الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخصوصية الموفية للمائة:
229-
قال الخطيب في تاريخه: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيم الضبي، حدثني أبو على الحسين بن علي الحافظ، حدثنا أبو جعفر أحمد بن حمدان العابد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم القفصي حدثنا خالد بن يزيد العمري أبو الوليد، حدثنا ابن أبي ذيب، حدثنا محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: عرض هذا الدعاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"لو دعي به على شيء بين المشرق والمغرب في ساعة من يوم الجمعة لاستجيب لصاحبه، لا إله إلا أنت يا حنان يا منان يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام".
229- تاريخ بغداد 4/ 115 و 116 في ترجمة أحمد بن حمدان بن علي بن سنان أبو جعفر الحيري الزاهد النيسابوري.
الخصوصية الحادية بعد المائة:
230-
أخرج الحاكم، وابن خزيمة والبيهقي، عن أبي موسى الأشعري
230- المستدرك 1/ 177 من طريق أبي توبة.
- ابن خزيمة رقم 1730.
- مجمع الزوائد 2/ 164 و 165 وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير عن الهيثم بن حميد، عن حفص بن غيلان قد وثقهما قوم، وضعفهما آخرون، وهما محتج بهما.
- علل الحديث رقم 594 قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد
بن مسلم، عن رجل من بني أبي الحلبس السلمي الجزري، عن عبيدة بن حسان عن طاوس، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث، ثم قال: أبي روى هذا الحديث أبو معبد، عن طاووس عن أبي موسى، وكلاهما مرسل؛ لأن أبا معبد لم يدرك طاووسا، وعبيد بن حسان لم يدرك طاووسًا.
وهذا الحديث من حديث محمد بن سعيد الشامي، وهو متروك الحديث.
وقال القرطبي رحمه الله في التفسير 18/ 119:
"خرج القاضي الشريف أبو الحسن على بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي، من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الله عز وجل يبعث الأيام
…
" الحديث.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدي إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضًا، وريحهم يسطع كالمسك يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجبا حتى يدخلوا الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون".
هذا آخر خصائص الجمعة، والله أعلم.
فصل:
ولتمام الفائدة ننقل هنا نص كلام ابن قيم الجوزية في الزاد فيما يتعلق بخصوصيات الجمعة، قال رحمه الله:
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم، وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، وقد اختلف العلماء هل هو أفضل أم يوم عرفة على قولين هما وجهان لأصحاب الشافعي، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجره بسورتي ألم تنزيل، وهل أتى على الإنسان، ويظن كثير ممن لا على عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة، ويسمونها سجدة الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة سورة أخرى فيها سجدة، ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعًا لتوهم الجاهلين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة؛ لأنهما تضمنتا ما كان، ويكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه، ويكون والسجدة جاءت تبعًا ليست مقصودة حتى يقصد المصلى قراءتها حيث اتفقت، فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة1.
الخاصة الثانية: 2 استحباب كثرة الصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ليلته لقوله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة، وليلة الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد
1 انظر الخاصية الرابعة عند السيوطي.
2 انظر الخاصية السابعة والخمسون عند السيوطي.
الأنام ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى، وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة، فإنها نالته على يده، فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة
تحصل لهم، فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم، وحوائجهم ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه، وحصل لهم بسببه، وعلى يده فمن شكره وحمده، وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن يكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته.
الخاصة الثالثة: 1 صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه، وأفرضه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاونًا بها طبع الله على قلبه، وقرب أهل الجنة يوم القيامة، وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة، وتبكيرهم.
الخاصة الرابعة: 2 الأمر بالاغتسال في يومها، وهو أمر مؤكد جدًّا ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ووجوب الوضوء من مس الذكر، ووجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة، ووجوب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء، ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم، وللناس في وجوبه ثلاثة أقوال النفي والإثبات، والتفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها،
فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه، فيستحب له والثلاثة لأصحاب أحمد.
الخاصة الخامسة: 3 فيه وهو أفضل من الطيب في غيره من أيام الأسبوع.
الخاصة السادسة: 4 السواك فيه، وله مزية على السواك في غيره.
1 انظر الخاصية السادسة عند السيوطي.
2 انظر الخاصية الثالثة والعشرين عند السيوطي.
3 انظر الخاصية السادسة والعشرين عند السيوطي.
4 انظر الخاصية الخامسة والعشرين عند السيوطي.
الخاصة السابعة: 1 التبكير للصلاة.
الخاصة الثامنة: 2 أن يشتغل بالصلاة والذكر، والقراءة حتى يخرج الإمام.
الخاصة التاسعة: 3 الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين، فإن تركه كان لاغيا، ومن لغى فلا جمعة له، وفي المسند مرفوعا:"والذي يقول لصاحبه أنصت، فلا جمعة له".
الخاصة العاشرة: 4 قراءة سورة الكهف في يومها، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين"، وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري، وهو أشبه.
الحادي عشر: 5 أنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي رضي الله عنه، ومن وافقه وهو اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية، ولم يكن اعتماده على حديث ليث عن مجاهد، عن أبي الخليل عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال:"إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة، وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام"، وفي الحديث الصحيح:"لا يغتسل رجل يوم الجمعة، فيتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهن أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى"، رواه البخاري فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام، ولهذا قال غير واحد من السلف منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: خروج الإمام يمنع الصلاة، وخطبته تمنع الكلام، فجعلوا
1 انظر الخاصية الثانية والثلاثين عند السيوطي.
2 انظر الخاصية السابعة والثلاثين عند السيوطي.
3 انظر الخاصية الثامنة عشر عند السيوطي.
4 انظر الخاصية الثامنة والثلاثين عند السيوطي.
5 انظر الخاصية الحادية والعشرين عند السيوطي.
المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار، وأيضا فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف، ولا يشعرون بوقت الزوال والرجل يكون متشاغلًا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج، ويتخطى رقاب الناس، وينظر إلى الشمس، ويرجع ولا يشرع له ذلك، وحديث أبي قتادة هذا قال أبو داود: هو مرسل؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس أو قول صحابي، أو كان مرسله ضعيفًا باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته عمل به، وأيضا فقد يعضده شواهد أخر منها ما ذكره الشافعي في كتابه، فقال: روي عن إسحاق بن عبد الله عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار، حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة هكذا رواه في كتاب اختلاف الحديث، ورواه في كتاب الجمعة، حدثنا إبراهيم بن محمد عن إسحاق، ورواه أبو خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه البيهقي في المعرفة من حديث عطاء بن عجلان، عن أبي نضرة عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، ولكن إسناده فيه من لا يحتج به قال البيهقي: ولكن إذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعض القوة.
قال الشافعي: من شأن الناس التهجير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإمام.
