الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجلسة الافتتاحية
كلمة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي
(1)
يسر الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي في مفتتح هذه السنة الإدارية 2009 م أن تستهل أنشطتها العلمية في رحاب (الكوفة الصغيرة) مدينة "نفطة" الساحرة ببنائها، وهندسة بنائها، والآسرة بدفء الحياة فيها، وبحرارة الاستقبال الذي عودنا به أهله.
"نفطة" درة الجنوب في بلاد الجريد، ومولد العلماء والشعراء، وممن نفاخر بأنهم أفادوا وأجادوا، ومنهم: العلامة محمد الخضر حسين، الذي تربى في أرض الجريد، وأُشرب قلبه في "نفطة" حب العلم وأهله.
وكان يخطو خطواته الأولى في "نفطة" في الزاوية العزوزية، زاويةِ جده الشيخ مصطفى بن عزوز، المنحدرِ كما يقول ابن أبي ضياف في "الإتحاف" من بيت فضل وعلم وصلاح، أتى من الجزائر الشقيقة، واستقر بنفطة.
وقد سدّد خطا الشيخ الخضر، العلامةُ محمد المكي بن عزوز، وهو خاله، وهو -أيضاً- نزيل إستنبول، وسراج العلماء في عصره.
وإن مرور نصف قرن على وفاة العلامة محمد الخضر حسين فرصة
(1) ألقاها الدكتور فتحي القاسمي أمين عام (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي).
سانحة لنكرَّم هذا العَلَم في رأسه نار، نال الشهرة في المغرب والمشرق وأوروبا، وتعددت مواهبه، وسطع نجمه في تونس مع مطلع القرن العشرين، عندما كان مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخ الضرير محمد شاكر، ومع ثلة من خريجي (لصادقية)، منهم الأخوان: علي، ومحمد باش حانبة، يبذر في المجتمع التونسي روح المبادرة والتجديد والتنوير من خلال مجلته "السعات العظمى"، ومحاضراته ومسامراته المجذّرة للهوية التونسية، والمدافعة عن الأصالة، والمواجهة بكل أشكال الطمس والمراقبة والمعاقبة التي كان يفرضها نظام الحماية الفرنسية.
دافع عن الحرية، ودعا عالياً إلى الإصلاح، وردَّ على متهم اللغة العربية بالجمود والموت. وعندما ضاقت به السبل، شدّ الرحال إلى الشام، فكان في العقد الثاني من القرن العشرين إلى جانب الشيخ صالح الشريف خير مدافع عن العروبة والإسلام، الأمر الذي عرّضه للسجن، وهدده بالإعدام.
ثم رحل إلى مصر، وانتسب إلى الأزهر، فانضمت إلى ما نهله في الزيتونة لَبِناتٌ أزهرية، زادته رسوخاً في العلم، وبوّأته مكانة كبرى في أرض الكنانة.
فاختير شيخاً للأزهر، وجد د فيه الحياة، وأحدث في الإسلام طفرة من التجديد، وكذلك -كما قال عنه عبد العظيم الزرقاني-: جدّد بعزمه من شباب الإسلام.
لقد جمع الشيخ العلامة بين التدريس والمحاضرة، والتحرير والإفتاء. وكان بيته بالقاهرة قبلة القصّاد، ومحط رحال التونسيين الوافدين إلى مصر، ومنهم: الرئيس الراحل الحبيب بورقيية، والشيخان: محمد الفاضل بن عاشور،
ووالده محمد الطاهربن عاشور.
وإن عشرات الكتب التي تركها، والتي جمع شتاتها ونشرها اينُ أخيه الأمين على ذلك التراث الفكري الهام الأستاذ علي الرضا الحسيني.
إن ذلك لمادة ثرية تحتاج إلى الدراسة والإبراز، ولعل ندوتنا هذه ستسلط الأضواء على جوانب كثيرة من سيرة الشيخ محمد الخضر حسين، وسيعمق الأساتذة الأجلاء والمحاضرون النظرَ في المشروع الإصلاحي التونسي، انطلاقاً من الشيخ، ومن مساجلاته الفكرية، ومجادلاته العلمية التي دلت على انخراط رجال الإصلاح في تونس في الجدل الديني والحضاري، الذي تأجج في النصف الأول من القرن العشرين.
