الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الورقة العلمية
(1)
ظهرت في البلاد التونسية مع مطلع القرن العشرين كوكبة من رجال الإصلاح والتنوير، تخرّج أفرادها من الجامعة الزيتونية، ونهلوا مما كانت تقدّمه (الجمعية الخلدونية) من دروس في شتّى المعارف باللسان العربي، وتعاضدوا مع أقرانهم الصادقيين.
وقد اضطرت فئة منهم إلى شد الرّحال إلى الشّرق نتيجة ملابسات وإكراهات، وسعت إلى التعريف بالقضيّة التونسية، والاستزادة من المعارف والعلوم؛ مما بوّأهم أعلى المراتب العلمية والثقافية.
وقد كان الشيخ محمد الخضر حسين في مقدّمة هؤلاء، بعد أن سعى إلى إشاعة مبادئ الإصلاح والحرية في تونس، وأصدر مجلة "السعادة العظمى". ثم سطع نجمه عند انتقاله إلى الشرق في الشام ومصر، وقد بوّأه علمه الغزير، وشهادة أولي العلم له بالمعرفة الواسعة، للعضوية في مجمع اللغة العربية في كل من دمشق والقاهرة، وبالخصوص: تولّيه منصب مشيخة جامع الأزهر، وهو مركز جليل لا يُعهد إلّا لمن رسخت قدمُه في العلم.
وقد تميّزت شخصية هذا العلامة بالمساهمة الميدانية في الحركة التحريرية
(1) الأستاذ فتحي القاسمي.
لبلدان المغرب والمشرق والعالم الإسلامي، وكانت له صلات وروابط فكرية مع جمّ من علماء الشرق والمغرب، وطائفة من المستعربين.
وألّف كثيراً من الكتب في شتى الأغراض؛ مما جعل آراءه في حاجة إلى البحث والمساءلة؛ ذلك أنها تثير عدداً من الإشكاليات المتعلّقة بدور العلماء التونسيين المهاجرين والمغاربيين عموماً إلى الشرق والغرب، في حركة التحرير الوطني والإصلاح الفكري في النصف الأول من القرن العشرين.
كما تكشف آراؤه عن ملامح المشروع الفكري التنويري الذي عرضه الشيخ محمد الخضر حسين ومعاصروه من ذوي الأفكار المناوئة للاستعمار من ناحية، وللعقول المتحجّرة ودعاة التقليد من ناحية أخرى، ما يرتبط بالمناهج المبتكرة لدى العلماء الزيتونيين لإصلاح مؤسسة التعليم (مناهج ومقررات)، وتطوير الفكر الديني في المغرب والمشرق العربيّين.
وتثير شخصية الشيخ الخضر حسين - من خلال ردوده على كلٍّ من علي عبد الرّازق، وطه حسين، ومقالاته الكثيرة حول مسائل أدبيّة وفكرية واجتماعيّة - تساؤلاتٍ جوهريةً ترتبط بخصوصيّات التفكير الديني لدى العلماء التونسيين المهاجرين والمغاربة عموماً، ومدى التزامهم بالأطروحات والمواقف المتعلقة بقضايا الدين والدنيا.
كما يطرح السؤال حول مدى مساهمة نشاطهم في الشرق والغرب في إغناء آفاقهم الذهنية، وتسديد تجاربهم النضالية، وترسيخ معارفهم العلمية.
وتطمح هذه الندوة إلى تبّين أهم ما يُميّز الفكر الإصلاحي الإسلامي، انطلاقاً من هذا العالم الذي ارتبط اسمه بمسيرة الحركة الفكرية الإصلاحيّة،
والنظر في مدى إشعاعها وتأثيرها في فترة تاريخية هامة وحسّاسة، مثّلت منعطفاً في تاريخ العالم العربي والإسلامي. ونظراً إلى أصول العلامة محمد الخضر حسين الجزائرية، ونشأته وتكوينه التونسي، وبروز شخصيته العلمية والثقافية، وبلوغ أوجها في كل من سورية ومصر، حسب تعبير العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، فإن هذه الندوة تطمح -أيضاً- إلى المساهمة في ترسيخ العلاقات الثقافية والفكرية بين المغرب والمشرق العربييّن، وبالخصوص بين الجارتين الشقيقتين تونس والجزائر. وهو ما ستسعى المائدة المستديرة - حول دور المثقف في توثيق العلاقات التونسيّة الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة، من خلال شخصية الشيخ محمد الخضر حسين - إلى إبرازه.