الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قول العضد وغيره
كلام العضد وغيره في هذه المسألة تلخيص لكلام الرازي الذي تقدَّم نقلُ بعضه عن «مختصر الصواعق» ، مع مخالفة يسيرة ستراها إن شاء الله تعالى.
قال العضد في أواخر الموقف الأول من «المواقف»
(1)
:
«المطالب ثلاثة أقسام:
أحدها: هو ما يمكن، أي لا يمتنع عقلًا إثباته ولا نفيه، نحو جلوس غرابٍ الآن على منارة الإسكندرية، فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل، إذ لو ثبت
(2)
بالنقل لزم الدور.
الثالث: ما عداهما نحو الحدوث إذ يمكن إثبات الصانع دونه، والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل، إذ يمتنع خلافه عقلًا بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه».
أقول: هذه هي مطالب الرازي، وإنما اختلف الترتيب. قال السيد الجرجاني
(3)
في شرحه للمطلب الأول، وهو في ترتيب الرازي الثاني: «لأنه ــ يعني جلوس غراب على منارة الإسكندرية ونحوه ــ لمَّا كان غائبًا عن العقل
(1)
(ص 39، 40).
(2)
كذا في (ط). وفي المواقف: «أُثبتَ» .
(3)
في «شرح المواقف» (2/ 50).
والحس معًا استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق، ومن هذا القبيل تفاصيل أحوال الجنة والنار والثواب والعقاب
…
».
أقول: هذا يدل على ما قدَّمتُه من أن فرار المتكلمين إلى هذا التقسيم إنما هو محاولة للتخلص من إلزام ابن سينا، وقد مرَّ ما فيه.
ثم قال العضد
(1)
: [2/ 326] «الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ قيل: لا، لتوقُّفه على العلم بالوضع والإرادة، والأول إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف، وأصولُها تثبت برواية الآحاد، وفروعها بالأقيسة، وكلاهما ظنِّيان. والثاني يتوقف على عدم النقل والاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير، والكلُّ لجوازه لا يُجزَم بانتفائه، بل غايته الظن. ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وُجِد لَقُدِّمَ على الدليل النقلي قطعًا، إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما. وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع، وفيه إبطال للفرع، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه فكان باطلًا. لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني
(2)
، إذ الغاية عدم الوجدان، وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود. فقد تحقق أن دلالتها تتوقف على أصول ظنية؛ لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة. والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، فإنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما في زمن الرسول في معانيها
(3)
التي تراد منها الآن، والتشكيك فيه سفسطة. نعم، في إفادتها اليقين في العقليات
(1)
«المواقف» (ص 40).
(2)
(ط): «غير يقين» . والتصويب من «المواقف» .
(3)
(ط): «معانيهما» . والتصويب من «المواقف» .
نظر؛ لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخلٌ في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه».
أقول: أصل التشكيك كله للرازي، كما يُعلَم من بعض كتب أصول الفقه
(1)
.
وأقول: أما نقل اللغة والنحو والصرف، فلا ريب أن هناك ألفاظًا يتفرد بنقلها بعض أهل اللغة، وأوجهًا من النحو والصرف يتفرد بحكايتها بعض أهل العربية، لكن الأعم الأغلب من نقل اللغة والصرف والنحو التواتر، ومحاولة القدح في الجميع بأن البعض ظني مع العلم بأن الأكثر قطعي صنيعٌ أخسُّ من أن يُسمَّى سفسطة، كما يعلم من الموازنة بينه وبين ما تقدم عن السوفسطائية في الباب الأول.
وأما النقل ــ والمراد به هنا نقلُ الشارع الكلمةَ عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي ــ فقد وصف الله تبارك وتعالى كتابه بأنه {مُبِينٌ} [المائدة: 15] وأنه {بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 138] وأنه {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] وقال: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19]. وأوجب على الناس تدبُّره وتصديقَه والعملَ به، وقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. ولا شبهة أنه ليس المراد حفظ ألفاظه فقط، وإنما المقصود [2/ 327] بحفظه بقاءُ الحجةِ قائمةً والهدايةِ دائمةً إلى قيام الساعة. وبهذا يعلم يقينًا أن الشارع لو نقل كلمةً عن معناها اللغوي إلى معنى آخر لبَيَّنَ ذلك للناس بيانًا واضحًا، ولو بيَّنَ لَنُقِلَ بيانُه، لِتكفُّل الله عز وجل بحفظ الدين، ولِما يلزم من
(1)
انظر: «المحصول» للرازي (1/ 390 - 407) ط. الرسالة.