قال البيهقي: والذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء، وذلك موافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاة نصف النهار يوم الجمعة، وروينا الرخصة في ذلك عن عطاء والحسن ومكحول، قلت: اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقوال، أحدها أنه ليس وقت كراهة بحال، وهو مذهب مالك رحمه الله الثاني وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد، والثالث أنه وقت كراهية إلا يوم الجمعة، فليس وقت كراهة، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.
الخاصة الثانية عشرة: 1 قراءة سورة الجمعة والمنافقين، أو سبح والغاشية في صلاة الجمعة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهن في الجمعة ذكره مسلم في صحيحه، وفيه أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بالجمعة، وهل أتاك حديث الغاشية، وثبت عنه ذلك كله، ولا يستحب أن يقرأ من كل سورة بعضها، أو يقرأ إحداهما في الركعتين، فإنه خلاف السنة وجهال الأئمة يداومون على ذلك.
الخاصة الثالثة عشرة: 2 إنه يوم عيد متكرر في الأسبوع، وقد روى أبو عبد الله بن ماجه في سننه من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر فيه خمس خلال خلق الله فيه آدم، وأهبط فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفي آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب، ولا سماء ولا أرض ولا رياح، ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة".
الخاصة الرابعة عشرة: 3 إنه يستحب أن يلبس فيه أحسن الثياب التي يقدر عليها، فقد روى الإمام الأحمد في مسنده من حديث أبي أيوب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد، ثم يركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت له كفارة لما بينهما"، وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر في يوم الجمعة:"ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته"، وفي سنن ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النهار، فقال:"ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته".
1 انظر الخاصية التاسعة عند السيوطي.
2 انظر الخاصية الأولى عند السيوطي.
3 انظر الخاصية الثلاثين عند السيوطي.
الخاصة الخامسة عشرة: 1 أنه يستحب فيه تجمير المسجد، فقد ذكر سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الله المجمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار قلت: ولذلك سمي نعيم المجمر.
الخاصة السادسة عشرة: 2 أنه لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما قبله، فللعلماء ثلاثة اقوال وهي روايات منصوصات عن أحمد أحدها لا يجوز، والثاني يجوز والثالث يجوز للجهاد خاصة، وأما مذهب الشافعي رحمه الله، فيحرم عنده إنشاء السفر يوم الجمعة بعد الزوال، ولهم في سفر الطاعة وجهان أحدهما تحريمه، وهو اختيار النووي والثاني جوازه، وهو اختيار الرافعي، وأما السفر قبل الزوال، فللشافعي فيه قولان القديم جوازه، وهو اختيار الرافعي وأما السفر قبل الزوال، فللشافعي فيه قولان القديم جوازه، والجديد أنه كالسفر بعد الزوال، وأما مذهب مالك، فقال صاحب التفريع: ولا يسافر أحد يوم الجمعة بعد الزوال حتى تصلي الجمعة، ولا بأس أن يسافر قبل الزوال والاختيار أن لا يسافر إذا طلع الفجر، وهو حاضر حتى يصلي الجمعة، وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقا، وقد روى الدارقطني في الأفراد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره"، وهو من حديث ابن لهيعة، وفي مسند الإمام أحمد من حديث الحكم عن مقسم، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، قال: فغدا أصحابه، وقال: أتخلف وأصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ألحقهم فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم رآه، فقال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك، فقال: أردت أن أصلي معك، ثم الحقهم، فقال: لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم، وأعل هذا الحديث بأن الحكم لم يسمع من مقسم هذا إذا لم يخف المسافر فوت رفقته، فإن خاف فوت رفقته وانقطاعه بعدهم جاز لهم السفر مطلقا؛ لأن هذا عذر يسقط الجمعة والجماعة، ولعل
1 انظر الخاصية الحادية والثلاثين عند السيوطي.
2 انظر الخاصية الرابعة والثلاثون عند السيوطي.
ما روي عن الأوزاعي أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة، وقد أسرج دابته فقال: ليمض على سفره محمول على هذا، وكذلك قول ابن عمر رضي الله عنه الجمعة لا تحبس عن السفر، وإن مرادهم جواز السفر مطلقًا، فهي مسألة نزاع، والدليل هو الفاصل عن أن عبد الرزاق قد روى في مصنفه، عن معمر عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين أو غيره أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا عليه ثياب السفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك قال: أردت سفرا فكرهت أن أخرج حتى أصلي، فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها، فهذا قول من يمنع السفر بعد الزوال، ولا يمنع منه قبله، وذكره عبد الرزاق أيضًا عن الثوري، عن الأسود بن قيس عن أبيه فقال: أبصر عمر بن الخطاب رجلًا عليه هيئة السفر، وقال الرجل: إن اليوم يوم جمعة، فلولا ذلك لخرجت فقال عمر: إن الجمعة لا تحبس مسافرا فاخرج ما لم يجئ الرواح، وذكر أيضا عن الثوري، عن ابن ذؤيب عن صالح بن دينار، عن الزهري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافرا يوم الجمعة ضحى قبل الصلاة، وذكر عن معمر، قال: سألت يحيى بن أبي كثير هل يخرج الرجل يوم الجمعة، فكرهه فجعلت أحدثه بالرخصة فيه، فقال لي: قلما يخرج رجل في يوم الجمعة إلا رأى ما يكرهه لو نظرت في ذلك وجدته كذلك، وذكر ابن المبارك عن الأوزاعي، عن حسان بن أبي عطية، قال: إذا سافر الرجل يوم الجمعة دعا عليه النهار أن لا يعان على حاجته، ولا يصاحب في سفره وذكر الأوزاعي، عن ابن المسيب أنه قال: السفر يوم الجمعة بعد الصلاة قال ابن جريج: قلت لعطاء أبلغك أنه كان يقال: إذا أمسى في قرية جامعة من ليلة الجمعة، فلا يذهب حتى يجمع قال: إن ذلك ليكره قلت: فمن يوم الخميس قال: لا ذلك النهار فلا يضره.
الخاصة السابعة عشرة: 1 إن للماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها قال عبد الرزاق: عن عمر عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من غسل
1 انظر الخاصية الخامسة والثلاثين عند السيوطي.
واغتسل يوم الجمعة وبكر، ودنا من الإمام، فأنصت كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة، وقيامها وذلك على الله يسير". رواه الإمام أحمد في مسنده قال الإمام أحمد: غسل بالتشديد جامع أهله، وكذلك فسره وكيع.
