الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[2/ 262]
الباب الثالث
في الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقائد
كان من المعلوم المقطوع به في عهد السلف الصالح أنَّ أثبتَ ما يُحتَجُّ به في العقائد وغيرها كلامُ الله تعالى وكلامُ رسوله. ثم لما حدث التعمق في النظر العقلي كان بعض المتعمقين ربما يزيغ عما يعرفه الناس، فيردُّ عليه أئمة الدين، ويبدِّعونه، ويضلِّلونه، ويحتجُّون بالنصوص. فربما تأوَّل هو النصَّ أو ردَّ الحديثَ زاعمًا أنه لا يثق بسنده، فيردُّ عليه أئمةُ الدين تأويلَه بأنه خلاف المعنى الذي تعرفه العرب من لسانها، وخلافُ ما أُثِر من التفسير عمن سلف. ويردُّون عليه ردَّه للحديث بأن رجاله ثقات وأن أئمة الرواية يصححونه. واستمرَّ الأمرُ على هذا زمانًا.
وفي القرن الثاني نبغ من المبتدعة مَن يردُّ أخبارَ الآحاد حتى في الفقهيات، واقتصر بعضهم على ردِّها إذا خالفت القياس، وظاهرٌ أن هذا يردُّها إذا خالفت المعقول في زعمه. وقد ردَّ أئمةُ الدين على هؤلاء، وفي كتب الشافعي كثير من الرد عليهم، وكذلك تعرض له البخاري في «الصحيح» . وعلى كل حال، فكان معروفًا بين الناس أن أولئك المتأولين للنصوص على خلاف معانيها المعروفة والرادِّين للأخبار الصحيحة هم مبتدعة.
ثم عندما كثُر المتعمِّقون، والتبس بعضهم بأهل السنة، كثر القائلون بأن أخبار الآحاد إذا خالفت المعقول يجب تأويلها أو ردُّها، ولبَّسوا بذلك. فإن المعقول المقبول ــ وهو ما كان من المأخذ السلفي الأول ــ لا يصح نصٌّ
بخلافه، بل إذا صحَّ نصٌّ ظاهرُ لفظه خلافُه، فالعقل حينئذ قرينة صحيحة لابد في فهم الكلام من ملاحظتها. فالظاهر الحقيقي الذي هو معنى النص هو ما يظهر منه مع ملاحظة قرائنه. كلُّ هذا، وأهل السنة المتبعون لأئمتها المتَّفق على إمامتهم فيها ثابتون على ما كان عليه السلف من الاحتجاج بالنصوص، وتضليلِ مَن يَصرِفها عن معانيها المعروفة، أو يردُّ الأخبار الصحيحة.
ثم نشأ المتوغلون في الفلسفة كالفارابي وابن سينا، فكان مما خالفوه من العقائد الإسلامية أمر المعاد، فاحتجَّ عليهم المتكلمون بالنصوص، فغافصَهم ابن سينا مغافصةً شديدة، كما تراه في «مختصر الصواعق» (ج 1 ص 241)
(1)
. [2/ 263] وعبارته طويلة جدًّا، وأنا أحاول تلخيص المقصود منها.
زعم أن الشرائع إنما وردت لخطاب الجمهور، وأنها لو جاءتهم بذكر التوحيد والتنزيه على ما يراه الفلاسفة ومن يوافقهم من المتكلمين، قال
(2)
: «لسارعوا إلى العناد، أو اتفقوا على أن الإيمانَ المدعوَّ إليه إيمانٌ بمعدوم لا وجود له أصلا» . فزعم أن الحكمة اقتضت أن تجيئهم الشرائع بما يمكن تصديقهم به من التجسيم والتشبيه ونحو ذلك ليمكن قبولهم للشرائع العملية. وذكر أن التوراة كلها تجسيم، وأن في نصوص القرآن ما لا يحصى
(1)
(ص 146 وما بعدها) ط. دار الكتب العلمية بيروت 1405.
(2)
انظر «الرسالة الأضحوية في أمر المعاد» لابن سينا (ص 45 وما بعدها). ونقله ابن تيمية في «درء التعارض» (5/ 11 وما بعدها) وابن القيم في «مختصر الصواعق» (ص 146 - 149) وردَّا عليه.
من ذلك. قال: «وبعضه جاء تنزيهًا مطلقًا عامًّا جدًّا لا تخصيص ولا تفسير له» . ثم ذكر أن من النصوص ما هو صريح في التجسيم والتشبيه، «ولا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مجازية، ولا يراد فيها شيء غير الظاهر» . قال: «فإن كان أريد بها ذلك (يعني غير الظاهر) إضمارًا (يعني أن المتكلم أضمر في نفسه إرادة غير الظاهر، وإن كان الكلام لا يحتمله) فقد رضي (المتكلم بالقرآن) بوقوع الغلط والتشبيه (يعني التجسيم ونحوه) والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحًا» . ثم ذكر أن الحال في أمور المعاد كذلك، قال: «ولم يكن سبيل للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلا بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقرِّبة إلى الأفهام
…
فهذا هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصًّا من الناس لا عامًّا أن ظاهر الشرائع غيرُ محتَجٍّ به في هذه الأبواب».
ويمكن ترتيب مقاصده في تلك العبارة على ما يأتي:
المقصد الأول: أن من تلك النصوص ما هو ظاهر في تلك المعاني، ومنها ما هو صريح فيها.
الثاني: أن الصريح منها يدفع احتمال الاستعارة والمجاز، ويأبى أن يكون المراد منه إلا ذاك المعنى الذي هو صريح فيه.
الثالث: أنه ليس في الكتاب ولا السنة نصٌّ ينفي تلك المعاني التي دلَّتْ عليها تلك النصوص الكثيرة بظهورها أو صراحتها نفيًا بينًا، وإنما هناك إشارات يسيرة ليست بالبينة.
الرابع: أن تلك المعاني موافقة لعقول المخاطبين الأولين، وهم العرب الذين بُعث فيهم محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، حتى لو خوطبوا بنفيها
لأنكرته عقولهم وردَّتْه، وحالهم في ذلك كحال الجمهور من الناس في عصرهم وقبلهم وبعدهم.
[2/ 264] الخامس: أن تلك المعاني في رأي ابن سينا ومن يوافقه من المتكلمين وغيرهم باطلة بدلالة النظر العقلي المتعمَّق فيه.
السادس: أن صحة الدين الإسلامي ومجيئه بتلك النصوص على ما تقدم من حالها متناقضان ظاهرًا، إذ كيف يأتي الدين الحق بالاعتقاد الباطل؟ !
السابع: أن صحة الدين الإسلامي ثابتة بالبرهان، وبطلان تلك المعاني ثابت ــ في زعمه ومن وافقه ــ بالبرهان.
الثامن: أنه لا مخلصَ من هذا التناقض مع ثبوت كلا الأمرين بالبرهان إلا القول بأن الدين الحق قد يأتي بالاعتقاد الباطل رعايةً لمصلحة البشر، ليقبلوا الشرائع العملية التي تصلح شؤونهم!
التاسع: أنه إذا كان الأمر هكذا، فاللائقُ بالجمهور قبولُ ما جاء به الدين الحق على أنه حق، واللائق بالخاصة ــ وهم الذين تنبَّهوا لبطلان بعض تلك المعاني ــ أن يعرفوا أن الدين إنما جاء لإصلاح الجمهور وأنه جاراهم على اعتقادهم وما يوافقه، وإن كان باطلًا في نفس الأمر، فَلْيَدَعِ الخاصةُ الاحتجاجَ بالنصوص للجمهور، وَلْيحقِّقوا لأنفسهم!
العاشر: أنه كما وقع في الدين ذاك التلبيس في العقائد في ذات الله وصفاته، ولا مفرَّ للمتكلمين الذين اعترفوا ببطلان تلك المعاني من الاعتراف به، فكذلك وقع في أمور المعاد. ووقوعُه فيها أهون، والمدارُ إنما
هو على اقتضاء المصلحة، وهي تقتضي التلبيس في أمور المعاد؛ فإن الجمهور لا يُخضِعهم إلا الرغبة والرهبة، ولا تؤثِّر فيهم الرغبة والرهبة إلا فيما يتعلق بالجسمانيات التي عرفوها وأَلِفوها.
وقد رأيتُ أن أفرض أنه انعقد مجلسٌ للنظر في هذه المقاصد حضره متكلم وسلفيّ وناقد، فجرى ما يأتي شرحه:
[2/ 265] النظر في المقصد الأول
المتكلم: النصوص التي نوافق على بطلان ظواهرها لا نسلِّم أنها في تلك المعاني صريحةٌ صراحةً مطلقةً أو ظاهرةٌ ظهورًا مطلقًا، كيف والقرينة قائمة على صرفها عنها، وهي العقل والإشارات التي ذُكرت في المقصد الثالث؟
الناقد: أما العقل، فقد زعم ابن سينا ــ كما مرَّ ــ أن عقول الجمهور ومنهم المخاطبون الأولون موافِقةٌ لتلك المعاني، فإن منعتَ هذا فنؤجل البحث فيه إلى المقصد الرابع، وإن سلَّمتَه بطلت دعواك هنا؛ فإن قانون الكلام أن تكون القرينة كاسمها مقترنة بالخطاب في ذهن المخاطَب أو بحيث إذا تدبَّرَ عرَفَها وعرَفَ صَرْفَها عن الظاهر؛ إذ المقصود من نصب القرينة أن يكون الخبر صدقًا من حقِّه أن لا يفهم المخاطَب منه خلافَ الواقع ما لم يقصِّر. وإذا كانت عقول الجمهور ــ ومنهم المخاطبون الأولون ــ توافق تلك الظواهر، وتجزم بوجوبها عقلًا أو جوازها، أو لا تشعر بامتناعها؛ فكيف يُعتَدُّ عليهم بما قد يدركه المتعمِّق في النظر بعد جهد جهيد؟ مع العلم بأنهم لم يعرفوا التعمق في النظر، ولا خالطوا متعمِّقًا؛ بل نهاهم الشرع عن ذلك.
وهل هذا إلا كما لو غزا جماعة إلى أرض بعيدة، ثم عادوا بعد مدة دون واحد، فسُئلوا عنه، فأَخبروا بأنه قُتِلَ، فحزن أهلُه، ثم قسموا تركته، واعتدَّتْ نساؤه، وتزوجن، إلى غير ذلك. ثم قدم رجل، فزعم أنه رأى ذلك الذي قيل: إنه قُتِل، رآه بعد خبر القتل بمدة في الثغر حيًّا صحيحًا. فافرِضْ أنه ذُكِر ذلك للمخبِرين بالقتل، فصدَّقوا هذا المخبِر الأخير، واعتذروا عن إخبارهم
بالقتل بأنهم أرادوا بذاك الخبر خلاف ظاهره، فقيل لهم: فهلَّا نصبتم قرينة؟ فقالوا: كان الرجل حال خبرنا حيًّا صحيحًا سالمًا، وكفى بذلك قرينة. فهل يقبل منهم هذا العذر؟ أوَلا يردُّه عليهم العقلاءُ قائلين: ذاك لو كانت حياته وصحته وسلامته بحيث يدركها المخاطبون ــ وهم أهله ــ عند إخباركم لهم. فأما وهم لا يعلمون ذلك ولا يدركونه لبعده عنهم بمراحل كثيرة، فليس هذا بقرينة؛ إذ [2/ 266] ليس من شأن العلم به أن يقترن عند المخاطب بالخطاب، فيصرفَه عن فهم الظاهر
(1)
.
وأما تلك الإشارات، ففي المقصد الثالث أنها ليست بالبينة، فإذًا لا تصلح أن تكون صارفة عن معاني النصوص الكثيرة الظاهرة أو الصريحة الموافقة لعقول المخاطبين. بل يكون الأمر بالعكس، وهو أن عقولهم وتلك النصوص الكثيرة تَصْرف عما قد يظهر من تلك الإشارات. فإن كنت تزعم أن تلك الإشارات صريحة، فنؤجل الكلام إلى المقصد الثالث.
المتكلم: إنما يصح الأخذ بظاهر الخبر إذا عُلِمَ أن ذلك الأمر المخبَر بوقوعه غيرُ ممتنع عقلًا، فأما إذا احتمل أن يكون ممتنعًا عقلًا فإنه يجب التوقف، ويكون هذا الاحتمال قرينةً تُدافع ظاهر الخبر، فتوجب التوقف فيه.
الناقد: في المقصد الرابع أن معاني تلك النصوص كانت موافقة لعقول المخاطبين، فإن سلَّمتَ ذلك سقط كلامك هنا؛ لثبوت أنها لم تكن عندهم
(1)
وفي «صحيح مسلم» [1653] وغيره حديث «يمينُك على ما يصدِّقك به صاحبُك» . وهذا صريح في أن إضمار المتكلم في نفسه معنى غيرَ المعنى الذي حقُّه أن يفهمه المخاطبُ لا يغني عن المتكلم شيئًا، إذا كان المعنى الذي حقُّه أن يفهمه المخاطبُ غير واقع. [المؤلف].
محتملة للامتناع. فعلى فرض أن احتمال الامتناع يُعَدُّ قرينةً فلم يكن حاصلًا لهم، فكيف يُعتَدُّ عليهم به؟ وقد مرَّ الكلام في هذا. وإن لم يُسَلَّم فينظر فيه في المقصد الرابع.
المتكلم: لم يكن القوم ماهرين في علوم المعقول، فلا يُعتدُّ بإدراك عقولهم الوجوبَ أو الجواز، بل يبقى الحكم في حقهم الاحتمال. فإن لم يشعروا بقصورهم القاضي عليهم بالتوقف فقد قصَّروا.
السلفي: كيف لا تَعتدُّ بعقولهم، وقد اعتدَّ بها ربُّ العالمين، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأمرهم بالنظر والتفكر والاعتبار والتدبر، وقبِلَ إيمانَ من آمن منهم وأثنى عليه، ونقَمَ كفرَ من كفر منهم، وعاقبه عليه؟ ! وقد مرَّ في صدر هذه الرسالة ما فيه كفاية.
المتكلم: فدع هذا، ولكن لي نظرٌ في دعوى أن عقولهم كانت موافقة لتلك المعاني.
الناقد: فيأتي الكلام في المقصد الرابع.
[2/ 267] السلفي: هَبْ أن تلك المعاني كانت محتملة في عقول القوم، أي أنهم لا يدركون وجوبها ولا امتناعها، ولا تقطع عقولهم بجوازها، فدعواك أن احتمال الامتناع عقلًا قرينةٌ توجب التوقف في ظاهر الخبر= دعوى باطلة عقلًا وشرعًا وعملًا.
أما العقل، فإنه يقتضي قبول ظاهر الخبر إذا كان المخبِر ثقةً أمينًا لا يُخشى منه الكذب ولا التلبيس، إذ الغالبُ صدقُه، والغالبُ في الأخذ به حفظُ المصلحة واتقاء المفسدة. ولا يفرِّق العقلُ في هذا بين ما يقطع
المخاطبُ بجوازه وما لا يقطع، لأن خبر الثقة الأمين غالبٌ صدقُه في الحالين، وحفظُ المصلحة غالبٌ في الأخذ بظاهر خبره في النوعين. فأما إذا ثبت عقلًا أن المخبِر معصوم عن الجهل والغلط وعن الكذب والتلبيس، فوجوبُ قبول خبره بغاية الوضوح، بل إذا قطَع عقلُ المخاطب بعصمة المخبر عما ذُكِر، وقطَعَ بأن ظاهر خبره هذا هو المعنى، وبأنه لا قرينة صحيحة تَصرِف عنه= فإنه يقطع عقلُه بوقوع ذاك المعنى، وإن كان قبل ذلك يجوِّز امتناعه عقلًا.