انقطاع ذلك أن تنقطع الحجة والهداية، فتقوم الساعة أو يُبعَث نبي آخر، وقد علمنا أن الدنيا باقية، وأن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين. وقد تقرر في الأصول أن من الأخبار المقطوع بكذبها ما نُقِل آحادًا والعادة تقضي أنه لو وقع لنُقِل متواترًا، فما لم يُنقل آحادًا من ذلك فالقطع بعدم وقوعه أوضح.
وفوق هذا فإن السياق كثيرًا ما يعيِّن معنى الكلمة حتى لمن يجهل أصل معناها. وكثير من الكلمات تتكرر في الكتاب والسنة ويدل السياق في كثير من تلك المواضع أو أكثرها على معنى الكلمة، وهكذا يكثر استعمالها على ألسنة حملة الشرع من الصحابة والتابعين. بل كثيرًا ما يدل السياق في الكلمة التي قد ثبت أن الشارع نقلها على أنها في ذلك الموضع ليست بالمعنى المنقولة إليه كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]، وقوله تعالى:{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]، وغير ذلك
(1)
،
فما بالك بما لم يأتِ أنه نُقِلَ إلى معنى آخر؟
ونحو هذا يأتي في الاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم
(1)
علق عليه الشيخ محمد عبد الرزاق بقوله: «كأنه يشير إلى أن لفظ (يصلون) في الآية الأولى ولفظ (تزكوا) في الثانية منقول عن وضعه اللغوي، وهذا وإن ظهر في لفظ (يصلون) فلا يظهر في لفظ (تزكوا)» .
وعقَّب عليه المؤلف قائلًا: «عبارتي واضحة في غير هذا، إنما أردت أن الشارع نقل لفظ الصلاة إلى ذات الركوع والسجود ولفظ الزكاة إلى أداء زكاة المال. ومع ذلك فسياق الآية الأولى يبين أن الصلاة فيها غير ذات الركوع والسجود، وسياق الثانية تبين أن الزكاة فيها غير أداء زكاة المال» .
والتأخير. وقد تقرر أن الظاهر حجة، وأن من استعمل الكلمة في غير المعنى الظاهر منها كان عليه أن ينصب قرينةً، وإلا كان الكلام كذبًا. واحتمالُ قرينةٍ لم تُنقَل يردُّه ما تقدَّم من تكفُّل الله عز وجل بالبيان وبحفظ الشريعة، وقضاءِ العادة بأنها لو كانت هناك قرينة لنُقِلت. وكثيرًا ما تقوم الحجة القاطعة على أن الكلام على ظاهره، إما من الكلام نفسه بتركيبه وسياقه، وإما بمعونة نظائره في الكتاب والسنة. وقد أخطأ أفراد من الصحابة في فهم قوله تعالى: {
…
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187]، مع أن خطأهم إنما كان لغفلتهم [2/ 328] عن السياق والقرائن، كما أوضحتُه في رسالة «أحكام الكذب» ، ومع ذلك كان خطأ أولئك الأفراد سببًا لإنزال الله عز وجل بقية الآية زيادة في البيان والإيضاح، فكيف يُعقَل أن يكون النص في العقائد، ثم تخفى القرينة على جميع الصحابة ثم لا يبيِّن الله لهم، أو يعرفها جماعة منهم ثم لا يبالون بنقلها، ولا يبعثهم الله تعالى على نقلها نقلًا متواترًا يصل إليه علماء الرواية فيشيعونه ويذيعونه؟! ولا ريب أنه كما كان الصحابة مخاطبين بالنصوص فكذلك مَن بعدهم، وكما تترتب المفسدة الشديدة على جهل الأولين بالقرينة فكذلك من بعدهم. غاية الأمر أن القرينة وإن كانت في حق المخاطبين الأولين لا بد أن تقترن بالنص فقد يجوز أن يستغني بعض النقلة باشتهارها فلا ينقلها مع النص. لكن لا يلزم من هذا أن لا تُنقَل، بل لا بد من النقل لما تقدَّم. فإذا طلبها العلماء في مظانِّها فلم يجدوها، وحقُّها أن تُنقَل نقلًا متواترًا تواترًا يناله العلماء= قطعوا بأنها لم تُنقَل كذلك، فقطعوا بعدمها، فقطعوا بأن النص على ظاهره.