الخاصة الثامة عشرة: 1 إنه في يوم تكفير السيئات، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم قال: ولكني أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل، فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة، فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة لما بينه، وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة"، وفي المسند أيضا من حديث عطاء الخراساني، عن نبيشة الهذلي أنه كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدا، فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام خرج جلس، واستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته غفر له، وإن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها تكون كفارة للجمعة التي تليها"، وفي صحيح البخاري عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه، وبين الجمعة الأخرى"، وفي مسند أحمد من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس ثيابه، ومس طيبا إن كان عنده ثم مشى إلى الجمعة، وعليه السكينة، ولم يتخط أحدًا ولم يؤذه، وركع ما قضى له، ثم انتظر حتى ينصرف الإمام غفر له ما بين الجمعتين".
الخاصة التاسعة عشرة: 2 إن جهنم تسجر كل يوم إلا يوم الجمعة، وقد تقدم حديث أبي قتادة في ذلك، وسر ذلك، والله أعلم أنه أفضل الأيام عند الله، ويقع فيه من الطاعات والعبادات والدعوات، والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى
1 انظر الخاصية الخامسة والأربعين عند السيوطي.
2 انظر الخاصية الثانية والعشرين عند السيوطي.
ما يمنع من تسجر جهنم فيه، ولذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقل من معاصيهم في غيره حتى إن أهل الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت وغيره، وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد سجر جهنم في الدنيا، وأنها توقد كل يوم إلا يوم الجمعة، وأما يوم القيامة فإنه لا يفتر عذابها، ولا يخفف عن أهلها الذين هم أهلها يوما من الأيام، ولذلك يدعون الخزنة أن يدعو ربهم، فيخفف عنهم يوما من العذاب، فلا يجيبونهم إلى ذلك.
الخاصة العشرون: 1 إن فيه ساعة الإجابة، وهي الساعة التي لا يسأل الله فيها شيئا إلا إعطاه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وقال: بيده يقللها"، وفي المسند من حديث أبي لبابة المنذري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها عند الله وأعظم عند الله من يوم الفطر، ويوم الأضحى وفيه خمس خصال خلق الله فيه آدم، وأهبط فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله عز وجل آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أتاه الله إياه ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب، ولا أرض ولا رياح ولا بحر، ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة".
1 انظر الخاصية السابعة والخمسين عند السيوطي، وكلام ابن حجر رحمه الله عن ساعة الإجابة.
فصل:
وقد اختلف الناس في هذه الساعة هل هي باقية، أو قد رفعت على قولين حكاهما ابن عبد البر وغيره، والذين قالوا هي باقية ولم ترفع اختلفوا هل هي في وقت من اليوم بعينه، أم هي غير معينة على قولين؟، ثم اختلف من قال بعدم تعيينها هل هي تنتقل في ساعات اليوم أولا؟ على قولين أيضا، والذين قالوا بتعيينها اختلفوا على أحد عشر قولا:
قال ابن المنذر: روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: هي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
الثاني: إنها عند الزوال ذكره ابن المنذر، عن الحسن البصري، وأبي العالية.
الثالث: أنها إذا أذن المؤذن بصلاة الجمعة، قال ابن المنذر: روينا ذلك عن عائشة رضي الله عنها.
الرابع: إنها إذا جلس الإمام على المنبر يخطب حتى يفرغ قال ابن المنذر: رويناه عن الحسن البصري.
الخامس: قال أبو بردة هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة.
السادس: قاله أبو السوار العدوي وقال: كانوا يرون أن الدعاء يستجاب ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
السابع: قاله أبو ذر إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع.
الثامن: إنها ما بين العصر إلى غروب الشمس، قاله أبو هريرة وعطاء، وعبد الله ابن سلام، وطاوس حكى ذلك كله ابن المنذر.
التاسع: إنها آخر ساعة بعد العصر، وهو قول أحمد، وجمهور الصحابة والتابعين.
العاشر: إنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة حكاه النووي وغيره.
الحادي عشر: إنها الساعة الثالثة من النهار حكاه صاحب المغني فيه، وقال كعب لو قسم الإنسان جمعة في جمع أتى على تلك الساعة، وقال عمر: إن طلب حاجة في يوم ليسير، وأرجح هذه الأقوال قولان تضمنتها الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر الأول أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، وحجة هذا القول ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة بن أبي موسى أن عبد الله بن عمر، قال له: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة شيئا، قال: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة"، وروى ابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه قالوا: يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال: حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها"، والقول الثاني أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة والإمام أحمد، وخلق وحجة هذا القول ما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر، وروى أبو داود والنسائي، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يوم الجمعة اثنا عشر ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا إعطاه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر"، وروى سعيد بن منصور في سننه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرقوا، ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن سلام، قال: قلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس: إنا لنجد في كتاب الله يعني التوراة في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا
قضى الله له حاجته قال عبد الله، فأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بعض ساعة قلت: صدقت يا رسول الله، أو بعض ساعة قلت: أي ساعة هي؟ قال: "هي آخر ساعة من ساعات النهار، قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: بلى إن العبد المؤمن إذا صلى، ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة، فهو في صلاة"، وفي مسند أحمد من حديث أبي هريرة، قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لأي شيء سمي يوم الجمعة؟: قال: "لأن فيه طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له"، وفي سنن أبي داود والترمذي، والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه اهبط وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح، حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي يسأل الله عز وجل حاجة إلا أعطاه إياها" قال كعب: ذلك في كل سنة يوم فقلت: بل في كل جمعة قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة: فلقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: وقد علمت أي ساعة هي قال أبو هريرة: فقلت: أخبرني بها فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي"، وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة حتى يصلي" قال: فقلت: بلى فقال: هو ذاك قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الصحيحين بعضه، وأما من قال: إنها من حين يفتتح الإمام الخطبة إلى فراغه من الصلاة، فاحتج بما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري، قال: قال عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة، قال: قلت: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة، وأما من قال: هي ساعة الصلاة، فاحتج بما رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث عمرو بن عوف المزني، قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن في الجمعة لساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه، قالوا: يا رسول الله أية ساعة؟ قال: حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها"، ولكن هذا الحديث ضعيف قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه، عن جده وليس هو ممن يحتج بحديثه، وقد روى روح بن عباد عن عوف، عن معاوية بن قرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن يقضي الصلاة، فقال ابن عمر: أصاب الله بك، وروى عبد الرحمن بن حجيرة، عن أبي ذر أن امرأته سأتله، عن الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن، فقال لها: هي مع رفع الشمس بيسير، فإن سألتني بعدها فأنت طالق، واحتج هؤلاء أيضًا بقوله في حديث أبي هريرة، وهو قائم يصلي، وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت، والأخذ بظاهر الحديث أولى قال أبو عمر: يحتج أيضا من ذهب إلى هذا بحديث علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا زالت الشمس، وفاءت الأفياء وراحت الأرواح، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين ثم تلا أنه كان للأوابين غفورا، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحدا حتى تغرب الشمس، وهذا هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث، ويليه القول بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها، وعندي أن ساعة الصلاة يرجى فيها الإجابة أيضا، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم، ولا تتأخر وإما ساعة الصلاة، فتابعة للصلاة تقدمت، أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم، وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرًا في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حض أمته على الدعاء، والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين، ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: هو مسجدكم هذا، وأشار إلى مسجد المدينة، وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء
الذي نزلت فيه الآية مؤسسًا على التقوى بل كل منهما مؤسس على التقوى، فكذلك قوله في ساعة الجمعة هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة لا ينافي قوله في الحديث الآخر، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر، ويشبه هذا في الأسماء قوله صلى الله عليه وسلم:"ما تعدون الرقوب فيكم، قالوا: من لم يولد له قال: الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا"، إن هذا هو الرقوب إذا لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدم منهم فرطا، وهذا لا ينافي أن يسمى من لم يولد له رقوبا، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم:"ما تعدون المفلس فيكم قالوا: من لا درهم له ولا متاع قال: المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد لطم هذا وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته" الحديث، ومثله قوله:"ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يتفطن له فيتصدق عليه"، وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر يعظمها جميع أهل الملل، وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنهم، وأما من قال بتنقلها فرام الجمع بذلك بين الأحاديث كما قيل ذلك في ليلة القدر، وهذا ليس بقوي فإن ليلة القدر قد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم:"فالتمسوها في خامسة تبقى في سادسة تبقى في سابعة تبقى في تاسعة تبقى"، ولم يجئ مثل ذلك في ساعة الجمعة، وأيضا فالأحاديث التي في ليلة القدر ليس فيها حديث صريح بأنها ليلة كذا وكذا بخلاف أحاديث ساعة الجمعة، فظهر الفرق بينهما، وأما قول من قال: إنها رفعت فهو نظير قول من قال: إنها رفعت ليلة القدر، وهذا القائل إن أراد أنها كانت معلومة، فرفع علمها عن الأمة، فيقال له: لم يرفع علمها عن كل الأمة، وإن رفع عن بعضهم، وإن أراد أن حقيقتها وكونها ساعة إجابة رفعت، فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا يعول عليه، والله أعلم.
الخاصة الحادية والعشرون: أن فيه صلاة الجمعة التي خصت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها من الاجتماع، والعدد المخصوصات، واشتراط الإقامة والاستبطان والجهر بالقراءة، وقد جاء من التشديد فيها ما لم
يأت نظيره إلا في صلاة العصر، ففي السنن الأربعة من حديث أبي الجعد الضمري، وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه"، قال الترمذي: حديث حسن، وسألت محمدا عن اسم أبي الجعد الضمري، فقال: لم يعرف اسمه وقال: لا أعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث، وقد جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر لمن تركها أن يتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار، ورواه أبو داود والنسائي من رواية قدامة بن وبرة ثقة، وحكي عن البخاري أنه لا يصح سماعه من سمرة بن جندبن ولكن قال أحمد: قدامة بن وبرة لا يعرف، وقال يحيى بن معين: ثقة وحكي عن البخاري أنه لا يصح سماعة من سمرة، وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرض عين إلا قولا يحكى عن الشافعي أنها فرض كفاية، وهذا غلط عليه منشؤه أنه قال: وأما صلاة العيد فتجب على كل من تجب عليه صلاة الجمعة، فظن هذا القائل أن العيد لما كانت فرض كفاية كانت الجمعة كذلك، وهذا فاسد بل هذا نص من الشافعي أن العيد واجب على الجميع، وهذا يحتمل أمرين أحدهما أن يكون فرض عين كالجمعة، وأن يكون فرض كفاية، فإن فرض الكفاية يجب على الجميع كفرض الأعيان سواء، وإنما يختلفان بسقوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل الآخرين.
الخاصية الثانية والعشرون: 1 إن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله، وتمجيده والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جنانه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه، وناره فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها.
الخاصة الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزية بأنواع العبادات واجبة، ومستحبة فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يوما يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان، ولهذا من صح له يوم جمعته، وسلم سلمت له سائر جمعته.
1 انظر الخاصية السابعة عشر عند السيوطي.
ومن صح له رمضان، وسلم سلمت له سائر سننه، ومن صحت له حجته وسلمت له صح له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق.
الخاصة الرابعة والعشرون: 1 إنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان، وقائمًا مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة والقربان كما في الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا" وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين أحدهما أنها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما، والثاني أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية، واحتجوا عليه بحجتين أحداهما أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وهو مقابل الغدو الذي لا يكون إلا قبل الزوال قال تعالى:{غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} قال الجوهري: لا يكون إلا بعد الزوال الحجة الثانية أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار، وقال: لم ندرك عليه أهل المدينة، واحتج أصحاب القول الأولى بحديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة اثنا عشر ساعة، قالوا: والساعات المعهودة هي الساعات التي هي اثنا عشر ساعة، وهي نوعان ساعات معتدلة، وساعات زمانية، قالوا: ويدل هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما بلغ بالساعات إلى ست ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغارًا من الساعة التي تفعل فيها الجمعة لم تنحصر في ستة أجزاء بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإن الساعة السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة خرج الإمام، وطويت الصحف ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك كما جاء مصرحًا
1 انظر الخاصية الثانية والثلاثين عند السيوطي.