وأما الشرع فظاهر، فقد طالب الأنبياءُ الناسَ أن يصدِّقوهم فيما يُخبرون به عن ربهم، وأن يوقنوا له بذلك
(1)
، وقضَوا بإيمان المصدِّق الموقِن ووالَوه، وبكفر الممتنع عن التصديق وعادَوه، مع أن مما أخبروا به وطالبوا الناس بالإيقان به ما كانت عقولُ المخاطبين تستبعده، وعقولُ الفلاسفة وبعضِ المتكلمين تُصوِّب ذاك الاستبعاد، وذلك كحشر الأجساد. بل مما أخبر به الأنبياءُ وطالبوا الناسَ بالإيقان به ما تزعم الفلاسفة أنه ممتنع عقلًا، ووافقهم المتكلِّمون على ما وافقوهم من ذلك.
وأما العمل، فلا يخفى على من تصفَّح أحوال الناس أنهم كانوا ولا يزالون ولن يزالوا يعتمدون على خبر الثقة الأمين فيما يقطعون فيه بعدم الامتناع وفيما لا يقطعون. واعتبِرْ ذلك بأخذهم بأخبار علماء الحساب والهندسة والمساحة ونحو ذلك من العلوم العقلية، وهكذا العقائد، فإن الناس يأخذونها من علمائهم تقليدًا في كثير منها، ويرضى منهم علماؤهم بذلك ويحضُّونهم عليه.
(1)
كذا في الأصل، ولعل «له» مقحمة، والسياق مستقيم بدونها.
هذا، والخبرُ بوقوع الأمر يتضمَّن قطعًا الخبرَ بعدم امتناعه، فكأن المخبِر أخبرَ بعدم الامتناع، واحتجَّ بمشاهدته الوقوع. ولو وجب أن يُتوقَّف عن قبولِ ظاهرِ خبرِ الثقة الأمين في مثل هذا لوجب مثلُه فيما عُلِم جوازُه عقلًا؛ لأن جوازه لا يقتضي وقوعه، وما لم يقع فالحكم بوقوعه ممتنع.
[2/ 268] وتفسير هذا أنه إن كان ينبغي التوقف عن حمل الخبر على ظاهره فيما إذا احتمل أن يكون ذاك الظاهر ممتنعًا لذاته، فكذلك فيما إذا احتمل أن يكون ممتنعًا لثبوت نقيضه، حتى لو كنتَ قد علمتَ أن زيدًا في بيته فأَخبر بأنه خرج منه، فإن خروجه ذلك يحتمل أن يكون ممتنعًا عقلًا لثبوت نقيضه؛ إذ يحتمل أنه لم يخرج من بيته بعد أن عهدته فيه، وإذا كان لم يخرج، فمن الممتنع عقلًا أن يكون خرج.
المتكلم: إنما فرَّقنا بين النوعين لأنه قد يحتمل في الأول أن يقوم بعد وقت الخطاب ــ ولو بمدة طويلة ــ دليلٌ على أن ذاك الظاهر ممتنع عقلًا، فيجب حينئذ صرفُ الخبر عن ظاهره، أو الاعترافُ بأن المتكلم به غير معصوم.
السلفي: إن ساغ هذا الاحتمال في الأول ساغ في الثاني، فيحتمل فيما أخبر النصُّ بأنه وقع أو سيقع في وقت كذا أن يقوم فيما يأتي دليل على خلاف ذلك. فليس هناك إلا سبيلان:
الأولى: سبيل المؤمنين أنه يستحيل عقلًا أن يكون [من] المتكلم بالقرآن أو من النبيِّ عليه الصلاة والسلام فيما يخبر به عن ربه جهلٌ أو غلطٌ أو كذبٌ أو تلبيسٌ. ففرضُ أن يقوم دليل قاطع على خلاف النص الثابت قطعًا، الصريح قطعًا، أو الظاهر قطعًا ولا قرينة معه قطعًا= فرضٌ للمستحيل.
الثانية: سبيل ابن سينا ومن وافقه من تجويز الجهل والغلط، أو الكذب والتلبيس. {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:(29)].
المتكلم: وهل كلامنا إلا في القطع؟ فهَبْ أن احتمال الامتناع العقلي لا يصلح أن يكون قرينة، فمن أين يأتي القطع؟ ومن المحتمل أن يخطئ الناظر فيعتقد أن الحديث ثابت، وليس بثابت؛ أو يعتقد صراحة الآية أو الحديث الثابت فيما فهمه، وليس كذلك؛ أو يعتقد ظهور ما ليس بظاهر؛ أو يعتقد انتفاء القرينة وهناك قرينة غفل عنها.
السلفي: سيأتي إثباتُ حصول القطع في الكلام مع الرازي والعضد. فأما الخطأ، فالخطأ في هذا الباب إنما يكون في الظن، وليس كالنظر العقلي المتعمِّق الذي يكثر فيه الغموض والاشتباه والقطع بالباطل، كما مرَّ في الباب الأول.
والنظرُ في النصوص على وجه [2/ 269] الإيمانِ بها والتسليمِ لها اهتداءٌ يحبُّه الله تبارك وتعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [القتال: (17)]. والنظرُ في الشبهات التعمقيَّة على وجه الوثوقِ بها وتقديمِها على النصوص زيغٌ عن سبيل الله. {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: (5)]. ومن الواضح أن المهتدي أهل أن يعفى عن خطائه بخلاف الزائغ.
وفوق ذلك، فكلامنا هنا إجمالي، فتتبعوا إن شئتم التفصيل، فبيِّنوا على طريق المأخذين السلفيين خطأ من أخطأ منا إن استطعتم. فأما تعمُّقكم، فقد
أثبتنا أنه ليس بحجة في الدين، فلا علينا أن لا نلتفت إليه. فإن رضيتم بما عندكم، فنحن بما عندنا أرضى {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى:(15) - (16)].
* * * *
المقصد الثاني
المتكلم: لا أسلِّم أن فيما أزعم بطلانَ ظاهره من النصوص المتعلقة بالعقائد ما هو من الصراحة بحيث يدفع احتمال الاستعارة والمجاز ونحو ذلك، ويأبى أن يكون المراد به إلا ظاهره، بل أقول: يمتنع أن يكون في النصوص المتعلقة بالمعقولات ما هو كذلك.
السلفي: النصوص كلام، ومعلوم أن الكلام كثيرًا ما يكون صريحًا بنظمه، أو بسياقه، أو بتأكيده، أو بتكراره في مواضع كثيرة على وتيرة واحدة، أو بالنظر إلى نظائره، أو إلى حال المخاطب التي يعلمها المتكلم ــ إلى غير ذلك. وهكذا حال النصوص، وهي بحمد الله تعالى معروفة، وأمرها أوضح من أن يحتاج إلى بيانه، وليس هذا موضع التفصيل. والتفرقة بين المعقولات وغيرها مبنية على شبهة قد مرَّ إبطالُها، على أن الظهور وحده قد يكفي للقطع كما تقدم. وسيأتي في الكلام مع الرازي وغيره مزيدٌ إن شاء الله تعالى.
* * * *
[2/ 270] المقصد الثالث
المتكلم: كيف تكون تلك الإشارات غير بينة، وفيها قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: (11)]، واسمه تعالى «الواحد» ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} السورة؟
السلفي: أما قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فمثل الشيء في لغة العرب: نظيره الذي يقوم مقامه ويسدُّ مسدَّه. وعند أكثر المتكلمين: مشاركة في جميع الصفات النفسية. وعند أكثر المعتزلة: مشاركة في أخصِّ وصف النفس. وقال قدماء المتكلمين كما في «المواقف»
(1)
: «ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات، وإنما تمتاز عن سائر الذوات بأحوال أربعة: الوجوب، والحياة [التامة]
(2)
، والعلم التام، والقدرة التامة
…
». قال السيِّد في «شرحه»
(3)
وقال النجَّار: مثلُ الشيء مشارِكُه في صفة إثبات، وليس أحدهما بالثاني. وألزموه:«مماثلة الرب للمربوب إذ يشتركان في بعض الصفات الثبوتية كالعالمية والقادرية» . كذا في «المواقف» و «شرحها»
(4)
، وفيها بعد
(1)
(ص 269).
(2)
الزيادة من المؤلف.
(3)
(8/ 15).
(4)
(4/ 67، 68).
ذلك
(1)
: «هل يسمَّى المتخالفان المتشاركان في بعض الصفات النفسية أو غيرها مثلينِ باعتبار ما اشتركا فيه؟ لهم فيه تردد وخلاف، ويرجع إلى مجرد الاصطلاح
…
وعليه
…
يحمل قول النجار
…
فالله مماثل عنده للحوادث في وجوده عقلًا، أي بحسب المعنى؛ والنزاع في الإطلاق
…
».
أقول: وليس في النصوص التي ينكر المتكلمون معانيها ما يظهر منه إثباتُ مناظرة على الإطلاق بين الله عز وجل وغيره، ولا مشاركة في جميع الصفات النفسية، ولا في أخصِّ وصف النفس. فإذا حُملت المماثلة المنفية في الآية على واحد من هذه المعاني، فليس بين الآية وبين شيء من المعاني الظاهرة لتلك النصوص منافاةٌ ما.
فأما المماثلة في بعض الصفات دون بعض، فقد علمتَ أن المتكلمين يثبتونها في الجملة. ولذلك ذكر الفخر الرازي
(2)
أنه لا يصلح حملُ الآية على ما ينفي ذلك.
وأجاب الآلوسي
(3)
بقوله:
أقول: قد تؤخذ المماثلة في مطلق العالمية والقادرية ونحو ذلك.
فإن قيل: ذاك أمر لا يلتفت إليه، إذ ليس الواقع إلا قدرة ذاتية تامة لله عز
(1)
(4/ 76).
(2)
في تفسيره «مفاتيح الغيب» (27/ 151).
(3)
«روح المعاني» (25/ 19).
وجل، وقدرة مستفادة ناقصة للعبد، وهكذا.
قلت: فهذا المعنى أيضًا غير منافٍ لشيء من تلك الظواهر.
تحقيق معنى الآية
مَن تتبَّع موارد استعمال نفي المثل في الكتاب والسنة وكلام البلغاء علم أنه إنما يراد به نفيُ المكافئ فيما يراد إثباتُه من فضل أو غيره. فمن ذلك: قولُ الشاعر
(1)
:
ليس كمثلِ الفتى زهيرٍ
…
خَلْقٌ يُدانيه في الفضائلْ
وقول الآخر
(2)
:
سعدَ بنَ زيدٍ إذا أبصرتَ جَمْعَهُمُ
…
ما إنْ كمثلهِمُ في الناس مِن أحد
وقال الله عز وجل: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: (88)].
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: (6) - (8)]. أي ــ والله أعلم ــ في قوة الأجسام، كما يومئ
(1)
البيت في «الكشف والبيان» للثعلبي (8/ 306) و «الجنى الداني» (89) غير منسوب. وقد نسب في «البحر المحيط» (7/ 510) إلى أوس بن حجر، وتبعه ابن السمين في «الدر المصون» (9/ 545) وابن عادل في «اللباب» (17/ 174). والظاهر أنه وهم. والرواية:«خلق يوازيه» .
(2)
البيت في «تفسير الطبري» ــ طبعة التركي (20/ 477) و «الكشف» (8/ 306) والمصادر المذكورة في الحاشية السابقة. والرواية: «أبصرتَ فضلهم» .
إليه السياق وآيات أخرى.
وقال سبحانه: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [خاتمة سورة محمد] أي في التولِّي والبخل.
وفي حديث أبي أمامة في «المسند»
(1)
وغيره أنه قال: يا رسول الله مُرْني بعمل. فقال: «عليك بالصوم فإنه لا مثلَ له» .
ودونك الآيات التي فيها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ونظائرها:
{حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ [2/ 272] يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ
(1)
قلت: هو في «المسند» (5/ 255 و 258) من طريق مهدي بن ميمون، ثنا: محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبي، عن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة. ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان (929)، وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن رواه شعبة عن محمد هذا قال: سمعت أبا نصر الهلالي عن رجاء بن حيوة. أخرجه ابن حبان (930) والحاكم (1/ 421) وقال: «صحيح الإسناد وأبو نصر الهلالي هو حميد بن هلال العدوي» . ووافقه الذهبي. كذا قالا، وأبو نصر هذا ليس هو حميد ابن هلال، بل هو رجل لا يدرى مَن هو كما قال الذهبي نفسه في «الميزان». وقال الحافظ في «التقريب»:«مجهول» . لكن ذكره في الإسناد شاذ، فقد رواه ثقتان آخران كما رواه مهدي بن ميمون بإسقاطه، وصرح بعضهم بسماع ابن أبي يعقوب من رجاء فهو إسناد متصل صحيح. وقد صححه الحافظ في «الفتح» كما بينته فيما علقته على «الترغيب والترهيب» . [ن].
لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فواتح سورة الشورى [(1) - (12)].
ومن نظائر هذه الآيات في الجملة قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: (16)].
وقوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا
بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: (59) - (60)].
الآيات في هذه المواضع وأمثالها مسوقة لإقامة الحجة على المشركين الذين يتخذون من دون الله تعالى وبغير سلطان منه أولياء يعبدونهم، أي يخضعون لهم طلبًا للنفع الغيبي. فالقرآن يبيِّن أن مناط استحقاق العبادة أن يكون المعبود مالكًا للتدبير الغيبي، قادرًا مختارًا أن ينفع به ويضر كما يشاء، لا على وجه الطاعة منه لمن هو أعلى منه، ولا مفتقرًا إلى إذن خاص ممن هو أعلى منه. فإن هذا المالك هو الذي يكون خضوعُ مَن دونه له سببًا لأن ينفعه، وإعراضُه عنه مظنةً أن يضرَّه، فحينئذ يحق لمن دونه أن يخضع له. فأما من ليس كذلك فلا يمكن أن ينال من دونه منه نفع ولا ضر. نعم، إن الله عز وجل يأمر الملائكة بما يريد فيفعلونه، ويأذن لهم في الشفاعة لمن يحب فيشفعون. وهم كما قال تعالى: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: (26) - (28)].
فإذا أمرهم سبحانه بنفع عبد فعلوا ذلك طاعةً لربهم فقط، وإذا أذن لهم في الشفاعة شفعوا رغبةً في رضا ربهم. ولو فُرِض أنهم لم يشفعوا بعد الإذن فلم يأذن لهم ربهم إلا وقد [2/ 274] ارتضى الأمرَ الذي أذن لهم أن يشفعوا فيه، فهو كائن لا محالة وإن لم يشفعوا. وبهذا يتضح يقينًا أن سؤال العبد من الملائكة أو خضوعَه لهم عبثٌ من جهة، وسببٌ لغضب الله عز وجل على السائل، فتغضب الملائكة لغضب ربهم من جهة أخرى.
ولو كان الملائكة يتصرفون بأهوائهم لاختلفوا، إذ قد يهوى هذا نصرَ أحد الجيشَين المقتتلين، ويهوى الآخر نصرَ الجيش الآخر، فيعمل كلٌّ منهما بحسب هواه، ويبذل جهده في التصرف بكل ما يمكنه. هذا مع عِظَم قوة الملائكة وقدرتهم، فتختلُّ الأمور، ويفسُد النظام. قال الله عز وجل:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: (22)]. وقال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: (71)].
ولما أذن الله عز وجل للبشر إذنًا قدريًّا عامًّا في عمل ما يريدون ــ لأن مقصود التكليف لا يتم في حقِّهم إلا بذلك ــ جعل قدرتهم محدودة، فيقع من الفساد ما يناسب قدرتهم، كما هو مشاهد. وكلما زادت قدرتهم بواسطة الآلات والمخترعات زاد الفساد، كما تراه في هذا العصر. ولولا أنَّ الله عز وجل يكفكف شدةَ ذلك بقدره لكان الفساد أعظم. قال تعالى:{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: (251)].