وليس الحال فيما يتعلق بالعقائد كالحال فيما يتعلق بالأحكام، فإن
الأحكام يجوز فيها أن تنقل القرينة آحادًا فقط؛ لأن الخطأ في ذلك أمر هيِّن. وقد يكون الخطأ بالنظر إلى النصوص في الأحكام صوابًا بالنظر إلى الحكمة، فإن القوانين الشرعية تبنى على الأغلب في الحكمة، ولكن الله تبارك وتعالى يتولى تطبيق الحكمة بقضائه وقدره. فكما فرض الله تعالى الحكمَ بشهادة العدلين، وقد يتفق أن يخطئ عدلان، لكن الله تبارك وتعالى يتولَّى في مثل هذا تطبيق الحكمة بقضائه وبقدره؛ فكذلك قد يعرف القاضي دليلًا عامًّا فيقضي به، وهناك مخصِّص له لم يقف عليه، فهذا القضاء وإن كان خطأً بالنظر إلى نفس الأمر بحسب الدلائل، فلعله صواب عند الله عز وجل بمقتضى الحكمة في تلك القضية. فأما العقائد فعلى خلاف هذا، إذ لا يُعقَل تغيُّر الحكمة فيها، وكما يضرُّ فيها القطعُ بالباطل فقريب منه الظن. فهَبْ أن العالم إذا بحث فلم يجد قرينة لم يقطع بظاهر النص، فلا بد أن يظنه، ولا يستطيع أن يدفع الظن عن نفسه، ومع الظن فلا بد أن يَحمد من أصحاب المقالات من يوافق ذاك الظن، ويذم من خالفه لغير حجة صحيحة.
وبالجملة فمَن تدبَّر القرآن والسنة وآثار السلف لم يخفَ عليه الحقُّ في كثير منها، وأنه [2/ 329] لا يمنعه عن القطع والاستيقان ــ إن منعه ــ إلا الشبهات المحدَثة المبنية على التعمق. فأما من يقوى إيمانه ولا يبالي بتلك الشبهات، فإنه يقطع بدلالة كثير من تلك النصوص ويؤمن بها. وأما من لا إيمان له، وهو مفتون بالشبهات، فإنه [لا] يقطع بتلك الدلالة، ويكفر بها.
وأما الذين يكونون كما قال الله عز وجل: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} [النساء: 143] فقد عرفتَ حالَهم. ووراء ذلك أقوام يجهلون ما عليه العقولُ الفطريةُ كعقول المخاطبين الأولين أو يتجاهلون!
ويغفلون عن قوانين البيان أو يتغافلون! ولا يعرفون وهَنَ النظر المتعمَّق فيه، أو يعرفون وينكرون! ولا يتدبَّرون النصوص، فيعرفوا دلائلها القواطع، أو يتدبَّرون ويجحدون! {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134].
وبالجملة، فأسلافنا على ثلاث طبقات:
الأولى: من وَضَحَ لنا اعتصامُه بالكتاب والسنة، فهؤلاء الذين نتولاهم.
الثانية: من وضَح لنا تهاونُه بالكتاب والسنة، فعلينا أن نتبرأ منهم.
الثالثة: قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يعفو عنهم ويعذرهم. وعلينا أن نحمدهم فيما أصابوا فيه، ونبرأ مما أخطأوا فيه. والله المستعان.
فأما ما ذكره العضد من المعارض العقلي، فقد علمت حاله في الكلام مع الرازي. وقوله:«والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة» ، ففيه قصور شديد، بل قد تفيد اليقين من أوجه أخرى كما سلف.
ثم نُكِسَ، فقال:«نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر، لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه» .
أقول: لا ريب أنه من المتيسِّر في كثير من الكلام ــ إن لم نَقُل في أكثره ــ أن يحصل القطع بالمعنى الذي حقُّه أن يُفهَم منه. وإنكار هذا مكابرة. ثم إذا حصل القطعُ بهذا في كلام من يمتنع عليه قطعًا الغلطُ، حصل القطع بأنه أراد أن يكون الكلام كذلك، أي حقُّه [2/ 330] أن يُفهَم منه ذاك المعنى. فإذا كان ممتنعًا عليه قطعًا أن يكذب خطأ ولا عمدًا حصل القطعُ بصحة ذاك المعنى،
فيحصل القطع باستحالة أن يوجد دليل عقلي صحيح على بطلان ذاك المعنى. فمن زعم أن النصوص لا يحصل بها القطع بعدم المعارض العقلي، فإما أن يكون جاهلًا بقوانين الكلام، وإما أن يكون يُكذِّب المتكلِّمَ بالنصوص. فإذا زاد على هذا، فرَدَّ بعضَ تلك النصوص أو حرَّفها إلى غير المعاني التي يعلم أن حقَّها بحسب قانون الكلام أنْ تُفهَم منها، فهو مكذِّب للمتكلِّم بها، ولابد.
