المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الخطة رأيت أن يكون البحث في قسمين الأول دراسة والثاني شرح - الغرامية في مصطلح الحديث

[ابن فرح]

فهرس الكتاب

- ‌الخطة

- ‌ المقدمة

- ‌ترجمة الناظم

- ‌نسبه:

- ‌نسبته:

- ‌مولده:

- ‌نشأته:

- ‌أول سماعه:

- ‌رحلاته:

- ‌أشهر شيوخه:

- ‌أشهر تلاميذه:

- ‌ما وقع له من البلاء:

- ‌ثناء العلماء عليه:

- ‌صفاته:

- ‌عقيدته:

- ‌ثقافته:

- ‌مكانته الاجتماعية:

- ‌مؤلفاته:

- ‌وفاته:

- ‌إثبات نسبة المنظومة

- ‌تمهيد:

- ‌البيت الأول:

- ‌النوع الأول الصحيح:

- ‌أقسام الصحيح:

- ‌المتفق عليها:

- ‌أما الخمسة المختلف فيها فهي:

- ‌النوع الثاني المعضل:

- ‌النوع الثالث المرسل:

- ‌وهو: في اللغة:

- ‌النوع الرابع المسلسل:

- ‌البيت الثاني:

- ‌النوع الأول الضعيف:

- ‌النوع الثاني المتروك:

- ‌البيت الثالث:

- ‌النوع الأول الحسن:

- ‌النوع الثاني المشافهة:

- ‌البيت الرابع

- ‌الموقوف:

- ‌البيت الخامس:

- ‌المرفوع:

- ‌البيت السادس:

- ‌النوع الأول المنكر:

- ‌النوع الثاني التدليس:

- ‌أصناف المدلسين:

- ‌حكم رواية المدلس:

- ‌أقسام التدليس؛ هو قسمان:

- ‌من أسباب تدليس الشيوخ:

- ‌البيت السابع:

- ‌النوع الأول المتصل:

- ‌النوع الثاني المنقطع

- ‌والمنقطع على ثلاثة أنواع:

- ‌البيت الثامن:

- ‌المدرج:

- ‌1 - الإدراج في المتن: ثلاثة أنواع:

- ‌2 - الإدراج في الإسناد: خمسة أنواع:

- ‌البيت التاسع

- ‌المدبج:

- ‌البيت العاشر:

- ‌المتفق والمفترق:

- ‌أهميته:

- ‌تعريفه:

- ‌البيت الحادي عشر:

- ‌المؤتلف والمختلف:

- ‌أهميته:

- ‌تعريفه:

- ‌البيت الثاني عشر:

- ‌النوع الأول المسند:

- ‌النوع الثاني المعنعن:

- ‌النوع الثالث الموضوع:

- ‌حكم روايته:

- ‌مادته: نوعان:

- ‌بدايته:

- ‌أسبابه:

- ‌مثال هؤلاء:

- ‌الطرق التي يكشف بها الحديث الموضوع:

- ‌البيت الثالث عشر:

- ‌النوع الأول المبهم:

- ‌النوع الثاني الاعتبار:

- ‌البيت الرابع عشر:

- ‌النوع الأول العزيز:

- ‌النوع الثاني المشهور:

- ‌البيت الخامس عشر:

- ‌الغريب:

- ‌أقسام الغريب:

- ‌البيت السادس عشر:

- ‌المقطوع:

- ‌البيت السابع عشر:

- ‌الأول الإسناد العالي:

- ‌أهمية الإسناد:

- ‌أفضلية علو الإسناد:

- ‌أفضلية التنزل:

- ‌أقسام العلو في الإسناد:

- ‌النوع الثاني الإسناد النازل:

- ‌أقسام النزول:

- ‌متى يطلب النزول

- ‌الأبيات تمام العشرين:

الفصل: ‌ ‌الخطة رأيت أن يكون البحث في قسمين الأول دراسة والثاني شرح

‌الخطة

رأيت أن يكون البحث في قسمين الأول دراسة والثاني شرح وتوثيق.

الدراسة فيها ثلاثة مباحث:

الأول:‌

‌ المقدمة

وفيها نبذة عن علم مصطلح الحديث.

والثاني: ترجمة الناظم وفيها من الجزئيات: نسبه، مولده، نشأته، أول سماعه، رحلاته، أشهر شيوخه، أشهر تلاميذه، ما وقع له من البلاء، صفاته، عقيدته، ثقافته، مكانته الاجتماعية، مؤلفاته، وفاته.

