الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمُقْتَضَى لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَالْمُوجَبُ قَدْ يَنْفَكُّ فَقَضِيَّةُ الْبِيَعِ اللَّازِمِ انْتِقَالُ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَمُوجَبُهُ أَنْ يُرَدَّ بِالْعَيْبِ لَوْ وُجِدَ وَقَدْ لَا يُوجَدُ وَقَدْ يُرَدُّ بِهِ وَقَدْ لَا يُرَدُّ فَعَلَى هَذَا الْمُوجَبُ أَعَمُّ مِنْ الْمُقْتَضَى فَتُعَلِّقُ بِهَذَا الْكَلَامِ.
عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَمْ يُوجَدْ قُلْتُ لَا نُسَلِّمُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ بَلْ الْمُوجَبُ أَقْرَبُ إلَى عَدَمِ الِانْفِكَاكِ لِأَنَّ الْمُوجَبَ مَفْعُولُ أَوْجَبَ وَالْمُقْتَضَى مَفْعُولُ اقْتَضَى أَيْ طَلَبَ فَالْمُوجَبُ فِيهِ طَلَبٌ بِتَأْكِيدٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا فِيهِ تَأْكِيدٌ قَدْ يَنْفَكُّ وَمَا لَا تَأْكِيدَ فِيهِ لَا يَنْفَكُّ هَذَا مُقْتَضَى اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ، فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُوجَبِ يَنْفَكُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِهِ مَا لَمْ يُوجَدْ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إلَى مَا وَجَدَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ اهـ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَدْ مَرَّ لَكَ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَهُوَ وَإِنْ سَلِمَ فَالْأَخْذُ مِنْهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا وَجَدَ كَمَا مَرَّ وَاضِحًا مُبِينًا وَقَدْ لَخَّصْتُ لَك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَمْ تَجِدْهُ فِي كِتَابٍ فَاعْتَنِ بِتَحْرِيرِهِ وَتَحْقِيقِهِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ عَنْ سَمْعِكَ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَالْوَلِيِّ وَشَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا وَغَيْرِهِمَا مَا قَضَى عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي بِأَنَّهَا مِنْ السَّفْسَافِ الَّذِي لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا تُرْفَعَ لَهَا رَأْسٌ فَلَا تُؤَهَّلُ لِذَكَرِهَا وَرَدِّهَا لَكِنْ دَعَا إلَى ذَلِكَ مَا غَلَبَ عَلَى أُنَاسٍ مِنْ الْجَهْلِ وَالتَّعَصُّبِ فَعَدُوّهَا مِنْ مَحَاسِنِ ذَلِكَ الْمُفْتِي وَهُمْ مَعْذُورُونَ لِأَنَّهُمْ لَا إلْمَامَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْفِقْهِ وَإِلَّا لَعَدُّوهَا مِنْ مَسَاوِئِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ فِيهَا إلَى مُجَرَّدِ حَدْسِهِ وَهَوَسِهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ وَخَتَمَ لِي وَإِيَّاهُ بِالْحُسْنَى إنَّهُ بِكُلِّ خَيْرٍ كَفِيلٌ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْبَغَوِيّ لَوْ رُفِعَ لِحَاكِمٍ قَضِيَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وُجُوهٍ مِنْ الْفَسَادِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَتَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ لَا أَبَ لَهَا وَلَا جَدَّ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَادَّعَى عِنْدَهُ بِهَا مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْهَا الْمُقْتَضِيَيْنِ لِبُطْلَانِهَا عِنْدَنَا فَحُكِمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلِلشَّافِعِيِّ إبْطَالُهُ مِنْ الْوَجْهِ الْآخَرِ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ) اعْلَمْ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَمَ فِي مَسَائِلَ خَالَفَهُ عُمَرُ رضي الله عنهما فِيهَا وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ وَحَكَمَ عُمَرُ فِي الْمُشَرَّكَةِ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ ثُمَّ بِالْمُشَارَكَةِ وَقَالَ ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي وَقَضَى فِي الْجَدِّ قَضَايَا مُخْتَلِفَةً وَإِنَّمَا امْتَنَعَ النَّقْضُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ وَفِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا لَا يُطَاقُ وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الثَّانِي لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ قَطْعًا وَإِنَّمَا الظُّنُونُ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ وَحُكْمَ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ.
وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ مِنْ التَّوَقُّفِ عَلَى الرَّفْعِ مُنَازَعٌ فِيهِ إذَا خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ظَنِّيًّا وَاضِحَ الدَّلَالَةِ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَهُوَ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَوْ بِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ كَقِيَاسِ الضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ أَوْ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ فِي مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ فِي الْبَقِيَّةِ، وَفِي تَعْبِيرِهِمْ بِالنَّقْضِ مُسَامَحَةٌ إذْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ وَذَكَرَ الْأَئِمَّةُ لِبَعْضِ ذَلِكَ أَمْثِلَةً كَنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَالْعَرَايَا، وَالْقَوَدِ فِي الْمُثْقَلِ، وَكَقَتْلِ مُسْلِمٍ بِذِمِّيٍّ، وَصِحَّةِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَالْمُتْعَةِ، وَزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ بَعْد أَرْبَعِ سِنِينَ، وَالْعِدَّةِ، وَكَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بَعْدَ حَوْلَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْضِهَا؛ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى النَّقْضِ، وَفِيهِ تَحْرِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ، قَالَ الْقَرَافِيُّ وَيَنْقُضُ أَيْضًا مَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ، قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: أَوْ كَانَ حُكْمًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، قَالَ السُّبْكِيّ وَمَا خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ كَمُخَالِفِ النَّصِّ، وَمَا خَالَفَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ كَمُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ.
قَالَ وَأَمَّا مُجَرَّدُ التَّعَارُضِ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بَعْد الْحُكْمِ بِخِلَافِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي حُكِمَ فِيهَا فَلَا نَقْلَ فِيهِ وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِهِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ، لَكِنْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ مُخَالَفَةٌ فِي شَهَادَةٍ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ حَكَمَ بِهَا ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ دُونَ قِيمَةِ الْمِثْلِ وَقَدْ بَيَّنْتُ الرَّاجِحَ مِنْ
ذَلِكَ وَمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْفَتَاوَى وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَيْضًا أَنْ يَنْقُضَ جَمِيعَ أَحْكَامِ مَنْ قَبْلَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا كَذَا قَالُوهُ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ بِمَنْ لَمْ يُوَلِّهِ ذُو شَوْكَةٍ لِنُفُوذِ أَحْكَامِ مَنْ وَلَّاهُ وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ بَلْ وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي الْبَحْرِ قَالَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَلَوْ اُسْتُقْضِيَ مُقَلِّدٌ لِلضَّرُورَةِ فَحَكَمَ بِمَذْهَبِ غَيْرِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ أَيْ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
قِيلَ وَهَذَا إنَّمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ بَحْثًا لَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ اهـ وَيُرَدُّ بِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ بَحْثٌ لَهُ فَهُوَ بَحْثٌ ظَاهِرٌ وَكَفَى بِتَقْرِيرِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَهُ وَأَمَّا إطْلَاقُ الْأَنْوَارِ النَّقْضَ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ كَالْغَزَالِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلَّدِ اتِّبَاعُ مَنْ شَاءَ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ الْأَنْوَارَ شَارِحُهُ فَقَالَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إطْلَاقِ النَّقْضِ مَمْنُوعٌ اهـ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي قُضَاةِ زَمَانِنَا لِأَنَّ مُوَلِّيَهُمْ يَشْرِطُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ دُونَ غَيْرِهِ اهـ قُلْتُ إنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ التَّوْلِيَةِ وَلُزُومِ الشَّرْطِ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ شَرَطَ عَلَى النَّائِبِ أَنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ أَوْ اجْتِهَادَ مُقَلِّدِهِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ خَالَفَ كُلَّ شَرْطٍ حَنَفِيٍّ عَلَى شَافِعِيٍّ الْحُكْمُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه قَالَ فِي الْوَسِيطِ حُكْمٌ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَّفِقَةِ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَهَذَا حُكْمٌ مِنْهُ بِصِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ وَرِعَايَةِ الشَّرْطِ لَكِنَّ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبَ الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ وَغَيْرَهُمْ قَالُوا لَوْ قَلَّدَ الْإِمَامُ رَجُلًا الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ بِمَذْهَبٍ عَيَّنَهُ بَطَلَ الشَّرْطُ وَالتَّقْلِيدُ جَمِيعًا.
