انتصف الليل وأراد الرجل أن يذهب إلى الحمام، وجد الشيخ علي عبد الرازق يبكي، والدموع تُبلل لحيته في جوف الليل، يُصلّي في جوف الليل والناسُ نيام، والدموع تبلل لحيته، قال له: يا مولانا! ولماذا كتبت هذا الكتاب؟ قال: يا ابني! هذا الكتاب -والله- ليس لي، ولكنه لطه حسين، أضافه إليَّ؛ لشيء من القرابة، أو شيء من المصاهرة، لآخذ به شهرة، وهذا الكتاب ليس لي.
قال: لماذا لم تتبرأ من هذا الكتاب؟ قال: ما أردت أن أُحرج طه حسين، وتحمَّل الرجلُ ما حدث له، وأنا اليوم سعيد. هذا ما أؤكد عليه بخصوص كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
في ندوة طه حسين في المجلس الأعلى للثقافة، قمن بمداخلة، وقلت هذا الكلام، فغضب عليَّ الدكتور جابر عصفور، وهو من العَلْمانيين المعروفين في مصر. ولكن هو لا يعوف الحقائق، وعندما قلت هذا الكلام، قام وثار وغضب، وقال: هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه لو كان صحيحاً، لوقف في وجه هيئة كبار العلماء الذين أخرجوه من زمرتهم، فقلت: اذهبوا إلى الشيخ أحمد إدريس، والصحفيون تجمعوا حولي؛ لأن هذا الكلام جديد بعد مرور أكثر من سبعين سنة على هذا الكتاب. وذهبوا إلى الشيخ أحمد إدريس، وأكد لهم ما قلته، ونشر ذلك في الصحف.
هذا بخصوص "الإسلام وأصول الحكم"، وقد عارضه مولانا وشيخنا الجليل الشيخ الخضر حسين، عارض هذا الكتاب، فأُعجب به الملك فؤاد؛ لأنه كان يريد أن يكون خليفة للمسلمين.
كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، يقول فيه طه حسين؛ لأنه ليس لعلي
عبد الرازق، يقول: إن الحكومات الحديثة لا تحتاج إلى الخلافة، والخلافة ليست ضرورية، وليست من الدين، هذا كلام طه حسين، وهو كلام المستشرقين.
وطه حسين -بالطبع- حاقد على الأزهر الشريف، برغم أنه أكل من خيرات الأزهر، ولحم أكتافه من خيرات الأزهر الشريف، وجلس في زاوية العميان، يحترمونه، ويأكل ويشرب ويكتسي على نفقة الأزهر الشريف، حيث كان فقيراً، الأزهر الشريف خيرُه على أشداق الذين درسوا فيه، وبرغم هذا يشتمون الأزهر، ويلعنون المشايخ.
قال طه حسين يشتم اللجنة التي ناقشته في الدكتوراه، أو في العالمية، في قصيدة طويلة يشتم فيها المشايخ:
جلسةٌ في الضُّحى
…
بين العمائمِ واللِّحَى
أتذكَّر هذا البيت.
وثار عليه المشايخ، وسألوه أسئلة عويصة كانت سبباً في أنه لم ينجح في العالمية، فغضب على الأزهر الشريف، واتجه إلى المستشرقين أربابِ النعمة عليه، وقيل: إنهم أعطوه الدكتوراه في جلسة شاي. هكذا يقولون.
وأنا أخذت في هذه الندوة، ندوةِ كتاب "في الشعر الجاهلي"، حصلت على ملف الدكتور طه حسين، اشتريته بثمن غالٍ، وليس ببخس، وجئت به إلى جابر عصفور. فقال لي: جبت الملف ده منين؟ قلت: أنا صحّيته من النوم، وقلت له: قم يا طه، هناك مؤتمر بالنسبة لك.
قال بعد أن قلّب الملف: أريد أصوّر هذه الأوراق، وهي الأوراق التي يدافع بها المستشرقون عن طه حسين، وهم أساتذة جامعة فؤاد الأول،
أو الجامعة المصرية من الفرنسيين. يدافعون عنه، ويقولون: إن الأستاذ في الجامعة حرّ يقول ما يريد. وشهد شاهد من أهلها. هم أهلُه وأحبابه شهدوا له.
فقلت له: لا تصوِّر ولا ورقة واحدة، فاسوَدَّ وجهه، وامتقع، وقال لي: لماذا قلت: أنا لا أريد أن أصور شيئاً من هذا الملف؟ قال: أنا أريد أن أتفاوض مع وزارة الثقافة لأشتري منك هذا الملف بما تحب؛ لنضعه في (راماتان) -هي فيلا طه حسين-، فقلت: أنا لا أريد أن أبيع هذا الملف، أنا أريد أن بيقى عندي.