وإن كان الله عز وجل يأذن لأرواح الصالحين الموتى بأمر يتعلق
بالأحياء، فلن يكون حال الأرواح إلا كحال الملائكة سواء. بل الأرواح أولى بأن لا يؤذن لها في التصرُّف
(1)
[2/ 275] بأهوائها، فإنها في غير دار
(1)
علَّق عليه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة بقوله: «والحق أن الأرواح بعد [الموت] في قبضة الواحد القهار لا تصرف لهم في شؤون الأحياء، بل قد انقطع عملهم كما في الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . وهذه الثلاثة الباقية له بعد موته هي آثار أعماله في الحياة قبل موته، فليست عملًا له بعد الموت. وقال تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . فالذي مات أُمسك في قبضة القهار، بخلاف الحي الذي أُرسل إلى أجل مسمى. وما فتح الشرك على من أشركوا بالأموات والصالحين إلا اعتقادهم فيهم أنهم يفعلون بعد موتهم مثل ما كانوا يفعلون في حياتهم أو أشد وأقوى على سبيل الكرامة بزعمهم، فتوكلوا على الأموات وعبدوهم، ونسوا الحيَّ القيوم فلم يتَّكلوا عليه ولم يخلصوا له العبادة، كما هو مشاهد من أحوال عباد القبور والمنتصرين لهم في شرق الأرض وغربها. والله المستعان» اهـ.
وعقَّب عليه المؤلف قائلًا: «إنما فرضت الإذن للأرواح فرضًا، وأوضحت أنه على فرضه فلن يكون حالها إلا كحال الملائكة، في أن تصرفها إنما يكون تنفيذًا لما يأمر الله عز وجل، وكما أن ثبوت ذاك التصرف للملائكة لا شبهة فيه لمن يعبدهم فكذلك الأرواح. وهذا واضح جدًّا وهو أقطع للنزاع مِن بسط الكلام في نفي التصرف البتة.
وفي «كتاب الروح» لابن القيم ما يؤخذ منه أنه يثبت للأرواح تصرفًا في الجملة، وسمعت بعض الإخوان يستعظم ذلك، كأنه يرى أن ذلك يروِّج شبهةَ دعاة الموتى. ولا أشك أن هذا لم يغب عن ذهن ابن القيم، ولكنه يعلم أن الشبهة إنما تروج إذا أثبتنا للأرواح تصرفًا بأهوائها، فأما ما كان من قبيل تصرف الملائكة فلا. وما ذكره الشيخ من انقطاع العمل حق، لكن لابن القيم أن يقول: قد تحب الأرواح أن تعمل عملًا في طاعة الله عز وجل تلذذًا بالطاعة كصلاة الأنبياء ليلة الإسراء ونحو ذلك، فيكون ذاك التصرف في حقِّها من جملة النعيم تلتذُّ به نفسُه ولا تثاب عليه، وعلى كل حال فإنما فرضت فرضًا، ليس فيه أدنى متشبَّث لدعاة الموتى، فتدبر».
تكليف لا تخشى عقوبةً على ما يقع منها، بخلاف الملائكة.
وبعض المسلمين يتردد في عصمة بعض الملائكة. والقائلون بالعصمة يقولون بالتكليف مع شدة الخشية، كما تقدم في بعض الآيات السابقة. والمشركون الذين يزعمون أن الملائكة يتصرفون بأهوائهم، يزعمون أنهم غير معصومين، بل يجعلون حالهم كحال البشر مع عظم القدرة. ويقولون: كما أن للإنسان أن يسأل إنسانًا آخر أغنى أو أقدر منه ويخضع له، فكذلك له أن يسأل الملائكة ويخضع لهم؛ لأنهم يعملون ما يشاؤون، ويشاؤون ما يهوون كالبشر، وقدرتُهم أعظم. وهذا الشرك يوجد في بعض مشركي الهند وغيرهم، وعليه كان أكثر الأمم المشركة.
أما مشركو العرب فإنهم قلَّدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط، كما تقدم في الآيات، إلا أنهم كانوا عندما يُسألون عن ذلك يتشبَّثون بالشفاعة فقط، مع تردُّد فيها. ولما حاجَّهم القرآن لم يبق بأيديهم إلا الشغب حتى أنقذهم الله عز وجل. وبالجملة فكان شركهم يكاد يكون عمليًّا فقط. وإذا تأملنا ما وقع فيه عامةُ المسلمين في القرون المتأخرة وجدناه أشدَّ جدًّا مما كان عليه مشركو العرب. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما البشر الأحياء، فقدرتهم معروفة، ولا تكون لهم قدرة غير عادية. نعم، قد يتفق قدرة عادية غريبة، كما يقع لبعض المرتاضين والسحرة، وسيأتي الكلام فيها. فأما معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء فليست
بقدرتهم ولا في ملكهم. قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: (17)].
وكان الصحابة إذا احتاجوا إلى نفع [2/ 276] غيبي إنما يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاءَ كما في الاستسقاء، وقلة الأزواد في السفر، وغير ذلك؛ والدعاءُ داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى. وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا، على ما جرت به العادة. فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم: اللهم أخبِرْ عنَّا رسولَك، كما قال عاصم بن ثابت
(1)
، وجاء نحوه عن خبيب بن عدي
(2)
. وما يُحكى عنه مما يخالف ذلك لا يثبت، ولو ثبتَ وجبَ حملُه على المعنى المعروف. ودعاؤهم مرجوُّ الإجابة، وليس ذلك بحَتْم. قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: (56)] وقال سبحانه: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: (35)] والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
وأما الجن، فإنه مأذون لهم إذنًا قدريًّا عامًّا في الوسوسة لبني آدم، وذاك كالأمر الطبيعي لهم، إنما يُستدعَى بمعصية الله عز وجل والغفلة عن ذكره، ويُستدفَع بطاعته سبحانه والتعوذ به. فأما أن ينفعوا الناس أو يضرُّوهم، فلو
(1)
أخرجه البخاري (3045، 3989، 4086) من حديث أبي هريرة في قصة عاصم بن ثابت وأصحابه.
(2)
انظر «سيرة ابن هشام» (2/ 173).
كان مأذونًا لهم فيه إذنًا قدريًّا عامًّا يُشبِه الإذنَ للناس، لفسدت الدنيا. فإن كان قد يقع شيء من ذلك، فإنما يكون بإذن قدري خاص لا يُفسِد قواعد الدنيا. والإنسان لا يحتاج إلى الرغبة إليهم لتحصيل شيء من ذلك، لأن الله عز وجل قد أغنى الناس بالأسباب العادية، وبدعائه سبحانه. أوَ ليس أن تسأل المالكَ الحقيقيَّ القادرَ على كلِّ شيء أقربَ وأولى من أن تسأل جنيًّا على أمل أن يأذن له الله عز وجل إذنًا قدريًّا خاصًّا في فعل مطلوبك؟ فإن فُرِضَ أن إنسانًا رغب إلى الجن، فحصل له نفع، أو اندفع عنه ضرٌّ؛ فذلك بمنزلة من يتقرب إلى المشركين بالسجود لأصنامهم ونحوه، فإنهم قد ينفعونه. وليس ذلك بعذر له، بل الأمر أبعد؛ فإن المشركين مأذون لهم إذنًا قدريًّا عامًّا في النفع والضر على ما جرت به العادة.
وحال السحر كحال الجن. قال الله عز وجل: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ [2/ 277] اللَّهِ} [البقرة: (102)] أي ــ والله أعلم ــ إذنًا قدريًّا خاصًّا، وإنما يقع ذلك نادرًا. نعم، قد يُعَدُّ من السحر ما هو مبني على سبب عادي غريب، كالتنويم المغناطيسي، وما يقع لبعض المرتاضين من التأثير بالهمة، فيحسبه الجاهل كرامة.
هذا، وإذا أمر الله عز وجل بطاعة أحدٍ، أو الخضوعِ له، أو بفعلٍ هو في الصورة خضوعٌ له؛ ففعَلَ المأمورُ ذلك طلبًا للنفع الغيبي من الله عز وجل= فهذه عبادة لله عز وجل. وهذا كسجود الملائكة لآدم. وهكذا تعظيم المسلمين لحرمات الله عز وجل، كاستقبالِ الكعبة، والطوافِ بها، وتقبيلِ الحجر الأسود، وغير ذلك مما أمرهم الله به، ففعلوه طاعةً لله غيرَ مجاوزين ما حدَّه لهم. وكذلك توقيرُ النبي، وإكرامُ الأبوين وأهلِ العلم والصلاح،
بدون مجاوزة ما حدَّه الله تعالى من ذلك.
والحاصل أن الخضوع طلبًا للنفع الغيبي عبادة. فإن كان عن أمرٍ من الله تعالى ثابتٍ بسلطان، فهو عبادة له سبحانه، ولو كان في الصورة لغيره كالكعبة؛ وإلا فهو عبادةٌ لغيره. ويتعلق بهذا الباب مباحث عديدة قد بسطتُ الكلام عليها في كتاب «العبادة»
(1)
، وإنما ذكرتُ هنا شذرةً منه.
وأصل المقصود هنا تفسير الآية، فأقول: إن القرآن يذكر التدبير الغيبي جملةً، أو يذكر بعض أنواعه تفصيلًا، ويبيِّن أن المالك له القادر عليه المختار فيه، بدون توقُّفٍ على أمرِ آمرٍ أو إذنِ آذنٍ أو تسليطِ مسلِّطٍ، هو الله وحده لا شريك له، وأن ذلك هو مناط استحقاق العبادة. فإذا كان سبحانه هو المتفرد بذلك، فهو المتفرد باستحقاق العبادة. فتدبَّر الآيات المتقدمة تجدها على ما وصفت. وتدبَّر آيات الشورى التي فيها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:(11)] تجدها من هذا القبيل. فإذا كان الأمر هكذا فالظاهر أن المراد بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} نفيُ [2/ 278] المثل فيما ذُكر في السياق من أنه تعالى يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن إليه الحكم، وأنه فاطر السماوات والأرض، إلى غير ذلك. وجِماعُ ذلك كلِّه ملكُ التدبيرِ الغيبيِّ، والقدرة عليه، والاختيار فيه، على ما تقدم وصفه. والمقصود بذلك إثبات أنه لا إله إلا الله.
(1)
كتاب من تأليفي استقرأتُ فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة والتاريخ وغيرها لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله تعالى مما هو عبادة لغيره. يسَّر الله نشره. [المؤلف].
وهَبْ أنه يسوغُ حملُ قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} على ما يخالف تلك الظواهر التي يفِرُّ منها المتكلمون، فهو احتمال مرجوح. وهَبْه مساويًا أو راجحًا، فهل يصح أن يُعتدَّ بها قرينةً تَصرِف عن ظواهر تلك النصوص التي لا تحصى، منها الظاهر البيِّن، ومنها الصريح الواضح، ومنها المؤكَّد المثبت، ومعها عقل المخاطبين الأولين من الصحابة وغيرهم وجمهور الناس؟ وهل هذا إلا قلبٌ للمعقول الواضح؟
هذا، والقائلون إن ذات الله تعالى مجرَّدة أكثرهم يُثبتون أو يجوِّزون وجودَ ذوات كثيرة مجردة من عقول ونفوس وأرواح غيرها! فليتدبر مَن له عقلٌ: أليسوا أولى بزعمِ أن لله عز وجل مثلًا بل أمثالًا ممن لا يقول بالتجرد المحض الذي يزعمونه؟ فإن الذوات المخلوقة غيرَ المجردة تتفاوت تفاوتًا عظيمًا جدًّا، فما الظنُّ بذات الخالق تبارك وتعالى؟ فأما المجردة على فرض وجودها، فكيف يُعقل التفاوت العظيم بينها حتى تكون هذه ذات رب العالمين، وهذه ذات روح بعوضة؟ وما قيل إن التجرد أمر عدمي لا يدفع ذلك، على أنه عندهم براءة لأمر وجودي احتيج إليه؛ لأنه ليس في اللغات لفظ يدل على ذاك المعنى، لأن اللغات تابعة للعقول الفطرية، والعقولُ الفطرية لا تَعقل وجودَ ذات مجردة ذاك التجرد، وإنما تعبِّر عن ذاك المعنى بقولها:«معدوم»
(1)
.
قال السلفي: وأقتصر من النظر في تلك الآية على ما ذكرت راجيًا أن يكون فيه الكفاية لمن لم يستحوذ عليه الهوى. فأما من خُتِم على قلبه فلا مطمع فيه. والله الموفق.
(1)
يأتي لهذا مزيد في مسألة الجهة. [المؤلف].
وأما اسم الله تعالى «الواحد» ، فلفظ «واحد» يراد به في اللغة ما يقابل المتعدد، ومن تتبع مواقعه في القرآن وغيره من الكلام العربي الفصيح وجده يأتي وصفًا لموصوف، ويكون هناك شيء محكوم عليه بالموصوف مع وصفه، فعدم التعدد يكون للمحكوم عليه باعتبار [2/ 279] الموصوف. قال الله تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] حكم على الناس فيما كانوا عليه بقوله «أمة واحدة» ، فعدم التعدد ثابت للناس باعتبار «أمة» ، أي لم يكونوا أمتين أو أكثر. وقد يُصرَّح في الكلام بالمحكوم عليه وبالموصوف كما رأيت، وقد يُطوى ذكرُ أحدهما، فيُعرف بالتدبر. ولا أطيل بأمثلة ذلك. وعلى كل حال، فإنه يأتي على أحد معنيين:
الأول: نفي التعدد في المحكوم عليه نفسه كالمثال السابق، نفَى أن يكون الناس كانوا أمتين أو أكثر.
المعنى الثاني: نفي أن يكون مع المحكوم عليه مثلُه أو مثلاه أو أمثاله باعتبار الموصوف، فيكون المجموع متعددًا. ومن ذلك قوله تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [البقرة: (163)] أي: ليس معه إلاه آخر أو أكثر فيكون المجموع متعددًا. ومن هذا الثاني قولهم: فلان واحد في فنه، أو واحد زمانه، أي: لا نظير له في ذلك.
إذا تقرر هذا فلنذكر الآيات التي ورد فيها هذا الاسم. قال تعالى فيما قصَّه عن يوسف عليه السلام: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا} [يوسف: (39) - (40)].
[2/ 280] وقال تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [ص: (65) - (66)].
وقال سبحانه: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: (16)].
هكذا جاء هذان الاسمان الكريمان «الواحد القهار» في القرآن مقترنين معرَّفَيْنِ في المواضع كلها، وكلُّ ذلك في سياق إقامة الحجة على المشركين
في الألوهية الزاعمين أن لله شركاء في استحقاق العبادة.
فالكلام جارٍ على المعنى الثاني، وهو نفي التعدد الحاصل بوجود مثلِه معه في الربوبية وما يقتضي استحقاق العبادة. وسياق الآيات واضح جدًّا في ذلك، وإنما ادعى بعضُهم المعنى الأول في آية (الزمر) فقال: إن إمكانَ أن يكون له ولد يستدعي التركيب والانفصال، والوحدةَ تنافي التركيب. والتركيب الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون ليس من التعدد الذي تعقله العقول الفطرية في شيء. و «الواحد» بالمعنى الثاني ينفي الولد بدون تكلُّف، فإنه لو كان له سبحانه ولد لكان نظيرًا له في القدرة وغيرها، فيكون ربًّا مستحقًّا للعبادة. وقد قال تعالى:{وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: (92) - (93)].
وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: (116)].
وقال سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: (26)].
فحصل المقصود مع بقاء الاسم «الواحد» على معناه المعروف الموافق لسائر الآيات.
[2/ 281] هذا، ولما كان الاسم «الواحد» إنما هو صريح في نفي النظير في الربوبية وما يقتضي استحقاق العبادة، وليس بالصريح في نفي المشارك في ذلك مشاركةً تقتضي استحقاق العبادة في الجملة= أردف في الآيات
كلِّها بالاسم «القهار» ليتمِّم المعنى المقصود. وجاء الاسمان معرَّفين لأن ذلك معروف مسلَّم عند المشركين، كما يوضحه الآيات الأخرى التي تقدم ذكرُ بعضها في الكلام على قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، والله الموفق.