وَقَضِيَّةُ هَذَا بُطْلَانُ الِاسْتِخْلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَسِيطِ وَأَفْتَى الْقَاضِي فِي نَحْوِ ذَلِكَ بِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ فَقَطْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ لَمْ تَجْرِ صِيغَةٌ بِشَرْطٍ كَاحْكُمْ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ لَا تَحْكُمْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ صَحَّ التَّقْلِيدُ وَلَغَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ قَالَ وَلَوْ قَالَ لَهُ لَا تَحْكُمْ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ مَثَلًا جَازَ وَحَكَمَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَالتَّوْلِيَةِ وَأَمَّا إلْغَاءُ مَا صَدَرَ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ مُخَالِفِينَ لِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ مَعَ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَدْ نَازَعَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ شَرْطًا أَوْ تَقْيِيدًا كَمَا لَوْ قَالَ قَلَّدْتُكَ الْقَضَاءَ فَاقْضِ فِي مَوْضِعِ كَذَا أَوْ فِي يَوْمِ كَذَا وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا حَكَمَ الْمُسْتَقْضَى الْمَذْكُورُ بِمَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ أَمَّا لَوْ حَكَمَ بِمَذْهَبٍ غَيْرِهَا فَيَنْقُضُ حُكْمُهُ.
فَقَدْ قَالَ السُّبْكِيّ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ التَّقْلِيدُ لِلْعَمَلِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ يَعْنِي تَقْلِيدَ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ اهـ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا حَكَمَ بِمَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَمَّا لَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مَرْجُوحٍ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَفَصَّلَ السُّبْكِيّ فَقَالَ إنْ كَانَ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ وَرَجَّحَهُ بِدَلِيلٍ جَيِّدٍ جَازَ وَنَفَذَ حُكْمُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَاذٍّ أَوْ غَرِيبٍ فِي مَذْهَبِهِ وَإِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ كَالْخَارِجِ عَنْ مَذْهَبِهِ فَلَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ خَارِجٍ عَنْ مَذْهَبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُهُ جَازَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ بِاللَّفْظِ أَوْ الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ عَلَى قَاعِدَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَشْمَلْهُ اهـ قَالَ شَيْخُنَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنْ عَنَى بِكَلَامِهِ هَذَا كَلَامَهُ السَّابِقَ عَنْهُ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّ كَلَامَهُ السَّابِقَ ضَعِيفٌ وَإِنْ عَنَى بِهِ مَا يَأْتِي عَنْهُ فَكَذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَكَلَامُ السُّبْكِيّ هَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ إلَخْ يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ مِنْ بُطْلَانِ التَّوْلِيَةِ.
وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا لَا يَجُوزُ وَقَوْلِ السُّبْكِيّ يَجُوزُ أَنْ يُرَجِّحَ لَهُ مَا لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ مَا مَرَّ وَبَيْنَ مَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ مِنْ جَوَازِ الْحُكْمِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ وَهَذَا فِي الْحُكْمِ الضَّعِيفِ فِي مَذْهَبِهِ الَّذِي لَمْ يُوَافِقْ وَاحِدًا مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ لَا فِي الْإِفْتَاءِ وَالْحُكْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّعِيفَ
الْمَذْكُورَ رَأْيٌ مُغَايِرٌ لِلْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ رَجَعَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ الْقَوَاعِدِ وَالْمَأْخَذِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْعًا لَهُ مِمَّا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ الرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِهِ لِامْتِنَاعِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنْ الضَّعِيفِ فِي مَذْهَبِهِ فِي الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ كَمَا تَقَرَّرْ وَفِي الْخَادِمِ مَا حَاصِلُهُ إذَا حَكَمَ مُقَلَّدٌ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ نَفَذَ أَوْ بِمَا تَوَهَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا لَمْ يَنْفُذْ وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ أَوْ بِمَرْجُوحٍ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ إنْ فُرِضَ أَنَّهُ اعْتَقَدَ صِحَّةَ ذَلِكَ الْمَرْجُوحِ تَقْلِيدًا لِقَائِلِهِ وَلَهُ مَذْهَبٌ صَحِيحٌ لِدَلِيلٍ بِحَسَبِ حَالِهِ أَوْ أَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ بُطْلَانُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَجْهَ لَا يُقَلَّدُ قَائِلُهُ إلَّا إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا.
وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِكَوْنِ قَائِلِهِ يَرَى أَنَّهُ مَذْهَبُ إمَامِهِ فَإِذَا قَالَ الْجُمْهُورُ خِلَافَهُ كَانَ قَوْلُهُمْ مُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا فَوَّضَ إلَيْهِ الْقَضَاءَ وَهُوَ مُقَلِّدٌ لِإِمَامٍ إلَّا لَيَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ كَمَا لَا يَحْكُمُ بِقَوْلِ عَالِمٍ آخَرَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَلَّدَ وَجْهًا ضَعِيفًا جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا مَا قَالَهُ آخِرًا فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِي التَّوْلِيَةِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ وَجَوَّزْنَاهُ فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ جَازَ اهـ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَلَّدَ وَجْهًا إلَخْ ظَاهِرٌ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْوَجْهِ الضَّعِيفِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَالْحُكْمِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ هَذَا كُلُّهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ الْعَامِّ أَمَّا الْخَاصُّ كَأَنْ وَلَّى شَافِعِيٌّ حَنَفِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا فِي جُزْئِيَّةٍ تَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ النَّائِبِ فَقَطْ لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ حَكَاهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ وَاعْتَمَدَهُ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ عَصْرِيُّ أَبِي شَامَةَ شَيْخُ النَّوَوِيِّ فَأَبْطَلَ تَزْوِيجَ حَنَفِيٍّ صَغِيرَةً وَقَدْ أَذِنَ لَهُ شَافِعِيٌّ فِيهِ وَصَوَّبَ مَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيِّ امْتِنَاعُ الْقَاضِي مِنْ ذَلِكَ الْإِذْنِ إلَّا إنْ نَصَّ لَهُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِخُصُوصِهِ وَلَا يَكْفِي عُمُومُ التَّوْلِيَةِ وَأَيْضًا فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ الْإِذْنُ فِيمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ وَفَارَقَ التَّوْلِيَةَ الْعَامَّةَ بِأَنَّهَا تَجْعَلُهُ قَاضِيًا مُسْتَقِلًّا وَمُجَرَّدُ الْإِذْنِ اسْتِنَابَةٌ عَنْ الْمُنِيبِ فَكَيْفَ يَسْتَنِيبُ فِيمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ اعْتِمَادِ شَيْخِهِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَ النَّقْضِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَاعْتَمَدَهُ أَيْضًا أَبُو شَامَةَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ أَدَّى شَافِعِيًّا اجْتِهَادُهُ إلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَضِيَّةٍ جَازَ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُ مَنْ اعْتَزَى إلَى مَذْهَبٍ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِهِ لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ وَهَذَا وَإِنْ اقْتَضَتْهُ السِّيَاسَةُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذْهَبِ وَتَمْيِيزِ أَهْلِهَا فَحُكْمُ الشَّرْعِ لَا يُوجِبُهُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ حُكْمٍ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ اهـ وَكَالِاجْتِهَادِ فِي كَلَامِهِ التَّقْلِيدُ لِمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ فَإِنْ فَعَلَ نُقِضَ لِفَقْدِ الِاجْتِهَادِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ اهـ.
عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ لَا عَلَى جِهَةِ التَّقْلِيدِ لَهُ بَلْ اجْتِهَادًا مِنْ عِنْدِهِ وَلَقَدْ اُسْتُفْتِيَ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَأَهْلُ عَصْرِهِ عَنْ حَاكِمٍ حَكَمَ بِخِلَافِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فَهَلْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُوَلَّى لِلْحُكْمِ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ.
فَأَجَابَ شَافِعِيَّانِ مِنْ مُعَاصِرِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ فَخَطَّأَهُمَا التَّاجُ وَقَالَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَسَدَتْ التَّوْلِيَةُ وَوَقَعَ لَهُ مَعَهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ دَارٍ مَرْهُونَةٍ بَاعَهَا الْحَاكِمُ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا وَقْفٌ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَصَارِفِهَا وَلَا كَيْفِيَّةِ وَقْفِهَا فَهَلْ يُنْقَضُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ؟
فَأَجَابَ التَّاجُ وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ بِأَنَّهُ لَا يُنْقَضُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الشَّمْسُ ابْنُ خَلِّكَانَ وَتَعَجَّبَ مِنْهُمْ فَنَاظَرَهُ التَّاجُ فَقَالَ الشَّمْسُ إنَّمَا بَاعَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ وَالْقَاضِي لَا يَبِيعُ الْوَقْفَ فَأَجَابَهُ التَّاجُ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ يُصَانُ عَنْ النَّقْضِ مَا أَمْكَنَ وَالْوَقْفُ الْمَشْهُودُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمُنْقَطِعِ وَفِي صِحَّتِهِ خِلَافٌ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْحُكْمِ الْمُبْرَمِ بِهَذَا الْأَمْرِ
الْمُحْتَمَلِ فَانْقَطَعَ الشَّمْسُ وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ.
فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ وَمَا تَقَرَّرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ وَنَفَائِسَ دَعَا إلَى ذَكَرِهَا قَوْلُ بَعْضِ جَهَلَةِ الْمُفْتِينَ السَّابِقِينَ فِي حُكْمِ الْقَاضِي السَّابِقِ فِي السُّؤَالِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ يُنْقَضُ تَمَسُّكًا بِإِطْلَاقِ الْبُلْقِينِيُّ السَّابِقِ عَنْ فَتَاوِيهِ مَعَ رَدِّ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ وَبَيَانِ مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ التَّاجِ هَذَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ لَا يُنْقَضُ وَإِنْ قُلْنَا بِاعْتِمَادِ إطْلَاقِ الْبُلْقِينِيُّ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّاجِ تَأْتِي بِعَيْنِهَا هُنَا إذْ الْحُكْمُ هُنَا أَيْضًا قَدْ انْبَرَمَ بِشُرُوطِهِ فَلَا يُنْقَضُ لِلْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ وَإِذَا مُنِعَ النَّقْضُ مَعَ تَبَيُّنِ الْوَقْفِ بِالْبَيِّنَةِ بِشُبْهَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَمَنْعُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَقَوْلِ مَالِكٍ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا أَوْلَى فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْبَيْعَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَاقِعٌ عَلَى الْمَاءِ وَحَكَمَ بِهِ شَافِعِيٌّ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ لِمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَلِكَلَامِ التَّاجِ هَذَا وَفَّقْنَا اللَّهُ لِطَاعَتِهِ وَلَا حَرَمنَا خَيْرَ مَا عِنْدَهُ لِشَرِّ مَا عِنْدَنَا آمِينَ.
(خَاتِمَةٌ) فِي ذِكْرِ الْأَجْوِبَةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا قَدَّمْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا تُذْكَرَ لِصُدُورِهَا مِمَّنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِفَهْمِ بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ مَثَلًا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ سِيَّمَا أَبْوَابُ الْمُعَامَلَاتِ وَلِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى قَبَائِحَ مِنْ الْخَطَإِ وَالْخَطْلِ وَالزَّيْغِ وَالزَّلَلِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي ذِكْرِهَا فَوَائِدُ كَالْإِعْلَامِ بِأَنَّ مَنْ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذَا السَّفْسَافِ حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُلْتَفَتَ لِمَا يَقُولُهُ بَعْدَ الْيَوْمِ وَلَا لِمَا يَنْقُلُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ اسْتِفْتَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِفَهْمِ كَلَامِهِمْ عَلَى وَجْهِهِ بَلْ يُحَرِّفُهُ وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْمُرَادِ بِهِ إلَى مَعْنًى آخَرَ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ كَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ لِهَذِهِ الْأَغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ غَيْرَ مَحْظُورٍ وَغَيْرَ مُخِلٍّ بِجَلَالَةِ هَذَا التَّأْلِيفِ الْبَدِيعِ بَلْ هُوَ مِنْ آكَدِ الْوَاجِبَاتِ وَأَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ فَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ عَنْ نَحْوِ السُّؤَالِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِصَّةِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لِأَنَّ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بَلْ لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَرَهُ الْعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لِاسْتِتَارِهِ بِالْمَاءِ فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا.
