الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المدائح النبوية
المدائح النبوية من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية الصادقة، وباب من الأدب الرفيع لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص.
وأكثر المدائح النبوية قيل بعد وفاة الرسول، وما يقال بعد الوفاة يسمى رثاء، ولكنه في الرسول يسمى مدحا.
كأنهم لحظوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم موصول الحياة، وأنهم يخاطبونه كما يخاطبون الأحياء، ويمكن القول بأن الثناء على الميت لا يسمى رثاء إلا إذا قيل في أعقاب الموت، ولذلك نراهم يقولون:«قال حسان يرثي»
النبي صلى الله عليه وسلم» ليفرقوا بين حالين من الثناء: ما كان في حياة الرسول، وما كان بعد موت الرسول، بخلاف ما يقع من شاعر ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ثناءه عليه مديح لا رثاء، لأن الرثاء يقصد به إعلان التحزن والتفجع، على حين لا يراد بالمدائح النبوية إلا التقرب إلى الله بنشر محاسن الدين والثناء على شمائل الرسول.
والمديح النبوي فن نشأ في البيئات الصوفية، ولأن الذين أجادوا لم يكونوا في الأغلب من فحول الشعراء.
(1) المدائح النبوية ص 17.
ومن أقدم ما مدح به الرسول صلى الله عليه وسلم قصيدة الأعشى التي يقول فيها «1» :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
…
وعادك ما عاد السليم المسّهدا
وما ذاك من عشق النّساء وإنّما
…
تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا «2»
ولكن أرى الدّهر الذي هو خاتر
…
إذا أصلحت كفّاي عاد فأفسدا
نبيّ يرى ما لا ترون وذكره
…
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغبّ ونائل
…
وليس عطاء اليوم مانعه غدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى
…
ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على ألاتكون كمثله
…
وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
ولا تقربن جارة إن سرها
…
عليك حرام فانكحن «3» أو تأبّدا «4»
والقصيدة مروية في كثير من كتب الأدب (الأغاني- والسيرة- وخزانة الأدب) ولكن العجيب من أمرها أن القسم الثاني منها الذي خص فيه النبي بالمدح، أضعف بكثير من القسم الأول، ويبلغ الضعف في أبياته حد الركاكة والتفاهة. ثم هو متأثر ببعض آيات القرآن في معناها أو في ألفاظها، وقد ألم بتعاليم الإسلام إلماما حسنا. بما يناقض زعم الرواة أنه عاد حين علم أن الإسلام يحرم الخمر «5» .
وذهب الدكتور زكي مبارك إلى أن الأعشى لم يقل هذا الشعر وهو صادق النية في مدح الرسول وإنما كانت محاولة أراد بها التقرب من نبي الإسلام، وآية ذلك أنه انصرف حين صرفته قريش، ولو كان صادقا ما تحول «6»
…
(1) الديوان: القصيدة 17 ص 135. محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر الحديث ص. 30- 36
(2)
اسم امرأة.
(3)
النكاح: الزواج. التأبد: التعزب. أي تعفف مبتعدا عن النساء.
(4)
حرك فعل الأمر (تأبّدا) بالفتح لضرورة القافية.
(5)
راجع القصيدة في الديوان ص 135- 137.
(6)
المدائح النبوية: ص 17.
وكذلك الحال في قصيدة (بانت سعاد)«1» التي قالها كعب بن زهير بن أبي سلمى في مدح الرسول، ولم تنظم إلا في سبيل النجاة من القتل، وحديث ذلك.
أسلم (بجير بن زهير بن أبي سلمى المزنيّ) فاشتد عليه أهله وكان كعب بن زهير، وهو أخوه لأبيه وأمه، شديدا عليه، فلقي بجير النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا، فأرسل إليه كعب بن زهير «2» .
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة
…
فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا
شربت مع المأمون كأسا روية
…
فأنهلك المأمون منها وعلّكا
وخالفت أسباب الهدى وتبعته
…
على أيّ شيء ويب غيرك دلّكا
على خلق لم تلف أمّا ولا أبا
…
عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست باسف
…
ولا قائل إمّا عثرت لعالكا
فلما بلغت هذه الأبيات بجيرا أنشدها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صدق! أنا المأمون وإنه لكاذب قال أجل لم يلف عليه أباه ولا أمّه على الإسلام، فأجابه بجير:
من مبلغ كعبا فهل لك في التي
…
تلوم عليها باطلا وهي أحزم
إلى الله لا العزّى ولا اللات وحده
…
فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت
…
من النار إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه
…
ودين أبي سلمى عليّ محرّم
فلما أتاه كتاب (بجير) ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره، وقالوا: هو مقتول. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي عليه السلام لا يعرفه، فجلس بين يديه ثم قال:
يا رسول الله. إن (كعب بن زهير) أتاك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن
(1) شرح الديوان: ص 6.
(2)
الديوان ص 3- 4.
أنا جئتك به؟ قال نعم قال: فأنا كعب، فوثب رجل من الأنصار فقال: دعني أضرب عنقه، فكفه النبي صلى الله عليه وسلم عنه، ثم أنشده القصيدة.