والثالث: إثبات نسبة النظم

شرح ما ألمحت إليه المنظومة، وما ورد فيها من قواعد مصطلح الحديث.

ص: 4

المقدمة

الحمد لله الكريم المنان، واسع الفضل والإحسان، والصلاة والسلام على كامل الخلق والخلق، سيد ولد عدنان، سيد الأولين والآخرين من بني الإنسان، وعلى آله وصحبه، والمتبعين له بإحسان وبعد:

فإن أعظم ما بذل فيه الجهد، واستنفرت له الهمم، وقضيت فيه الأوقات، خدمة كتاب الله العزيز، وسنة رسول الله البشير النذير صلى الله عليه وسلم، أما الكتاب العزيز فجهود العلماء فيه ظاهرة معلومة، وهو محفوظ من الله عز وجل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1) فتحقق وعد الله عز وجل، إذ وعته العقول، واستوعبته الصدور، وفي وقت قريب من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون في مصحف واحد بعناية واهتمام، فتحقق له الحفظ والصون والأمان، فلا ينال منه شيطان من إنس ولا جان.

أما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبقيت معرضة للتزوير والتحوير، وهو أمر خطير وشر مستطير، حذر منه البشير النذير صلى الله عليه وسلم فقال:(من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)(2)، وهذه لفتة نبوية إلى أن الكذب عليه سيقع لا محالة، لذلك حذر منه أمته، فكان هذا الخبر منه صلى الله عليه وسلم دافعا قويا لأمته من بعده لأخذ الحيطة والحذر في النقل عنه صلى الله عليه وسلم فالحديث عنه شديد كما قال زيد بن أرقم رضي الله عنه (3)، وهكذا احتاط الأصحاب رضي الله عنهم لأنفسهم، يقول أنس

(1) الآية (9) من سورة الحجر.

(2)

أخرجه البخاري في (ص 712) كتاب أحاديث الأنبياء، باب (50) حديث (3461).

(3)

أخرجه ابن ماجه في (1/ 11) المقدمة، باب (3) حديث (25).

ص: 5

بن مالك رضي الله عنه: "لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم "(1)، وشددوا في التثبت من النقلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا أبو بكر رضي الله عنه في قصة ميراث الجدة لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، بل قال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه فشهد له (2)، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشدد على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في نقله حديث الاستئذان ويقول:" تأتيني على ذلك ببينة - وفي رواية - لتقيمن عليه بينة"(3)، ويقول في قصة طلاق فاطمة بنت قيس: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت (4)، ويزداد الموقف شدة بانقضاء الصدر الأول من الصحابة، فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه لم يأذن لحديث بشير بن كعب العدوي إذ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه لا ينظر إليه ولا يستمع لحديثه قال: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟ . فقال ابن عباس رضي الله عنه: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه (5)،

(1) سنن الدارمي (1/ 67 المقدمة، باب (25) حديث (241).

(2)

أخرجاه في الصحيحين: البخاري في (ص 1534) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب (13) حديث (7318)، ومسلم في (3/ 1311) كتاب القسامة، باب (11) حديث (39 - 1689).

(3)

أخرجهما البخاري في (ص 407) كتاب البيوع، باب (9) حديث (2062) وفي (ص 1323) كتاب الاستئذان، باب (13) حديث (6245) ..

(4)

أخرجه مسلم في (2/ 1118 - 1119) كتاب الطلاق، باب (6) حديث (46 - 1480).

(5)

أخرجه الإمام مسلم في مقدمة الصحيح (1/ 12 - 13) باب (4) حديث (7 - 7).

ص: 6

هكذا مر عهد أصحاب رسول الله رضي الله عنهم بين حيطة وتوثق من صحة النقل، فلما ظهرت الفنتة برز التفتيش عن أحوال الرجال وما هم عليه من الصفات، يقول ابن سيرين رحمه الله: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم (1)، وكذلك تكلم في هذا الباب جمع من التابعين منهم: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، والإمام مالك وغيرهم، ومن هنا أصبح الإسناد أمرا لا مفر منه في الرواية، وما ليس له إسناد كمن لا نسب له، ومن أهمية الإسناد نشأت الرحلة إلى الأمصار، بحثا عن التوثق والعلو في الإسناد، واعتبر الأئمة ذلك من الدين، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يقول ابن سيرين رحمه الله: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم (2).