وأما سورة الإخلاص، ففي «صحيح البخاري»
(1)
وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «قال الله تعالى: كذَّبني ابنُ آدم، ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني
…
وأمَّا شتمُه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفؤا أحد». وفي رواية
(2)
: «وأنا الصمد الذي لم ألد
…
».
وقال الترمذي
(3)
(1)
رقم (4974).
(2)
البخاري (4975).
(3)
رقم (3364). وأخرجه أيضًا أحمد (21219). وإسناده ضعيف، وسيأتي الكلام عليه.
ثم قال الترمذي
(1)
[2/ 282] أقول: أبو سعد قال فيه الإمام أحمد: «صدوق، ولكن كان مرجئًا» ، وقال أبو زرعة:«كان مرجئًا ولم يكن يكذب» . وضعَّفه الباقون، قال ابن معين في رواية:«ضعيف» ، وفي أخرى:«كان جهميًّا وليس هو بشيء» ، وفي ثالثة:«صاحب ابن أبي دؤاد كان هاهنا وليس هو بشيء» ، وفي رابعة:«جهمي خبيث» . وقال البخاري في موضع: «فيه اضطراب» ، وفي آخر:«هو متروك الحديث» ، وفي ثالث:«ليس بثقة ولا مأمون» .
لكن لم ينفرد أبو سعد بوصل الحديث، فقد أخرج الحاكم في «المستدرك» (ج 2 ص 540): «أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو جعفر محمد بن علي قالا: ثنا الحسين بن الفضل، ثنا محمد بن سابق، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين قالوا: يا محمد، انسُبْ لنا ربَّك، فأنزل الله عز وجل:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ} . قال: الصمد: الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد
…
» بمثل حديث أبي سعد. ومحمد بن سابق ثقة جليل إلا أن في ضبطه شيئًا حتى قال أبو حاتم: «يُكتَب حديثه ولا
(1)
رقم (3365).
يُحتَجُّ به». وقد صحح ابن خزيمة
(1)
والحاكم هذا الحديث
(2)
.
وأخرج ابن جرير
(3)
من طريق إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي، عن جابر قال:«قال المشركون: انسُبْ لنا ربَّك، فأنزل الله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}» . وأخرج عن قتادة
(4)
قال: «جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انسُبْ لنا ربَّك، فنزلت
…
». وعن سعيد بن جبير
(5)
نحوه مطولًا. وعن عكرمة
(6)
: أن المشركين قالوا: يا رسول الله أخبِرْنا عن ربِّك، صِفْ لنا ربَّك، ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ».
والذي يصح في الباب حديث البخاري، ثم يليه حديث أبي العالية، وقد شهد له حديث جابر، وسنده صالح للمتابعة.
[2/ 283] وحديث البخاري يدل على أن أشدَّ ما كان المشركون يعتَدُون فيه في حق الله تبارك وتعالى هو شكُّهم في قدرته على البعث، وقد أخبَرَ به، ونسبتُهم إليه الولد. والقرآنُ يؤيد ذلك، فإنه كرَّر تثبيتَ البعث ونفيَ الولد في مواضع كثيرة.
(1)
في كتاب «التوحيد» (45).
(2)
قلت: وكذا صححه الذهبي في «تلخيص المستدرك» وفيه بُعد؛ لأن أبا جعفر الرازي فيه ضعف كما سبق بيانه في التعليق على حديث القنوت في الفجر ج 1 ص 147. لكن حديث جابر الآتي بعده يشهد له في الجملة. [ن].
(3)
في «التفسير» (24/ 728).
(4)
المصدر نفسه (24/ 729).
(5)
المصدر نفسه (24/ 728، 729).
(6)
المصدر نفسه (24/ 728).
فأما شركهم في الألوهية، فكان عندهم مرتبطًا بدعوى الولد، كما هو بيِّنٌ من عدة آيات. وقد أوضحتُ ذلك في كتاب «العبادة». وتبيَّن لي أن أولَ ما سرى إلى العرب نسبةُ الولد إليه تعالى كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، على معنى أنهم مقرَّبون إليه. ولم يقولوا: أبناء الله، خشية إيهام أن يكونوا نظراءه، فقالوا: بنات الله؛ لأن الإناث عندهم ضعيفات، وليس لهن ميراث من آبائهن. ثم طال الزمان فصار أخلافهم يقولون: بنات الله، ولا يحققون المعنى، ولم يكونوا يُثبتون أن لله عز وجل صاحبةً. ولذلك احتجَّ عليهم القرآن بقوله:{أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام: (101)]، فدل هذا على أن انتفاء الصاحبة أمر مسلَّم. وفي قصة إسلام طلحة أنه جاء وجماعةٌ معه إلى أبي بكر، فقال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزَّى، فقال أبو بكر: وما اللات والعزى؟ فقال طلحة: بنات الله. فقال أبو بكر: ومن أمهم؟ فأُسْكِتَ طلحة، ثم قال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فأُسْكِتوا، فأسلم طلحة
(1)
.
فأما قول الله عز وجل: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: (158)]، فالمراد بالجنة هاهنا: الملائكة، والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بناتٍ له. وما روي أنهم كانوا يقولون: إن أمهاتهم بناتُ سَرَوات الجن
(2)
، لم يصح. ولو صحَّ لكان الظاهر أنهم اخترعوا هذا بعد قصة طلحة. واللات والعزى ومناة كانت عندهم أسماءً لتلك الإناث التي زعموا أنها الملائكة وأنها بنات الله، ثم جعلوا لتلك الإناث تماثيل وسمَّوها بأسمائها، كما جرت به عادة
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» (13/ 206).
(2)
أخرجه الطبري في «تفسيره» (19/ 645) عن مجاهد. وانظر «الدر المنثور» (12/ 484).
المشركين في أصنامهم، بل عادة الناس جميعًا في إطلاقهم على التمثال والصورة اسمَ من يرون أن ذلك تمثال أو صورة له. وبهذا التحقيق يتضح معنى آيات النجم، وقد أوضحتُ ذلك في كتاب «العبادة» بما يُثلج الصدر. والحمد لله.
[2/ 284] والمقصود هنا أن الذي يظهر من الآثار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صارح المشركين بإبطال قولهم في الإناث التي يجعلونها آلهة من دون الله، ويزعمون أنها الملائكة، وأنها بنات الله، ويمثلون التماثيل بأسمائها ويعظِّمونها تعظيمًا لها، وصارحهم بتنزيه الله عن الولد= قالوا: انسُبْ لنا ربك، طمعًا منهم أن يجيبهم بما يستخرجون منه شبهةً يشُدُّون بها قولهم، فأنزل الله تعالى هذه السورة.
فأما تحقيق معناها، فلفظ «أحد» زعم ابن سينا ومن وافقه أنه الواحد من جميع الوجوه، المنزَّه «عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة» . هذا ما نقلوه من عبارته المموهة. وهو ومن وافقه يوهمون أنهم إنما يجتهدون في تنزيه الله عز وجل، وهو في نفس الأمر بعيد عن ذلك، كما يُعلم من نفيهم صفاتِ الكمال عنه. وإنما غرضهم توجيه وجوب وجوده تعالى، أي وجوده من غير علة. وبعبارة أوضح في العقول الفطرية: توجيهُ وجوده من دون أن يُوجده موجِد. وذلك أن الفطرة والعقل قاضيان بأن الموجود من هذه الأشياء التي نراها لابد له من موجِد، وأنه مهما كان لبعضها صانع منها، فإن فوقها جميعًا ربًّا هو الموجِد الحقيقي. ولكن كثيرًا من النفوس لا تَقنَع بهذا حتى تقول: فهذا الموجِد الحقيقي من أوجده؟ فإن قيل: لا موجد له. قالت: وكيف وُجد من غير موجِد؟
فإذا قيل: هذا السؤال إنما يأتي فيما ثبت أو جاز أنه لم يكن ثم كان. وذلك كأن تمرَّ ببقعة لا بيت فيها، ثم تمرَّ بها وفيها بيت. وكالشمس فإن العقول الفطرية حتى الساذجة تُجيز أن يخلق الله تعالى شمسًا أخرى غير هذه الشمس، وتجيز أن يكون قد مضى زمان لا شمس فيه، ثم خلق الله تعالى هذه الشمس. وهكذا سائر المخلوقات. وإنما قد تتوقف العقول الفطرية في بعض الأشياء التي لا ضيرَ في التوقف فيها من جهة العقل. وذلك كالفضاء والزمان، فإنهما إنْ كانا أمرين عدميين كما عليه المتكلمون فالأعدام أزلية، [2/ 285] وإن كانا وجوديين فلا يصلحان ولا واحد منهما أن يكون ربًّا أوجد هذه الموجودات. والمقصود أنه في مثل البيت والشمس يأتي ذاك السؤال فيقال: لم يكن موجودًا، فمَن أوجده؟ فأما الموجود الحق الذي ثبت أنه لم يزل، فلا يأتي في حقِّه ذاك السؤال أصلًا.
= فقد لا تطمئنُّ النفس
(1)
لهذا حقَّ الاطمئنان. وقد نبه الشرع على هذا وعلى علاجه. ففي «الصحيحين»
(2)
وغيرهما من طرق عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟ حتى يقول: مَن خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فَلْيستعِذْ بالله وَلْيَنْتَهِ» لفظ البخاري في «بدء الخلق» .
وفيهما
(3)
من حديث أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالقُ كلِّ شيء، فمن خلَقَ
(1)
السياق: «فإذا قيل: هذا السؤال إنما يأتي
…
فقد لا تطمئن النفس».
(2)
البخاري (3276) ومسلم (134/ 214).
(3)
البخاري (7296) ومسلم (136).
الله؟ » لفظ البخاري في «الاعتصام» .
وفي «مسند أحمد»
(1)
من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو الأول، وفيه:«فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنتُ بالله ورسوله، فإن ذلك يذهب عنه» .
فمن أيقن بما قدَّمناه أولَ الرسالة من مرتبة الشرع فزع إليه، فوجد الشفاء من تلك الوسوسة. ومن لم يفزع إليه وحاول الاكتفاء بذلك الجواب، وهو أن ذلك السؤال لا يرِدُ أصلًا، جاءه الشيطان من طريق أخرى، فقال: إن كان هذا الذي تقول: إنه الموجد الحقيقي أو إنه واجبُ الوجود شبيهًا بهذه المحسوسات، فحكمُه حكمُها، وإلا فماذا عساه أن يكون؟ [2/ 286] فإذا دفع ذلك بنفي المشابهة المقتضية للافتقار، وكفَّ نفسَه عن التفكّر في تلك الذات المقدسة بحجة أنه لم يرها، ولا رأى ما تكون من جنسه، وما كان هكذا فلا سبيل إلى تصوره، فالأكمه لا يتصور الألوان حتى إنه لا يحلُم في نومه بأنه أبصر شيئًا= جاءه الشيطان من جهة أخرى، فاستعرض ما يُثبته العقل والشرع لله عز وجل، فيعمِد إلى أمرٍ من ذلك فيقول: إن ثبت هذا لتلك الذات كانت شبيهةً بهذه المحسوسات، فيلزم الافتقار. فأما من وفَّقه الله عز وجل، فإنه لا يعدَمُ مخلصًا. وأما المخذول فإنه يرى أنه مضطر إلى نفي ذلك الأمر، ثم يعمِد الشيطان إلى أمر آخر فيقول: وهذا كالأول، وهكذا حتى يأتي على عامة تلك الأمور، ومنها لوازم الوجود، فلا يبقى للإنسان إلا اعتقاد وجود يعتقد انتفاء لوازمه.
(1)
رقم (26203) بإسنادٍ اختُلِف فيه على هشام بن عروة عن أبيه. انظر تعليق المحققين على «المسند» و «العلل» لابن أبي حاتم (2/ 158، 159).
وقد لا يكتفي الشيطان منه بهذا، بل يقول له: وكيف تعقل مثل هذا؟ وما تظنه حجةً على الوجود قد جرَّبتَ أمثالَه في تلك الأمور. فليس هناك حجة، وإنما هي شبهاتٌ نسجتْهَا الأوهامُ والأغراضُ في العصور المظلمة. فكن حرَّ الفكر قويَّ الإرادة، وخلِّص نفسَك من تلك القيود والأغلال، فإنك في عصر العلم!
فهذه هي الحقيقة والغاية لتلك الوحدة التي موَّه ابن سينا عبارته عنها. فإنه يزعم أن ذات الله عز وجل ليست منفصلةً عن العالم ولا متصلةً به، ليست خارجةً عنه ولا هي فيه، ليست مباينةً له ولا محايثةً، لم تُوجد الذوات الأخرى حين وُجِدت خارجَ ذات الله عز وجل قريبًا أو بعيدًا، ولا داخلَ ذاته. والمتكلمون وافق أكثرهم ابن سينا على هذا الأصل، ثم يقع [2/ 287] الخلاف في التفريع. فابن سينا وموافقوه يقولون: لا قدرة لله عز وجل ولا إرادة ولا علم بالجزئيات. واستحيا بعضهم فقال: يعلم ذاته. وعندهم أنه لا شأن لله عز وجل بخلق ولا تقدير ولا اختيار ولا تدبير، بل عندهم أنه سبحانه ليس بربٍّ للعالم، وإنما هو السبب الأول لوجوده في الجملة.
وذلك أن أصول الموجودات عندهم أشياء قديمة: أحدها: وجود محض هو عندهم الواجب لذاته، أو قل:«الله» . الثاني: شيء نشأ عن الأول بدون قدرة للأول ولا إرادة ولا علم! ويسمون هذا الثاني «العقل الأول» . قالوا: ونشأ عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك، وهكذا إلى عشرة عقول، وتسع أنفس، وتسعة أفلاك! قالوا: والعقل العاشر هو العقل الفعال، وهو المدبِّر للعالم السُّفلي بواسطة الكواكب وتغيُّر مواضعها. ولا شأن عندهم لله تعالى بالموجودات البتة، خلا أنه كان في القدم سببًا محضًا
لوجود العقل الأول بدون قدرة ولا إرادة ولا اختيار ولا علم!
ومَن تدبَّر هذا علِمَ أن البعوضة فما دونها تملك من العلم والقدرة والإرادة والاختيار والتصرف ما لا يسمحون لله عز وجل بملْكِ عُشْرِ مِعشاره! تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. هذا مع ما في ترتيبهم المذكور ممّا هو على أصولهم ــ فضلًا عن غيرها ــ بغاية الاختلال، بل هو هوسٌ محض يخجَل العاقلُ من نسبة القول به إلى من يشاركه في الإنسانية!
وقولهم: إن ذات الواجب وجود محض، أُورِدَ عليه أن الوجود عندهم من المعقولات الثانية، وهي عندهم أمور معدومة؛ فعلى هذا تكون ذاته عندهم عدمًا، والعدم لا يكون سببًا لوجود. أجاب بعضهم بأن الوجود الذي هو ذات الواجب في زعمهم وجود خاص، وهو موجود؛ وإنما المعدوم الوجود المتعارف. قالوا: والداعي لهم إلى القول بأن ذات الواجب وجود خاص: أنها لو كانت شيئًا آخر احتاجت إلى ما يفيدها الوجود، فإن كان غيرها كانت ممكنة، أو بلسان الجمهور: مخلوقة. وإنْ كانت هي أوجدتْ نفسَها، فهذا محال.
وقد أطال المتكلمون البحث في هذا. ويمكن أن يقال على وجه الإلزام: ذاك الوجود الخاص إن لم [2/ 288] يكن متصفًا بهذا الوجود المتعارف، اتصف ضرورةً بنقيضه وهو العدم، والمعدوم مفتقر في أن يوجَد إلى غيره حتمًا. وإن كان متصفًا به وقعتم فيما فررتم منه!
وفي «حواشي عبد الحكيم» على «شرح المواقف»
(1)
: «الصواب
(1)
(2/ 141).
