الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: التزام أحكام الإسلام شرط في قبوله
وقال: ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضاً ونقاتلك مع أعدائك. هل كان يتوهم عاقل أن النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك (1) اهـ.
وقال: وأيضاً فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد إنك لرسول الله ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم أي: نعلم ونجزم أنك رسول الله. قال: فلم لا تتبعوني؟ قالوا: نخاف من يهود.
فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم، فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين فكانوا كفاراً في الباطن وهؤلاء قالوا غير ملتزمين ولا منقادين فكانوا كفاراً في الظاهر والباطن (2). اهـ.
وقال ابن القيم في هذا الحديث وفيها أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله بأنه نبي لم يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردة منه ونظير هذا قول الحبرين
…
قالا نشهد إنك نبي. قال: فما يمنعكما من اتباعي، قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود. ولم يلزمهما بذلك الإسلام، ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له صلى الله عليه وسلم بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أُمر وراء ذلك. وأنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار
(1) جـ: 7 ص: 287 لمجموع الفتاوى.
(2)
جـ: 7 ص: 561 لمجموع الفتاوى.
فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً (1) اهـ.
وقال أيضاً رحمه الله: وعلى هذا فإنما لم يحكم لهؤلاء اليهود الذين شهدوا له بالرسالة بحكم الإسلام، لأن مجرد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا يوجب الإسلام إلا أن يلتزم طاعته ومتابعته. وإلا فلو قال: أنا أعلم أنه نبي ولكن لا أتبعه ولا أدين بدينه كان من أكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم. وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده ولا معرفة القلب مع ذلك بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حب الله ورسوله وانقياده لدينه والتزام طاعته ومتابعة رسوله وهذا خلاف من زعم أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب وإقراره (2) اهـ.
وقال الحافظ وفي قصة أهل نجران من الفوائد أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام (3) اهـ.
وقال ابن تيمية وقد ذكرت فيما تقدم من القواعد أن الإسلام الذي هو دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله وهو: أن يسلم العبد لله رب العالمين فيستسلم لله وحده لا شريك له ويكون سالماً بحيث يكون متألهاً له غير متأله لما سواه كما بينته أفضل الكلام ورأس الإسلام: وهو شهادة أن لا إله إلا الله. وله ضدان: الكبر، والشرك ولهذا روى أن نوحا، عليه السلام، أمر بنيه بلا إله إلا الله وسبحان الله ونهاهم عن الكبر والشرك في حديث قد ذكرته في غير هذا الموضع فإن المستكبر عن عبادة الله لا بعبده فلا يكون مستسلماً له والذي يعبده ويعبد غيره يكون مشركاً به فلا يكون سالماً له بل يكون له في شرك (4) اهـ.
وقال: وهذا (أي: توحيد الإلهية) من أعظم ما تجب رعايته على أهل الإرادة والسلوك، فإن كثيراً من المتأخرين زاغ عنه فضل سواء السبيل. وإنما يعرف هذا من توجه بقلبه وانكشفت له حقائق الأمور وصار يشهد الربوبية العامة والقيومية الشاملة فإن لم يكن معه نور الإيمان
(1) زاد المعاد جـ: 3 ص: 42 "في أثناء التعليق على ما في قصة وفد نجران من الفقه.
(2)
مفتاح دار السعادة جـ: 1 ص: 94.
(3)
فتح الباري جـ: 7 ص: 697.
(4)
جـ: 7 ص: 623 لمجموع الفتاوى.