ومن هنا نعلم أن الخطوط العريضة لنقد الأسانيد والمتون برزت الحاجة إليها مبكرة في عهد الأصحاب رضي الله عنهم، كما هو واضح مما تقدم ذكره، وهكذا نما الاعتناء بهذا الجانب العظيم، في مراحل تاريخية متفاوتة وهي أربع مراحل:

1 -

عهد الأصحاب رضي الله عنهم وما أبدوا فيه من خطوط عريضة لقواعد الحيطة والتثبت في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعتبر هذه المرحلة من بداية القرن الأول إلى نهايته، غير أنه لم يدون شيء كبير في هذا الصدد، سوى ما كان من كتابة عبد الله بن عمر وغيره، فهذا القرن خير القرون، كان فيه

(1) ذكره الإمام مسلم في مقدمة الصحيح (1/ 15) باب (5) ..

(2)

أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح (1/ 14) باب (5).

ص: 7

الحذر والتشدد في النقل عن رسول الله تدينا، فلا سبيل لتهمة الكذب، بل كان الخوف من الخطأ والنسيان، وجرى الحرص على صحة المنقول وثبوته.

2 -

عهد كبار التابعين رحمهم الله:

وهو فترة نشط فيها الاهتمام بالإسناد، والتعرف على أحوال الرجال، وقد تقدم قول ابن سيرين رحمه الله: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم، وقد تبع هذا القول اتجاهان متضادان في شأن التدوين للسنة وما يتعلق بها من آراء شخصية: فالصدر الأول من التابعين تأثروا بمنهج الأصحاب في عدم الرضى عن كتابة ما سوى القرآن الكريم (1)، وآخرون من التابعين منهم: سعيد بن جبير، وكان يقول: كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس، فكنت أسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فأكتبه (2)، وسعيد بن المسيب رخص لعبد الرحمن بن حرملة في الكتابة حين شكا إليه سوء الحفظ (3)، والشعبي كان يقول: الكتابة قيد العلم، إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط، ووجد له بعد موته كتاب في الفرائض والجراحات (4)، فهؤلاء وغيرهم من التابعين رأوا ضرورة تقييد العلم

(1) انظر (تذكرة الحفاظ 1/ 5، تقييد العلم 50، وجامع بيان العلم 1/ 64).

(2)

تقييد العلم 103، وجامع بيان العلم وفضله 1/ 72.

(3)

تقييد العلم 99، وجامع بيان العلم وفضله 1/ 73.

(4)

المحدث الفاصل ص 375 رقم 350، وتقييد ص 99.

ص: 8

واعتمدوا قول من سمح به من الأصحاب آخرا، منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم (1)، وعللوا الكراهة بأن لا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عنه بسواه (2)، وقصة الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله في الأمر بتدوين العلم مشهورة معلومة، ولا شك أنه استأنس برأي العلماء، وكان أول من حقق له هذه الغاية الإمام الزهري رحمه الله، وكان يفخر بذلك ويقول: لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني (3)، وإن وجد للزهري من القول ما يضاد هذا مثل قوله: لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق، ننكرها لا نعرفها، ما كتبت حديثا ولا أذنت في كتابته (4)، فهذا يؤكد أن مبادرة الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الأمر بكتابة السنة وتدوين ما تفرق بصورة أوسع مما كان في بعض الصحف (5)، وموافقة العلماء من أمثال الإمام الزهري

(1) انظر (المحدث الفصل ص 363 - 400، والمستدرك 1/ 106، وجامع بيان العلم وفضله 1/ 72، وتقييد العلم 90).

(2)

تقييد العلم 57 ..

(3)

الرسالة المستطرفة 4.

(4)

المحدث الفصل ص 373 رقم 346، وتقييد العلم 108.

(5)

بدأت كتابة الحديث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم درن شك، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول:(ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب ولا أكتب) أخرجه البخاري في (ص 30) كتاب العلم، باب (39) حديث (113) وليس بخاف على أهل العلم أمر الصحف المكتوبة في عهده صلى الله عليه وسلم، كصحيفة أبي بكر، وعلي له صحيفة، وصحيفة عمرو بن العاص وغيرهم رضي الله عنهم، وقد صنف الحافظ الخطيب البغدادي كتابه (تقييد العلم) استوعب فيه كافة الروايات المانعة والمجيزة، وذكر الجمع بينها بعدة أوجه، ويترحج الجواز على المنع لقوة أدلته، (بين هذا الأخ الزميل أ. د محمد بن مطر الزهراني في كتابه (تدوين السنة 65 - 86).