عندي أن لا إيجاد هاهنا بل هو اقتضاء الماهية للوجود، والمقتضي لا يلزم أن يكون موجِدًا. ألا ترى أن الماهيات مقتضية للوازمها وليست فاعلة لها
…
كيف والإيجاد الخارجي لابد له من موجود وموجِد في الخارج، وليس في الخارج هاهنا إلا الماهية المقتضية للوجود. واعتبارُ التعدد فيها باعتبار أنها من حيث هي موجِد، ومن حيث الاتصاف بالوجود موجَد، إنما هو في الذهن».
أقول: فمن فهم هذا وقنع به فذاك، وإلا فينبغي أن يدع التعمقَ، ويرجع إلى اليقين، وهو أن الله عز وجل هو الحق الذي لم يزل، وأنه خالق كلِّ شيء، وَلْيَستعِذ بالله وَلْيَنْتَهِ.
وقد سمعتُ بعض الأكابر يذكر عن جدِّ أبيه ــ وهو من المشهورين ــ أنه كان إذا ذُكِر له ما يسمِّيه المتأخرون «علم التوحيد» قال: «إنما هو علم التوحيل» .
أقول: وتلك المناقضات والمعارضات والوساوس بحر من الوحل لا ساحل له إلا من جهة [2/ 289] واحدة، فمن جاء من تلك الجهة فخاض في ذاك الوحل لم يزده الإمعانُ فيه إلا تورطًا. فالسعيد من أعانه الله عز وجل على الرجوع إلى الساحل.
والمقصود هنا أن المتفلسفين لما أصَّلوا ذاك الأصل، وهو أن ذات الله تعالى ليست منفصلةً عن العالم ولا متصلةً به، أمعنوا في النفي كما تقدم. فأما المتكلّمون الذين وافقوا على هذا الأصل، فيضطربون في التفريع، يُثبت أحدُهم أمرًا، فيجيء الذي بعده، فيجد أنه مضطَرٌّ إلى نفيه بمقتضى الاعتراف بذاك الأصل، وهكذا.
وعلى كل حال، فابن سينا نفسه معترف بأن تلك الوحدة تأباها العقول الفطرية ــ وهي عقول الجمهور ومنهم الصحابة والتابعون ــ وتقطع بأنَّ حاصلها العدم المحض. ويعترف بأن الشرائع جاءت بضد تلك الوحدة، وقد مرَّ كلامه. ويوافق عليه من يتعانى التحقيق من المتكلمين كما يأتي في مسألة الجهة عن الغزالي والتفتازاني. وإذا كان الأمر هكذا فلا ريب أنه لا وجه لحمل قولِ الله عز وجل «أحد» على تلك الوحدة، فلنطلب معنى آخر.
قال بعض السلفيين: إنه «الواحد في الربوبية والألوهية، لا ربَّ سواه، ولا إله إلا هو» . وهذا المعنى محتاج إلى التطبيق على السياق، وسبب النزول. وذلك ممكن بنحو ما مرَّ في «الواحد» ، لكن يبقى هنا سؤال وهو: لماذا جاء الاسم «الواحد» في القرآن معرَّفًا، وجاء «أحد» غير معرَّف؟
وهاهنا معنى ثالث. في كتب اللغة
(1)
أنه يُقال «رجل وَحَد: لا يعرف نسبُه وأصلُه» . وعن ابن سيده أنه يقال: «رجل أحد» بهذا المعنى. وفي «القاموس»
(2)
: «رجلٌ وَحَدٌ وأَحَد ــ محرَّكتَيْن ــ ووَحِد ووَحِيد ومتوحِّد: منفرد» . قال شارحه
(3)
: «وأنكر الأزهري قولهم: رجل أحد،
…
لأن أحدًا من صفات الله عز وجل التي استخلصها لنفسه». وفي «القاموس» (أح د)
(4)
: «الأحد بمعنى الواحد، أو الأحد لا يوصف به إلا الله سبحانه وتعالى» . قال
(1)
انظر «لسان العرب» (وحد).
(2)
(1/ 343).
(3)
«تاج العروس» (9/ 266) ط. الكويت.
(4)
(1/ 273).
الشارح
(1)
بعد قوله: الأحد: «أي: المعرَّف باللام الذي لم يُقصد به العدد المركب كالأحدَ عشرَ ونحوه» . ثم قال الشارح أخيرًا: «وهو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر. وقيل: أحديته معناها أنه لا يقبل [2/ 290] التجزِّي لنزاهته عن ذلك. وقيل: الأحد الذي لا ثاني له في ربوبيته، ولا [في] ذاته، ولا في صفاته» .
أقول: فالظاهر أن «وَحِد وأحد» الذي قالوا: إنه بمعنى لا يُعرف نسبُه وأصلُه، إنما حقيقته أنه بمعنى: منفرد. ثم لوحظ فيه التقييد، أي:«منفرد عمن يكون من نسبه وأصله» ، أي لا يوجد من يكون نسيبًا له. ولكن لما كان هذا ممتنعًا في الرجل، إذ لابد في غير آدم وعيسى من أن يكون له أب، ويغلب أن يكون له عم وابن عم وإن بعد وغير ذلك، وإنما غايته أن لا يَعرف نسبَه وأصله= عبَّروا بهذا. والمعنى الحقيقي ثابت لله تبارك وتعالى، فإنه لا نسيبَ له ولانسبَ البتة. وبهذا يتضح موافقة سبب النزول، وهو قول المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: انسُبْ لنا ربَّك. ولما كان هذا الوصف قد يطلق على غيره تعالى، بمعنى أنه لا يُعرف نسبه، وقد يطلق على آدم بمعنى أنه لا أب له وإن كان مخلوقًا من الطين، وكذلك عيسى وإن كان له نسب من جهة أمه، ونحو هذا يقال في الملائكة وأبي الجان= لما كان الأمر كذلك قيل:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ، ولم يقل:«الأحد» . وأكَّد ذلك أن المشركين لما قالوا: انسُبْ لنا ربَّك، اقتضى ذلك أنهم يزعمون أن الله عز وجل ليس أحدًا بذاك المعنى، بخلاف «الواحد» في الربوبية، فإنهم يعترفون به كما تقدم. وهذا المعنى هو المناسب لسبب النزول كما مرَّ، ومناسبته للسياق واضحة أيضًا.
(1)
(7/ 376).
وقوله سبحانه: {اللَّهُ الصَّمَدُ} تقدَّم في حديث البخاري
(1)
في رواية: «شتمُه إياي قولُه: اتخذ الله ولدًا، وأنا الصمد
…
». وفي حديث أبي العالية
(2)
: «فالصمد الذي لم يلد ولم يولد .. » . وأخرج ابن جرير
(3)
عن محمد بن كعب: «الصمد الذي لم يلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحد» . ويظهر أن المراد أن الصمد يستلزم أنه لم يلد ولم يولد. وتوجيه ذلك يُعلم مما يأتي:
أخرج ابن جرير
(4)
من وجهين صحيحين عن مجاهد قال: «الصمد: المُصْمَت الذي لا جوف له» . ومِنْ وجه صحيح عن الحسن البصري
(5)
قال: «الصمد: الذي لا جوف له» . ومن وجه صحيح عن سعيد بن جبير
(6)
سئل عن الصمد فقال: «الذي لا جوف له» . ومن وجه صحيح عن عكرمة
(7)
قال: «الصمد: الذي لا جوف له» . ومن وجه آخر صحيح عن عكرمة
(8)
أيضًا قال: «الصمد: الذي [2/ 291] لا يخرج منه شيء» . زاد في رواية
(9)
:
(1)
رقم (4974).
(2)
عند الترمذي (3364).
(3)
«تفسيره» (24/ 735).
(4)
المصدر نفسه (24/ 731).
(5)
المصدر نفسه (24/ 732).
(6)
المصدر نفسه.
(7)
المصدر نفسه (24/ 733).
(8)
المصدر نفسه (24/ 734).
(9)
المصدر نفسه.
«لم يلد ولم يولد» . ومن وجه صحيح عن الشعبي
(1)
قال: «الصمد: الذي لا يطعم الطعام» . وفي رواية
(2)
: «الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب» . ومن وجه فيه ضعف عن عبد الله بن بريدة عن أبيه
(3)
، قال عبد الله:«لا أعلمه إلا قد رفعه (يعني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الصمد: الذي لا جوف له» . ومن وجه فيه ضعف عن ابن عباس
(4)
قال: «الصمد: الذي ليس بأجوف» . ومن وجه ضعيف عن ابن المسيب
(5)
قال: «الصمد: الذي لا حِشْوةَ له» .
هذه الأقوال كلها تعود إلى مثل قول مجاهد، واستلزامُ هذا المعنى لنفي الولد والوالد ــ كما في حديث البخاري وحديث أبي العالية وقول محمد بن كعب ــ ظاهر. وذلك أن من يكون كذلك لا يمكن أن يكون له ولد على الوجه المعروف في التناسل أو نحوه؛ لأن ذلك يتوقف على أن يخرج من جوف الأب شيء يتكون منه الابن. وهكذا من كان كذلك لا يكون له أب، لأن الأب لابد أن يكون شبيه الابن في الذات، ففرضُ أبٍ للمصمَت الذي لا جوف له يستلزم نفيَ الأبوة. وهذا المعنى مع صحته عن أكابر من التابعين ــ كما رأيت ــ واضح المناسبة للسياق، ولحديثي البخاري وأبي العالية، ولتقديم «لم يلد» ؛ فإن دلالة هذا المعنى على أنه لم يلد أقربُ من دلالته على
(1)
المصدر نفسه (24/ 732).
(2)
المصدر نفسه.
(3)
المصدر نفسه (24/ 733).
(4)
المصدر نفسه (24/ 731).
(5)
المصدر نفسه (24/ 733).
أنه لم يولد، كما لا يخفى.
لكن أخرج ابن جرير
(1)
من وجه صحيح عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: «الصمد: السيد الذي قد انتهى سؤدده» . وقال
(2)
والسند عن أبي وائل فيه الأعمش، وهو مدلِّس مشهور بالتدليس، وربما دلَّس عن الضعفاء
(3)
.
والسند عن ابن عباس فيه كلام، وهو مع ذلك منقطع.
(1)
المصدر نفسه (24/ 735).
(2)
المصدر نفسه (24/ 736).
(3)
رواية الأعمش عن أبي وائل معتمدة في «الصحيحين» لاختصاصه به، فلا يضره وجود شيء من التدليس في غير روايته عن أبي وائل. ولو تنطَّعنا في رد رواية مَن رمي بشيء من التدليس لرددنا رواية كثير من الأئمة كمالك والثوري وغيرهما. راجع رسالة الحافظ ابن حجر في مراتب المدلسين. وأما رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فأقصى ما يكون من أمرها أن يكون أخذها عن مجاهد وابن جبير، وهما من خيار ثقات أصحاب ابن عباس، فاستندت إلى أقوى ركنين من أركان الرواة عن ابن عباس فزادت قوةً بما يُظن أنه يوهنها، ولذلك اعتمدها أئمة التفسير المأثور كابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما. والله أعلم. [م ع].
قلت: ما ذكر فضيلته في رواية الأعمش عن أبي وائل وجيهٌ، وكذلك رواية علي عن ابن عباس، إن ثبت أن بينهما مجاهد وسعيد [كذا]، ولكن أين السند بذلك؟ وما ذكره من اعتماد ابن جرير وابن أبي حاتم لروايته عن ابن عباس، فيه نظر، فإن مجرد الاعتماد على الرواية لا يدل على ثبوت إسنادها، لجواز أن يكون هناك ما يشهد لها من سياق أو سبب نزول، أو غير ذلك مما يسوغ به الاعتماد على الرواية مع كون إسنادها في نفسه ضعيفًا. على أنه ليس من السهل إثبات أن الإمامين المذكورين اعتمدا هذه الرواية في كل متونها، اللهم إلا إن كان المقصود بالاعتماد المذكور إنما هو إخراجهما لها، وعدم الطعن فيها، وحينئذ فلا حجة في ذلك لثبوت إخراجهما لكثير من الروايات بالأسانيد الضعيفة. وقد ذكرت بعض الأمثلة على ذلك من رواية ابن أبي حاتم في بعض تآليفي، منها قصة نظر داود عليه السلام إلى المرأة وافتتانه بها، وقصة هاروت وماروت، وقد خرَّجتهما في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» برقم (314/ 170).
على أنه لو سلمنا بما ذكره فضيلته من الاتصال، فلا يسلم السند إلى علي من كلام كما ذكره المصنف، مشيرًا بذلك إلى الضعف الذي عُرف به صالح كاتب الليث، ففي «التقريب»:«صدوق كثير الغلط، ثبْت في كتابه، وكانت فيه غفلة» [ن].
علي بن أبي طلحة أجمع الحفاظ ــ كما في «الإتقان»
(1)
عن الخليلي ــ على أنه لم يسمع من ابن عباس. وقال بعضهم: إنما يروي عنه بواسطة مجاهد أو سعيد بن جبير. ولا دليل على أنه لا يروي عنه بواسطة غيرهما. والثابت عنهما في تفسير الصمد خلاف هذا، [2/ 293] كما مرَّ.
لكن ابن جرير قال
(2)
: «الصمد عند العرب هو السيد الذي يُصمَد إليه، الذي لا أحد فوقه، وبذلك تُسمِّي به أشرافَها. ومنه قول الشاعر
(3)
:
(1)
(6/ 2332).
(2)
«تفسيره» (24/ 737).
(3)
هو سبرة بن عمرو الأسدي، والبيت في «مجاز القرآن» (2/ 316) و «جمهرة اللغة» (ص 657) و «سمط اللآلئ» (2/ 932). ونسبه ابن هشام في «السيرة» (1/ 572) إلى هند بنت معبد بن نضلة. وهو بلا نسبة في «معاني القرآن» للزجاج (5/ 378) و «إصلاح المنطق» لابن السكيت (ص 58) و «أمالي القالي» (2/ 288) و «تهذيب اللغة» (12/ 150) و «لسان العرب» (صمد، خير).
ألا بكَرَ الناعي بخيرَي بني أسَدْ
…
بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيِّد الصَّمَدْ
وقال الزِّبْرِقان
(1)
:
.............................
…
ولا رهينةَ إلا سيِّدٌ صمدُ
فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الكلمة المعنى المعروف من كلام مَن نزل القرآن بلسانه. ولو كان حديث ابن بريدة صحيحًا كان أولى الأقوال بالصحة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بما عنى الله جل ثناؤه وبما أنزل عليه».
أقول: الذي يدل عليه البيتان مع مراعاة الاشتقاق أن «صمد» بمعنى: مصمود إليه كثيرًا. فأما زيادة «الذي لا أحد فوقه» ، فتؤخذ في الآية من القصر الذي يقتضيه تعريفُ الجزئين. وهذا المعنى وإن كان كأنه أشهر في العربية، فالمعنى الأول معروف فيها، والاشتقاق يساعد المعنيين.
وفي «اللسان»
(2)
: «قال أبو عمرو: الصمد من الرجال: الذي لا يعطش ولا يجوع في الحرب، وأنشد:
(1)
كما في «مجاز القرآن» (2/ 316). وصدره كما في «تفسير القرطبي» (20/ 245):
*سيروا جميعًا بنصف الليل واعتمدوا*
(2)
مادة (صمد).
وساريةٍ فوقَها أسوَدٌ
…
بكفَّي سَبَنْتَى ذفيفٍ صَمَدْ
السارية: الجبل المرتفع الذاهب في السماء كأنه عمود، والأسود: العَلَم بكفِّ رجل شجاع».
أقول: وهذا على المبالغة، أي كأنه لا جوف له فيجوع ويظمأ.
وكفى دلالةً على صحة المعنى الأول ثبوتُ القول به عن أئمة التابعين، ثم هو الأوضح مناسبةً للسياق وسبب النزول. وذهب بعض الأجلة
(1)
إلى تصحيح كلا المعنيين. وهذا إما مبني على صحة استعمال اللفظ [2/ 294]
(1)
كأنه يعني به شيخ الإسلام ابن تيمية في «تفسير سورة الإخلاص» له. وتصحيحه للمعاني الواردة عن أئمة المفسرين من الصحابة والتابعين ليس من باب استعمال المشترك في معنيَيه أو معانيه، ولا من باب التخيير الإباحي، ولكنه رضي الله عنه صححها كلها لأنها متلازمة، وكل معنى منها وجه من وجوه معنى الصمد، فالسيد الذي كمل في سؤدده وعلمه وحلمه وحكمته وغناه هو الذي استغنى عن الطعام والشراب، وتعالى عن الجوف والبطن والمعدة والأمعاء.