وكانت الأطروحات التونسية متجاوزة القطرية، والنظرة الدينية الضيقة، نزاعةً إلى الاختراق، والاستشراف والانفتاح على الآخر.
أيها السادة الكرام!
إن جمعيتنا لفخورة منذ انبعاثها سنة أربع وألفين على التعاون مع وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، التي ما انفكت تدعمها، وتيسر لها نشاطها الذي امتد إلى تسع ولايات في البلاد التونسية.
كما أن تعاوننا متصل مع مؤسسة بيت الحكمة، وتكفلها بطبع الندوات التي تعقدها بالاشتراك مع الجمعية لدليلٌ على أهمية التعاون من أجل إشاعة المعرفة الدقيقة برجالات الفكر والثقافة في تونس.
إنه إذا كان الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي وزيرُ الثقافة والمحافظة على التراث قد شرفنا بافتتاح ندوتنا، فإننا نتشرف بالتعاون مع وزارة الشؤون الدينية، والسيد وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبي بكر الأخزوري الذي سيتولى
الإشراف على اختتام هذه الندوة
…
وقد تفضل إلى جانب السيد وزير الثقافة عبدِ الرؤوف الباسطي باستقبالها استقبالاً حاراً في مكتبيهما.
كما أن حضور الوفد الجزائري في الندوة لجديرٌ بمواصلة الفكر والرؤية بين الشقيقتين: تونس، والجزائر منذ عشرات القرون.
ولا يفوتنا التنويهُ بما بذله الأستاذ محمد مواعدة من عناية فائقة؛ لتكون ندوتنا في مستوى ما نطمح إليه جميعاً.
وإن شكرنا متجددٌ للسيد والي توزر، والمندوب الجهوي للثقافة من إنجاح هذا الحدث العلمي.
كما أن حضور الباحث المصري الشيخ مجاهد توفيق الجندي تجذير -أيضاً- لما أرساه الشيخ الخضر حسين، الذي ليس إلا فرداً من كوكبة الأعلام التونسيين الذين شدوا الرحال من تونس إلى مصر، مثل: العلامة ابن خلدون، والشيخ محمد بيرم الخامس، فكان مقامنا بها طريقاً للاتصال التاريخي والروحي والعلمي.
أيها السادة الكرام!
إننا -أيضاً- سعداء بتكريم ثلة من أعلام تونس ممن خدموا الثقافة، وهم حاضرون بيننا، بمبادرة من الجمعية، شهادة سنوزعها على كل من الأساتذة: المنجي الشملي، الحبيب الجنحاني، ومحمد مواعدة، ومحمد صالح الجابري، وعلي الرضا الحسيني، الذين أكدوا بتآليفهم إلى هذه اللحظة في خدمة الثقافة التونسية أنهم جديرون بكل تكريم. وهذا غيض من فيض؛ لأن الكثيرين -أيضاً- سنحاول أن نكرمهم في مناسبات لاحقة.
وإن جمعيتنا بندوتها العشرين تأمل الانتقال إلى بقية الولايات في
الجمهورية التونسية؛ للتعريف بأعلام منسيين، والنبش على آثار المتقدمين، وإبراز مضامين أفكارهم الخالدة. ولا شك أن وزارة الثقافة ستكون لنا -كالعادة- خير سند في ذلك.
نأمل أن تكون سنة تسع وألفين زاخرة بالأنشطة النافعة للفكر، ومدعمة للحياة الثقافية التونسية، وسيكون لنا -قريباً- موقع على الأنترنت، وندوتان: الأولى: حول الحكيم أحمد بن ميلاد في عشرين مارس تسع وألفين، والثانية مغاربية حول مفدي زكرياء، وسوف يحتضنهما قصر بيت الحكمة.
كما أننا نأمل في نشر أبحاث لطلبتنا المنخرطين في الجمعية، ممن يُعدُّون ماجستير ودكتوراه حول التراث الفكري التونسي.
