الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْخَشَبَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي ذَلِكَ فَلَوْ فُرِضَ صِحَّةُ وُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مَضْبُوطٍ مِنْهَا لَمْ يُفِدْ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ وَلَيْسَ الْقَصْدُ بِالْحِيلَةِ هُنَا مُجَرَّدَ صِحَّةِ الْبَيْعِ بَلْ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ الْمُسْتَلْزِمَ لِمِلْكِ الْمَاءِ أَوْ اسْتِحْقَاقِهِ وَقَدْ عَلِمْتَ اسْتِحَالَةَ هَذَا فِي صُورَةِ السُّبْكِيّ أَمَّا الْمِلْكُ فَلِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَكَذَلِكَ مَحَلُّهُ لِأَنَّ ذَلِكَ النَّهْرَ مِنْ الْأَنْهَارِ الْعَامَّةِ وَقَدْ مَرَّ فِي عِبَارَةِ الْأَنْوَارِ أَنَّهُ لَا يُمَلَّكُ مُطْلَقًا وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فَلِأَنَّ تِلْكَ الْخَشَبَةَ الَّتِي وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهَا لَا اسْتِحْقَاقَ لَهَا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ وَإِنَّمَا الِاسْتِحْقَاقُ لِلدُّورِ فَاتَّضَحَ أَنَّهُ لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
[الْبَابُ السَّابِعُ فِي حُكْمِ الْقَاضِي وَفِيهِ فَصْلَانِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ وَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ]
(الْبَابُ السَّابِعُ فِي حُكْمِ الْقَاضِي وَفِيهِ فَصْلَانِ)(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي بَيَانِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ وَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَمَا يَسْتَدْعِي أَنَّهُ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّتِمَّاتِ وَالدَّاعِي إلَى هَذَا الْبَابِ أَنَّ بَعْضَ الْمُفْتِينَ السَّابِقِينَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّرِ وَاتِّبَاعِهِمْ لَهُ فِي الْخَطَإِ وَالتَّهَوُّرِ زَادَ عَلَيْهِمْ لَمَّا عُذِلَ وَقِيلَ لَهُ كَيْفَ تَقُولُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا وَالْقَاضِي فُلَانٌ قَدْ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ وَهُوَ مِنْ الْجَلَالَةِ وَالْعِلْمِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يُنْكَرُ فَقَالَ مُعْتَذِرًا إفْتَائِي بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا لَيْسَ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ وَمِنْ مُوجِبِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْفَسَادُ إذْ مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ الْحُكْمُ بِمُوجِبِ تِلْكَ الصِّيغَةِ مِنْ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فَنَحْنُ لَمْ نَنْقُضْ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورَ بَلْ عَلِمْنَاهُ بِقَضِيَّتِهِ وَقَضِيَّتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْفَسَادُ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ فِيهَا اهـ. كَلَامُ هَذَا الْمُفْتِي بِمَعْنَاهُ بِحَسَبِ مَا بَلَغَنِي عَنْهُ وَسَيَتَّضِحُ لَك زَيْفُهُ وَفَسَادُهُ كَيْفَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَنْ تَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أُكَابِرْ الْأَصْحَابِ كَشُرَيْحٍ الرُّويَانِيِّ.
وَمِنْ أَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالسُّبْكِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَالْوَلِيِّ أَبِي زُرْعَةَ وَسَتَأْتِيكَ الصَّرَائِحُ الْكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِالرَّدِّ عَلَى هَذَا الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْأَغْبِيَاءِ الْجَامِدِينَ عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَةٍ وَقَعَتْ فِي نَحْوِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْغَزِّيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْحَصَ عَنْ أَصْلِهَا بَلْ وَلَا فُهِمَتْ عَلَى وَجْهِهَا كَمَا يَتَبَيَّنُ لَك ذَلِكَ كَيْفَ وَشَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا - سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ - مِمَّنْ عَبَّرَ بِهَا وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِمَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ وَسَأُمْلِي عَلَيْك مِنْ ذَلِكَ جُمَلًا مُسْتَكْثِرَة وَإِنْ احْتَاجَ ذَلِكَ إلَى طُولٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مُهِمٌّ جِدًّا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ إلَّا الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهِ وَتَحْقِيقِهِ كَيْفَ وَالْحُكَّامُ مِنْ الْمَذَاهِبِ لَمْ يَزَالُوا يَخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَى هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا نَقْضًا وَإِبْرَامًا وَآثَارًا وَإِلْزَامًا فَفَرِّغْ ذِهْنَكَ لَعَلَّكَ أَنْ تَفْهَمَ هَذَا الْمَقَامَ وَتَسْلَمَ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مَنْ غَلَبَهُ هَوَاهُ وَنَفْسُهُ مِنْ الزَّلَلِ وَالْمُلَامِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مُقَدِّمَاتٍ وَلَوَاحِقَ فَلَا يُسْئِمَنَّكَ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ فَرِيدَةً وَنَفَائِسَ عَدِيدَةً.
فَأَقُولُ الْحُكْمُ لُغَةً الْقَضَاءُ وَالْإِبْرَامُ وَالْإِتْقَانُ وَالْمَنْعُ وَالْإِحَاطَةُ وَاصْطِلَاحًا هُنَا مَا يَصْدُرُ مِنْ مُتَوَلٍّ عُمُومًا وَخُصُوصًا رَاجِعًا إلَى عَامٍّ مِنْ الْإِلْزَامَاتِ السَّابِقَةِ لَهُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَالصِّحَّةُ لُغَةً زَوَالُ الْعِلَّةِ وَاصْطِلَاحًا مُوَافَقَةُ ذِي الْوَجْهَيْنِ الشَّرْعَ وُقُوعًا أَوْ اسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ أَوْ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ أَوْ الِاعْتِدَادُ بِالشَّيْءِ عَلَى مَا حَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَاخْتَارَ السُّبْكِيّ أَنَّهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلصَّادِرِ مِنْ الْإِنْسَانِ بِمَا يُعْتَبَرُ فِي نَفْيِهِ الْفَسَادُ عَنْهُ قَالَ فَخَرَجَ بِلَازِمَةِ الِاسْتِقْرَاءِ وَاللُّزُومِ وَالْقَبُولِ وَوَقْفِ الْعُقُودِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بِلَازِمٍ لِلصَّادِرِ الْمَذْكُورِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ وَصْفِ الصِّحَّةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ الْمَوْقُوفُ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ الْمِلْكُ لَا الصِّحَّةُ وَخَرَجَ بِالْإِنْسَانِ مَا صَدَرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَلَائِكَتِهِ وَكَذَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي التَّشْرِيعِ وَالْإِبْلَاغِ فَلَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ بَلْ بِالْحَقِّ وَنَحْوِهِ أَوْ مِنْ الْجِنِّ لِأَنَّا لَا نَدْرِي حَالَهُمْ فِي التَّكْلِيفِ أَوْ مِنْ الْبَهَائِمِ فَلَا يُوصَفُ بِصِحَّةٍ وَلَا فَسَادٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ إلَّا مَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِالْفَسَادِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ إظْهَارِ الْمُتَوَلِّي قَضَاؤُهُ بِنَحْوِ حَكَمْتُ فِي أَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَ وُجُودِهِ بِشَرَائِطِهِ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا.
وَأَمَّا فِي مُوجَبِ الشَّيْءِ بِفَتْحِ الْجِيم فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَثَرِ
الْمُتَرَتِّب عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَحِينَئِذٍ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ هُوَ إظْهَارُ الْمُتَوَلِّي قَضَاؤُهُ بِأَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ بِالْإِلْزَامِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا ثُمَّ الْمُوجَبُ مِنْهُ ظَاهِرٌ وَخَفِيٌّ فَإِنْ اسْتَحْضَرَ الْآثَارَ كُلَّهَا وَعَيَّنَهَا فِي حُكْمِهِ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَرْجَحِ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مُقَلِّدَ الْمَذْهَبِ يَرْتَبِطُ بِهِ فَمَهْمَا كَانَ مُوجِبُهُ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ تَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُوجَبَ وَالْمُقْتَضَى مُخْتَلِفَانِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ اتِّحَادَهُمَا إذْ الْمُقْتَضَى لَا يَنْفَكُّ وَالْمُوجَبُ قَدْ يَنْفَكُّ فَالْأَوَّلُ كَانْتِقَالِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي بَعْد لُزُومِ الْبَيْعِ وَالثَّانِي كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَالْمُوجَبُ أَعَمُّ وَأَفْهَمُ التَّعْبِيرِ فِي الْحَدِّ بِالْإِظْهَارِ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ إنْشَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي الرِّسَالَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْحُجَّةِ فِي تَثَبُّتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَلَا تَرَى قَضَاءَ الْقَاضِي عَلَى الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ يُخْبِرُ بِهِ عَنْ بَيِّنَةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ أَوْ إقْرَارًا مِنْ خَصْمٍ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ فِيهِ وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ إخْبَارٌ أَيْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُ لِأَنَّ الْإِنْفَاذَ الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاءُ تَضَمَّنَ إخْبَارًا عَنْ مُسْتَنَدِ الْحُكْمِ السَّابِقِ فَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يَكُونُ خَبَرًا لِاحْتِمَالِهِ الصِّدْقَ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ الشَّرْعِيُّ وَالْكَذِبَ إنْ لَمْ يُوجَدْ وَمِنْ حَيْثُ الْإِنْفَاذُ يَكُونُ إنْشَاءً إذْ لَا يَحْتَمِلُ صِدْقًا وَكَذِبًا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ بِخِلَافِ الْعُقُودِ فَإِنَّهَا مَحْضُ إنْشَاءٍ إذْ لَا تَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ شَيْءٍ سَبَقَ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ تَصَرُّفَ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ حُكْمًا لِأَنَّهُ الْإِلْزَامُ بِشَيْءٍ وَقَعَ وَالْعَقْدُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ بِخِلَافِ تَصَرُّفِهِ فِي قَضِيَّةٍ رُفِعَتْ إلَيْهِ وَطَلَبَ مِنْهَا فَصْلَهَا فَإِنَّهُ حُكْمٌ بِصِحَّةِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ لِتَضَمُّنِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ شَيْءٍ سَبَقَ وَهُوَ اسْتِيفَاءُ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ لِشُرُوطِهَا.
