الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهناك فريق يقول: إنه رسول الله في الظاهر ويعتقد بطلان رسالته في الباطن وهذا ضرب آخر من المنافقين والحديث يعم جميع أنواع المنافقين والله أعلم.
وموطن الاستدلال: أن هذا العبد الذي حقق الإسلام في الظاهر لكن بلا علم ويقين لم تتحقق له النجاة مع انتهائه عن الشرك والتزامه للشرع في الظاهر فكيف بمن لم يتحقق له العلم بمدلول الشهادتين والتبس بالشرك وفعله وحسّنه ودعا إليه ووالى أهله وقبّح التوحيد وتركه وصد الناس عنه وعادى أهله؟!
المبحث الخامس: لب التوحيد معرفة الله:
الحديث الثاني: أخرج الشيخان واللفظ للبخاري رحمه الله عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة
…
" الحديث.
قال الحافظ ففي رواية روح بن القاسم عنه: "فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله". وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: "إلى أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك". ويجمع بينهما بأن المراد بعبادة الله: توحيده. وبتوحيده: الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة. ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما. فمن كان منهم غير موحّد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين ومن كان موحداً فالمطالبة بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي: الإشراك أو يستلزمه كمن يقول: ببنوة عزير أو يعتقد التشبيه فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. واستدل به من قال من العلماء: إنه لا يشترط التبري من كل دين يخالف دين الإسلام، خلافاً لمن قال: إن من كان كافراً بشيء وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب: أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه ودعوى بنوة عزير وغيره فيكتفي بذلك.
واستدل به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن: لا إله إلا الله حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأولى
مسلماً، وبطالب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة.
قوله: (فإن هم أطاعوا لك بذلك) أي شهدوا وانقادوا وفي رواية ابن خزيمة: "فإن هم أجابوا لذلك" وفي رواية الفضل بن العلاء كما تقدم: "فإذا عرفوا ذلك" وعدى أطاع باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه: معنى انقاد. واستدل به على أن أهل الكتاب: ليسوا بعارفين وإن كانوا يعبدون الله ويظهرون معرفته، لكن قال حذاق المتكلمين: ما عرف الله من شبهه بخلقه أو أضاف إليه اليد أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به (1) اهـ.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز تعليقاً على الجملة السابقة كلاماً مهماً يقرأ بعناية في الهامش من الكتاب: "لا شك أن من شبّه الله بخلقه أو أضاف إليه الولد جاهل به -سبحانه- ولم يقدره حق قدره لأنه -سبحانه- لا شبيه له ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً. وأما إضافة اليد إليه -سبحانه- فمحل تفصيل فمن أضافها إليه -سبحانه- على أنها من جنس أيدي المخلوقين فهو مشبه ضال، وأما من أضافها إليه على الوجه الذي يليق بجلاله من غير أن يشابه خلقه في ذلك فهذا حق وإثباتها لله على هذا الوجه واجب كما نطق به القرآن وصحّت به السنة وهو مذهب أهل السنة فتنبه والله الموفق.
قلت: يلاحظ من هذا النقل السخي بالعبر والفوائد أن التوحيد والشهادة بالرسالة هما أصل الدين ويجب البداءة بهما لأنه لا يصح شيء دونهما إلا بهما.
أن الله الواحد القهار له صفات لا تتصور الذات بدونها ومفهوم التأله قائم عليها فمن جهلها جهل الله وأشرك به وإن ادعى غير هذا ويكون معبوده الحقيقي ليس هو الله ونحن المسلمين نتبرأ من معبوده لقوله -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ).
قال النووي تعليقاً على هذا الحديث نقلاً عن القاضي عياض قال القاضي عياض رحمه الله هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله -تعالى- وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله -تعالى- وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله -تعالى- من كذب رسولاً، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى- ما عرف الله -تعالى- من شبهه وجسمه من اليهود، أو أجاز
(1) فتح الباري جـ: 3 ص: 418، 420 كتاب الزكاة.