به في سنن أبي داود من حديث على رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه:"إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيرمون الناس بالترابيث، أو الربائث، ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة فتجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرحل من ساعة، والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام"، قال عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات، فقالت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه، وأكثر العلماء يستحب البكور إليها قال الشافعي رحمه الله: ولو بكر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس كان حسنا، وذكر الأثرم قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرا فقال: هذا خلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: سبحان الله إلي أي شيء ذهب في هذا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كالمهدي جزووًا قال: وأما مالك رحمه الله، فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات، أهو الغدو من أول ساعات النهار، أو إنما أراد بهذا القول ساعات الرواح، فقال ابن وهب: سألت مالكا عن هذا، فقال: أما الذي يقع بقلبي، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات من راح من أول تلك الساعة، أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، أو الخامسة أو السادسة، ولو لم يكن كذلك ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر، أو قريبا من ذلك، وكان ابن حبيب ينكر قول مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقال: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث ومحال من وجوه، وقال: يدلك له لا يجوز ساعات في ساعة واحدة أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان، وخروج الإمام إلى الخطبة، فدل ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار، فقال:"من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ثم قال: في الساعة الخامسة بيضة، ثم انقطع التهجير وحان وقت الأذان"، فشرح الحديث بين في لفظه، ولكنه حرف عن موضعه، وشرح بالخلف من القول وما لا يكون، وزهد شارحه الناس فيما رغبهم
فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التهجير من أول النهار، وزعم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس قال: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان، وكفاية هذا كله قول عبد الملك بن حبيب، ثم رد عليه أبو عمر، وقال: هذا تحامل منه على مالك رحمه الله تعالى، فهو الذي قال القول الذي أنكره، وجعله خلفًا، وتحريفًا من التأويل، والذي قال قاله مالك تشهد له الآثارش الصحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضا العمل بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل؛ لأنه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء، فمن الآثار التي يحتج بها مالك ما رواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشا"، حتى ذكر الدجاجة والبيضة، فإذا جلس الإمام طويت الصحف، واستمعوا الخطبة قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث فإنه قال: يكتبون الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه، فجعل الأول مهجرا وهذه اللفظة، إنما هي مأخوذة من الهاجرة، والتهجير وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقت طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث ثم الذي يليه ثم الذي يليه، ولم يذكر الساعة قال: والطرق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في التمهيد، وفي بعضها المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة، وفي أكثرها المهجر كالمهدي جزورا لحديث، وفي بعضها ما دل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة، وفي آخرها كالذي وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة، وفي أخرها كذلك، وقال بعض أصحاب الشافعي: لم يرد صلى الله عليه وسلم بقوله المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة الناهض إليها في التهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله، وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة كالمهدي بدنة، وذلك مأخوذ من الهجرة، وهو ترك الوطن والنهوض إلى غيره، ومنه سمي المهاجرون وقال للشافعي رضي الله عنه: أحب التبكير إلى الجمعة ولا تؤتى إلا
مشيًا هذا كله كلام أبي عمر، قلت: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أقوال: أحدها على لفظة الرواح، وإنها لا تكون لا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار، فأما لفظة الرواح فلا ريب إنها تطلق على المضي بعد الزوال، وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قرنت بالغدو كقوله تعالى:{غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزلًا في الجنة كلما غدا أو راح"، وقول الشاعر:
نروح ونغدو لحاجاتنا
…
وحاجة من عاش لا تنقضي
وقد يطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي، وهذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو، وقال الأزهري في التهذيب: سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت يقول: راح القوم إذا ساروا وغدوا، ويقول أحدهم لصاحبه: نروح ويخاطب أصحابه، فيقول: روحوا أي سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحوا ونحو ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضي إلى الجمعة، والسير إليها لا بمعنى الرواح بالعشي، وأما لفظ التهجير والمهجر فمن الهجير والهاجرة، قال الجوهري: هي نصف النهار عند اشتداد الحر تقول: منها هجر النهار قال امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنها بحسرة
…
ذيول إذا صام النهار وهجرا
ويقال: أتينا أهلنا مهجرين أي في وقت الهاجرة، والتهجير السير في الهاجرة، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواحد، فإنه يطلق ويراد به التبكير، وقال الأزهري في التهذيب: روى مالك عن سمي عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه"، وفي حديث آخر مرفوع: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة"، قال: ويذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من الهاجرة، وقت الزوال وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي، والنضر بن شميل أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها التبكير قال: سمعت الخليل
يقول ذلك قاله في تفسير هذا الحديث قال الأزهري: وهو صحيح، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس قال لبيد:
راح القطين يهجر بعد ما ابتكر
فقرن الهجر بالابتكار، والرواح عندهم الذهاب والمضي يقال: راح القوم إذا مضوا وسروا أي وقت كان، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لو يعلم الناس ما في التهجير لا ستبقوا إليه"، أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضي إليها في جميع أول أوقاتها قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجر الرجل إذا خرج بالهاجرة، وروى أبو عبيدة، عن أبي زيد هجر الرجل إذا خرج بالهاجرة، قال: وهي نصف النهار، ثم قال الأزهري: أنشدني المنذري فيما روى لثعلب، عن ابن الأعرابي في نوادره، قال: قال حصبة بن جواس الربيعي في ناقته:
هل تذكرين قسمي وتدري
…
أزمان أنت بعروض الجعفر
إذ أنت مضرار جواد الخضر
…
على أن لم تنهضي بوقر
بأربعين قدرت بقدري
…
بالخالدي لا يضاع حجر
وتصحبي أيانقًا في سفري
…
يهجرون بهجير الفجر
ثمت تسري ليلهم فتسري
…
تطوي آثار الفجاج الغبر
طي أخي التجر برود التجر
قال الأزهري: يهجرون بهجير الفجر أي يبكرون بوقت الفجر، وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار، فهذا غاية عملهم في زمان مالك رحمه الله، وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة، فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة، وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه، ومصالح أهله ومعاشه، وغير ذلك من أمور دينه ودنياه فضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار، ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة، وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه، وعوده في وقت آخر للثانية، كما قال صلى الله عليه وسلم:"والذي ينتظر الصلاة، ثم يصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي، ثم يروح إلى آهله"، وأخبر أن الملائكة لم تزل تصلي
عليه ما دام في مصلاه، وأخبر أن انتظار الصلاة مما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، وأنه الرباط وأخبر أن الله يباهي ملائكته بمن قضى فريضة، وجلس ينتظر أخرى، وهذا يدل على أن من صلى الصبح، ثم جلس ينتظر الجمعة، فهو أفضل ممن يذهب ثم يجيء وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها، والتبكير في أول النهار، والله أعلم.
الخاصة الخامسة والعشرون: 1 إن للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام، والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور، وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز، أو غيره فيتصدق به في طريقه سرًّا، وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصدقة بين يدي مناجاته أفضل وأولى بالفضيلة، وقال أحمد بن زهير بن حرب: حدثنا أبي حدثنا جرير، عن منصور عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فقال أبو هريرة: إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم في صلاة يسأل الله عز وجل شيئا إلا آتاه إياه، فقال كعب: أنا أحدثكم عن يوم الجمعة إنه إذا كان يوم الجمعة، فزعت له السماوات والأرض، والبر والبحر والجبال والشجر، والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين، وحفت الملائكة بأبواب المسجد، فيكتبون من جاء الأول، فالأول حتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، فمن جاء بعد جاء لحق الله، وما كتب له عمل وحق على كل حالم أن يغتسل يومئذ كاغتساله من الجنابة، والصدقة فيه أعظم من الصدقة في سائر الأيام، ولم تطلع الشمس ولم تغرب على مثل يوم الجمعة، فقال ابن عباس: هذا حديث كعب وأبي هريرة، وأنا أرى إن كان لأهله طيب يمس منه.
الخاصة السادسة والعشرون: إنه يوم يتجلى الله عز وجل فيه لأوليائه.
1 انظر الخاصية الثامنة والخمسين عند السيوطي.