ص: 9

على رأيه كان خوفا من دروس (1) العلم وذهاب أهله، وأن يدخل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس منها، وهو ما تنبه له الزهري من تلك الأحاديث الآتية من قبل المشرق، ونجزم أن بداية جدية التفكير في تدوين السنة وتصنيف علومها كانت في عهد التابعين من أيام الزهري وأقرانه، لكنها بالنسبة لقواعد علوم الحديث لم تتجاوز نقل أقوال مبثوثة (2)، أثرت عن الأصحاب والأئمة من التابعين، وهي لا تمثل مادة علمية كاملة لقواعد مصطلح الحديث، سوى أنها فتحت الباب على مصراعيه للبحث والنظر في هذا الموضوع الخطير.

3 -

مرحلة التصنيف في بعض فوائد علوم الحديث:

هذه المرحلة تقدر بما يقارب (150) سنة من بداية القرن الثالث إلى منتصف الرابع تميزت هذه الفترة عن سابقتها بإبراز بعض قواعد علوم الحديث في مصنفات مستقلة، مثل كتاب العلل لابن المديني، ومعظم المادة العلمية في هذه المرحلة إما قواعد مستقلة في كتب متفرقة، كما في الرسالة والأم للإمام الشافعي، أو مبثوثة في مصنفات الحديث على اختلاف طرائقها في التصنيف، كما في مصنفات الإمام البخاري، ومقدمة صحيح مسلم، وما كتبه الترمذي من العلل، وما نقل عن الإمام أحمد، وعن أبي داود وغيرهم، يقول الإمام مسلم رحمة الله علينا وعليه: وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا،

(1) أي يضيع ويمحى. انظر (لسان العرب 6/ 79) ..

(2)

انظر (صحيح البخاري ص 27) كتاب العلم، باب (34).

ص: 10

لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار بأمر الدين إنما تأتي بالتحليل أو التحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثما بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها. . . (1).

4 -

مرحلة النضج:

هذه المرحلة هي مرحلة النضج والاستواء، مرحلة كد العلماء فيها أذهانهم، فأنتجوا علم مصطلح الحديث، وجعلوه علما قائما بذاته، يرتكز على منهج دقيق منضبط، دونت فيه قواعد مصطلح الحديث في مصنفات مستقلة، بعضها لم يستوعب، لكنه حصل بالتكامل بينها، فأصبح الباحث يجد مطلبه في أي باب من أبواب هذا العلم الجليل، وكان أول من دون قواعد هذا العلم القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي رحمه الله (2)، في كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" أجاد ولم يستوعب، وتلاه أبو عبد الله الحاكم بكتابه "معرفة علوم الحديث" تعقبه أبو نعيم في كتابه "المستخرج على كتاب الحاكم" ثم الخطيب

(1) بعض قوله رحمة الله علينا وعليه في (مقدمة الصحيح 1/ 28).

(2)

طلب العلم وهو حدث، وساد أصحاب الحديث، وكتابه المذكور ينبئ بإمامته، وكان أحد الأثبات، عاش إلى قريب الستين وثلاثمائة من الهجرة (السير 16/ 73)

ص: 11

البغدادي في كتبه الكثيرة (1)، وقد أفرد كل فن من فنون الحديث بمؤلف في الغالب، ومن هنا كان كل من جاء بعده من العلماء في هذا العلم عالة على مصنفات الخطيب، ولم ينشط البحث عن الفوائد والنكت في هذا العلم إلا بعد أن أخرج أبو عمرو بن الصلاح كتابه المشهور بمقدمة ابن الصلاح، فإنه اعتنى بمؤلفات من سبقه فجمع شتات مقاصدها، وأضاف إليها من الفوائد الكثيرة ما جعل كتابه بحق أحسن ما كتب في هذا العلم، فاق من سبقه وبقي من بعده مشتغلا بكتابه هذا، ما بين دارس ومدرس وشارح (2) وناظم ومنكت (3) ومختصر قال الحافظ ابن حجر: "فلا يحصى كم ناظم له (4)

(1) منها الكفاية في معرفة الرواية، والسابق واللاحق، المكمل في بيان المهمل، غنية المقتبس في تمييز الملتبس، قال الذهبي: للخطيب سنة وخمسون مؤلفا، زاد عليها في التذكرة (3/ 1139) وذكر أن ابن النجار زاد على ذلك في معجمه (السير 18/ 289) وذكر ابن خلكان أنه صنف قريبا من مائة مصنف، أحصاها يوسف العش فبلغت واحدا وسبعين (الخطيب البغدادي ص 120) وشيخنا أكرم العمري بلغت في حصره ستة وثمانين مصنفا (موارد الخطيبص 55) ..