وَإِنَّمَا لَمْ يَنْظُرُوا إلَى ذَلِكَ فِي مُجَرَّدٍ لِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ وَهُنَا عَلَيْهِ قَرِينَةٌ وَهِيَ رَفْعُ الْقَضِيَّةِ إلَيْهِ وَطَلَبُ فَصْلِهَا مِنْهُ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ فِي مَوَاضِعَ إنَّ تَصَرُّفَهُ حُكْمٌ وَقَوْلُهُمْ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى إنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَقَدْ مَرَّتْ مِنِّي إشَارَةٌ إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ الْمُخْتَصَرِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ ثُمَّ رَأَيْتُ السُّبْكِيّ قَالَ تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ حُكْمٌ قَطْعًا كَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ أَوْ غَيْرُ حُكْمٍ قَطْعًا كَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ أَوْ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ غَيْرُ حُكْمٍ كَمَا إذَا بَاعَ أَوْ زَوَّجَ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ حُكْمٌ كَفَسْخِهِ لِنَحْوِ بَيْعٍ بِنَفْسِهِ وَخَرَجَ بِالْقَضَاءِ فِي التَّعْرِيفِ الثُّبُوتُ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ بِالثَّابِتِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ وَقَبُولِهَا وَجَرَيَانِ ذَلِكَ الْمَشْهُودِ بِهِ حُكْمٌ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِلْزَامِ فَلَا لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِلْزَامُ وَفَائِدَةُ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَدَمُ احْتِيَاجِ حَاكِمٍ آخَرَ إلَى النَّظَرِ فِي الْبَيِّنَةِ وَحُكْمُهُ جَوَازُ نَقْلِهِ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى وَأَمَّا صِحَّةُ ذَلِكَ الْأَمْرِ فَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يُثْبِتُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَنْظُرُ كَوْنَهُ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا.
وَلِهَذَا اخْتَارَ السُّبْكِيّ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يُثْبِتَ الْحَقَّ أَوْ السَّبَبَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِسَبَبِهِ كَقَوْلِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ زَيْدًا وَقَفَ هَذَا فَلَيْسَ بِحُكْمٍ لِأَنَّهُ يُتَوَقَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَظَرٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ أَوْ لَا وَإِنْ ثَبَتَ الْحَقُّ كَقَوْلِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا وَقْفٌ عَلَى زَيْدٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْحُكْمِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ آخَرَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْحُكْمِ فِيهِ وَبِذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ الْمُدَّعِي لَوْ طَلَبَ فِي الْقِسْمِ الْأَوْلِ مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِلُزُومِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَتَّى يُتِمَّ نَظَرَهُ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ وَفِي الثَّانِي يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِهِ قَطْعًا قَالَ وَرُجُوعُ الشُّهُودِ بَعْد الثُّبُوتِ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ أَنَّهُ فِي الْقَسْمِ الثَّانِي كَالرُّجُوعِ بَعْد الْحُكْمِ فَلَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ وَفِي الْأَوَّلِ يَمْنَعهُ وَنَقْلُ الثُّبُوتِ فِي الْبَلَدِ فِيهِ خِلَافٌ وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الْقَطْعُ بِجَوَازِ النَّقْلِ وَتَخْصِيصُ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِالْأَوَّلِ وَالْأَوْلَى فِيهِ الْجَوَازُ أَيْضًا وِفَاقًا لِلْإِمَامِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَالثُّبُوتُ الْمُجَرَّدُ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ فَإِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ إبْطَالَ عَقْدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهِ وَمَعْنَى
الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ ظَهَرَ لِلْحَاكِمِ صِدْقُ الْمُدَّعِي وَيُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ الثُّبُوتِ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ لَا يَجُوزُ التَّسْجِيلُ بِالْفِسْقِ لِأَنَّ الْفَاسِقَ يَقْدِرُ عَلَى إسْقَاطِهِ بِالتَّوْبَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَعَلَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فَأَمَّا عِنْدهَا كَإِبْطَالِ نَظَرِهِ فَيَتَّجِهُ الْجَوَازُ وَالتَّوْبَةُ إنَّمَا تَمْنَعُ فِي الْمُسْتَقْبِل لَا الْمَاضِي وَيَجُوزُ التَّنْفِيذُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَحَلِفٍ فِي نَحْوِ مَيْتٍ وَغَائِبٍ وَأَفْهَمَ التَّعْرِيفُ أَنَّ الْقَضَاءَ مُرَادِفٌ لِلْحُكْمِ وَقَدْ يُغَايِرُهُ فَيُطْلَقُ الْقَضَاءُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْإِخْبَارِ وَالْحُكْمُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْإِلْزَامِ وَعَكْسِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ قَضَاءٌ وَإِلْزَامٌ بِهِ وَعُلِمَ مِنْ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا السَّابِقُ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّ جَمِيعَ الشُّرُوطِ لَا يُعْتَبَرُ ثُبُوتُهَا فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ الْمُوجَبِ فَإِنَّ جُمْلَتَهَا فِي الْبَيْعِ مَثَلًا الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوْ التَّسَلُّمِ فَلَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنْ الْخَصْمَيْنِ إثْبَاتَ انْتِفَاءِ نَحْوِ الْغَصْبِ وَالرَّهْنِ مِمَّا يُنَافِي تِلْكَ الْقُدْرَةَ لِتَعَذُّرِهِ أَوْ تَعَسُّرِهِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَاشْتِرَاطِ انْحِصَارِ الْإِرْثِ بِأَنَّ هُنَا قَرِينَةً ظَاهِرَةً عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ وَهِيَ وُقُوعُ الْبَيْعِ الْمُقْتَضَى عَادَةً وُرُودُهُ عَلَى مَا وُجِدَتْ فِيهِ شَرَائِطُ بِخِلَافِ انْحِصَارِ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ لَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ وَلَا خَفِيَّةٌ فَاحْتِيجَ لِثُبُوتِهِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كِتَابَةَ الْمُوَثِّقِينَ طَائِعًا مُخْتَارًا فِي صِحَّتِهِ وَسَلَامَتِهِ لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ فِي التَّأْكِيدِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْحُكْمِ بِنَحْوِ بَيْعٍ أَوْ إقْرَارٍ بَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ فَإِنْ ادَّعَى إكْرَاهًا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْإِكْرَاهِ وَالْمُعْتَبَرُ غَالِبًا فِي التَّسْجِيلَاتِ بِالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ إثْبَاتُ الْيَدِ وَالْحِيَازَةُ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الصَّادِرِ مِنْهُ ذَلِكَ وَرُشْدِهِ وَطَلَبُ الْحُكَّامِ الشُّهُودَ فِي النِّكَاحِ وَخُلُوَّ الزَّوْجَةِ مِنْ الْمَوَانِعِ زِيَادَةُ احْتِيَاطٍ لِلْأَبْضَاعِ قَالَ السُّبْكِيّ وَقَوْلُنَا أَيْ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ هُوَ مَحَطُّ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ بِأَنَّهُ مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْإِلْزَامِ بِالْمُتَرَتِّبِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ.
فَالْإِلْزَامُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ يَتَضَمَّنُ صِحَّتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْخَاصِّ لَا مُطْلَقًا وَمِنْ ذَلِكَ يَظْهَرُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ فُرُوقٌ أَحَدُهَا أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُنْصَبٌّ إلَى نَفَاذِ ذَلِكَ الصَّادِرِ الثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَخْتَصُّ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِهِ الثَّالِثُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الشُّرُوطِ وَالْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ صُدُورِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَالْحُكْمِ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَلَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ ثُبُوتُ أَنَّهُ مَالِكٌ مَثَلًا وَلَا بَقِيَّةَ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَبِهَذَا صَارَ خَالِصًا لِأَنَّ الْقَصْدَ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ مَثَلًا بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ لَا إثْبَاتُ أَنَّهُ مَلَكَهُ إلَى حِينِ الْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ مَثَلًا وَهَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ فَأَمَّا إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ أَوْ هَذَا مَبِيعٌ أَوْ هَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ فَلْيَعْرِفْ الْفَقِيهُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ بِالصُّدُورِ أَوْ الْمَصْدَرِ أَوْ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَلْيَقِسْ عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى لِوُجُودِ الْإِلْزَامِ فِيهِ وَتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمَانِ كَمَا افْتَرَقَا فِي أُمُورٍ يَجْتَمِعَانِ فِي أُمُورٍ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ.
فَإِنْ صَحَّ الصَّادِرُ اتِّفَاقًا فِي مُوجَبِهِ لَمْ يَمْنَعْ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِيهِ الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ عِنْد غَيْرِ الْحَاكِمِ بِهَا مِثَالُهُ التَّدْبِيرُ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا وَمُوجَبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ مَنْعُ الْبَيْعِ فَلَوْ حُكِمَ بِصِحَّتِهِ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ عِنْدَهُ وَمِنْهُ جَوَازُ الْبَيْعِ أَيْ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حُكِمَ بِمُوجَبِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيْعِ يَمْتَنِعُ عَلَى الشَّافِعِيِّ لِلتَّعَارُضِ حِينَئِذٍ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَنَّ كُلَّ دَعْوَى كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَالْحُكْمُ فِيهَا حِينَئِذٍ بِالْإِلْزَامِ وَهُوَ الْمُوجَبُ لَا بِالصِّحَّةِ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى زَانٍ بِمُوجَبِ زِنَاهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ وَهَذَا ضَابِطٌ حَسَنٌ وَالْحُكْمُ بِالْحَبْسِ حُكْمٌ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ إلَّا إنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَطُلِبَ الْحُكْمُ
بِهَا بِطَرِيقِهِ وَلَوْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَكُونُ بِالصِّحَّةِ.