المؤمنين في الجنة وزيارتهم له، فيكون أقربهم منه أقربهم من الإمام، وأسبقهم إلى الزيارة أسبقهم إلى الجمعة، وروى يحيى بن يمان عن شريك، عن أبي اليقظان عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله عز وجل:{وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} قال: يتجلى لهم في كل جمعة، وذكر الطبراني في معجمه من حديث أبي نعيم المسعودي، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيد قال: قال عبد الله سارعوا إلى الجمع، فإن الله عز وجل يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور، فيكون منه في القرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة، فيحدث الله سبحانه لهم من الكرامة شيئًا لم يكونوا قد رأوه قبل ذلك، ثم يرجعون إلى أهليهم، فيحدثونهم بما أحدث الله لهم قال: ثم دخل عبد الله المسجد، فإذا هو برجلين فقال عبد الله: رجلان وأنا الثالث إن يشاء الله يبارك في الثالث، وذكر البيهقي في الشعب عن علقمة بن قيس، قال: رحت مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى جمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد، ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة الأول، ثم الثاني ثم الثالث، ثم الرابع قال: وما أربع أربعة ببعيد". قال الدارقطني: حدثنا أحمد بن سليمان بن الحسن، حدثنا محمد عثمان بن محمد، حدثنا مروان بن جعفر، حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم، حدثنا عطاء بن أبي ميمون، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم، فأحدثهم عهدا بالنظر إليه من بكر في كل جمعة، وتراه المؤمنات يوم الفطر، ويوم النحر"، حدثنا محمد بن نوح، حدثنا محمد بن موسى بن سفيان السكري، حدثنا عبد الله بن الجهم الرازي عمرو بن أبي قيس، عن أبي طيبة عن عاصم عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها الله عليك لتكون لك عيدا، ولقومك من بعدك وما لنا فيها قال: لكم فيها خير أنت فيها الأول، واليهود والنصارى من بعدك، ولك فيها ساعة لا يسأل الله عز وجل عبد فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه، أو ليس قسم إلا أعطاه أفضل منه، وأعاذه الله من
شر ما هو مكتوب عليه، وإلا دفع عنه ما هو أعظم من ذلك قال: قلت وما هذه النكتة السوداء قال: هي الساعة تقوم يوم الجمعة، وهو عندنا سيد الأيام، ويدعوه أهل الآخرة يوم المزيد، قال: قلت: يا جبريل وما يوم المزيد؟ قال: ذلك أن ربك عز وجل اتخذ الجنة واديا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه، ثم حف الكرسي بمنابر من نور، فيجيء النبيون حتى يجلسوا عليها، ثم حف المنابر بمنابر من ذهب، فيجيء الصديقون، والشهداء حتى يجلسوا عليها، ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكثب، قال: ثم يتجلى لهم ربهم عز وجل، فينظرون إليه، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدى، وأتممت عليكم نعمتى، وهذا محل كرامتي، فسلوني فيسألونه الرضي قال: رضاي أنزلكم داري، وأنيلكم كرامتي فسلوني، فيسألونه الرضى قال: فيشهد لهم بالرضى، ثم يسألونه حتى تنتهى رغبتهم، ثم يفتح لهم يوم الجمعة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال: ثم يرتفع رب العزة، ويرتفع معه النبيون والشهدان، ويجيء أهل الغرف إلى غرفهم، قال: كل غرفة من لؤلؤة لا وصل فيها، ولا فصم ياقوتة حمراء، وغرفة من زبرجدة خضراء أبوابها، وعلالها وسقائفها، وأغلاقها منها أنهارها مطردة متدلية، فيها أثمارها فيها أزواجها وخدمها قال: فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا من كرامة الله عز وجل، ونظر إلى وجهه الكريم، فذلك يوم المزيد، ولهذا الحديث عدة طرق ذكرها أهم الحسن الدارقطني في كتاب الرؤية.
الخاصة السابعة والعشرون: 1 أنه قد فسر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه يوم الجمعة، قال حميد بن زنجويه: حدثنا عبد الله بن موسى، أنبأنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود هو يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة ما طلعت شمس، ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها بخير إلا استجاب له، أو يستعيذه من شر إلا
1 انظر الخاصية الثالثة والخمسين عند السيوطي.
أعاذه منه، وروى الحارث بن أبي سلمة في مسنده، عن روح عن موسى به، وله طرق عن موسى بن عبيدة، وفي معجم الطبراني من حديث إسماعيل بن عياش، حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح عن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ادخره الله لنا، وصلاة الوسطى صلاة العصر"، وقد روي من حديث جبير بن مطعم، قلت: والظاهر، والله أعلم أنه من تفسير أبي هريرة، فقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن يونس سمعت عمارًا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة قال: في هذه الآية وشاهد ومشهود، وقال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة.
الخاصة الثامنة والعشرون: إنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض، والجبال والخلائق كلها إلا شياطين الجن والإنس، فروى أبو الجواب عمار بن زريق، عن منصور، عن مجاهد عن ابن عباس قال: اجتمع كعب وأبو هريرة، فقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خير الدنيا والآخرة، إلا أعطاه أياه فقال كعب: ألا أحدثكم عن يوم الجمعة إنه إذا كان يوم الجمعة، فزعت له السموات والأرض والجبال، والبحار والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين، وحفت الملائكة بأبواب المساجد، فيكتبون الأول، فالأول حتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، ومن جاء بعد جاء لحق الله، وما كتب عليه، ويحق على كل حالم أن يغتسل فيه كاغتساله من الجنابة، والصدقة فيه أفضل من الصدقة في سائر الأيام، ولم تطلع الشمس، ولم تغرب على يوم كيوم الجمعة، قال ابن عباس: هذا حديث كعب، وأبي هريرة وأنا أرى من كان لأهله طيب أن يمس منه يومئذ، وفي حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تطلع الشمس، ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين من الجن والإنس"، وهذا حديث صحيح، وذلك أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة، ويطوى العالم وتخرب فيه الدنيا، ويبعث فيه الناس إلى منازلهم من الجنة والنار.