خُذْ صوِّر هذه الثلاث ورقات، هذه الثلاث ورقات قرأتها على الحاضرين. وفيها دفاع طبعاً عن طه حسين، المستشرقون الفرنسيون يدافعون عن طه حسين. هذا كلام أقوله أمام حضراتكم.
هذا بخصوص كتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي أُعجب به الملك فؤاد، واستدعاه إلى الإسكندرية ليقابله هناك، وأعطاه الجنسية المصرية، فرحاً وحباً في دفاعه عن الخلافة، ونقضه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي هو لطه حسين، وليس للشيخ علي عبد الرازق.
وقد كان الملك فؤاد ملكُ مصر من أكبر المعارضين لهذا القرار، قرارِ إلغاء الخلافة؛ لأنه كان يسعى لتولي خلافة المسلمين؛ لما في ذلك من مكاسب مادية وأدبية وسياسية.
وقد أثار هذا الكتاب ضجة في أوساط رجال الدين والأزهر، سواء من مؤلفه الذي هو من رجال الإسلام، ولا يمكن لمثله أن يصدر عنه كتاب من هذا النوع، أو بالنسبة لمحتواه المخالف لما يعتقده العلماء والشيوخ،
فتصدى له الشيخ محمد الخضر حسين بكتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وقد بادرت هيئة كبار العلماء بالأزهر إلى طرد الشيخ علي عبد الرازق من صفوفها، ومحو اسمه من سجلات الأزهر، كما حوكم الكتاب، وصودر من الأسواق.
* خلاف الشيخ محمد الخضر حسين مع الدكتور طه حسين:
في سنة 1926 م أصدر طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي"، وتصدى له الشيخ محمد الخضر، طبعاً جاء في هذا الكتاب: أن الشعر الجاهلي منحول، وهذا يعني: أن القرآن الكريم منحول، وهذه الأشياء كلها منحولة، وتصدى له الشيخ الخضر بكتاب يساويه حجماً وصفحات وتبوبياً، أسماه:"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" الذي أُعيد نشره مراراً بعد تعديله تحت اسم "في الأدب الجاهلي".
وقفز هذا الكتاب بالشيخ الخضر حسين إلى الصف الأول بين علماء مصر وأدبائها، فارتفعت حكمانته وشهرته بسرعة فائقة جداً.
* خلاف الشيخ محمد الخضر حسين مع الأستاذ إبراهيم مصطفى:
وهو -أيضاً- من تلاميذ طه حسين، ألف الأستاذ إبراهيم مصطفى كتابه "إحياء النحو" الذي تعرض فيه إلى بعض علماء النحو القدامى، ونظرياتهم في هذا الميدان، وردّ عنيه الشيخ محمد الخضر في مجلة "الهداية الإسلامية"، ومما قاله:
والواقع: أن المؤلف سلك أعوج الطرق في التحامل على علماء العربية، والمبالغة في نسبتهم إلى التقصير، وهي الطريقة التي يسلكها الدكتور طه حسين على جهالة، أو قضاءً لحاجة في النفس.
وقد شكر طه حسين جهودَ إبراهيم مصطفى، وسعة علمه، فتعرض له الشيخ الخضر حسين بقوله: وهذا التقريظ دائر بين أمرين: إما أن الدكتور طه حسين لم يقرأ هذا الكتاب، وقرّظه مع العاطفة والمبدأ، وإما أنه قرأه، ولضعفه -أي: ضعف طه حسين- في عِلْم العربية بدا له أن هذا الكتاب إحياء لعلم النحو.
ويبدو من مقال "الهداية الإسلامية" أن الشيخ الخضر كان يعتزم تأليف كتاب بالرد على إبراهيم مصطفى، لكن لأن الشيخ محمد عرفة -وهو عالم جليل من علماء الأزهر المصلحين أيضاً- كفاه مؤونة ذلك عندما ألف كتاباً حقق نفس غرضه، وهو "النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة".
* خصومة الشيخ محمد الخضر حسين مع الشيخ رشيد رضا:
كان الرجلان متفقين في النظرة إلى اللغة العربية؛ من حيث الدفاعُ عنها باعتبارها وسيلة للتعريف بأصول الدين الإسلامي، وهي لغة القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وتزداد الصلة مكانة ومتانة عند صدور كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"في الشعر الجاهلي" لطه حسين، ويقف منهما الشيخ الخضر الموقفَ الذي بيّناه، ويسانده الشيخ رشيد رضا، ويشيد بكتابيه، وبقيمة صاحبهما العلمية والدينية، كما يقرّظ مجلة "الهداية الإسلامية".