ومن وقف عن نفي حصول القطع وإثباته مع معرفته بقوانين الكلام، فإن كان واقفًا في المسائل التي يختلف فيها السلفيون وغيرهم أو غالبها، فهو غير جازم بتصديق المتكلِّم بالنصوص. وإن كان يردُّ كثيرًا من تلك النصوص أو يحرِّفها، فلا معنى لوقفه بل هو مكذِّب البتة.
فإن قيل: قد يخطئ في فهم النصوص التي خالفها.
قلت: إنما يتجه الحملُ على الخطأ حيث يقلُّ ويكون الغالب الصواب، ومع ذلك فهذا إنما يفيد الجازم بالتصديق، فأما المرتاب فسواء أخطأ أم تعمد.
فأما القرائن فهي على ضربين:
الضرب الأول: ما هو كالجزء من الكلام بأن ينصبه المتكلم أو يلاحظه تتميمًا لمقصود الكلام وهو الإفهام. فتارةً تكون فائدتها تأسيسية وذلك حيث يتوقف عليها الفهم أو تعيين المراد أو تبيينه، وتارةً تكون تأكيدية وذلك حيث توافق ما يدل عليه الكلام.
الضرب الثاني: العلامات والأمارات الدالة على بعض الأمور، كأن نعلم أن القاضي مريض مرضًا خطرًا ثم نسمع البكاء من بيته، ويُدعَى الغسَّالون والحفَّارون ويحضر العلماء والأمراء، ثم تخرج من بيت القاضي جنازة على
هيئة جنائز العلماء، فيتسابق أهل العلم والفضل إلى حملها، ومعها أبناء القاضي بهيئة الغم والحزن، ثم توضع للصلاة، فيقدمون للإمامة أكبرَ أبناء القاضي، فيتقدم ويقوم حيث يقوم الإمام من جنازة الرجل، ثم يُذهب بها، فيُدفن الميِّت في قبر بجانب قبر والد القاضي، ثم نرى الناس يتقدمون إلى أبناء القاضي على هيئة ما جرت به العادة في التعزية، إلى غير ذلك مما يدلنا على أن القاضي مات ولو لم نشاهد موته، ولم نسمع [2/ 331] مخبرًا يخبر بموته. وهذه الأمارات قد تقوى وتكثر حتى يحصل القطع بموت القاضي، وذلك حيث يستحيل في العادة أن يتفق اجتماع مثلها لغير موته.
فإذا فرضنا أنه عندما سمعنا البكاء من بيت القاضي خرج طبيب كان قد دُعي قبل ساعة، فسئل، فقال: مات القاضي؛ فهذا الخبر قد يحصل به وبتلك الأمارات القطعُ حتى على فرض عدم الخبر.
وهذا الضرب قد تحتاج إليه أخبار الناس لوجهين:
الأول: تثبيت صدق المخبِر.
الثاني: الدلالة على معنى الخبر حيث لم يكن صريحًا، كما لو كان الطبيب لما سئل قال:«مات رجل كبير» .
فأما الشرع، فإنه غنيٌّ عن تثبيت صدق أخباره، وإنما الشأن في ثبوت أنه أخبر، ثم في معنى الخبر، وكلا الضربين يدخل فيما يتعلق بالعقليات، كما يدخل في غيره.
وجَارَى السيد الجرجاني في «شرح المواقف» المتن، ثم قال
(1)
: «وقد
(1)
(2/ 58).
جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية
…
».
أقول: قد رجع الرازي كما تقدَّم، ولله الحمد. والسيد هذا هو المصرِّح في البيان كما في بحث الاستعارة من «حواشي عبد الحكيم على المطول»
(1)
بأن الكذب العمد لا ينصب صاحبه قرينةً، «بل يروج ظاهره لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه» .