وَلَوْ مِنْ مُخَالِفٍ يُجِيزُ التَّنْفِيذَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لَا بِالْمُوجَبِ إلَّا مِنْ مُوَافِقٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إلْزَامٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ الْمُخَالِفِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُبْتَدِئًا الْحُكْمَ فِيهِ وَلَا يَبْتَدِئُ الْحُكْمَ بِمَا يَرَى غَيْرُهُ أَصْوَبَ مِنْهُ وَوَقَعَ فِي الْأُمِّ نَصَّانِ أَنَّ مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ لَا يَرَاهُ وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ نَصَّ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ أَوْ لَا وَنَصَّ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهِ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالثَّانِي عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَيَجْتَمِعَانِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا جَلِيًّا وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إمَّا عَامًّا عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ أَوْ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ نَعَمْ إنْ وَقَعَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ غَيْرَ مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِ الْحُكْمِ بِهِ جَازَ لِمَنْ لَا يَرَاهُ نَقْضُهُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ امْتَنَعَ نَقْضُهُ وَهَذَا تَحْقِيقٌ يَتَعَيَّنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَمِنْهَا جَوَازُ نَقْلِهِمَا وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ.
وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَهُوَ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِذَلِكَ أَوْ بِصِحَّةِ إخْرَاجِهَا كَانَا سَوَاءً فَيَمْتَنِعُ عَلَى السَّاعِي الْمُخَالِفِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَالِكَ بِإِخْرَاجِ غَيْرِ الْقِيمَةِ أَوْ شَافِعِيٌّ لِوَارِثِ نَازَعَهُ وَصِيٌّ فِي الصَّوْمِ وَطَلَبَ إخْرَاجَ طَعَامٍ بَدَلَهُ عَنْ مَيْتٍ بِصِحَّةِ صَوْمِهِ أَوْ بِمُوجَبِهِ امْتَنَعَ عَلَى الْوَصِيِّ إخْرَاجُ الطَّعَامِ وَمُطَالَبَةُ الْوَارِثِ أَوْ حَنْبَلِيٌّ لِمَنْ فَسَخَ حَجَّهُ إلَى الْعُمْرَةِ بِشَرْطِهِ فَلَمْ تُمَكِّنْهُ الزَّوْجَةُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْفَسْخِ أَوْ بِمُوجَبِهِ فَيَلْزَمُهَا تَمْكِينُهُ وَلَا يَقَعُ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا فِي نَحْوِ طَهَارَةٍ اسْتِقْلَالًا بَلْ تَبَعًا كَتَعْلِيقِ عِتْقٍ بِطُهْرٍ مَا فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلَّقِ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِعَدَالَةِ مَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ مَعَ مَسِّ فَرْجٍ أَوْ عَدَمِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ وُضُوئِهِ أَوْ صَلَاتِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَالْحُكْمُ عَلَى الْمُعَلَّقِ بِقَضِيَّةِ تَعْلِيقِهِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَة فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِإِلْزَامِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَا مُطْلَقًا وَجَمِيعُ الْأَمْلَاكِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ وَيَحْكُمُ إذَا اعْتَقَدَ مِلْكًا بِصِحَّةِ مِلْكِهِ.
وَيَحْكُمُ بِمُوجَبِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مُعْتَقَدِهِ فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحُكْمَانِ وَالْمُعَامَلَاتُ كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَالْإِلْزَامِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُثْبِتُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ لِغَيْرِهِ نَقْضَهُ وَكَإِلْزَامٍ بِالْإِقْبَاضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ وَعَلَى هَذَا لَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا عَلَى قَصْدِ الْإِلْزَامِ بِالْإِقْبَاضِ إلَّا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا حَبْسَ لِلْبَائِعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْمُوجَبِ فِيمَا ذُكِرَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ لَا مُطْلَقًا لِئَلَّا يَكُونَ مُلْزَمًا بِمَا لَا يَلْزَمُ وَالْحُكَّامُ يَتَسَاهَلُونَ فِي ذَلِكَ وَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ بَيْعٍ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ بَلْ بِالْمِلْكِ إنْ وَقَعَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْفَاسِدَ عِنْدَهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ هُنَا اسْتِقْلَالًا بِالْمِلْكِ أَوْ بِمُوجَبِ مَا جَرَى لَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا بِصِحَّةِ الْقَبْضِ وَجَمِيعُ الْفُسُوخِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمَانِ وَكُلُّ يَمِينٍ وَإِلْزَامٍ فِيمَا لَمْ يَقَعْ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ بَلْ بِمُوجَبِهَا وَهُوَ الْإِلْزَامُ.
وَإِذَا حُكِمَ بِمُوجَبِ الْقَرْضِ وَمِنْ عَقِيدَتِهِ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ وَمُنِعَ رُجُوعُ الْمُقْرَضِ فِي عَيْنِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ امْتَنَعَ أَوْ بِصِحَّتِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ لِأَنَّ صِحَّتَهُ لَا تُنَافِي الرُّجُوعَ فِيهِ أَوْ بِمُوجَبِ الرَّهْنِ أَوْ الْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَاهُ امْتَنَعَ عَلَى الْمُخَالِفِ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي لَا يَقُولُ بِهَا ذَلِكَ الْحَاكِمُ أَوْ بِصِحَّتِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْمُخَالِفِ ذَلِكَ وَلَا يَدْخُلُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ حَجْرُ صِبَا أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهَا إلَّا مَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْفَسَادِ وَالْحَجْرُ حُكْمُ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَلَوْ دَبَّرَ أَوْ أَوْصَى فَحَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجَبِهِ امْتَنَعَ عَلَى غَيْرِهِ الْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَوْ حَكَمَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ تَدْبِيرِهِ
بِمُوجَبِ حَجْرِ الصَّبِيِّ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تَدْبِيرِهِ وَحَجْرُ الْمَرَضِ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ فِي مَوَاطِنِ الِاخْتِلَافِ فَإِذَا وُجِدَ فَمَنْ يَمْتَنِعُ إقْرَارُهُ لِوَارِثٍ امْتَنَعَ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِمُوجَبِ حَجْرِ الْمَرَضِ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ إقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُخَالِفِ إبْطَالُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لَا مَا كَانَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ عَلَى الْبَائِعِ يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ عَلَيْهِ دُونَ مَالَهُ مِنْ الْمِلْكِ وَنَحْوِهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَقِسْ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ لِلْوَارِثِ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْحُكْمِ فَالْعِلَّةُ فِيهِ مَا ذُكِرَ وَإِنْ تَأَخَّرَ فَالْحُكْمُ لَا يَتَنَاوَلُ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَجَدِّدَةَ.
وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُوجَبَ الَّذِي هُوَ الْأَثَرُ لَا التَّصَرُّفَ الْجَدِيدَ وَيَدْخُلُ الْحُكْمَانِ أَيْضًا فِي بَقِيَّةِ الْمُعَامَلَاتِ كَالْإِقْرَارِ أَمَّا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ وَقَدْ يَفْسُدُ فَبِالْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ يَظْهَرُ أَنَّهُ وُجِدَتْ جَمِيعُ شُرُوطِهِ الْمُصَحَّحَةِ لَهُ وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِبَيْعِ عَيْنٍ فَهَلْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ قَالَ الْهَرَوِيُّ لَا يَتَضَمَّنُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ صُدُورُهُ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَهُوَ تَرَتُّبُ آثَارِهِ عَلَيْهِ الْمُوَافَقَةِ لِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ فَإِذَا حَكَمَ بِمُوجَبِ إقْرَارِ الْوَالِدِ وَمِنْ عَقِيدَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ أَنَّهُ يَرْجِعُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا لَهُ بِالرُّجُوعِ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ آثَارِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ دُونَ ثُبُوتِهَا لَهُ هَذَا إلَّا زِيَادَاتٍ فِي خِلَالِهِ مُلَخَّصُ كَلَامِ السُّبْكِيّ فِي كُتُبٍ لَهُ مُسْتَقِلٌّ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي رَأَيْتُهَا لَا تَخْلُو مِنْ سَقَمٍ فَلِذَا حَذَفْتُ مِنْهَا كَثِيرًا مَعَ فَهْمِ أَكْثَرِهِ مِمَّا ذَكَرْتُهُ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ لَبُطْلَانِ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي مِنْ وُجُوهٍ ظَاهِرَةٍ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ مِنْهَا مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهُ قَاضٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ وَإِلَّا لَمْ يُفَسِّرْهُ بِمَا مَرَّ عَنْهُ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ فَالْإِلْزَامُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ يَتَضَمَّنُ صِحَّتَهُ إلَخْ وَفِي هَذَا مِنْ الظُّهُورِ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ مَا لَا يَخْفَى وَمِنْهَا قَوْلُهُ فَأَمَّا إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ أَوْ هَذَا مَبِيعٌ وَهَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ فَلْيَعْرِفْ الْفَقِيهُ إلَخْ وَهَذَا هُوَ صُورَةُ مَسْأَلَتِنَا الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ فِيهَا إلَّا بِمُوجَبِ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ مِنْ الْبَيْعِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الشَّهَادَةِ حِينَئِذٍ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ بَعْدَهُ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يُدَانِيهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُسَاوِيَهُ لَوْ فُرِضَ مُخَالَفَتُهُمْ لَهُ فَكَيْفَ وَهُمْ وَافَقُوهُ كَمَا سَتَعْلَمُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْآتِي وَهَذَا كُلُّهُ يُنْبِئُكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمُفْتِي قَدْ بَادَرَ قَبْلَ التَّأَمُّلِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِإِبْرَازِ مَا مَرَّ عَنْهُ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ مِمَّا كَانَ غَنِيًّا مِنْ إبْرَازِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ عَارَهُ وَشَنَارَهُ مَا بَقِيَ هَذَا الْكِتَابُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فَالْحُكْمُ فِيهَا حِينَئِذٍ بِالْإِلْزَامِ وَهُوَ الْمُوجَبُ لَا بِالصِّحَّةِ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَلَوْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إمَّا عَامًّا إلَخْ وَمِنْهَا قَوْلُهُ أَوْ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلِّقِ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَيَحْكُمُ بِمُوجَبِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مُعْتَقِدِهِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَالْإِلْزَامِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إلَخْ فَهَذِهِ كُلُّهَا صَرَائِحُ فِي بُطْلَانِ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ وَمُعْلِنَةٌ بِأَنَّ الْمُفْتِي بِهِ لَمْ يَلْحَظْ فِي ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ غَيْرَ حَدَثِهِ وَهَوِيسِهِ وَكَلَامُ السُّبْكِيّ كُلُّهُ نَاطِقٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ صِيغَةٍ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا فَتَأَمَّلْهُ وَتَنَبَّهْ لِمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ عَلَى مَا لَمْ أَذْكُرْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اقْضِ عَلَى إفْتَاءِ ذَلِكَ الْمُفْتِي بِمَا يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُكَ وَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ أَنَّ مَعْنَى الْحُكْمِ بِمُوجَبِ صِيغَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ مَعَ حَدِّهِ بِمَا مَرَّ.
وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ
بِشَرْطِهَا وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمُخَالِفَ مِنْ التَّعَرُّضِ لِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ وَمَعَ مَا قَرَّرَهُ السُّبْكِيّ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ مَا تُلِيَ عَلَيْكَ فَمَعَ هَذِهِ الصَّرَائِحِ لَا يُفَسِّرُ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ بِمَا مَرَّ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي إلَّا مَنْ انْطَمَسَتْ بَصِيرَتُهُ وَفَسَدَتْ طَوِيَّتُهُ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ لِي وَلِأَحْبَابِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِمَّا يُبْطِلُ ذَلِكَ الْإِفْتَاءَ أَيْضًا مَا أَفْتَى بِهِ السُّبْكِيّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ دَارًا ذَكَرَتْ أَنَّهَا بِيَدِهَا وَمِلْكُهَا وَتَصَرُّفهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهَا وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لِنَفْسِهَا ثُمَّ لِوَلَدِهَا وَأَشْهَدَ حَاكِمٌ شَافِعِيٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ وَثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالْحُكْمِ بِهِ وَنَفَّذَهُ شَافِعِيٌّ آخَرُ فَأَرَادَ حَاكِمٌ مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ إبْطَالَ هَذَا الْوَقْفِ بِمُقْتَضَى شَرْطِهَا النَّظَرَ لِنَفْسِهَا وَاسْتِمْرَارَ يَدِهَا عَلَيْهَا وَمُقْتَضَى كَوْنِ الْحَاكِمِ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ بِالْمُوجَبِ لَا يَمْنَعُ النَّقْضَ وَأَفْتَاهُ بِمِصْرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِذَلِكَ تَعَلُّقًا بِمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ فِي قَوْلِ الْحَاكِمِ صَحَّ وُرُودُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَيَّ فَقَبِلْتُهُ قَبُولَ مِثْلِهِ وَأَلْزَمْتُ الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَصَوَّبَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ فِي جَوَابِهِ الصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَمْ لَا أَيْ فَإِنْ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ فَلَا.
وَلَيْسَ هَذَا الْحَصْرُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ امْتِنَاعِ النَّقْضِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ قَالَ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْمُقَرّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ فَإِذَا حَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ اسْتَلْزَمَ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ وَبِبُطْلَانِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ قَالَ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَمَّا الْإِقْرَارُ فَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُقِرِّ وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ كَذَلِكَ قَالَ وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْهَرَوِيِّ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مُوجَبِهِ عَائِدٌ عَلَى الْكِتَابِ وَمُوجَبُ الْكِتَابِ صُدُورُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ تَصَرُّفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَبُولُهُ وَإِلْزَامُ الْعَمَلِ بِهِ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزُورٍ وَأَنَّهُ مُثْبَتُ الْحُجَّةِ غَيْرُ مَرْدُودٍ وَمِنْ ثَمَّ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ مِنْهَا عَدَمُ مُعَارَضَتِهِ بَيِّنَةً أُخْرَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيُّ فِي بَقِيَّةِ كَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ الْكِتَابِ.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الرَّافِعِيُّ وَلَا الْهَرَوِيُّ فِيهِ بِشَيْءٍ فَزَالَ التَّعَلُّقُ بِكَلَامِهِمَا اهـ فَتَأَمَّلْ مَا حَقَّقَهُ هَذَا الْإِمَامُ وَنَقَّحَهُ وَبَيَّنَ بِهِ مُرَادَ الرَّافِعِيِّ وَالْهَرَوِيِّ وَأَنَّ تَمَسُّكَ ذَلِكَ الْمُفْتِي بِكَلَامِهِمَا خَطَأٌ وَأَنَّ انْحِصَارَ امْتِنَاعِ النَّقْضِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْمُقَرّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ وَأَنَّ الْحُكْمَيْنِ إنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَمَّا الْإِقْرَارُ فَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُقِرِّ وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ كَذَلِكَ وَبَعْدَ أَنْ اتَّضَحَ لَك ذَلِكَ تَعَلَّمْ فَسَادَ مَا وَقَعَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي السَّابِقِ كُلَّهُ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ إذْ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ كَمَا اسْتَلْزَمَ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ كَذَلِكَ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ وَأَيْضًا فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا كَالْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ السُّبْكِيّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا خَاصَّانِ إذْ الْحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى الْمُقِرِّ وَالْبَائِعِ دُونَ كُلِّ أَحَدٍ.
وَقَدْ بَيَّنَ السُّبْكِيّ كَمَا عَلِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَمِنْ كَلَامِهِ الَّذِي سُقْتُهُ أَوَّلًا أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ فِي هَذَا سَوَاءٌ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ وَاسْتَفِدْهُ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُسْتَفَادَ وَأَنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهِ الْمُتَفَقِّهُ بِكُلِّيَّتِهِ لِئَلَّا يَزِلَّ قَدَمُهُ وَيَطْغَى قَلَمُهُ كَمَا وَقَعَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِإِدْرَاكِ الصَّوَابِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ وَلِلْوَلِيِّ أَبِي زُرْعَةَ الْعِرَاقِيِّ تَصْنِيفٌ حَسَنٌ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَكَلَامُهُ فِيهِ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ كِتَابَ السُّبْكِيّ وَلَا إفْتَاءَهُ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُهُمَا لَك مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ إلَى هُنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيُّ فُرُوقًا بَيْنَهُمَا وَهِيَ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَسَأُلَخِّصُ تَصْنِيفَهُ وَأُنَبِّهُ عَلَى مَا وَافَقَ فِيهِ السُّبْكِيّ وَمَا خَالَفَهُ وَأُبَيِّنُ مَا فِي كَلَامِهِ مِمَّا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ الْمُفْتِي وَيُبَيِّنُ بُطْلَانَ كَلَامِهِ قَالَ عَهِدْنَا الْحُكَّامَ عَلَى طَرِيقِهِ فِي الْحُكْمَيْنِ وَهِيَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ قِيَامِ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ بِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ
الْعَقْدِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَبِالْمُوجَبِ إذَا لَمْ تَقُمْ بِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَنَّ عَمَلَهُمْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ لَا يَزِيدُ عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ لَكِنْ مَا زَالُوا يَرَوْنَ لَهُ تَمْيِيزًا عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ فِيمَا لَوْ طَلَبَ جَمْعٌ بِيَدِهِمْ أَرْضٌ مِنْ قَاضٍ قِسْمَتَهَا بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهَا مِلْكُهُمْ لَا يُجِيبُهُمْ قَالَ شَيْخُنَا الْبُلْقِينِيُّ تَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالْمُوجَبِ بِمُجَرَّدِ اعْتِرَافِهِمَا بِالْبَيْعِ لَا بِمُجَرَّدِ قِيَامِ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِمَا بِمَا صَدَرَ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي قِيلَ هُنَا يَأْتِي هُنَاكَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُونَ مَالِكِينَ فَيَكُونُ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّمَا هُوَ فِي تَصَرُّفٍ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَرُفِعَ إلَيْهِ فَقَدْ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ وَقَدْ يَحْكُمُ بِمُوجَبِهِ وَالِاصْطِلَاحُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ عِنْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَالثَّانِي يَكُونُ عِنْدَ إهْمَالِ الْبَيِّنَةِ ذَلِكَ فَأَمَّا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِوُقُوعِهِ عَلَى خِلَافِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةٍ وَلَا مُوجَبٍ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَمْ يَتَصَرَّفْ الْحَاكِمُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بَلْ الْغَيْرُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ وَالصَّادِرُ مِنْ الْحَاكِمِ حُكْمٌ عَلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِ الْحَاكِمِ مِنْ الْقِسْمَةِ هُنَا امْتِنَاعُهُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ لَا يُجِيبُهُمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إجَابَتُهُمْ بَلْ يَجُوزُ لَهُ اهـ وَمَا نَظَرَ بِهِ فِي كَلَامِ شَيْخِهِ وَاضِحٌ فَالْوَجْهُ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِرَافِ وَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ الْمَذْكُورَيْنِ وَمَا أَوْرَدَهُ أَوَّلًا عَلَى الْحُكَّامِ وَاضِحٌ أَيْضًا فَالصَّوَابُ كَمَا يَأْتِي أَنَّ لِلْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ تَمَيُّزَاتٍ عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فَأَمَّا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِوُقُوعِهِ عَلَى خِلَافِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِصِحَّةٍ وَلَا بِمُوجَبٍ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِ مَا ابْتَدَعَهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ تِلْكَ الصِّيغَةِ مِنْ الصِّحَّةِ أَوْ الْفَسَادِ وَعَجِيبٌ كَيْفَ سَاغَ لَهُ ابْتِدَاعُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَعَ أَنَّ كِتَابَ الْوَلِيِّ الْمَذْكُورَ عِنْدَهُ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِهَذَا وَبِمَا يَأْتِي وَكَأَنَّهُ بَادَرَ لِكِتَابَةِ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ النَّظَرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْمُوجَبِ وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ فَسَادُ الصِّيغَةِ أَوْ انْتِفَاءُ الشُّرُوطِ فِي الْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ زَلَّةٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ مِنْهَا لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ كَلَامَهُمْ صَرِيحٌ فِي إبْطَالِهَا وَتَزْيِيفِهَا قَالَ الْوَلِيُّ وَجَدْتُ لِشَيْخِنَا