كانوا متقفين سوياً، ثم برزت القطيعةُ بينهما عند صدور العدد الأول من مجلة "نور الإسلام"، وما كتبه بشأنها الشيخ رشيد رضا، خاصة لومه على رئيس التحرير الشيخ الخضر؛ لعدم ذكره الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي هو شيخ الأزهر الذي ثبّت الشيخ الخضر حسين في وظيفته بالأزهر
رسمياً، وكان أستاذاً في كلية أصول الدين في قسم التخصص، يدرّس السياسة الشرعية لطلبة التخصص، و-أيضاً- في كلية الشريعة طلبة التخصص في السياسة الشرعية، وهذه لا يدرسها إلا فطاحل العلماء. لعدم ذكر الشيخ مصطفى المراغي، وابتعاد المجلة عن السياسة، اختلف في حاجتين: لأنه ما ذكر الشيخ المراغي في العدد الأول، وأنه كان صاحب فضل عليه في تثبيته رسمياً في الوظيفة عندما أصبح شيخاً للأزهر، و-أيضاً- لخلافه أن المجلة بعيدة عن السياسة.
وقد ردّ الشيخ الخضر على الشيخ رشيد رضا بمقال عنوانه: "للحقيقة والتاريخ"، وهو خطاب مفتوح نشر في مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم يذكر ما قاله الشيخ رشيد رضا بخصوص مساعدة الشيخ المراغي للشيخ الخضر حسين بجعله مدرساً في قسم التخصص في كلية أصول الدين بعناية خاصة استثنائية، فيشير الشيخ الخضر إلى أن مجلس الأزهر قد ندبه بالتدريس قبل ولاية الشيخ المراغي بنحو سنة، عندما كان الأستاذ عبد الرحمن قرّاعة رئيساً لهذا المجلس.
* دخول الشيخ محمد الخضر حسين جماعة كبار العلماء:
أخذ عضوية هذه الجماعة، وحصل عليها بكتاب "القياس في اللغة العربيق"، وهي رسالة؛ لأن من شروط الانضمام إلى هذه الجماعة: أن يقدم العالم رسالة جديدة فيها كل جديد.
فقويل بالإجماع سنة 1952 م. وعندما ناقشت اللجنة الشيخ، أجاب على الأسئلة باستفاضة ودقّة متناهية، ولذلك قال الشيخ اللبان -وهو رئيس الممتحنين- للجنة: هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟!
وأعطي العالمية بالإجماع بدرجة ممتازة.
* مشيخة الأزهر الشريف:
تقلد الشيخ محمد الخضر حسين منصب شيخ الأزهر الشريف في ظروف سياسية واجتماعية معينة، جعلت بقاءه في هذا المنصب العلمي الهام لا يطول كثيراً، برغم ما للرجل من قيمة علمية وأخلاقية ودينية.
في يوم الأربعاء (27 من ذي الحجة 1371 هـ - 17 ديسمبر 1952 م) زار ثلاثة من الوزراء على رأسهم الشيخ أحمد حسن الباقوري صديقُ الشيخ، ووزير الأوقاف المصرية منزلَ الشيخ محمد الخضر حسين، وبعد الترحيب بهم، بادره الشيخ صديقُه الباقوري بالقول: لقد وقع الاختيار عليك لتكون شيخاً للأزهر، فأبدى الرجل امتناعاً؛ نظراً لخطورة المهمة، وكبرها، ولعجزه البدني، وشيخوخته، وقد أشرف سنّه على الثمانين، فرفض الوزير الاعتذار قائلاً: هذا أمر تجنيد، وفي هذا العهد المبارك تُجند الكفاءات النزيهة لخدمة مصر. وعند ذلك قَبِل المسؤولية الجديدة، وأجاب: وأنا لا أهرب من الجندية، وليوفقنا الله.
ولم يكن الشيخ الخضر ينتظر بلوغه هذا المنصب لأسباب عديدة، لذلك أجاب عن سؤال يتعلق ببرنامجه الإصلاحي في الأزهر بقوله -عندما سأله المحرر بمجلة "المصور" المصرية بذلك الوقت-، قال: ليس لدي برنامج مدروس؛ إذ كنت لا أتوقع أن أكون شيخأ للأزهر، بعد أن قضيت عمراً طويلاً أدرّس السياسة الشرعية في كليتي الشريعة وأصول الدين، ثم أُحلت على المعاش بعد عشرين سنة في هذا العمل، ولزمت بيتي.
وتجدر الملاحظة: أن قلة المصادر المتعلقة بهذه الفترة الهامة من حياة
الخضر هي التي عاقتنا عن معرفة الأسباب التي أدت إلى اختياره شيخاً للأزهر، ولعل ما نفترضه هو: أن غزارة علمه، وشهرته الواسعة في الأوساط الدينية والثقافية، وهدوء طبعه في معالجة الأمور، وفي مشيخة الأزهر بالذات التي تكثر حولها الفتن، وتكثر حولها المؤامرات.