وشيخ الإسلام يرى فيما نقل من أقوال السلف في التفسير أنها متلازمة متشابهة لا اختلاف فيها. وكثير منها بل أكثرها من باب التمثيل وتقريب المعنى، يذكر وجه من وجوهه ونوع من أنواعه، كما لو سألك أعجمي عن الخبز فأشرت إلى رغيف وقلت له هذا، وأشار غيرك إلى رغيف بشكل آخر وقال: الخبز هذا، وأشار ثالث إلى فطير أو بقسماط أو بقلاوة، وقال: مثل هذا؛ فتجتمع هذه التفاسير عند الأعجمي على معنى كلِّي أنه ما صُنع من دقيق الحب، ولو تنوَّعت كيفيات الصناعة، فكلها خبز أو من نوع الخبز أو شبيه به، وحينئذ فلا تعارض ولا تضاد ولا تناقض. وكذلك إذا تأملنا تفاسير السلف للصمد وجدناها متلازمة يشرح بعضها بعضًا ويبني بعضها بعضًا، تجتمع كلها على إثبات عظمة الله وتنزيهه عن النقائص. والله أعلم. [م ع].
المشترك في معنييه معًا، وإما على ما يشبه التخيير الإباحي، كأنه قيل: مَن فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب، ومن فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب.
والمتكلمون يقولون: إن المعنى الأول محال على الله عز وجل، لأن ذلك من صفات الأجسام. ولا شأن لنا الآن بهم، وإنما الكلام هاهنا فيما فهمه المخاطبون الأولون، وقد سمعتَ قول كبار التابعين المروي عن بعض الصحابة. ومن الواضح أنه لا ينافي المعاني التي ينكرها المتعمِّقون من آيات الصفات وأحاديثها. وكذلك المعنى الثاني لا ينافيها، وإنما حاصله أن الله سبحانه هو الذي يَعمِدُ الخلقُ إلى قصده فيما يهمُّهم. وحاصله أنه سبحانه المنفرد بالربوبية واستحقاق الألوهية.
قوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} واضح، ليس فيه ما ينافي تلك المعاني.
قوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} مرَّ في حديث أبي العالية
(1)
: «ولم يكن له شبيه ولا عِدْل وليس كمثله شيء» . وأخرج ابن جرير
(2)
من نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «ليس كمثله شيء، فسبحان الله الواحد القهار» . وأخرج
(3)
من وجه صحيح عن مجاهد قال: «صاحبة» . والمعنى الأول متضمن للثاني، والمنفي هاهنا هو الكفء. والمشاركة الإجمالية في الوجود والعالمية والقادرية وغيرها ليست مكافأة،
(1)
عند الترمذي (3364). وانظر «تفسير الطبري» (24/ 738).
(2)
«تفسيره» (24/ 738).
(3)
المصدر نفسه (24/ 739).
إذ الواقع إنما هو وجود ذاتي واجب كامل، ووجود مستفاد ممكن ناقص، وقِسْ على ذلك. فلو فُرِض أن تلك المشاركة يصح أن يطلق عليها مشابهة، فالمنفي هنا هو الشبيه المكافئ، فليس في هذا أيضًا ما ينافي المعاني التي ينكرها المتعمِّقون.
* * * *
[2/ 295] المقصد الرابع
المتكلم: أمهِلوني حتى أعيد النظر في المقاصد الثلاثة الأولى، وأفكِّر فيها.
الناقد: فليتكلم السلفي في بقية المقاصد: الرابع فما بعده.
السلفي: كان العرب الذين خوطبوا بالقرآن والسنة أولًا ــ كغيرهم من الناس ــ يعلمون بعقولهم الفطرية وما توارثوه عن الشرائع أن الله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. فكانوا يعلمون أنه سبحانه ليس بحجر ولا شجر ولا كوكب ولا إنسان ولا طائر ولا جنِّي ولا ملَك ولا مخلوق من المخلوقات التي عرفوها والتي لم يعرفوها، بل هو ربُّ كلِّ شيء وخالقُه. وقد شهد لهم القرآن بأنهم كانوا يعتقدون وجود الله عز وجل وربوبيته، وأنه الذي يرزق من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدبِّر الأمر كلَّه، وله الأرض وما فيها. ربُّ السماوات السبع، وربُّ العرش العظيم، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه. خلَقَ السماوات والأرض، وسخَّر الشمس والقمر. يبسط الرزق لمن يشاء ويَقدِر له. ينزِّل من السماء ماء، فيُحيي به الأرض. خلَقَ السماوات والأرض، وهو العزيز العليم. إلى غير ذلك. انظر سورة (يونس): 31، وسورة (المؤمنون): 84 - 89، وسورة (العنكبوت): 61 - 63، وسورة (الزمر): 38، وسورة (الزخرف): 9 و 87، وسورة (البقرة): 21 - 22 و «تفسير ابن جرير» (ج 1 ص 126)
(1)
.
(1)
(1/ 393) ط. دار هجر.
وكانوا كغيرهم من أصحاب العقول الفطرية يعقلون أن لله سبحانه وتعالى ذاتًا قائمة بنفسها، ولم يكن ذلك موجبًا أن يتوهَّموا أنه من جنس ما يرونه ويلمسونه، ولا مماثلًا لشيء من ذلك. فقد كانوا يعتقدون وجود الجن والملائكة، وأنها قد تكون بحضرتهم، وهم لا يرونها، ولا يسمعون كلامها، ولا يُحسُّون بمزاحمتها لهم. ويعلمون أن الله عز وجل أعلى وأجلُّ وأبعدُ عن مماثلة ما يرونه ويلمسونه. وكانوا كغيرهم من الناس يعلمون أن الموجود القائم بنفسه حقيقةً لا يمكن أن يكون لا داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، لا قريبًا من غيره من [2/ 296] الذوات ولا بعيدًا عنها. فكانوا يعتقدون أن الله تبارك وتعالى فوق عرشه الذي فوق سماواته.
ولم يكونوا إذا قيل لهم: يد الله ــ مثلًا ــ ليفهموا من ذلك يدًا كأيديهم، فإنهم يعلمون أن المضاف يختلف باختلاف المضاف إليه. يقال: رأس نحلة، رأس جرادة، رأس حمامة، رأس إنسان، رأس حصان؛ فيختلف كما ترى، فما بالك بنحو «يد الله» ؟ مع ما قدَّمنا أنهم كانوا يعلمون أنه تعالى ليس بإنسان ولا جنِّي ولا ملَك، ولا مماثل لشيء من ذلك ولا لغيرها من مخلوقاته؛ وأنه أعلى وأجلُّ وأكبر من ذلك كلِّه، وأنهم كانوا يعتقدون وجود الجن والملائكة، وأنها قد تكون بحضرتهم، لا يرونها ولا يسمعون كلامها ولا يدركون لها حسًّا ولا أثرًا. ويعلمون أن الله تبارك وتعالى أعلى وأجلُّ وأبعد عن مماثلة المحسوسات.
والإنسان إذا كان يعرف المضاف إليه أو مثلَه أمكنه تصوُّرُ المضافِ تحقيقًا أو تقريبًا، يتأتى معه أن يقال: مثل، أو شبيه، وإلَّا لم يبقَ هناك إلا أمر إجمالي. فإذا كان المضاف إليه هو الله عز وجل لم يتصور من يده مثلًا إلا ما
يليق بعظمته وجلاله وكبريائه. فلا يلزم من تلك المشاركة الإجمالية أن تكون يدُه مثلَ المخلوق ولا شبيهةً بها بمقتضى لسان العرب الفطري، فإنه لا يُطلق في مثل ذلك «ذاك شبيه بهذا». وقد سبق في أواخر الكلام على قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ما ينبغي تذكُّره.
فينبغي استحضار هذا، لئلا يُتوهَّم أن العرب كانوا يعتقدون أن لله عز وجل يدين: يَدَيْ إنسان أو مثلهما، أو يجوِّزون ذلك، أو فهموا ذلك من قول الله تعالى:{خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]. وقِسْ على هذا، فإن كان في بعض النصوص ما يُوهم ظاهرُه المماثلةَ، فعقول القوم كانت قرينة كافية لصرفه عن ذلك، إلا أن تكون مماثلةٌ في مطلق أمر، فهذه قد تقدَّم تحقيقُها في الكلام على قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
قال السلفي: وليست جميعُ النصوص المتعلقة بالعقائد موافِقةً لما كان عليه العرب، فقد كانوا ينسبون إلى الله تعالى الولد، وينكرون البعث، إلى غير ذلك مما ردَّه عليهم القرآن.
* * * *
[2/ 297] المقصد الخامس إلى الثامن
قال السلفي: لسنا نلتفت إلى دعوى ابن سينا ومن وافقه ولا إلى نظرهم المتعمَّق فيه، بل نقول: كلُّ ما كان حقًّا في نظر المأخذين السلفيين فهو حق، وكلُّ ما كان باطلًا في نظرهما فهو باطل. وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية، وبذلك تسقط دعواهم وما بُني عليها.
وحاصل كلام ابن سينا ومن وافقه إنما هو نسبة الكذب إلى الله تبارك وتعالى في كثير مما أخبر به عن نفسه وغيبه، وإلى الرسول في كثير مما أخبر به عن ربه. فإن منهم من اعترف، ومنهم من تقوم عليه الحجة بأن من تلك النصوص في دلالتها على المعنى الذي يزعمون بطلانَه ما هو ظاهر بيِّن، وما هو صريح واضح، وما هو مؤكد مثبت؛ مع أنه ليس في المأخذين السلفيين ما يصح أن يُعدّ قرينةً تَصرف أفهامَ المخاطبين الأولين ومن كان مثلهم عن فهم تلك الظواهر، بل فيهما ما هو واضح كلَّ الوضوح في تثبيت تلك الظواهر.
ولا يقتصر أمرهم على هذا، بل يلزمه أن يتناول الكذبُ في زعمهم جميعَ النصوص الواردة في الثناء على الله عز وجل، وعلى رسوله، وعلى كتابه، وعلى دين الإسلام= بالصدق والحق والهداية والبيان والإبانة ونحو ذلك، كقول الله عز وجل:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] وغير ذلك مما لا يحصى.
ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة تنزيهُ الله عز وجل عن الكذب، وتنزيه أنبيائه عن الكذب عليه، أي فيما أخبروا به عنه أو عن دينه. وقد تقدم الكلام في ذلك، وفيه بيان تنزُّههم عن تعمُّدِ الكذب فيما عدا ذلك. فإن ثبت
أن كلمات إبراهيم عليه السلام مما يُطْلَق عليه اسمُ الكذب، فالظاهر أنها كانت قبل النبوة كما مرَّ. وبالجملة فهي أشدُّ ما حكي عن الأنبياء، فقد سمَّاها إبراهيم ومحمد عليهما السلام «كذبات» ، وسُمِّيت في الحديث
(1)
«خطايا» ، ويرى إبراهيم عليه السلام أنها تقعد به عن رتبة الشفاعة في المحشر، وتقتضي أن يستحيي من ربِّه عز وجل.
وأرى أن أوازن بين تلك الكلمات وبين النصوص التي زعم المتعمِّقون بطلانَ معانيها [2/ 298] الظاهرة، ليتضح للناظر أنه يلزمهم أن يكون إبراهيم أصدقَ من ربِّ العالمين ــ لا من محمد فحسب ــ بدرجات لا نهاية لها. وذلك من وجوه:
الأول: أن كلمات إبراهيم ثلاث فقط، لم يقع منه طول عمره غيرُها. وتلك النصوص تبلغ آلافًا، على أنهم يزعمون أن نصوص التوراة وسائر كتب الله عز وجل كذلك.
الثاني: أن كلمات إبراهيم في مقاصد موقتة، وتلك النصوص تعُمُّ الأزمنةَ إلى يوم القيامة.
الثالث: أن كلمات إبراهيم تتعلق بالذين خاطبهم فقط، وتلك النصوص تعُمُّ حاجةَ الناس إليها إلى يوم القيامة.
الرابع: أن كلمات إبراهيم في مقاصد دنيوية، ليس فيها إخبار عن الله عز وجل ولا عن دينه؛ وتلك النصوص في أصل الدين وأساسه.
الخامس: أن إبراهيم لم يكن عند الذين خاطبهم نبيًّا، فيشتدَّ وثوقُهم
(1)
حديث الشفاعة الطويل الذي سبق تخريجه.
بخبره، وفي الحديث
(1)
: «كبرتْ خيانةً أن تحدِّث أخاك حديثًا هو لك به مصدِّق، وأنت له به كاذب» . وتلك النصوص مخاطَب بها المسلمون الذين يؤمنون بأن القرآن كتاب الله وأن محمدًا رسول الله.
السادس: أن إبراهيم لم يكن قد التزم لمخاطبيه أن لا يحدِّثهم إلا بالصدق، وتلك النصوصُ في الكتاب والسنة، وقد قال تعالى:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]، {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} [الزمر: 33] وغير ذلك.
السابع: أن كلمات إبراهيم قريبةُ الاحتمال للمعنى الواقع، وتلك النصوصُ أكثرها بغاية البعد عما يزعم المتعمِّقون أنه الواقع.
الثامن: أنَّ كلمات إبراهيم لم تؤكَّد، وتلك النصوص كثير منها مؤكَّدة فيما هي ظاهرة فيه غايةَ التأكيد.
التاسع: أنَّ كلمات إبراهيم لم تُكَرَّر، وتلك النصوص تكرَّر كثيرٌ منها في الكتاب والسنة.
[2/ 299] العاشر: أن حال إبراهيم كانت ظاهرةً للمخاطبين، مقتضيةً أن يترخَّص في إيهامهم. وتلك النصوصُ على خلاف ذلك، فلم تكن حالُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقتضي إلا الصدق المحض، فأما ربُّ العالمين فما عسى أن يقال فيه!
(1)
أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (393) وأبو داود (4971) من حديث سفيان بن أسيد الحضرمي، وإسناده ضعيف. وأخرجه أحمد في «مسنده» (17635) من حديث النواس بن سمعان، وإسناده ضعيف جدًّا.
الحادي عشر: أن إبراهيم احتاج إلى تلك الكلمات، ولم يكن يمكنه قبلَ ذلك الاستعدادُ لتلك الحوادث بما يُغنيه عن تلك الكلمات أو نحوها. وتلك النصوصُ على خلاف هذا لو لم تكن حقًّا. فإن الله عز وجل إنما خلق الناس لعبادته، كما تقدَّم تقرِيرُه أوائلَ الرسالة، فلو كان الحق في نفس الأمر ما يزعمه المتعمِّقون لَخَلَق الله تعالى الناسَ على الهيئة التي تُرشِّحُهم لإدراك ذلك بدون صعوبة شديدة. وذلك بأن يزيد في عقولهم ويُهيِّئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما يقرِّب إدراكَ الحق إلى أذهانهم، حتى إذا خاطبهم به في كتبه، وعلى ألسنة رسله، ونبَّههم على الدلائل القريبة في ذلك= أمكن مَن يُحِبُّ الحقَّ منهم ويرغب فيه أن يفهم ذلك ويُدركه.
فنقول للمتعمِّقين: ألم يعلم الله عز وجل ما يكون عليه حال الناس؟ أم علِمَ ولكن لم يَقْدِر على أن يخلقهم على الهيئة المذكورة ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما ذكر؟ أم علِمَ وقَدَر، ولكن لم يعبأ باقتضاء الحكمة، فاضْطُرَّ سبحانه ــ وحاشاه ــ أخيرًا إلى الكذب والتلبيس الذي يُوقعُ الناسَ في نقيض ما خلقهم لأجله في الأصول، وحرصًا على أن يقبلوا بعض الفروع؟
(1)
هذا مع ما يترتب على ذلك من المفاسد كما يأتي.