فُرُوقًا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ أَبْدَاهَا الْأَوَّلُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَنْصَبُّ إلَى إنْفَاذِ ذَلِكَ الصَّادِرِ مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ وَوَقْفٍ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَنْصَبُّ إلَى أَثَرِ ذَلِكَ الصَّادِرِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إذَا انْصَبَّ إلَى مَا ذَكَرَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إنْفَاذُ آثَارِهِ وَكَيْفَ يَنْفُذُ وَلَا تَنْفُذُ آثَارُهُ لَا سِيَّمَا وَالصِّحَّةُ عِنْدَ جَمْعٍ أَصُولِيِّينَ اسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ أَيْ كَوْنُ الشَّيْءِ تَتْبَعُهُ غَايَتُهُ وَيَتَرَتَّبُ وُجُودُهَا عَلَى وُجُودِهِ فَالْحُكْمُ بِهَا حُكْمٌ بِتَرَتُّبِ آثَارِهَا عَلَيْهَا وَكَيْفَ يُقَالُ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إنَّهُ يَنْصَبُّ لِلْآثَارِ خَاصَّةً وَكَيْفَ يَثْبُتُ بِدُونِ ثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ لَهَا فَالْحُكْمُ بِثُبُوتِهَا مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ بِلَا شَكٍّ فَلَوْلَا صِحَّةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ لَمَا حَكَمَ الْقَاضِي بِتَرَتُّبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ فَالصَّوَابُ تَضَمُّنُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا لَمَا تَرَتَّبَتْ الْآثَارُ فَالصِّحَّةُ هِيَ الْحُكْمُ الْجَامِعُ لِجَمِيعِ الْآثَارِ وَحِينَئِذٍ فَظَهَرَ اسْتِوَاءُ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِمُوجَبِ مَا صَحَّ دُونَ مَا فَسَدَ وَلَا يَصِحُّ الشَّيْءُ وَتَتَخَلَّفُ آثَارُهُ عَنْهُ فَإِذَا حَكَمَ بِالصِّحَّةِ فَقَدْ حَكَمَ بِتَرَتُّبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا لِلْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ عَامٍّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ آثَارِهَا فَإِنَّ مُوجَبَ الشَّيْءِ هُوَ مُقْتَضَاهُ وَهُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلَّ مُوجَبٍ بِخِلَافِ لَفْظِ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ بِالتَّضَمُّنِ لَا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ أَعْلَى وَهُوَ بِخِلَافِ الِاصْطِلَاحِ وَكَأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إنَّمَا عَلَتْ مَرْتَبَتُهُ عِنْدَهُمْ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْ وُجُودِ الشُّرُوطِ لَكِنْ هَذَا يَرْجِعُ إلَى الِاصْطِلَاحِ فِيمَا أَظُنُّ وَلَا يَظْهَرُ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ مَعْنًى مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِنْ حَاكِمٍ حُكْمٌ إلَّا بِحُجَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ إمَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِمَّا عِلْمٍ وَإِمَّا إقْرَارِ الْخَصْمِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْيَدِ وَإِمَّا الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَإِنَّمَا
نَازَعْتُ شَيْخَنَا فِي اسْتِنْبَاطِ هَذَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْقِسْمَةِ لَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ فَإِنِّي مُوَافِقٌ عَلَيْهِ فَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ فَحَكَمَ بِالصِّحَّةِ فَقَدْ حَكَمَ بِتَرَتُّبِ غَايَتِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَيْهَا لَا بِعُمُومٍ وَلَا بِخُصُوصٍ.
وَإِنْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ فَقَدْ أَتَى بِصِيغَةٍ شَامِلَةٍ لِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ فَإِنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ فِي تَنَاوُلِهَا لِكُلِّ فَرْدٍ فَرُدَّ كُلِّيَّةً فَكَأَنَّهُ نَصَّ بِذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ آثَارِهِ فَإِنْ قُلْتَ فَهَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ جَمِيعُ آثَارِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا قُلْتُ أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَلَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى حُكْمٍ وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَمَا كَانَ مِنْهَا قَدْ جَاءَ وَقْتَ الْحُكْمِ فِيهِ نَفَذَ وَمَا لَمْ يَجِئْ فِيهِ وَقْتَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْفُذْ مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يَحْكُمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ تَدْبِيرٍ فَمِنْ مُوجَبِهِ عِنْدَهُ مَنْعُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فَقَدْ حَكَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لِلسَّيِّدِ مِنْهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ شَافِعِيٌّ فِيهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ لَوْ وَقَعَ فَإِنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا بِقَضِيَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يُعَلِّقَ شَخْصٌ طَلَاقَ أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى تَزْوِيجِهِ بِهَا فَيَحْكُمُ مَالِكِيٌّ أَوْ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِهِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا فَبَادَرَ شَافِعِيٌّ وَحَكَمَ بِاسْتِمْرَارِ الْعِصْمَةِ نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَوْ تَزَوَّجَهَا لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَقَعْ إلَى الْآنَ فَكَيْفَ يَحْكُمُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ.
وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُتَحَقِّقٍ فَمَا هَذَا مِنْهُ إلَّا فَتْوَى وَتَسْمِيَتُهُ حُكْمًا جَهْلٌ أَوْ تَجَوُّزٌ يَعْنِي بِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ عِنْدَهُ أَنَّهُ نَبَّهَ وَأَلْزَمَ بِهِ وَكَيْفَ يُلْزِمُ بِمَا لَمْ يَقَعْ وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِصِيغَةِ عُمُومٍ وَهُوَ الْمُوجَبُ بَلْ حَكَمَ بِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْخَاصَّةِ فَقَالَ حَكَمْتُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَعُدَّ سَفَهًا وَجَهْلًا وَكَيْفَ يَحْكُمُ بِشَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَبَيْعِ هَذَا أَوْ نِكَاحِ هَذِهِ لَوْ وَقَعَ بِشَرْطِهِ بِخِلَافِ مَا مَرَّ عَنْ الْحَنَفِيِّ فِي الْمُدَبَّرِ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حَسَنٌ وَقَعَ بِسَبَبِ عَدَمِ تَدَبُّرِهِ خَبْطٌ فِي الْأَحْكَامِ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ تَوْجِيهَ الْحُكْمِ إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِهَا مُحَالٌ وَالْحُكْمُ بِمَنْعِ التَّزْوِيجِ بِهَا أَفْسَدُ مِنْهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ بِلَا تَوَقُّفٍ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْوُقُوعِ بَعْدَهُ وَلَا يُدْرَى هَلْ يَقَعُ نِكَاحٌ أَوْ لَا فَلَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الْحُكْمِ إلَى مَنْعِ النِّكَاحِ وَلَا إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي عِصْمَةٍ لَا يُدْرَى هَلْ تَقَعُ فِي الْوُجُودِ وَالْوَاقِعِ قَبْلَ النِّكَاحِ التَّعْلِيقُ وَهُوَ غَيْرُ مُوقَعٍ فِي الْحَالِ فَكَيْفَ يَحْكُمُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَعْ وَقِسْ عَلَى هَذَيْنِ بَقِيَّةَ الْأَمْثِلَةِ فَقَدْ عَرَفْتَ الْفَرْقَ الَّذِي أَوْجَبَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا اهـ.
وَالْفَرْقُ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ هُوَ عَيْنُ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ السَّابِقِ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَمُرَادُهُمَا أَعْنِي السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيَّ بِهَذَا الْفَرْقِ الَّذِي قَالَاهُ مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ بِقَوْلِهِ وَالتَّحْقِيقُ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَالصَّوَابُ تَضَمُّنُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إلَخْ هُوَ عَيْنُ قَوْلِ السُّبْكِيّ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى إلَخْ وَمَا ذَكَرَهُ فِي صُورَةِ التَّدْبِيرِ مَرَّ بِعَيْنِهِ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ مُوجَبَ الشَّيْءِ هُوَ مُقْتَضَاهُ تَبِعَ فِيهِ بَعْضَهُمْ وَقَدْ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّ الْمُوجَبَ أَعَمُّ ثُمَّ رَأَيْتُهُ تَعَقَّبَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي حِكَايَتُهُ عَنْهُ ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَ الْوَلِيِّ هَذَا الْمَأْخُوذَ أَكْثَرُهُ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ كَمَا أَشَرْتُ لَكَ إلَى ذَلِكَ وَجَدْتَهُ صَرِيحًا فِي بُطْلَانِ مَا مَرَّ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي سِيَّمَا قَوْلُهُ فَلَوْلَا صِحَّةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ لَمَا حَكَمَ الْقَاضِي بِتَرَتُّبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ فَالصَّوَابُ تَضَمُّنُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا لَمَا تَرَتَّبَتْ الْآثَارُ إلَخْ فَانْظُرْ ذَلِكَ وَتَعَجَّبْ مِمَّنْ يُخَالِفُ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ إيثَارًا لِهَوَاهُ وَحَظِّهِ.
قَالَ الْوَلِيُّ الْفَرْقُ الثَّانِي بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَالْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَخْتَصُّ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ حُكْمِ حَاكِمٍ بِصِحَّتِهِ أَوْ بُطْلَانِهِ فَأَرَادَ أَحَدُ وَرَثَتِهِ بَيْعَهُ فَمَنَعَهُ حَنَفِيٌّ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ بَلْ لَوْ أَرَادَ وَارِثٌ آخَرُ بَيْعَ حِصَّتِهِ امْتَنَعَ وَكَيْفَ يَسُوغ لَهُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِهِ وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ بِالْمُوجَبِ شَافِعِيًّا جَازَ لِلْوَارِثِ الثَّانِي الْبَيْعُ وَلَمْ يَجُزْ لِلْحَنَفِيِّ مَنْعُهُ مَعَ حُكْمِ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ اهـ وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ هُوَ عَيْنُ الْفَرْقِ الثَّانِي السَّابِقِ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ وَيُجَابُ عَنْ نَظَرِهِ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ لِأَحَدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّ فِيهِ إلْزَامًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ
دُونَ غَيْرِهِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ تَعْرِيفِهِمَا السَّابِقَيْنِ عَنْ السُّبْكِيّ وَقَدْ بَسَطَ السُّبْكِيّ الْكَلَامَ عَلَى الْفَرْقِ الثَّالِثِ السَّابِقِ عَنْهُ بِمَا يُعْلَمُ مِنْهُ جَوَابٌ آخَرُ فَرَاجِعْهُ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ عَنْ شَيْخِهِ.