بالإضافة إلى الصداقة التي كانت تربط بينه وبين عدد كبير من علماء مصر وفضلالها، وأعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو كانوا زملاءه في جمعية "الهداية الإسلامية"، كانوا أعضاء، ربما ليسوا أعضاء عاملين، ولكن كانوا يساعدون بالمال، ويساعدون بأشياء كثيرة.
* استقالة الشيخ محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر:
واصل الشيخ محمد الخضر حسين نشاطه الإداري والعلمي بمساعدة عدد من العلماء البارزين في الأزهر إلى سنة 1954 م؛ إذ كثرت أمراضه الجسمية؛ مما منعه من القيام بمسؤولياته التي يرتضي ضميره، لذا قرر الاستقالة من منصب مشيخة الأزهر، وبارح هذا المعهد العلمي يوم (2 جمادى الأولى 1372 هـ - 8 جانفي 1945 م). طبعاً هذا كلام سياسي، ولكن الحقيقة أنه استقال نظراً لقانون الإصلاح الزراعي. وهذا يلغي كل من عنده أكثر من مئة فدان من الإقطاعيين المصريين بذلك الوقت. وغضب الشيخ غضباً، وقال: هذا حرام أن نأخذ أموال الناس، ونوزعها على آخرين، وقدم استقالته، لكن وجد من يطرق عليه الباب، فتح الباب، فوجد محمد نجيب وجمال عبد الناصر يقفان أمام البيت بعد الاستضافة، قالا له: إننا نرجوك أن تسحب هذه الاستقالة، ونحن نلغي هذا القانون. وفعلاً أُلغي مؤقتاً إلى أن رجع الشيخ؛ لأن استقالة الشيخ فضيحة، كون الشيخ يستقيل من الثورة هذه فضيحة لهم،
ولأن الشيخ من العلماء العظام الذين اختيروا من بين جماعة كبار العلماء، وليس معيناً من قبل الثورة، ولكنه آخر العلماء العظام الذين كانوا مختارين لمشيخة الأزهر الشريف، لذلك رجع مرة إلى المشيخة، والمرة الثانية قالوا: إنه استقال؛ لأنهم أرادوا أن يضموا المحاكم الشرعية إلى القضاء الأهلي، فقال: العكس هو الصحيح، يُضم القضاء الأهلي إلى القضاء الشرعي، وقدم استقالته نهائياً، ولم يرجع، ونفذوا كل ما أرادوه بعد ذلك.
* حياته بعد الأزهر:
ترك الشيخ الخضر جامع الأزهر وسنّه إحدى وثمانون سنة، وانزوى بمنزله إلى كتبه العلمية، وقد أنهك جسمَه الإعياء، ولم يبق له من المهام العلمية إلا عضويةُ المجمع اللغوي التي واصل القيام بها إلى آخر يوم من حياته، وكذلك عضوية جماعة كبار العلماء التي لم تكن تكلف صاحبها عناء كبيراً.
ولم ينقطع عن كتابة المقالات الدينية في بعض المجلات؛ مثل: "لواء الإسلام" التي كان أحد المشرفين عليها، ومحرراً لقسم تفسير القرآن فيها.
* وفاة الشيخ محمد الخضر حسين:
انتقل الشيخ محمد الخضر حسين إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال يوم الأحد (13 رجب سنة 1377 هـ - 2 فيفري 1958 م).
وفي نفس ذلك التاريخ وقع الإعلام بمدينتي القاهرة ودمشق عن ميلاد الجمهورية العربية المتحدة. وكأن الصدفة أرادت اقتران هذا الحدث السياسي بوفاة رجل كان يدعو طول حياته إلى دعم الرابطة الإسلامية، وتقوية التعاون والوحدة بين المسلمين.
وقد نعى العالم الإسلامي هذا العلّامة الكبير، وحضر تشييع جثمانه كبارُ رجال الدولة المصرية، وعدد من علماء المشرق العربي البارزين.
وقد طلب رئيس الجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة من سفير تونس بمصر السعي لدى عائلة الفقيد للموافقة على دفنه في أرض الوطن، إلا أن المرحوم كان قد ترك وصية خطية طلب فيها دفنه بجوار صديقه أحمد تيمور باشا، الذي وجد منه الشيخُ التقدير والعون والمساعدة، ولذلك دفن في مصر تاركاً شهرة علمية واسعة.
وبذلك انتهت حياة العالم الجليل عن سن 86 عاماً قضاها في طلب العلم، وتقوية الرابطة الإسلامية.