(2)

مثل عمل زين الدين العراقي في كتابه التقييد والإيضاح، وبعده السيوطي في كتابه تدريب الراوي، فإنه كثيرا ما يكمل عبارة ابن الصلاح وهو الكتاب الذي وضعه على تقريب النووي.

(3)

منهم بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، وابن حجر.

(4)

منهم زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، نظم فيه ألفيته المشهورة، وزاد عليه فوائد لا يستغني عنها طالب العلم، أشار إلى هذا فقال:

لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه *** وزدتها علما تراه موضعه

ص: 12

ومختصر (1)، ومستدرك عليه ومعارض له (2) ومنتصر" (3) ونرى أن مراحل التدوين والتدقيق والتحقيق أربع أيضا:

الأولى: بدأت بكتاب الرامهرمزي، فقد حاز السبق في تدوين أبواب من هذا العلم.

والثانية: بدأت بمؤلفات الخطيب البغدادي، فكل من جاء بعده صار عالة على مصنفاته في هذا العلم.

والثالثة: بدأت بكتابة أبي عمرو بن الصلاح، فقد لاقى قبولا كبيرا عند العلماء، فتنافسوا في الاشتغال به على ما تقدم بيانه.

والرابعة: بدأت بكتابة ابن حجر، فقد استفاد منها من أتى بعده من العلماء، فإنه دقيق الملاحظة واسع العلم حسن التنظيم، اشتغل العلماء بمؤلفه النفيس "نخبة الفكر" فمنهم الشارح له والناظم، ولا أنفس من شرحه هو لها المسمى "نزهة النظر" وصدق الحافظ العراقي رحمة الله علينا وعليه إذ قال: وبعد فعلم الحديث خطير وضعه، كثير نفعه، وبه يعرف الحلال والحرام، ولأهله اصطلاح لا بد للطالب من فهمه (4).

(1) منهم ابن دقيق العيد، ومن بعده الذهبي، وفاقهما الحافظ ابن حجر فقد أخرج مختصرا هو الأجود تدقيقا وتحقيقا، سماه (نخبة الفكر).

(2)

منهم ابن حجر نفسه لم يناسبه ترتيب ابن الصلاح فقال: لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب (نزهة النظر ص 17) وانظر (توجيه النظر 1/ 364).

(3)

نزهة النظرص 17.

(4)

التبصرة والتذكرة 2 - 3.

ص: 13

وقد وقفت على أبيات معدودة بعشرين بيتا، نظمت من قبل أحمد بن فرح الإشبيلي، نظمها بأسلوب مشوق لحفظها، ميسر بعد توفيق الله أمرها، ضمنها (28) ثمانية وعشرين نوعا من أنواع مصطلح الحديث، عني بها بعده جمع من العلماء، من حيث الحفظ والفهم والشرح، وقد شرحت من قبل بعض العلماء باختصار فيما يخص مصطلح الحديث، وتضمن الشرح الجانب الأدبي والبلاغي، وبيان ما فيها من المحسنات اللفظية، فشدتني الرغبة في شرح ما ضمت من أنواع مصطلح الحديث، شرحا فيه إضافة مفيدة، معرضا عما اعتنى به الشراح مما يتعلق بالحب والغرام، وما يتعلق بجانب المحسنات اللفظية، والعبارات الأدبية، وقد بدأته بهذه المقدمة، مضفيا زيادة بيان لم تكن فيما أذكر من الشروح التي وقفت عليها، ومضيفا ترجمة وافية للناظم في (14) أربعة عشرمبحثا، تلا ذلك إثبات نسبة المنظومة، كل ذلك وفق منهج علمي حديث، رجاء أن يكون هذا الجهد تبصرة للمبتدي وتذكرة للمنتهي، سائلا الله عز وجل أن يجعله عملا متقبلا، ولا يحرمنا أجره إلى يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين.

الشارح

ص: 14