الخاصة التاسعة والعشرون: إنه اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة، وأضل عنه أهل الكتاب قبلهم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"ما طلعت الشمس، ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله لو وضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع هو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصاري يوم الأحد"، وفي حديث آخر ادخره الله لنا، وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس عن محمد بن الأشعث، عن عائشة، قالت: بينا أنا عند النبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ استأذن رجل من اليهود، فأذن له فقال: السلام عليك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وعليك" قالت: فهممت أن أتكلم، قالت: ثم دخل الثانية، فقال مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وعليك" قالت: فهممت أن أتكلم، ثم دخل الثالثة فقال: السلام عليكم قالت: فقلت: بل السلام عليكم، وغضب الله إخوان القردة، والخنازير أتحيون رسول الله بما لم يحيه به الله عز وجل، قالت: فنظر إلي فقال: "مه إن الله لا يحب الفحش، ولا التفحش قالوا قولا فرددناه عليهم، فلم يضرنا شيئا، ولزمهم إلى يوم القيامة إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يسحدوننا علي الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا، والنصارى بعد غد، وفي بيد لغتان بالباء وهو المشهورة، وميد بالميم حكاها أبو عبيدة، وفي هذه الكلمة قولان أحدهما أنها بمعنى غير وهو أشهر معنييها، والثاني بمعنى على أن، وأنشد أبو عبيدة شاهد له:
عمدا فعلت ذاك بيد أني
…
أخال لو هلكت لن ترني
ترني تفعل من الرنين
الخاصة الثلاثون: إنه خيرة الله من أيام الأسبوع كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد صلى الله عليه وسلم خيرته من خلقه، قال آدم بن أبي إياس: حدثنا شيبان أبو معاوية، عن عاصم بن أبي
النجود عن أبي صالح، عن كعب الأحبار قال: إن الله عز وجل اختار الشهور، واختار شهر رمضان، واختار الأيام، واختار يوم الجمعة، واختار الليالي واختار ليلة القدر، واختار الساعات، واختار ساعة الصلاة والجمعة تكفر ما بينها، وبين الأخرى وتزيد ثلاثا، ورمضان يكفر ما بينه، وبين رمضان والحج يكفر ما بينه، وبين الحج والعمرة تكفر ما بينها، وبين العمرة، ويموت الرجل بين حسنتين حنسة قضاها، وحسنة ينتظرها يعني صلاتين، وتصفد الشياطين في رمضان، وتغلق أبواب النار، وتفتح فيه أبواب الجنة، ويقال فيه: يا باغي الخير هلم رمضان أجمع، وما من ليالي أحب إلى الله فيهن العمل من ليالي العشر.
الخاصة الحادية والثلاثون: 1 أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم، ويسلم عليهم، ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام، فهو يوم تلتقي فيه الأحياء والأموات، فإذا قامت فيه الساعة التقى الأولون والآخرون، وأهل الأرض وأهل السماء والرب والعبد، والعامل وعمله والمظلوم، وظالمه والشمس، والقمر ولم تلتقيا قبل ذلك قط، وهو يوم الجمع واللقاء، ولهذا يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره، فهو يوم التلاق قال أبو التياح: لا حق لابن حميد كان مطرف بن عبد الله ببدر، فيدخل كل جمعة، فأدلج حتى إذا كان عند المقابر يوم الجمعة، قال: فرأيت صاحب كل قبر جالسًا على قبره، فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة قال: فقلت لهم: وتعلمون عندكم الجمعة، قالوا: نعم ونعلم ما تقول فيه الطير قلت: وما تقول فيه الطير قالوا: تقول: رب سلم سلم يوم صالح.
وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات وغيره، عن بعض أهل عاصم الجحدري في منامي بعد موته لسنتين، فقلت أليس قدمت؟ قال: بلى قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة، وصبحتها إلى بكر بن عبد الله المزني، فنتلاقى أخباركم، قلت: أجسامكم أم
1 انظر الخصوصية السابعة والسبعين.
أرواحكم قال: هيهات بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا لكم قال: نعلم بها عشية الجمعة، ويوم الجمعة كله، وليلة السبت إلى طلوع الشمس، قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته.
وذكر ابن أبي الدنيا أيضا، عن محمد بن واسع أنه كان يذهب كل غداة سبت حتى يأتي الجبانة، فيقف على القبور، فيسلم عليهم ويدعو لهم، ثم ينصرف فقيل له: لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة، ويوما قبله ويوما بعده.
وذكر عن سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، فقيل له: كيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة.
الخاصة الثانية والثلاثون: 1 إنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم هذا منصوص أحمد قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة، فذكر حديث النهي أن يفرد، ثم قال: إلا أن يكون كان يصومه، وأما أن يفرد فلا قلت رجل كان يصوم يوما، ويفطر يوما، فوقع فطره يوم الخميس، وصومه يوم الجمعة، وفطره يوم السبت، فصار الجمعة مفردا قال: هذا إلا أن يتعمد صومه خاصة إنما كره إن يتعمد الجمعة، وأباح مالك وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام.
قال مالك: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه، ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم الجمعة، فروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقال: قل ما رأيته مفطرا يوم الجمعة، وهذا حديث صحيح، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم الجمعة قط ذكره ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن عمير بن أبي عمير، عن ابن
1 انظر الخصوصية الثانية للسيوطي.
عمر وروى ابن عباس أنه كان يصومه، ويواظب عليه، وأما الذي ذكره مالك، فيقولون: إنه محمد بن المنكدر، وقيل: صفوان بن سليم وروى الدراوردي عن صفوان بن سليم، عن رجل من بني خيثم أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام يوم الجمعة كتب له عشرة أيام غرر زهر من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا، والأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له، قلت: قد صح المعارض صحة لا مطعن فيها ألبتة".
ففي الصحيحين، عن محمد بن عبادة قال: سألت جابرا أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة قال: "نعم".
وفي صحيح مسلم، عن محمد بن عباد قال: سألت جابر بن عبد الله، وهو يطوف بالبيت أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة، قال:"نعم ورب هذه البنية".
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يوما بعده"، واللفظ للبخاري.
وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تخصوا ليلة الجمعة بصيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم".
وفي صحيح البخاري، عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال:"أصمت أمس قالت: لا قال: فتريدين أن تصومي غدا، قالت: لا، قال: فافطري".
وفي مسند أحمد، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصوموا يوم الجمعة وحده".
وفي مسنده أيضًا عن جنادة الأزدي، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة في سبعة من الأزد أنا ثامنهم، وهو يتغدى فقال:"هلموا إلى الغداء، فقلنا: يا رسول الله إنا صيام فقال: أصمتم أمس قلنا: لا قال: فتصومون غدا قلنا: لا قال فافطروا، قال: فأكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما خرج وجلس على المنبر دعا بإناء من ماء، فشرب وهو على المنبر، والناس ينظرون إليه يريهم أنه لا يصومون يوم الجمعة".
وفي مسنده أيضًا، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده".
وذكر ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمران بن ظبيان، عن حكيم بن سعيد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من كان منكم متطوعا من الشهر أياما، فليكن في صومه يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر فيجمع الله له يومين صالحين يوم صيامه، ويوم نسكه مع المسلمين.
وذكر ابن جرير عن مغيرة، عن إبراهيم أنهم كرهوا صوم الجمعة ليقووا على الصلاة قلنا: المأخذ في كراهيته ثلاثة أمور هذا أحدها، ولكن يشكل عليه زوال الكراهة بضم يوم قبله، أو بعده إليه.
والثاني أنه يوم عيد، وهو الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم.
وقد أورد على هذا التعليل إشكالان:
أحدهما أن صومه ليس بحرام، وصوم يوم العيد حرام.