ولا شك أن كل عمل جماعي سندٌ لها؛ لتحقيق مثل هذه الرهانات في بلد راهنَ -منذ القديم- على الإتيان بما لم تستطعه الأوائل. وشكراً.
الجلسة الافتتاحية
كلمة رئيس الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية (1) بسكرة - الجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
- السيد معالي وزير الثقافة والمحافظة على التراث الفكري التونسي!
- السيد والي توزر!
- السادة الإطارات بتونس الشقيقة!
- السادة من الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي!
من خارج مصر يتقلد مشيخةَ الأزهر الشريف عن جدارة واستحقاق هذا الرجلُ الفذ، وإن كان تونسيَّ المولد والنشأة، والتعلّم والنبوغ، فإن دولاً أخرى تشترك فيه، على غرار الجزائر بلدِ أجداده، وسوريةَ التي لبث فيها بضع سنين، ومصر التي تقلد مشيخة أزهرها، وتوفي ودفن فيها، وهو رجل عالمي بامتياز ولولاه -بعد الله- لما اجتمعنا بعد خمسين عاماً على رحيله في هذه البلدة، بلدة "نفطة" التي شهدت ميلاد هذا النور ذاتَ يوم من عام ألف وثمان
(1) ألقاها الباحث والكاتب الجزائري الأستاذ فوزي مصمودي بصفتة رئيساً للجمعية.
مئة وثلاثة وسبعين، بلدة "نفطة" التي لا يخلو كتاب في التاريخ، وأدبِ الرحلات في الجزائر وفي غيرها، إلا وكان اسمها بين دفتيه؛ فقد كانت ملاذاً آمناً للمقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر ميلادي، هؤلاء الذين قاوموا المحتل، وتصدوا لجبروت احتلال استيطاني، ومن هؤلاء: الشيخ مصطفى بن عزوز المولود في "برج ابن عزوز" التابعة لولاية "بسكرة"، وهو جد العلامة الشيخ محمد الخضر حسين لأمه. والشيخ محمد الصغير ابن الحاج، خليفة الأمير عبد القادر على "الزبيان" الولاية الثامنة في دولة الأمير عبد القادر، هذه الولاية التي جئناكم منها، ومازال أحفاده إلى اليوم في "نفطة"، وفي غيرها من المدن التونسية. وبعضهم يحضر معنا في هاته الندوة.
أفاضل السيدات والسادة!
جئنا من الجزائر للمشاركة في هذه الندوة؛ لمواصلة درب آبائنا وأجدادنا الذين كانت -وما زالت- تربطهم وشائج القربى والأخوة والتعاون في السراء والضراء بأبناء تونس الشقيقة.
وإن كنا ننسى، فلن ننسى أبداً ما حيينا -لأننا أهل للوفاء- لن ننسى وقفاتِ الشعب التونسي إلى جانب الشعب الجزائري في أحلك ليالي الاحتلال الفرنسي، فكم من معركة ومحطة امتزجت فيها دماء الشعبين، واستضافت حكومتها المؤقتة، مع جيش من الطلبة الجزائريين الذين تخرجوا في جامع الزيتونة الزاهر، وفي مختلف المعاهد والمدارس التونسية؛ كالمدرسة الصادقية، والخلدونية، التي تتشرف جمعيتنا الخلدونية الجزائرية بحمل اسمها؛ تيمناً بدورها الطلائعي والمتميز.
وفي الختام -أيها السادة الكرام- وباسم وفد الجزائر، وعلى رأسه عميد المؤرخين الجزائريين البحاثة الدكتور محمد العربي الزبيري، كذلك رئيس الجمعية الخلدونية، والأستاذ محمد قويدري المستشار بالمحكمة العليا الجزائرية، والسيد علي الأخضري حاضر معنا كذلك، وهو حفيد العلامة عبد الرحمن الأخضري.
باسم هؤلاء جميعاً، وياسم الجزائر إن شئتم، أتقدم إلى الجميع بأحر الشكر والتقدير، وخاصة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث المنظمة لهذه الندوة العلمية الشيقة، والتي ستربطها بنهاية أشغال الندوة توءمة مع الجمعية الخلدونية الجزائرية.
وعاشت تونس والجزائر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.