الثاني عشر: أن كلمات إبراهيم كان إبراهيمُ محتاجًا إليها حاجةً محقَّقة، وتلك النصوص ــ لو لم تكن حقًّا ــ على خلاف ذلك، فإن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بوجود الله وربوبيته وغير ذلك، كما سلف في الجواب عن المقصد الرابع. فلو بنى الشرعُ أولًا على ما كانوا يعترفون به مما يعترف المتعمِّقون أنه حقٌّ في نفس الأمر، وعلى ما يُشبهه ويقرُب منه، وسكت عن
(1)
كذا العبارة في (ط)، وفيها خلل أو نقص.
غيره مما تأباه عقولهم= لم يكن في ذلك ما ينفِّرهم عن قبول الشرع، فأيُّ حاجة دعت إلى أن يخاطَبوا بما يزعم المتعمِّقون أنه باطل؟
بل أقول: لو جاءهم الشرع بالأصل الجامع في الجملة لما يزعمه المتعمِّقون، وهو أن الله [2/ 300] عز وجل ليس داخلَ العالم ولا خارجه، ثم كرَّر الدعوةَ والاستدلالَ كما صنع في إثبات ما كانت عقولهم تأباه من قدرة الله عز وجل على حشر الأجساد، وكما صنع في نفي ما كانت عقولهم تتقبله أو تُوجبه من أن لله عز وجل ولدًا= لكان فيهم من يخضع لذلك، ثم لا يزالون يزدادون. وأنت ترى من لا يحصى من المنتسبين إلى العلم وطلبه قبلوا ذاك الأصل الجامع وبعض فروعه ممن أحسنوا به الظنَّ من المتكلمين، فقلَّدوه في ذلك، وتعصبوا له، وعادَوا من يخالفه، غير مبالين بعقولهم، ولا بنصوص الكتاب والسنة، ولا بمخالفة من هو أجلُّ عندهم ممن قلَّدوه.
وقد جاء أفراد بمقالات تنبذها العقول الفطرية، ويردُّها النظر المتعمَّق فيه، ومع ذلك تبعهم من لا يحصى. والعرب إنما كانوا يستندون في إنكار ذاك الأصل إلى عقولهم الفطرية، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندهم أوسطهم نسبًا، وأفضلهم خلقًا، معروفًا بينهم بالصدق والأمانة والعدل وحبِّ الحقِّ والحرصِ عليه، لا يريد رياسةً ولا جاهًا. ثم جاءهم بالمعجزات، فلو جاءهم بذاك الأصل ونحوه، أما كان يجد منهم من يقلِّده ويتَّبعه، كما وَجَد المتعمِّقون والأفراد الآخرون، بل كما وَجَد الرسولُ نفسُه في نفي نسبة الولد إلى الله عز وجل، وفي إثبات حشر الأجساد؟ وسيأتي في الجواب عن المقصد العاشر زيادة على هذا.
وهَبْ أن الحاجة دعت إلى إظهار موافقتهم على ما يخالف ذاك الأصلَ
وبعضَ فروعه، وأنه ساغ ذلك؛ فقد كان يكفي نصٌّ أو نصَّان أو ثلاثة مما هو ظاهرٌ في غير ما يوافقهم محتملٌ لما يوافقهم، فيحملون ذلك على ما يوافقهم بمقتضى عقولهم وأهوائهم. فإن كان ولابد، فممَّا يحتمل المعنيين على السواء، أو يكون ظاهرًا فيما يوافقهم ظهورًا ضعيفًا، غايته أن يكون نحو كلمات إبراهيم. فما بال الكتاب والسنة مملوءين بتلك النصوص التي يزعم المتعمِّقون أن ظاهرها باطل، ومنها ما هو ظاهر بيِّن، وما هو صريح واضح، وما هو محقق مثبت مؤكد، فهل كانت الضرورة تدعو إلى ذلك كله؟
الثالث عشر: كلمات إبراهيم لم تقتض الحكمةُ أن يتداركها بالبيان في الدنيا، لأنها كانت في قضايا موقتة، ولم تترتب عليها مفسدةٌ ما كما تقدم. وتلك النصوص لو كانت كما
(1)
يزعم [2/ 301] المتعمقون لاقتضت الحكمة اقتضاءً باتًّا أن يُتْبِعها الشرعُ بما يبيِّن الحق، ولم يقع من هذا شيء. فأما الإشارات المذكورة في المقصد الثالث، فقد مرَّ الكلام فيها.
فإن قيل: وكَلَهم الشرعُ إلى العقل.
قلنا: العقل الفطري يوافق تلك النصوص كما تقدم، والنظر المتعمَّق فيه جاء في الشرع التنفيرُ عنه وعن أهله. هذا مع الأمر المؤكَّد بالوقوفِ مع الكتاب والسنة والاعتصام بهما، والحكم بالزيغ والضلال والكفر على من خالفهما، وتأكيدِ أنَّ الحقَّ كلَّه فيهما وأنَّ الدين قد كمل بهما، والأمرِ بالرجوع عند التنازع إليهما، وبيانِ أن الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الرسول يهدي إلى صراط مستقيم، وغير ذلك.
(1)
(ط): «لما» تحريف.
الرابع عشر: كلمات إبراهيم عليه السلام يظهر من تسميتها خطايا، ومِن خجله واستحيائه من ربِّه في المحشر من أجلها أنه ندِمَ عليها في الدنيا، وعزَمَ أن لا يعود إلى مثلها. وتلك النصوص لم يَرِدْ ما يشير إلى ندَمِ محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أجلها، بل الواردُ خلاف ذلك. فأما الربُّ عز وجل فهو عالم الغيب والشهادة.
الخامس عشر: أن كلمات إبراهيم لم تترتَّب عليها مفسدةٌ ما، بل ترتَّبَ عليها درءُ مفاسد عظيمة، وتحصيلُ مصالح جليلة. فقوله:«هي أختي» ترتَّبَ عليها سلامةُ إبراهيم من بطش الجبار، وسلامةُ الجبار وأعوانه من ذاك الظلم. وقوله:{إِنِّي سَقِيمٌ} [بالصافات: 89] ترتَّبَ عليها تمكُّنُه من تحطيم الأصنام، وما تبع ذلك من إقامة الحجة. والثالثة ترتَّبَ عليها إقامةُ الحجة على عُبَّاد الأصنام حتى اضطُرُّوا إلى الاعتراف، فقال بعضهم لبعض:{إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء: 64]. وأما النصوص التي يكذِّب المتعمِّقون معانيها التي هي فيها ما بين ظاهرٍ بيِّنٍ، وصريحٍ واضحٍ، ومحققٍ مؤكدٍ؛ فإن كانت كما يزعم المكذِّبون فقد ترتَّب عليها مفاسد لا تحصى:
الأولى: لزوم النقص، كما تقرَّر في الوجوه السابقة، حتى لو لم يخلق الله تعالى الناسَ لما لزم مثلُ ذاك النقص، ولا ما يقاربه، بل لا يلزم نقصٌ البتة فيما أرى.
الثانية: تثبيت الاعتقاد الباطل في أصل الدين، وحملُ الناس عليه.
[2/ 302] الثالثة: حملُ كثير ممن يسمِّيهم ابنُ سينا «الخاصة» ــ وهم المتعمِّقون في النظر العقلي ــ على تكذيب الشرع البتة، لأنهم يرون فيه تلك
النصوص التي يرون أن معانيها باطلة، فيقولون: لو كان هذا الشرع حقًّا ما جاء بالباطل، والله تعالى أعزُّ وأجلُّ مِن أن يجهل أو يكذب، والأنبياءُ الصادقون لا يجهلون ربَّهم ولا يكذبون عليه. واعتذار ابن سينا باطل كما ترى.
فإن قيل: أما هذه المفسدة، فهي حاصلة على كل حال.
قلت: لكن إن كانت النصوص كما يقول المكذِّبون كانت تبعةُ هذه المفسدة عليها. فأما إذا كانت حقًّا ــ كما يقول السلفيون ــ فإن تبعة هذه المفسدة تكون على التعمُّقِ في النظر، وتقديمِ ما يلوح منه على الفطرة والعقول الفطرية وكلام الله وكلام رسوله. وبعبارة أخرى تكون تبعتُها على اتباع الهوى، وإيثاره على الحق، ويكون ذلك بالنظر إلى الشرع مصلحة.
الرابعة: حملُ أشدِّ المؤمنين إخلاصًا، وأقواهم إيمانًا بالله ورسوله، وألزمِهم اعتصامًا بالكتاب والسنة= على تضليلِ أو تكفيرِ من يُظهر خلاف ما دلَّتْ عليه تلك النصوص من «الخاصة» ؛ وحملُ «الخاصة» على تجهيل أولئك المخلصين وتضليلهم والسخرية منهم.
ومن أعجب العجب أن الفريقين إذا علما ما في الافتراق في الدين من الفساد طلبا من الدين نفسِه الذي أوقعهما ــ على زعم المتعمقين ــ في الافتراق، وقد زجر عنه، أن يدلهما على المخلص، فلا يجدان إلا قول الله عز وجل:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
فيتداعى الفريقان إلى تحكيم الكتاب والسنة. فأما السلفيون، فيقولون: ذلك ما كنا نبغي. وأما «الخاصة» ، فيعلمون أنهم إن أجابوا قضى الكتاب
والسنة قضاءً باتًّا بتلك النصوص، وإن أعرضوا تلا السلفيون ما يلي تلك الآية:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61]. [2/ 303] وقوله بعد ذلك: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
الخامسة: أن وقوع الكذب في بعض النصوص الشرعية يفتح الباب لتكذيب الشريعة كلِّها، حتى على فرض قبول اعتذار ابن سينا. هذا هو نفسه لما علم أن المتكلمين يوافقونه في بعض النصوص الاعتقادية فيزعمون أن ظواهرها باطلة جرَّ ذلك إلى نصوص أخرى في العقائد، ثم إلى نصوص تتعلق بالملائكة والنبوة والأرواح، ثم إلى النصوص المتعلقة بالبعث والنشور والجنة والنار وغير ذلك. ثم ختم بأن قضى على كل من يريد أن يكون من «الخاصة» بأن لا يلتفت إلى الشرع فيما للرأي فيه مجال. ففتح البابَ بمصراعيه، ومهَّد لأصحابه الباطنية وغيرهم.
ولا ريب أنه لو جاز أن يكون في النصوص الشرعية كذب وتلبيس دعت إليه مصلحةٌ ما، وإن عارضتها عدة مفاسد، لم يسلم نصٌّ من النصوص من احتمال ذلك. وإنما حاصل هذا أن الشرع باطل، وأن الأنبياء إنما اتبعوا أهواءهم. وأحسنُ أحوالهم عند «الخاصة» أن يكونوا اتّبعوا تخيلاتهم.
والحقُّ الذي لا يرتاب فيه مؤمن: تنزيهُ الله عز وجل وكتبه ورسله عما
يقول الظالمون الذين يسمُّون أنفسهم «الخاصة» ، وأن اتباع الأهواء والتخيلات هي صفة أولئك الفجار. {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ} ثم لرسله
(1)
{الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60].
* * * *
(1)
بل المثل الأعلى لله وحده، وهو تفرده بالصمدية والسؤدد والكمال، وتنزُّهه عن كل عيب ونقص وشَين وذم. فالكُتَّاب العصريون الذين استعملوا المثل الأعلى في مطمح النظر والكمال المرجوِّ لمن يتطلبه قد حرفوا المثل الأعلى عما أراده الله منه. والتعبير الأوفق لمعنى المثل الأعلى أن يقال: ولله المثل الأعلى في الوصف بالكمال، ولرسله البيان الواضح والبلاغ المبين فيما أخبروا عن الله ووصفه كما قال تعالى:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182]. قال الشيخ ابن تيمية ما معناه: «نزَّه نفسه عما وصفه به المبطلون، وسلَّم على المرسلين لسلامة أقوالهم عما لا يليق بالله تعالى إثباتًا ونفيًا، وحمد نفسه على وصفه بربوبية رب العالمين» اهـ ملخصًا بالمعنى في تفسير الآية من «الواسطية» . وأما استنكار وصف غير الله تعالى بأنه له المثل الأعلى، فقد استفدته من محاورة بعض شيوخ الهند المحققين. والله أعلم. [م ع].
[2/ 304] المقصد التاسع
قال السلفي: المقصد التاسع مبنيٌّ على ما قبله، وقد عُلِم حالُه. وما ذُكِر من أن الفرض على هؤلاء كذا وعلى هؤلاء كذا، لم يذكره ابن سينا؛ ولكنه قد يؤخذ من كلامه. وقد نحا الغزالي في بعض كتبه قريبًا من هذا المنحى. وصرَّح به ابن رشد في كتبه
(1)
، وزاد، فأوجب على «الخاصة» أن يكتموا نتائج تعمُّقهم المخالفة للدين، وأن إظهارها كفر لأنَّه يحمل العامةَ على الكفر.
وأقول: كان الحق على المتعمِّقين عند ما يرون مخالفةَ بعض نتائج تعمقهم للدين أن يعملوا بنصيحة ذاك الفريق من الفلاسفة القائلين: إن النظر المتعمَّق فيه لا يوثق به في الإلهيات، كما تقدَّم في الباب الأول. وحينئذ يحصرون تعمُّقَهم في البحث عن الطبيعيات ونحوها، فإن أبى أحدهم فَلْيقصُرْ داءه على نفسه، فلا يعلِّم ولا يصنِّف ولا يناظر. فإن اضطُرَّ إلى الذبِّ عن الدين فَلْيَخلُ بمن يطعن في الدين، وَلْيقل له: لم يَخْفَ عنَّا ما بدا لك، ولكن عرفنا ما لم تعرف. فإن الشرائع الحقة جاءت بما تنكره، فإما أن يكون الحق ما جاءت به؛ إذ من المحال أن يخطئ الله وأنبياؤه، وتصيبَ أنت بنظرك الذي قد جرَّبتَ عليه الخطأ والغلط غير مرة. وإما أن تكون الشرائع جاءت بما يُصلح الجمهورَ على علمٍ بما فيه. وعلى كلا الحالين لا ينبغي معارضتُها، فإن أبيتَ فإني أرى عليَّ أن أردَّ عليك، وأقدح فيما تستدل به.
أقول: ومَنْ تأمَّلَ طرقَ استدلالهم ومناقضاتهم ومعارضاتهم عَرَفَ أنه لا
(1)
انظر «الكشف عن مناهج الأدلة» (ص 45) طبعة دار الآفاق، بيروت.
يصعب على الماهر في كلامهم الدفاعُ عن تلك النصوص، ولو فَعَلَ مع اعتقاده خلافها لم يكن عليه عند نفسه غضاضةٌ في علمه ولا دينه إن كان متدينًا، لأنه إنما رضي لنفسه من ذلك ما يرى أن ربَّ العالمين رضيه لنفسه ولأنبيائه ورسله. وقد وبَّخ الله عز وجل المشركين في قولهم: إن له سبحانه بناتٍ مع كراهيتهم أن تكون لهم بنات. قال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21 - 22]. وقال سبحانه: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ [2/ 305] لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 16 - 18].
مع أن المشركين ــ فيما أرى ــ حاولوا التنزيه، لأنهم رأوا أن الابن من شأنه أن يشارك أباه في مُلكه، بخلاف البنات فإنهن كنَّ في عرفهم مطرَّحات. وصنيع أولئك الذين يسمُّون أنفسهم «الخاصة» أسوأ من ذلك، إذ يزعمون أن الله تبارك وتعالى رضي لنفسه ولرسله الكذبَ والتلبيسَ، ثم لا يرتضون مثل ذلك لأنفسهم، بل يتنزَّهون عن ذلك جهدَهم، مع علمهم بأن صنيعهم مناقضٌ لما يقولون إن صلاحَ الناس فيه، ومُوقِعٌ فيما يقولون إنه فساد عظيم. فليتهم إذ لم يسمح لهم شرفُ أنفسهم في زعمهم أن يتلوَّثوا بما يزعمون أن الله عز وجل ارتضاه لنفسه ولرسله، سكتوا عن مناقضة ما جاء به الشرع، وتركوا المسلمين ودينهم. لكن الله تبارك وتعالى أراد أن يهتك أستارهم، ويبلو بهم كما ابتلاهم. قال تعالى:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} فاتحة العنكبوت.