والثاني أن الكراهة تزول بعدم إفراده، وأجيب عن الإشكالين بأنه ليس عيد العام،
بل عيد الأسبوع، والتحريم إنما هو لصوم عيد العام، وأما إذا صام يوما قبله أو يوما بعد، فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيدا، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلًا في صيامه تبعًا.
وعلى هذا يحمل ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده والنسائي، والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود إن صح قال: قل ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم جمعة.
فإن صح هذا تعين حمله على أنه كان يدخل في صيامه تبعا لا أنه كان يفرده لصحة النهي عنه.
وأين أحاديث النهي الثابتة في الصحيحين من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح، وقد حكم الترمذي بغرابته، فكيف يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة، ثم يقدم عليها.
والمأخذ الثالث سد الذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس فيه، ويوجب التشبه
بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية، وينضم إلى هذا المعنى أن هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام كان الداعي إلى صومه قويا، فهو يأتي في مظنة تتابع الناس في صومه، واحتفالهم به ما لا يحتفلون بصوم يوم غيره، وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه.
ولهذا المعنى، والله أعلم نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي؛ لأنها من أفضل الليالي حتى فضلها بعضهم على ليلة القدر.
وحكيت رواية، عن أحمد فهي في مظنة تخصيصها بالعبادة، فحسم الشارع الذريعة، وسدها بالنهي عن تخصيصها بالقيام، والله أعلم.
فإن قيل: ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام قيل: أما تخصيص ما خصصه الشارع كيوم الاثنين، ويوم عرفة ويوم عاشوراء فسنه، وأما تخصيص غيره كيوم السبت والثلاثاء والأحد، والأربعاء، فمكروه وما كان منها أقرب إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم، والصيام، فأشد كراهة، وأقرب إلى التحريم.
الخاصة الثالثة والثلاثون: أنه يوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد، وقد شرع الله سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يوما يتفرغون فيه للعباد، ويجتمعون فيه لتذكير المبدأ والمعاد والثواب، والعقاب، ويتذكرون به اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قياما بين يدي رب العالمين، وكان أحق الأيام بهذا الفرض المطلو اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق، وذلك يوم الجمعة فادخره الله لهذه الأمة لفضلها، وشرفا، فشرع اجتماعهم في هذا اليوم لطاعته، وقدر اجتماعهم فيه مع الأمم لنيل وقت الخطبة والصلاة تكون أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم كما ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى ينقل أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم، وقرأ ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم، وكذلك هي في قراءته، ولهذا كون الأيام سبعة إنما تعرفه الأمم التي لها كتاب، فأما أمة لا كتاب لها، فلا تعرف ذلك إلا من تلقاه منهم عن أمم الأنبياء، فإنه
ليس هنا علامة حسية يعرف بها كون الأيام سبعة بخلاف الشهر والسنة، وفصولها، ولما خلق الله السموات والأرض، وما بينهما في ستة أيام، وتعرف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله، وأنبيائه شرع لهم في الأسبوع يوما يذكرهم فيه بذلك، وحكمة الخلق، وما خلقوا له، وبأجل العالم، وطي السموات والأرض، وعود الأمر كما بدأه سبحانه وعدا عليه حقا، وقولا وصدقا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان لما اشتملتا عليه هاتان السورتان مما كان، ويكون من المبدأ والمعاد، وحشر الخلائق، وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار لا لأجل السجدة كما يظنه من نقص علمه، ومعرفته، فيأتي بسجدة من سورة أخرى، ويعتقد أن فجر يوم الجمعة فضل بسجدة، وينكر على من لم يفعلها، وهكذا كانت قراءته صلى الله عليه وسلم في المجامع الكبار كالأعياد ونحوها بالسورة المشتملة على التوحيد والمبدأ والمعاد، وقصص الأنبياء مع أممهم، وما عامل به من كذبهم، وكفرهم من الهلاك والشقاء، ومن آمن منهم، وصدقهم من النجاة، والعافية كما كان يقرأ في العيدين بسورتي ق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة، وانشق القمر، وتارة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وتارة يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة لما تضمنت من الأمر بهذه الصلاة، وإيجاب السعي إليها، وترك العمل العائق عنها، والأمر بإكثار ذكره ليحصل لهم الفلاح في الدارين، فإن في نسيان ذكره العطب، والهلاك في الدارين، ويقرأ في الثانية بسورة إذا جاءك المنافقون تحذيرا للأمة من النفاق المردي، وتحذيرا لهم أن يشغلهم أموالهم، وأولادهم عن صلاة الجمعة، وعن ذكره، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا، ولا بد وحضا لهم على الإنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم، وتحذيرا لهم من هجوم الموت، وهم على حالة يطلبون الإقالة، ويتمنون الرجعة ولا يجابون إليها، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك عند قدوم وفد يريد أن يسمعهم القرآن، وكان يطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك كما صلى المغرب بالأعراف وبالطور وق، وكان يصلي الفجر بنحو مائة آية، وكذلك كان خطبه صلى الله عليه وسلم، إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، ولقائه وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه، وأهل طاعته، وما أعد
لأعدائه، وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبته إيمانا، وتوحيدا ومعرفة بالله، وأيامه لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورًا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله، ولا توحيدا له ولا معرفة خاصة، ولا تذكيرا بأيامه ولا بعثا للنفوس على محبته، والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون، وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا، وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به، ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم، وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جلاله، وأصول الإيمان الكلية، والدعة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره، وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته، وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره، وذكره ما يحببه إليه، فينصرف السامعون، وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها، ومقاصدها فأعطوها صورها، وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع، والفقر وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ بالقلوب منها، وفات المقصود بها فما حفظ من خطبه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة ق.
قالت أم هشام بنت الحرث بن النعمان: ما حفظت ق إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها على المنبر، وحفظ من خطبته صلى الله عليه وسلم من رواية علي بن زيد بن جدعان، وفيها ضعف: "يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة، وصلوا الذي بينكم، وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية تؤجروا، وتحمدوا وترزقوا، واعلموا أن الله عز وجل قد فرض عليكم الجمعة فريضة مكتوبة في مقامي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، من وجد إليها سبيلا فمن تركها في حياتي، أو بعد مماتي جحودا بها، أو استخفافا بها، وله إمام جائر أو عادل، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره ألا، ولا صلاة له ألا
؟؟؟ له ألا ولا صوم له ألا، ولا زكاة له ألا ولا حج له ألا، ولا بركة له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه ألا، ولا تؤمن امرأة رجلا ألا، ولا يؤمن أعرابي مهاجرا ألا، ولا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان، فيخاف سيفه وسوطه، وحفظ من خطبته أيضا الحمد لله أستعينه، وأستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله، فلا مضل له ومن يضلل، فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرًا، ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا رواه أبو داود. ا. هـ.
هذا آخر كلام ابن القيم رحمه الله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.