وجاراهما المحشي عبد الحكيم
(2)
، ثم قال: «هاهنا بحث مشهور، وهو أن المبنى لعدم المعارض العقلي في الشرعيات صدقُ القائل، وهو قائم في العقليات أيضًا، وما لا يحكم العقل بإمكانه ثبوتًا وانتفاءً لا يلزم أن يكون من الممتنعات، لجواز إمكانه الخالي من العقل. فينبغي أن يُحمل كلُّ ما عُلِم أن الشرعَ نطق به على هذا القسم، لئلا يلزم كذبه وإبطالُ قطع العقل بصدقه. فالحق أن النقلي أيضًا يفيد القطع في العقلي أيضًا، ولا يفيد ما ذكره الشارح. ولا مَخلصَ إلا بأن يقال: مراده أن النظر في الأدلة [2/ 332] أنفسها والقرائنِ في الشرعيات يفيد الجزم بعدم المعارض؛ لأجل إفادته الإرادةَ من القائل الصادق جزما. وفي العقليات إفادته الجزمَ بعدمه محلُّ نظرٍ، بناءً على أنَّ إفادته الإرادة
(3)
محل له، لا أنه
(4)
بعد ما عُلم مراد الشارع يقينًا في العقلي والنقلي يحصل الجزم بعدم المعارض في الثاني دون الأول، فإنه غير مسلم».
(1)
«فيض الفتاح على حواشي شرح تلخيص المفتاح» (4/ 152).
(2)
كذا في الأصل، والصواب:«المحشي حسن جلبي» ، انظر «حواشيه» (2/ 58).
(3)
(ط): «لإرادة» . والتصويب من الحواشي.
(4)
(ط): «لأنه» . والتصويب من الحواشي.
أقول: لا شك أن هذا الذي زعمه مَخْلصًا هو مرادهم، لكنه لا يفيدهم شيئًا؛ لأن ذاك النظر لا يستند إلى شيء سوى أنهم وجدوا الشبهات التعمقية تخالف بعض النصوص، فلم يكن عندهم من قوة الإيمان ما يحملهم على اطِّراح تلك الشبه وتصديق الشرع، وكبُر عليهم أن يصرِّحوا بتكذيب الشرع، فحاولوا أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا، وهيهات!
وكذلك السعد التفتازاني جرى في «المقاصد» و «شرحها»
(1)
على أن النصوص لا يُحتج بها في مقابل تلك الشبه، وجَمْجَمَ في ذاك الموضع جمجمةً ينكشف حالها في كلامه في موضع آخر، كما يأتي في مسألة الجهة إن شاء الله تعالى.
وقد أوضحت في رسالة «أحكام الكذب»
(2)
اتفاقَ البيانيين ــ ومنهم التفتازاني والجرجاني وعبد الحكيم ــ أن الكلام إذا كان حقُّه أن يُفهَم منه مع ملاحظة قرينة ــ إن كانت ــ خلافُ الواقع، لم تخرجه الإرادةُ التي هي التأويل الذهني عن كونه كذبًا. وتقدَّم بعضُ ما يتعلق بذلك، ومرَّت عبارة الجرجاني قريبًا. فمتى تحقق في النص أنه ظاهر بيِّن في معنًى، ولا قرينةَ تصرِف عنه، ففرضُ بطلان ذاك المعنى مستلزمٌ أن الكلام كذب، وأن المتكلم كاذب ولابد. ويتأكد ذلك إذا كان الكلام بعيدًا جدًّا عن احتمال غير ذاك المعنى، فإنه يتحقق حينئذٍ عدم العلاقة مع عدم القرينة.
وزعم الجرجاني في «شرح المواقف»
(3)
أن القول بأن الأدلة النقلية لا
(1)
(4/ 50).
(2)
انظر (ص 178 - 188، 195 - 203، 212).
(3)
(2/ 51، 52).
تفيد اليقين هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة. فإن صح هذا، فهو بالنظر إلى متأخري الطائفتين، فأما المتقدمون فلا يُظَن بهم هذا. نعم، إنهم يخالفون بعض النصوص، ولكن قد يكون ذلك لاشتباه ما توهَّموا أنه دليل عقلي بالدليل العقلي الصحيح الذي من شأنه أن لا يخفى على المخاطبين الأولين، فتوهموا أنه قرينة صحيحة؛ أو لاشتباه معاني بعض الآيات عليهم، فظنوا أنها صريحة [2/ 333] فيما ذهبوا إليه، وأنها لذلك قرينة صحيحة تُوجب تأويلَ ما يخالفها. وقلَّ عالمٌ إلا وقد خالف بعضَ النصوص، وكما لا يلزم من ذلك إنكارُ أن تكون النصوص حجة، فكذلك لا يلزم إنكارُ أنها قد تفيد اليقين. بلى، إذا كثرت المخالفة وفَحُشَت فقد يتجه الحكم. والله أعلم.
* * * *