المقصد العاشر
قال السلفي: لا ريب أن شبهة ابن سينا في أمر الحشر أقوى من شبهته في شأن الاعتقاد في ذات الله تعالى وصفاته. فلو ساغ الكذب في شأن الاعتقاد لكان في شأن الحشر أسوَغ، لأن فحشه أخفُّ، والحاجة إلى التشديد في الترغيب والترهيب ظاهرة؛ فإلزامه للمتكلمين في محلِّه. فأما السلفيون فلا سلطان له عليهم، كما لا يخفى.
ومع أن شبهة ابن سينا داحضة لمعارضتها اليقينَ الضروري، ففيها خلل من جهاتٍ تُعلَم مما تقدَّم. ويختص بقضية حشر الأجساد أن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بحياة الروح بعد موت الجسد، ويقولون: إن روح المقتول تبقى تنوح على قبره حتى يؤخذ بثأره، كما هو معروف في أشعارهم. وقد جاء الكتاب والسنة بأشياء من حال الأرواح تصرِّح بحياتها منفصلةً عن الجسد، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين ولا المشركين. فقد كان من الممكن أن يوسَّع [2/ 306] القولُ في نعيم الأرواح وعذابها بدون تعرُّضٍ لما كان العرب ينكرونه من حشر الأجساد. بل لو كان المقصود إنما هو اجترارهم إلى قبول الشرع العملي لما ذُكِر لهم حشرُ الأجساد، فإنه من أشدِّ ما صدَّهم عن الإسلام. قال الله عز وجل:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 7 - 8].
وقال تعالى: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء: 49، 98].
كانوا يكذِّبون بالمعجزات قائلين: إنها سحر، محتجِّين بأن الذي ظهرت على يده يخبر بما لا يُعقَل من حشر الأجساد. وانظر (الصافات) أيضًا: 53 و (المؤمنون): 35 و 82 و (الواقعة): 47.
مهمة
قد يفسَّر حشرُ الأجساد بجمع أجزائها المتفرقة، وقد يفسَّر بإنشاء أجساد أخرى، والنصوص الشرعية تدل على أمر جامع لهذين. وقد أُورِد على الأول أن الأبدان في الدنيا تنمو وتتحلَّل فتفارقها أجزاء وتتعوض أجزاء أخرى، ولا تزال هكذا، ثم تَبلَى بالموت، وتتفرق فتدخل أجزاء من هذا البدن في تركيب أبدان أخرى وهلم جرًّا. وإعادةُ تلك الأجزاء أعيانها في جميع تلك الأبدان، بأن تكون هي أعيانها في هذا، وهي أعيانها في ذاك، في وقت واحد= غيرُ معقول. فإن أعيدت في بعضها، فلم يعد غيره على ما كان عليه. وأيضًا فقد تكون الأجزاء من بدن مؤمن، ثم تصير من بدن كافر، وعكسه. وأجيب بأن المُعاد في كل بدن إنما هو أجزاؤه الأصيلة. ونوقش في هذا بما هو معروف.
[2/ 307] أقول: النصوص لا تدل على إعادة هذه الأجزاء كلِّها في كلِّ بدن في وقت واحد، وإنما تدل على الإعادة في الجملة، وإذا تدبرنا الحكمة في الإعادة أمكننا أن نفهم التفصيل تقريبًا.
فمن الحكمة إظهار قدرة الله عز وجل على الحشر، وتصديق خبره بأنه
واقع. وهذه الحكمة إنما تستدعي الإعادة في الجملة، وذلك يحصل بما يأتي قريبًا.
ومنها: أن ينال الجزاء هذه الأجزاء، وهذا غير متحتم؛ لأن الكاسب المختار للطاعة أو المعصية، والمدرك لأثرها في الدنيا والمدرك للذة الجزاء أو ألمه في الأخرى هو الروح، وإنما البدن آلة لها. غاية الأمر أنه إذا كانت آلة الكسب هي آلة الجزاء كان ذلك أبلغ في كمال العدل، فليكن من ذلك ما يمكن. وقد جاءت عدة نصوص تدل أن أبدان أهل الجنة والنار يكون بعضُ البدن منها أو كلُّه من غير الأجزاء التي كان منها في الدنيا. ففي «الصحيحين»
(1)
في قصة الذين يخرجون من النار «فيخرجون قد امتَحَشُوا وعادوا حُمَمًا، فيُلْقَون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حَميل السيل
…
». وجاءت عدة أحاديث أن أهل الجنة يكونون كلهم على صورة آدم طوله ستون ذراعًا. راجعها في «الباب التاسع والثلاثين» من «حادي الأرواح»
(2)
.
وقال تبارك وتعالى في أهل النار: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56].
وفي «صحيح مسلم»
(3)
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما بين منكِبَيِ الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع» .
(1)
البخاري (6573) ومسلم (182) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
(ص 313 - 318).
(3)
رقم (2852).
وقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
وفي «صحيح مسلم»
(1)
من حديث ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: أمَا إنَّا [2/ 308] قد سألناه عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلَّقة بالعرش تَسْرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلَع إليهم ربُّهم اطِّلاعةً
…
». أخرجه عن جماعة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود. وقد أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (ج 4 ص 106 - 107)
(2)
من طريق شعبة ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن الأعمش بسنده أنهم سألوا عبد الله بن مسعود فقال: «أرواح الشهداء
…
». فثبت سماع الأعمش لهذا الحديث من عبد الله بن مرة؛ لأن شعبة لا يروي عن الأعمش إلا ما علم أنه سماع للأعمش ممن سمَّاه. نصَّ على ذلك أهل المصطلح وغيرهم. وكذلك أخرج هذا الحديث الدارمي (ج 2 ص 206)
(3)
من طريق شعبة. فأما عدم التصريح بالرفع فلا يضر، لأن هذا ليس مما يقال بالرأي، مع ظهور الرفع في رواية مسلم.
وفي «مسند أحمد» (ج 1 ص 265)
(4)
: «ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي،
(1)
رقم (1887).
(2)
(6/ 229، 232) ط. دار هجر.
(3)
رقم (2415).
(4)
رقم (2388).
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحُد جعل الله عز وجل أرواحَهم في أجواف طير خُضْر تَرِدُ أنهارَ الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مُنقلَبِهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون
…
». أبو الزبير يدلِّس
(1)
،
وقد أخرج الحاكم في «المستدرك» (ج 2 ص 297)
(1)
لو رددنا حديث كل مدلس لرددنا جمهرة طيبة مباركة من السنة التي قبلها الأكابر ونشروها وعملوا بها، والذي يظهر من عمل المحققين من أئمة السنة [أنهم ينظرون] إلى مراتب الجرح والتعديل عند التعارض (! ) ليأخذوا بالأرجح الأقوى إن لم يمكن الجمع. وحديث أبي الزبير هذا ليت شعري ما الذي عارضه من رواية من هُم أرجح منه حتى نشكك فيه؟ وروايته محشو بها «البخاري» مكتظ بها «مسلم» وغيره فضلًا عن بقية دواوين السنة كأبي داود والترمذي وغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد. [م ع].
قلت: يبدو لي في كلام فضيلته ملاحظات:
التسوية بين تدليس الأعمش وتدليس أبي الزبير في التسامح بهما ليس بجيد، لأن تدليس الأول قليل، وتدليس الآخر كثير، ولذلك احتج الشيخان بالأعمش، ولم يحتج بأبي الزبير غير مسلم منهما، وأورده الحافظ في المرتبة الثانية من «طبقات المدلسين» ، وهي ــ كما ذكر في المقدمة ــ مرتبة مَن احتمل الأئمةُ تدليسه، وأخرجوا له في «الصحيح» . ثم أورد أبا الزبير في المرتبة الثالثة، وهي مرتبة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع كأبي الزبير المكي، ثم أورده في هذه الطبقة وقال:«مشهور بالتدليس» .
قوله في أبي الزبير: «وروايته محشو بها (البخاري)» ليس بصواب، فإن البخاري لم يسند له غير حديث واحد متابعةً غير محتج به! قال الحافظ ابن حجر في «مقدمة الفتح» (2/ 163):«لم يرو له البخاري رحمه الله سوى حديث واحد في «البيوع» ، قرنه بعطاء عن جابر، وعلَّق له عدة أحاديث». ومسلم وإن كان احتج به، فقد قال الذهبي في ترجمته من «الميزان»:«وفي «صحيح مسلم» عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء» [ن].
الحديث من وجه آخر
(1)
عن ابن [2/ 309] إسحاق، عن إسماعيل، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. زاد في السند: سعيد بن جبير. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» وأقرَّه الذهبي.
وقال الله عز وجل: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 45 - 46].
وأخرج ابن جرير في «تفسيره» (ج 24 ص 42)
(2)
بسند رجاله ثقات عن هُزَيل بن شرحبيل أحد ثقات التابعين قال: «أرواح آل فرعون في أجواف طيرٍ سُودٍ تغدو وتروح على النار، وذلك عرضُها» . وفي «روح المعاني»
(3)
أن عبد الرزاق وابن أبي حاتم أخرجا نحوه عن ابن مسعود.
ومن حِكَم الإعادة أداء الشهادة. قال الله تبارك وتعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: 19 - 20].
(1)
من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق. وكذا أخرجه أبو داود (2520) وأبو يعلى في «مسنده» (2331) والبيهقي في «الكبرى» (9/ 163) وغيرهم.
(2)
(20/ 337) ط. دار هجر.
(3)
(24/ 73). وانظر «تفسير عبد الرزاق» (2/ 181، 182) و «تفسير ابن أبي حاتم» (10/ 3267).
وقال عز وجل: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65].
وقال سبحانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24].
[2/ 310] والمقصود من استشهاد الأعضاء إبلاغ الغاية القصوى في إظهار العدل. وفي «صحيح البخاري»
(1)
وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يُجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعم يا ربِّ. فتُسأل أمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيسأل: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته» . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فيُجاء بكم، فتشهدون أنه قد بلَّغ» . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
وفي «صحيح مسلم»
(2)
وغيره عن أنس قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فضحك، فقال:«هل تدرون مما أضحك؟» قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا ربِّ ألم تُجِرْني من الظلم؟ قال: يقول: بلى. قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني. قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. قال:
(1)
رقم (3339، 4487، 7349). وأخرجه أيضًا أحمد في «المسند» (11283) والترمذي (2961) والنسائي في «الكبرى» (11007).
(2)
رقم (2969). وأخرجه أيضًا النسائي في «الكبرى» (11653).
فيُخْتَم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي. قال: فتَنطِق بأعماله. ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لكُنَّ وسُحقًا، فعَنْكُنَّ كنت أناضل».
وفي «صحيح مسلم»
(1)
أيضًا عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال
…
قال: «فيَلْقَى العبد فيقول: أي فُلْ
…
ثم يَلْقَى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربِّ آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك، وصلَّيتُ وصُمْتُ وتصدَّقتُ ــ ويُثنِيْ بخير ما استطاع. فيقول: هاهنا إذًا. ثم يقال: الآن نبعث شاهدًا عليك. ويتفكر في نفسه: مَن ذا الذي يشهد عليَّ؟ فيُخْتَم على فيه، ويقال
…
فتنطق فخذُه ولحمُه وعظامُه بعمله. وذلك لِيُعْذِرَ من نفسه
…
».
فالإنسان إذا رأى يوم القيامة أن الله عز وجل يُقرِّره بعمله، ولا يأخذ بمجرد علمه تعالى، يتوهم أن الإنكار ينفعه، ثم لا يرضى بشهادة الملائكة ولا الرسل، فتشهد عليه أعضاؤه، فحينئذ يظهر له ولغيره عينَ اليقين الغايةُ القصوى في عدل الله تبارك تعالى. ومع ذلك يعترف بلسانه صريحًا عند دخوله النار. قال الله تبارك وتعالى:{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى [2/ 311] إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71].
وقال تعالى في شأن جهنم: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ
(1)
رقم (2968).
إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 8 - 11].
وهذه الحكمة إنما تستدعي إعادة الأجزاء التي تؤدي الشهادة، وذلك عند أدائها. فلا يلزم أن تعاد في كلِّ بدنٍ جميعُ أجزائه ثم تبقى خالدةً معه. بل إذا فرضنا أجزاء معينة قد دخلت في تركيب عدة أبدان في الدنيا على التتابع بأن كانت في هذا البدن، ثم صارت من ذاك البدن، وهلمَّ جرًّا؛ واقتضت الحكمةُ أن تؤدي الشهادة يوم القيامة في كلِّ بدن من تلك الأبدان بما فعل= فإن ذلك يمكن بأن تُحشر أولًا كما شاء الله تعالى إما في بدن واحد، وإما متفرقةً في تلك الأبدان، ثم إذا حوسب أولُّ إنسان من أصحاب تلك الأبدان جُمعت تلك الأجزاء في بدنه، ثم إذا أدَّت الشهادة فارقته إلى بدنِ أولِ مَن يُحاسَب بعده من أصحاب [2/ 312] تلك الأبدان. وهكذا حتى تستوفى تلك الأبدان كلُّها التي دخلت فيها وقضت الحكمة باستشهادها على أصحابها. وقد يشير إلى هذا قوله تبارك وتعالى:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، وقوله سبحانه:{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29].
وأما الجزاء الجسماني، فمن الحكمة فيه تنعيم الأرواح وتعذيبها بما هو من جنس ما أَلِفتْه في الدنيا بواسطة الأبدان، فإن الأرواح لطول صحبتها للأبدان واعتيادها اللذاتِ والآلامَ التي تصل إليها بواسطتها تبقى بعد مفارقة الأبدان متصوِّرةً تلك اللذات والآلام، متشوِّقةً إلى جنس تلك اللذات، نافرةً عن جنس تلك الآلام. فإذا أعيدت إلى أبدان ثم نعِمتْ بما هو من جنس اللذات التي ألِفتْها، كان ذلك أكملَ للذتها وأتمَّ لنعيمها من أن تنعم بلذات
روحية محضة، فكيف إذا جُمع لها الأمران معًا (1)؟ وإن أعيدت إلى أبدان ثم عُذِّبت بما هو من جنس الآلام التي كانت تَنْفِر عنها كان ذلك أبلغ في إيلامها من أن تعذَّب بآلام روحية محضة، فكيف إذا جُمع لها الأمران
(1)
؟
ومنها: تصديقُ وعد الله ووعيده وإخباره بالحساب والجنة والنار، وسائر ما يتعلق بالآخرة. وهذه الحكمة كافية لإبطال شبهة ابن سينا وموافقيه في أمر الآخرة، فإننا لو أعرضنا عن الحِكَم الأخرى واقتصرنا على هذه الحكمة لكفى، بأن نقول: هَبْ أن الأمر كما زعمتَ من أن الناس لا يؤثِّر فيهم الترغيب والترهيب، إلا إذا كان بما هو من جنس ما ألِفُوه واعتادوه في الدنيا من الأمور الجسمانية واللذات والآلام الجسمانية، فإن الحكمة إذًا اقتضت أن يقضي الله عز وجل وقوعَ ذلك وتحقيقَه لئلا يكون إخباره تعالى وإخبار رسله كذبًا، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك.
ولنقتصر على هذا القدر في الرد على مقالة ابن سينا في إنكاره الاحتجاجَ بالنصوص الشرعية، وننظر مقالاتِ من بعده. والله الهادي.
* * * *
(1)
أي فإن ذلك أكمل وأكمل، وذلك هو الواقع. [المؤلف].