الْفَرْقُ الثَّالِثُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الشُّرُوطِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَا يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَهَا دَائِمًا وَمُقْتَضَاهُ صُدُورُ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَنْ الْمَصْدَرِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ عَنْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَدَّمْتُ عَنْ شَيْخِنَا الْمَذْكُورِ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ مَسْأَلَةِ امْتِنَاعِ الْقَاضِي مِنْ الْقِسْمَةِ فِيمَا إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ مِلْكُ طَالِبِيهَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَقَعُ بِصِحَّةٍ وَلَا بِمُوجَبٍ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ النَّاسُ الْآنَ وَفِيهِ مَا قَدَّمْتُهُ ثُمَّ إنَّ فِي تَعْبِيرِ الشَّيْخِ عَنْ هَذَا الْفَرْقِ نَظَرًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَبِّرَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ الْمُتَعَاطِيَ لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ اسْتَوْفَى الْمَشْرُوطَ فِيهِ فَإِذَا وَقَعَ لِلْقَاضِي بَيْعٌ لَا يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يُثْبِتَ شُرُوطَ الْبَيْعِ مِنْ كَوْنِ الْمَبِيعِ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسَلُّمِهِ مَمْلُوكًا لِلْعَاقِدَيْنِ أَوْ لِمَنْ وَقَعَ لَهُ الْعَقْدُ مَعْلُومًا بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَكُونُ حُكْمُ الْقَاضِي بِثُبُوتِ جَمِيعِ الْآثَارِ ثَابِتًا إذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْعَاقِدَ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ وَمَنْفِيًّا فِيمَا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ اهـ.
وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ هُوَ عَيْنُ الْفَرْقِ الثَّالِثِ السَّابِقِ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَتَنْظِيرُهُ فِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ بِمَا وَضَّحَهُ فَتَأَمَّلْهُ سِيَّمَا قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ إلَخْ وَقَوْلُ الْوَلِيِّ مِنْ كَوْنِ الْمَبِيعِ ظَاهِرًا إلَخْ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ مَا قَدْ يُنَافِيهِ فَإِنَّهُ قَيَّدَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ الشُّرُوطَ بِالْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا ثُمَّ قَالَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ الشُّرُوطِ لَا يُعْتَبَرُ ثُبُوتُهَا فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ الْمُوجَبِ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا فِي الْمَبِيعِ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَخْ وَقَدْ يُجَابُ بِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ لِأَنَّ كَلَامَ الْوَلِيِّ فِي إثْبَاتِ نَحْوِ الْقُدْرَةِ وَكَلَامَ السُّبْكِيّ فِي إثْبَاتِ انْتِفَاءِ مُنَافِيهَا فَإِثْبَاتُ مُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ شَرْطٌ دُون إثْبَاتِ انْتِفَاءِ مُنَافِيهَا وَحَاصِلُ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ثُبُوتِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَهْلِيَّةِ الْعَاقِدَيْنِ وَوُجُودِ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُ وَالْمِلْكِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ يَكْفِي فِيهِ ثُبُوتُ الْأَوَّلَيْنِ ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ وَقَدَّمْتُهُ فِي الْجَوَابِ الْمُخْتَصَرِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
وَبِالثَّالِثِ صَرَّحَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فَقَالَ يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ مِلْكِ الْمُتَصَرِّفِ وَحِيَازَتِهِ تَحْتَ يَدِهِ حَالَ الْعَقْدِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَمَّا الْإِقْرَارُ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إلَّا عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ فَقَطْ لِلْمُقِرِّ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ يُنَافِي الْإِقْرَارَ وَيُبْطِلُهُ فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ثُبُوتِ يَدِ الْمُقِرِّ حَالَةَ الْإِقْرَارِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمَقَرِّ لَهُ جَازَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَبِالْمِلْكِ لِلْمَقَرِّ لَهُ وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ لِزَيْدٍ جَازَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَكْفِي لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ ثُبُوتُ الْحِيَازَةِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَكِنْ بِشَرْطِهَا أَيْ الْحِيَازَةِ وَهِيَ مُشَاهَدَةُ التَّصَرُّفِ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ وَبِمَا قَرَّرْته أَوَّلًا يُجَابُ عَنْ قَوْلِ الْوَلِيِّ وَلَيْتَ شِعْرِي إلَخْ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إنَّمَا اُشْتُرِطَتْ فِيهِ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ الصِّحَّةَ الْمُتَوَقِّفَةَ عَلَيْهَا هِيَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فَاحْتِيجَ فِيهَا لِإِثْبَاتِ شُرُوطِهَا بِخِلَافِهَا فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِالتَّضَمُّنِ كَمَا مَرَّ فَاحْتِيجَ فِيهِ إلَى إثْبَاتِ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ دُونَ الثَّالِثِ لِمَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى إلْزَامِ نَحْوِ الْبَائِعِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ عَنْهُ لَا إلَى إثْبَاتِ أَنَّهُ مِلْكُهُ إلَى حِينِ نَحْوِ الْبَيْعِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَبِهِ تَزُولُ الِاسْتِحَالَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْوَلِيُّ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْوَلِيَّ وَالْبُلْقِينِيَّ وَالسُّبْكِيَّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الْحُكْمَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّالِثِ فَالْأَوَّلُ يَشْتَرِطُهُ وَالْأَخِيرَانِ لَا يَشْتَرِطَانِهِ وَبِهَذَا يَزِيدُ لَكَ اتِّضَاحُ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ بُطْلَانِ مَا ابْتَدَعَهُ عَنْهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَقَدْ زَادَ التَّعَجُّبُ مِنْهُ فِي عَدَمِ مُرَاجَعَتِهِ لِكِتَابِ الْوَلِيِّ مَعَ كَوْنِهِ عِنْدَهُ وَلِكَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَالسُّبْكِيِّ بَلْ وَلِكَلَامِ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَوْ مَنْ هُوَ فِي رُتْبَةِ مَشَايِخِهِ حَيْثُ قَالَ لِلْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ شَرْطَانِ:
الْأَوَّلُ ثُبُوتُ وُجُودِ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُ
وَمَعْنَاهُ إنْ كَانَ مَالِكًا فَتَصَرُّفُهُ هَذَا صَحِيحٌ فَكَأَنَّهُ حَكَمَ بِصِحَّةِ تِلْكَ الصِّيغَةِ الصَّادِرَةَ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَهُوَ نَافِعٌ فِي الصُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا اهـ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ شَيْخِنَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا ثُبُوتُ أَهْلِيَّةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِشُهْرَتِهِمَا أَوْ بِالْبَيِّنَةِ وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِهَا قَبُولُ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ جَائِزُ التَّصَرُّفِ ثَانِيهَا وُجُودُ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ ثَالِثُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ حَالَةَ الْعَقْدِ نَعَمْ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ بَلْ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ خَاصَّةً لِلْمُقِرِّ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ يُنَافِي الْإِقْرَارَ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَلَهُ شَرْطَانِ ثُبُوتُ الْأَهْلِيَّةِ وَوُجُودُ الصِّيغَةِ فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَخَصُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَكُلُّ مَا جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِالصِّحَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِالْمُوجَبِ وَلَا عَكْسَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ بِيَدِ غَيْرِهِ لِزَيْدٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ فَقَوْلُ السُّبْكِيّ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ إلَّا أَنَّهُ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْبَيِّنَةُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَصَحِيحٌ أَوْ فَاسِدًا فَفَاسِدٌ اهـ فَمَعْنَى قَوْلِهِ إنْ كَانَ صَحِيحًا إلَخْ أَنَّهُ إنْ بَانَ وُجُودُ الشَّرْطِ الثَّالِثِ الْمُشْتَرَطِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ صَحِيحٌ بَلْ وَأَقْوَى مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الشَّرْطُ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَاسِدٌ إذْ لَا يُمْكِنُ تَرَتُّبُ الْآثَارِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ دُونَ الْمِلْكِ لِمَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ إلْزَام الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا لَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ إلْزَامُهُ بِهِ وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ إلْزَامُهُ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ الْإِلْزَامُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ وَلَقَدْ صَرَّحَ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ وَنَاهِيكَ بِهِ مِنْ أَجِلَّاءِ الْأَصْحَابِ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ بِمَا قَالَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تِلْكَ الصِّيغَةِ حَيْثُ قَالَ لَوْ أَقَرَّ شَخْصٌ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي بِحَقٍّ فَقَالَ لَهُ أَلْزَمْتُكَ بِمُوجَبِ إقْرَارِكَ قِيلَ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاجِبٌ قَبْلَ إقْرَارِهِ وَقِيلَ بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِي صِحَّتِهِ فَإِذَا أَلْزَمَهُ بِهِ كَانَ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى إقْرَارِهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ بَعْدَ الْإِلْزَامِ اهـ. وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْإِلْزَامِ فَلَوْ أُلْزِمَ بَعْد غَيْبَةِ الْمُقِرِّ كَانَ كَالْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ اهـ.
وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ التَّعْلِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَكِنْ غَالِبًا وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إلَخْ دَالٌّ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ صَرِيحَةٌ فِيمَا قُلْنَا فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فِي عِلَّةِ الْأَوَّلِ قُلْتُ عِلَّةُ الْأَوَّلِ صَحِيحَةٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّهَا لَا يَنْتُجُ مِنْهَا عَدَمُ الْفَائِدَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الْقَائِلُ الْأَوَّلُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ لَهَا فَائِدَةً أَيَّ فَائِدَةٍ وَلَوْلَا الِاتِّفَاقُ عَلَى تِلْكَ الْفَائِدَةِ لَمْ يَقُلْ بِهَا الثَّانِي وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خِلَافِ الْغَالِبِ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّوَهُّمَ مَدْفُوعٌ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْغَالِبِ بِأَنْ يُحْتَجَّ بِهِ حَتَّى يُعْلَمَ خُرُوجُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ الْغَالِبِ وَأَمَّا تَنْظِيرُ شَيْخِنَا فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ الْمَذْكُورِ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ بَلْ الْحُكْمُ حُكْمٌ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْبَيِّنَةُ فِيهِ إلَخْ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ مَا يُصَرِّحُ بِهِ فَالسُّبْكِيُّ لَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ عَلَى فَرْضِ وُجُودِ شَرْطِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي الْبَاطِنِ وَإِلَّا فَالسُّبْكِيُّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ وَبِالْمُوجَبِ الْأَوَّلَانِ مِنْهَا فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ بِالِاسْتِلْزَامِ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْتُهُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمَا قَرَّرْته مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا يُحْتَمَلُ عَلَى فَرْضِ صِدْقِ الْبَيِّنَةِ وَالْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَحْتَمِلُهُ وَإِنْ فُرِضَ صِدْقُ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَهَادَتُهَا بِالْمِلْكِ فَعَلَى فَرْضِ صِدْقِهَا يُحْتَمَلُ انْتِفَاءُ الْمِلْكِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فَاسِدًا وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا دَلَالَةَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي فِي كَلَامِ شَيْخِنَا هَذَا لِمَا صَرَّحَ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يُشْتَرَط فِيهِ الشَّرْطَانِ السَّابِقَانِ وَمِنْ جُمْلَتِهِمَا وُجُودُ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنْ قُلْتَ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمُعْتَبَرَةِ قُلْتُ
أَلْ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّكْرَى لِسَبْقِ لَفْظِهَا مُقَيَّدًا بِالْمُعْتَبَرَةِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِلتَّقْيِيدِ بِهِ فِي هَذِهِ لِعِلْمِهِ مِنْ أَلْ الْعَهْدِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِهِ لِلرَّوْضِ فَقَالَ مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الْمِلْكُ صَحَّ فَكَأَنَّهُ حُكْمٌ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ اهـ فَتَأَمَّلْ عِبَارَتَهُ هَذِهِ تَجِدْهَا صَرِيحَةً فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْتُهُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ غَيْرُ الشَّيْخِ أَيْضًا مِنْ السُّبْكِيّ وَجَمْعٍ آخَرِينَ فَقَالُوا شَرْطُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وُجُودُ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِلْزَامُ بِتَرَتُّبِ الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ لِذَلِكَ الْعَقْدِ إلَّا إنْ صَحَّتْ صِيغَتُهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَعْلَمْ فَسَادَ أَخْذِ ذَلِكَ الْمُفْتِي مَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ السَّابِقَةِ عَنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ.
فَإِنَّ الْعِبَارَاتِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ جَمِيعَهَا قَدْ تُلِيَتْ عَلَيْكَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ لَهُ كَلَامٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُهُ وَمَا سَأَذْكُرُهُ وَكُلُّهُ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى ذَلِكَ الْمُفْتِي وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ مُرَادِفٌ لِلثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ وَهُوَ خَرْقٌ لِإِجْمَاعِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَوَجْهُ اسْتِلْزَامِهِ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ صِحَّةُ الصِّيغَةِ كَانَ هُوَ عَيْنَ الثُّبُوتِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي مَبْحَثِ الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ أَوَائِلَ هَذَا الْبَابِ.
قَالَ الْوَلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْفَرْقُ الرَّابِعُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الصَّادِرُ صَحِيحًا بِاتِّفَاقٍ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي مُوجَبِهِ فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالصِّحَّةِ وَلَوْ حَكَمَ فِيهِ بِالْمُوجَبِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالْمُوجَبِ وَلَا بَأْسَ بِهَذَا الْفَرْقِ لَكِنَّ إطْلَاقَهُ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالْمُوجَبِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ جَاءَ وَقْتَ الْحُكْمِ بِمُوجَبِهِ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجَبُهُ عِنْد الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ اهـ وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ عَيْنُ قَوْلِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ فَإِنْ صَحَّ الصَّادِرُ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ فِي مُوجَبِهِ لَمْ يَمْنَعْ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِيهِ الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِهَا مِثَالُهُ التَّدْبِيرُ إلَخْ.
قَالَ الْوَلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْفَرْقُ الْخَامِسُ أَنَّ كُلَّ دَعْوَى كَانَ فِيهَا إلْزَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ كَانَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ بِالْإِلْزَامِ وَهُوَ الْمُوجَبُ وَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ وَجْهَا صِحَّةٍ وَإِبْطَالٍ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ قُلْتُ لَمْ يَظْهَرْ لِي هَذَا الْفَرْقُ فَإِنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَى إنْسَانٍ بِمِائَةٍ فَأَقَرَّ بِهَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ ثَبَتَ إقْرَارُهُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُسْمَعْ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ بَلْ بِمُوجَبِهِ وَلَا يَظْهَرُ لِهَذَا مَعْنًى فَتَأَمَّلْ وَقَدْ رَجَعَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ اهـ وَهَذَا الْفَرْقُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ عَنْهُ فِي فَرْقِهِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَقَوْلِ الْوَلِيِّ لَا يَظْهَرُ لِهَذَا مَعْنًى إنْ أَرَادَ أَنَّ مَنْعَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ لَا إلْزَامَ فِيهِ وَالْقَصْدُ إيجَادُ حُكْمٍ فِيهِ إلْزَامٌ فَالْمُرَادُ بِمَنْعِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ هُنَا مَنْعُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمُقَرَّ لَهُ لَا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى فِي الْفَرْقِ فَقَدْ عَلِمْتَ ظُهُورَ مَعْنَاهُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمُقَرَّ لَهُ بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهُ يُفِيدُهُ وَقَوْلُهُ وَقَدْ رَجَعَ إلَى مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ ظَاهِرٌ وَقَدْ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَالْوَلِيِّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَأَنَّ مَا مَرَّ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي مُخْتَرَعٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ يُعَضِّدُهُ وَلَا مُسْتَنَدَ يُؤَيِّدُهُ.
قَالَ الْوَلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْفَرْقُ السَّادِسُ أَنَّ تَنْفِيذَ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ يَكُونُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ الْمُوَافِقِ وَكَذَا عِنْدَ الْمُخَالِفِ الَّذِي يُجِيزُ التَّنْفِيذَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَيَكُونُ بِالْمُوجَبِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِلْزَامُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَقَوْلُ الْقَاضِي حَكَمْتُ بِحُكْمِ فُلَانٍ مُسَاوٍ لِقَوْلِهِ حَكَمْتُ بِمُوجَبِ حُكْمِ فُلَانٍ إذَا أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ الْإِلْزَامُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِلْزَامُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَحْكُومِ فِيهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الْمُوَافِقِ دُونَ الْمُخَالِفِ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمُخَالِفِ قُلْتُ لَمْ يَتَحَرَّرْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فَرْقٌ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ الْإِلْزَامُ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ اسْتَوَى الْحُكْمَانِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِلْزَامُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ
حُكْمِ الْمُخَالِفِ امْتَنَعَ ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ فَإِنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَرَاهُ وَلَيْسَ هَذَا تَنْفِيذًا بَلْ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ بِمَا لَمْ يَرَهُ الْحَاكِمُ بِهِ اهـ وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ عَيْنُ قَوْلِ السُّبْكِيّ فِيمَا مَرَّ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَكُونُ بِالصِّحَّةِ إلَخْ إلَّا أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ زَادَ عَلَيْهِ بِتَفْصِيلٍ أَوْجَبَ لِلْوَلِيِّ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ حَكَيَا عَنْ ابْنِ كَجٍّ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ إذَا كُتِبَ إلَى حَاكِمٍ بِحُكْمٍ لَا يَنْقُضُ وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ بَلْ رَأَى غَيْرَهُ أَصْوَبَ مِنْهُ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَا يُنْفِذُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَطَأً ثُمَّ حَكَيَا عَنْ السَّرَخْسِيِّ تَصْحِيحَ التَّنْفِيذِ قَالَا وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ تَغَيُّرًا لَا يَقْتَضِي النَّقْضَ وَتَرَافَعَ خُصَمَاءُ الْحَادِثَةِ إلَيْهِ فِيهَا فَإِنَّهُ يُمْضِي حُكْمَهُ الْأَوَّلَ وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ وَجَزَمَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ بِالْأَوَّلِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ فِي الثَّانِي وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فَإِنَّهُ تَرْجِيحٌ لَهُ قَالَ الْوَلِيُّ وَذَكَر شَيْخُنَا أَنَّ الْحُكْمَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِي نَحْوِ حُكْمٍ حَنَفِيٍّ بِصِحَّةِ أَوْ مُوجَبِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ شُفْعَةِ جِوَارٍ أَوْ وَقْفٍ عَلَى نَفْسٍ فَلَيْسَ لِشَافِعِيٍّ نَقْضُهُ كَعَكْسِهِ فِي إجَارَةِ جُزْءٍ شَائِعٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي مَسَائِلَ بَعْضُهَا الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ أَقْوَى كَحُكْمٍ شَافِعِيٍّ بِوَكَالَةٍ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ فَلِلْحَنَفِيِّ إبْطَالُ حُكْمِهِ بِمُوجَبِهَا لَا بِصِحَّتِهَا لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمُخَاصَمَةُ صَحَّتْ أَوْ فَسَدَتْ لِأَجْلِ الْإِذْنِ.
فَالْحُكْمُ بِهِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَسَاغَ لِلْحَنَفِيِّ إبْطَالُهُ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَرَّدَ حُكْمَهُ لِلْأَثَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِصِحَّةِ الْمَلْزُومِ وَلَا لِعَدَمِهَا وَالْحَنَفِيُّ يَقُولُ بِبُطْلَانِهَا فَلَمْ يُوقِعْ الشَّافِعِيُّ حُكْمًا فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ هَذَا كَلَامُ شَيْخِنَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْآثَارِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُؤَثِّرِ فَلَوْلَا صِحَّةُ عَقْدِ الْوَكَالَةِ لِمَا حُكِمَ بِتَرَتُّبِ آثَارِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ الْأَخِيرِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ فَإِنْ قُلْتَ الْوَكَالَةُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرٌ وَهُوَ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ بِعُمُومِ الْإِذْنِ وَإِنْ فَسَدَتْ قُلْتُ مِنْ جُمْلَةِ مُوجَبِهَا وَمُقْتَضَاهَا صِحَّتُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْخَصْمُ فَقَدْ تَنَاوَلَهُ حُكْمُهُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَرَّدَ حُكْمَهُ لِلَّازِمِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِحَّةِ الْمَلْزُومِ وَلَا لِبُطْلَانِهِ بَلْ قَدْ تَعَرَّضَ لَهَا ضِمْنًا كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ صَرِيحًا كَمَا اعْتَقَدَهُ لِأَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجَبِ قَدْ خَلَتْ فِي حُكْمِهِ بِالْمُوجَبِ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الْمَوَاجِبِ وَلَوْ كَانَ التَّوْكِيلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَاسِدًا كَالْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ لَمْ يَسُغْ لَهُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْوَكَالَةِ اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ التَّصَرُّفِ لِعُمُومِ الْإِذْنِ.
لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجَبِ الصِّحَّةُ وَالْوَكَالَةُ الْمَذْكُورَةُ بَاطِلَةٌ فَلَمْ يَثْبُتْ جَمِيعُ مُوجَبِهَا فَإِذَا حَكَمَ فَلْيُوَجِّهْ حُكْمَهُ إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْآثَارِ وَهُوَ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ وَلَا يَأْتِي بِصِيغَةٍ تَعُمُّ جَمِيعَ الْمَوَاجِبِ لِفَسَادِ ذَلِكَ اهـ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ كَلَامَ شَيْخِهِ فِي صُورَةِ الْوَكَالَةِ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى لِوُجُودِ الْإِلْزَامِ فِيهِ وَتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إمَّا عَامًّا إلَخْ لَا يُقَالُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ قَوْلُ السُّبْكِيّ السَّابِقُ وَلَوْ حَكَمَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ تَدْبِيرِهِ بِمُوجَبِ حَجْرِ الصَّبِيِّ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تَدْبِيرٍ لِأَنَّا نَقُولُ حُكْمُهُ بِمُوجَبِ الْحَجْرِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلتَّدْبِيرِ لِأَنَّهُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ فَلَمْ يَسْتَلْزِمْ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تَدْبِيرِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فَلَيْسَتْ صِحَّةُ التَّدْبِيرِ مِنْ مُوجَبِ الْحَجْرِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْبُلْقِينِيُّ الْمَذْكُورَةِ وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا قَالَهُ الْوَلِيُّ فِيهَا الْمُوَافِقَ لِمَا قَدَّمْتُهُ عَنْ السُّبْكِيّ وَلِقَوْلِ الْبُلْقِينِيُّ إنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ زَادَ لَكَ إيضَاحُ فَسَادِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ السَّابِقَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي فِي تَفْسِيرِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَلَا تَظُنَّ أَنَّ كَلَامَ الْبُلْقِينِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُؤَيِّدُهُ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَرْدُودًا وَمُنَاقِضًا لِكَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ نَفْسِهِ فِي أَثَرٍ وَجَّهَ إلَيْهِ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ دُونَ الْمُؤَثِّرِ.
وَأَمَّا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَالْحَاكِمُ لَمْ يُوَجِّهْ حُكْمَهُ بِالْمُوجَبِ لِأَثَرٍ مِنْ آثَارِهَا إذْ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ لَيْسَ إلَّا فَسَادُ ذَلِكَ الْبَيْعِ أَوْ صِحَّتُهُ وَأَيْضًا فَالْمُوجَب ثُمَّ الَّذِي هُوَ الْإِلْزَامُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِصِحَّةِ مُخَاصِمَةِ الْوَكِيلِ لَهُ
يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ كَالصَّحِيحَةِ وَأَمَّا الْمُوجَبُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ الَّذِي هُوَ إلْزَامُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ فَعَلَى فَرْضِ أَنَّا نُوَافِقُ الْبُلْقِينِيُّ فِي صُورَةِ الْوَكَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ لَا شَاهِدَ فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي فِي صُورَتِنَا بَلْ مَا ذَكَرَهُ فِيهَا بِدْعٌ مِنْ الْقَوْلِ وَمَيْلٌ عَنْ جَادَّةِ الصَّوَابِ قَالَ الْوَلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَيْ وَهُوَ مَا الْحُكْمُ فِيهِ بِالْمُوجَبِ أَقْوَى كَحَنَفِيٍّ حَكَمَ بِمُوجَبِ تَدْبِيرِ بِمُوجَبِ شِرَاءِ دَارٍ لَهَا جَارٌ يَمْنَعُ الْحَنَفِيَّ مِنْ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ وَلَوْ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ عِنْدَهُمَا أَوْ بِمُوجَبِ إجَارَةٍ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْحَنَفِيَّ مِنْ الْحُكْمِ بِإِبْطَالِهَا بِالْمَوْتِ لِأَنَّ مِنْ مُوجَبِهَا الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ لِلْوَرَثَةِ بِخِلَافِ حُكْمِهِ بِالصِّحَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ هَذِهِ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ مَمْنُوعَةٌ وَفَارَقَتْ الصُّورَتَيْنِ قَبْلَهَا بِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا بِالْمُوجَبِ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ فَنَفَذَ لِأَنَّهُ مَنَعَ الْمُدَبَّرَ وَالْجَارِيَةَ مِنْ الْبَيْعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ وَجَّهَهُ إلَيْهِمَا صَرِيحًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِجَارَةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ إلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ وَقْتُهُ وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ وَلَوْ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِ فَقَالَ حَكَمْتُ بِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ كَانَ لَغْوًا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْحُكْمِ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِ أَجْنَبِيَّةٍ إذْ هُمَا مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ اهـ وَالصُّورَتَانِ الْأُولَيَانِ سَبَقَتَا فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَالثَّالِثَةُ الَّتِي زَادَهَا هِيَ الَّتِي تَوَجَّهَ عَلَيْهَا
اعْتِرَاضُ
تِلْمِيذِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِيهَا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا تَوَجَّهَ إلَى الِانْفِسَاخِ ضِمْنًا وَلَا صَرِيحًا وَإِنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى بَقَاءِ الْعَقْدِ وَاسْتِمْرَارِهِ وَهَذَا قَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ فَتَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَبِهِ فَارَقَتْ مَسْأَلَةَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ حَالَ حُكْمِهِ ثُمَّ بِالْمُوجَبِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ حَتَّى يَنْصَبَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَتْبِعَ مَنْعَ التَّزْوِيجِ.
وَهُنَا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ تَوَجَّهَ إلَى مَوْجُودٍ حَالَ الْحُكْمِ وَهُوَ الْبَقَاءُ وَالِاسْتِمْرَارُ فَصَحَّ الْحُكْمُ فِيهِ وَمِنْ لَازِمِهِ امْتِنَاعُ الْحَنَفِيِّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْفَسْخِ لِأَنَّهُ يُنَافِي حُكْمَ الشَّافِعِيِّ بِالْبَقَاءِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ يَزُولُ بِهِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْوَلِيُّ عَلَى شَيْخِهِ قَالَ الْوَلِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ أَنَّ ضَابِطَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ نُوزِعَ فِي الصِّحَّةِ وَلَمْ تَتَرَتَّبْ الْآثَارُ إلَّا بَعْدَهَا كَانَ الْحُكْمُ بِهَا رَافِعًا لِلْخِلَافِ مُسَاوِيًا لِلْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَوْ فِي الْآثَارِ وَاللَّوَازِمِ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ فَيَكُونُ الْمُوجَبُ أَقْوَى فَإِنْ تَرَتَّبَتْ مَعَ فَسَادِهِ كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَقْوَى قُلْتُ مَحَلُّ ارْتِفَاعِ الْخِلَافِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ حَيْثُ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ وَوُجُودِ سَبَبِهِ وَمَرَّتْ أَمْثِلَةُ ذَلِكَ مُوَضَّحَةً وَبَقِيَ مِثَالٌ فِيهِ تَوَقُّفٌ وَهُوَ مَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ التَّغْيِيرَ وَحَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِهِ ثُمَّ غَيَّرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الشَّافِعِيِّ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ إذْنٍ شَرْعِيٍّ لَهُ فِيهِ وَأَنْ لَا يَمْتَنِعَ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إذْنِ الْحَنَفِيِّ لَهُ فِيهِ وُقُوعُهُ فَقَدْ لَا يَقَعُ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إذْ لَوْ وُجِّهَ حُكْمُهُ إلَيْهِ فَقَالَ حَكَمْتُ بِمُوجَبِ التَّغْيِيرِ أَوْ صِحَّتِهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ عَلَى الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ اهـ.
وَلَمْ يُرَجِّحْ مِنْ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ شَيْئًا وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ وَقْتِهِ بَلْ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ لِلْوَاقِفِ فِي التَّغْيِيرِ فَالْإِذْنُ وَقَعَ لَهُ فِي وَقْتِهِ فَلَوْ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ تَغْيِيرِهِ لَكَانَ فِيهِ رَفْعٌ لِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ الصَّحِيحِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَتَأَمَّلْ هَذَا الضَّابِطَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ قَوْلُهُ فَاسْتَوْلَى الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ إذَا كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ الصِّحَّةَ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِي رَدِّ مَا مَرَّ عَنْ الْمُفْتِي وَمِمَّا يُبْطِلُهُ وَيُسَفِّهُهُ قَوْلُ الْوَلِيِّ أَيْضًا وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَإِلَى آثَارِهِ تَضَمُّنًا وَأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ مُتَوَجِّهٌ إلَى آثَارِهِ صَرِيحًا وَإِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ تَضَمُّنًا فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ إلَّا عَلَى مَا بَحَثَهُ مِنْ تَوْجِيهِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجَمِيعِ آثَارِهِ صَرِيحًا فَإِنَّ الصِّحَّةَ مِنْ مُوجَبِهِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ أَقْوَى مُطْلَقًا لِسَعَتِهِ وَتَنَاوُلِهِ الصِّحَّةَ وَآثَارَهَا ثُمَّ وَجَدْتُ بَعْضَهُمْ قَالَ لَيْسَ الْمُوجَبُ وَالْمُقْتَضَى وَاحِدًا كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ لِأَنَّ