وهذه الظروف ترينا أن كعب بن زهير، لم يقل لاميته وهو مأخوذ بعاطفة دينية قوية، تسمو به إلى روح التصوف، إنما هي قصيدة من قصائد المديح يقولها الشاعر حين يرجو أو يخاف وليست من المدائح النبوية في شيء.
تقع لامية «1» كعب في خمسة وخمسين بيتا، من الشعر المحكم الرصين.
وإن خلت من قوة الروح، وتجري على التقاليد الأدبية لشعراء الجاهلية، ومطلعها «2» .
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
…
متيّم إثرها لم يجز مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
…
إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول
ويقول:
إن الرسول لسيف يستضاء به
…
مهنّد من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم
…
ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف
…
عند اللقاء ولا ميل معازيل
شم العرانين أبطال لبوسهم
…
من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابع قد شكّت لها حلق
…
كأنها حلق القفعاء مجدول
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم
…
ضرب إذا عرّد السود التنابيل
لا يقع الطعن إلا في نحورهم
…
ما إن لهم عن حياض الموت تهليل
فهي قصيدة جاهلية تغلب عليها قوة السبك، ولكنها تكاد تخلو من روح الدين «3» ولا غرابة في ذلك، فإن كعب بن زهير، لم يمدح الرسول إلا لينجو
(1) وفي بعض الكتب في ثمانية وخمسين بيتا.
(2)
الديوان. ص 6.
(3)
المدائح النبوية ص 24.
من الموت، ومن كان في مثل حاله لا ينتظر منه صدق الثناء «1» . وبعد الأعشى وكعب، حسان بن ثابت، وهذا الشاعر كان أكبر شعراء الرسول ويمتاز بالصدق والإخلاص فقد كان يمدح ويقارع خصومه على الطرائق الجاهلية، وكان الرسول أوصاه أن يتعلم الأنساب من (أبي بكر) ليكون شعره أوجع في الهجاء.
وأقوى قصيدة في مدائح حسان هي العينية، فهو يقارع الخصوم ويلاحيهم، ويتخذ مدح الرسول ومدح أهله سنادا لما عمد إليه من المقارعة والملاحاة، وفيها يقول «2» :
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم
…
إذا تفرقت الأهواء الشيع
أهدي لهم مدحي قلب يؤازره
…
إن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا
وهذه القصيدة تمجيد لأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والشاعر مدفوع إليها بقوة العصبية وليس فيها روح الدين إلا إشارته إلى وحي القلب. ويظهر لنا أثر الشجاعة الصوفية عند الفرزدق حين مدح علي بن الحسين، في حضرة هشام بن عبد الملك، وقوله حين رفض العطية مدحته لله تعالى لا للعطاء.
قال الفرزدق «3» :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
…
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم
…
هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
…
بجدّه أنبياء الله قد ختموا
ويقرن الشاعر شكر الله، بشكر آل البيت، ويرى أن حبهم دين، وبغضهم كفر والمدح لله هو عين التصوف.
(1) هناك من يخالف هذا الرأي، بأن الشاعر كان صادقا في مدحه.
(2)
الديوان: ص 238- 239- 240.
(3)
الديوان: ص 511.
ويمكن القول بأن مدح الفرزدق للنبي وأهله هو بداية الصدق في المدائح النبوية.
وهناك شعراء قضوا أعمارهم في الدفاع عن أهل البيت، ولقوا في ذلك من المحن والمكاره ما يدل على نصيبهم من صدق الوجدان: أمثال الكميت، ودعبل، وأبي الطفيل «1» ، وهناك شعراء لم يقفوا حياتهم على هذا الفن، ولكن كانت لهم فيه مواقف موصولة بصدق اليقين. أمثال الشريف الرضي، ومهيار.
وهناك شعراء أطالوا القول في مدح أهل البيت، وهم شعراء الدولة الفاطمية، ولكن هؤلاء صدقهم مشوب بروح النفع: لأن الفاطميين كانوا أقاموا ملكا عظيما في مصر والمغرب، وانتصارهم كاف لتشكيكنا في عواطف من مدحوهم من الشعراء.
وليس معنى ذلك أن مدح المنتصر يخلو من الصدق، لا. ولكن معناه أنه بعيد عن التصوف، لأنه متهم بحب النفع، وهيهات أن يقف مثل الشاعر ابن هانىء الأندلسي في صف شاعر مثل الكميت! وإن علامة التصوف هي الشجاعة والشجاعة لا يحتاج إليها إلا في مواطن الخوف، وهي عندئذ دليل على حفظ العهد، وصدق اليقين.
* درج معرب البردة على قوله (متعلق) بعد كل جار ومجرور، فجعلتها متعلقان، ويبدو أن المؤلف (المعرب) ينطلق في هذا من الأخذ بأن الجار والمجرور يشكلان شيئا واحدا فهما كالكلمة الواحدة.
* ما بين قوسين [
…
] زيادة ليست في الأصل وإنما ضرورة اقتضاها العمل في ذلك.
(1) المدائح النبوية ص 65.
* كلمات كثيرة جعلها المعرب بالياء مثل النايب، القصايد، وساير بدلا من النائب والقصائد وسائر.
* ويعلق (كيف) أخذا بكلام سيبويه. في البيت السادس وفي البيت الثالث والثلاثين ونجد أن المعرب يأخذ برأي البصريين كما في البيت (20) .
* (وإن هي استحلت المرعى....) .