الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قصد المسالك، ولا مرشد يذودهم عن درك المهالك؛ أحمده على نعمه التى لا يحصى الواصفون إحصاءها، ومننه التى لا تحمل الخلق أعباءها؛ حمدا يتجدّد على ممرّ الأزمان والدهور، ويزيد على فناء الأحقاب والعصور؛ وإنّ أحقّ ما استعمله العاملون ولحق به التالون، وآثره المؤمنون، وتعاطى بينهم المسلمون؛ فيما ساء وسرّ، ونفع وضرّ؛ ما أصبح به الشّمل ملتئما، والأمر منتظما؛ والفتق مرتتقا؛ والسيف مغمودا ورواق الأمن ممدودا؛ فحقنت به الدماء، وسكنت معه الدهماء، وانقمع به «1» الأعداء؛ واتصل به السرور، وأمنت معه الشرور؛ وليس بذلك أولى، والى إحراز الثواب به أدنى من الصلح الذى أمر الله تبارك وتعالى به، وخصّ وعمّ ورغّب «2» .
ولنعد الى كلام الشيخ ضياء الدين بن القرطبى
فمن ذلك ما كتب به أيضا الى الصاحب شرف الدين الفائزىّ جوابا عن كتاب شفاعة يوصى على أخيه نجم الدين، فأجابه الشيخ: يخدم الجناب الشرفىّ- رفع الله قدره بين أوليائه، وأطاب ذكره فى مقام عليائه؛ وأطال عمره مقترنا بعزّه، وأقرّه فى كنف سلامته وكهف حرزه- وردت الأوامر المطاعه، المقابلة بالسمع والطاعه؛ فى حق أخى المملوك مولانا نجم الدين، فتلقّى راية طاعتها بيمينه، وأقرّها من تعظيمه فى أسرّة جبينه، وأحلّها من شرف الامتثال فى مستودع دينه؛ وقابل حاملها بأوفر ترحيبه، وأقرب تقريبه؛ وواجهه بإجلال الأخوّه، وخلال «3» البنوّه؛ وأحلّه كنف قلبه، وأودعه بين شغاف «4» القلب وخلبه «5» ، وأعاده الى معهود ولائه وحسبه؛ وقرّر له
فى كلّ شهر عشرة دنانير وهى نهاية قدرته، وأعلمه أنّها أعود نفعا من ولايته وأقرب عونا من إمرته؛ وعاهد الله ألا يتعرّض لجنديّة أبدا، ولا يمدّ لطلب ولاية يدا؛ ولا يقف بين يدى الأمراء بعدها، ولا يتجاوز بجلالة أبويه حدّها، ولا يهمل شرف نسبته التى لم تصاعر «1» [لها «2» ] الأيّام خدّها؛ وأخذ عليه عهود الله والمملوك فى الوفاء مهما عهدها؛ وقد توجّه الى المشارع الصاحبيّة التى استعذب وردها والمكارم الشرفيّة التى ألف حمدها، والصنائع الإحسانيّة التى وجد فى مرارة الفقر حلوها وفى حرارة الغربة بردها؛ وعاود عشّ الفضل الذى منه درج، وبيت الكرم الذى اليه دخل ومنه «3» خرج، وسماء الإحسان التى أطلعت نجم إمامته فعرّج عليها وإليها عرج، وبحر المعروف الذى اذا أطنب لسان ثنائه قالت شواهد بيانه:«حدّث عن البحر ولا حرج» ؛ ومولانا يضعه تحت كنفه، ويرفعه لله ولسلفه، ويقابله الجناب الشرفىّ بما عرفه من شرفه؛ ويعينه على جاريه الذى هو مادّة رفقه، وأوّل ما أجراه الله على يد مولانا من رزقه؛ بكتاب يجزل له العزمات وينميها «4» ، ويسكن روح الحياة فى جسد فاقته ويبقيها؛ فهو ذو ضرّاء لا تسدّها إلا القناعه، وذو فاقة لا ترفعها إلا السّعة التى تمدّ باعه؛ والله يجعل مولانا وقاية لمن لجأ إليه، وإعانة لمن اعتمد عليه؛ إن شاء الله تعالى.