بَلْ لَوْ سَلَّمْنَا رُؤْيَتَهُ لِلْعَاقِدَيْنِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمَاءِ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا لِلتَّأْقِيتِ فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ عَدَمَ تَأْقِيتِهِ بِزَمَانٍ فَمَتَى أُقِّتَ الْمَبِيعُ بِسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَاظِرًا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ إنْ أَرَادَ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ الْمَاءِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ السَّاعَةَ قِطْعَةٌ مِنْ الزَّمَانِ وَجُزْءٌ مِنْهُ أَيْضًا فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِ الزَّمَانِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْتَعْمِلْ السَّاعَةَ فِي جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الْمَاءِ لَا ابْتِدَاءً وَلَا بِوَضْعٍ ثَانٍ فَلَوْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ لَفْظٍ ثَانٍ لَلَزِمَ مِنْهُ ثُبُوتُ عِلَاقَةٍ بَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَمَا وُضِعَ لَهُ ثَانِيًا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ صَاعَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ فَلَا وَجْهَ لَهُ لِاجْتِمَاعِ شُرُوطِ الْبَيْعِ فِي الصَّاعَيْنِ مِنْ الْمِلْكِ وَالْعِلْمِ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ مَعَ تَسَاوِي الْأَجْزَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ تَسْلِيمُهَا مِنْ أَسْفَلِ الصُّبْرَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا لِأَنَّ رُؤْيَةَ ظَاهِرِهَا كَرُؤْيَةِ كُلِّهَا وَلَا كَذَلِكَ الْقَرَارُ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ لِانْتِفَاءِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِيهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا وَمَتَى فُقِدَ الشَّرْطُ فَقَدْ فُقِدَ الْمَشْرُوطُ اهـ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ السَّفْسَافِ الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ وَمِنْ فَهْمِ كَلَامِهِمْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ وَمِنْ الْكَذِبِ الصُّرَاحِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَصِحُّ إلَخْ خَطَأٌ بَلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ فِي الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَذِبٌ قَبِيحٌ وَكَيْفَ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مَا قَدَّمْتُهُ فِي الْبَابِ مِنْ كَلَامِهِمْ مَبْسُوطًا مُحَرَّرًا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ أَقْسَامَ الْمَسْأَلَةِ وَتَفْصِيلَهَا وَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ وَأَنْ يَهْتَدِيَ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَا إلَى حَالَةٍ تَصَوَّرَهَا فِي ذِهْنِهِ فَأَفْتَى عَلَيْهَا دُونَ الْحَالَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَهِيَ عُيُونُ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ وَقَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا لِلتَّأْقِيتِ إلَخْ مِمَّا فَضَحَ بِهِ نَفْسَهُ وَنَادَى عَلَيْهَا بِغَايَةِ الْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ وَالْمُجَازَفَةِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَيْفَ
يُسَوَّغُ الْإِفْتَاءُ لِمَنْ لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَ أَهْلِ مَذْهَبِهِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ الْمُؤَقَّتُ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَبَادِئِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى أَصَاغِرِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَفْهَمْهَا وَإِلَّا لَمْ يَجْعَلْ بَيْعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا إلَى آخِرِ مَا مَرَّ مِنْ الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ الَّذِي هُوَ تَأْقِيتُ الْمِلْكِ إلَى زَمَنٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ فَجَعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ مَعَ انْتِفَاءِ تَأْقِيتِ الْمِلْكِ فِيهِ قَطْعًا وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ تَقْدِيرُ الْمَبِيعِ بِزَمَانٍ بِنَاءً عَلَى اسْتِوَاءِ التَّقَادِيرِ وَهُوَ بَقَاءُ السَّاعَةِ عَلَى مَفْهُومِهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْ قَوْلِهِمَا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا وَمَا بَعْدَهُ وَعَنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ بَلْ قَطْعِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَعْنَى الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ وَلَا مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ وَلَيْتَهُ سَتَرَ نَفْسَهُ وَأَبْقَى النَّاسَ عَلَى التَّوَهُّمِ فِيهِ لَكِنْ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ فَضِيحَتَهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ افْتَضَحَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْفَاضِحَ لِنَفْسِهِ إنْ لَمْ يَفْضَحْهَا غَيْرُهُ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ السَّاعَةَ قِطْعَةٌ مِنْ الزَّمَانِ وَجُزْءٌ مِنْهُ أَيْضًا مِمَّا يُعْلِمُكَ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ تَرْكِيبَ الْكَلَامِ وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْقِطْعَةَ غَيْرُ الْجُزْءِ إنْ فَهِمَ قَوْلَهُ أَيْضًا أَوْ عَيَّنَهُ إنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ فَلْيَخْتَرْ لَهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ كِلَاهُمَا شَاهِدٌ عَلَى أَنَّهُ سَالِبَةٌ مُهْمَلَةٌ.
وَقَوْلُهُ وَلَا مَجَازًا بَاطِلٌ وَمَا الَّذِي قَدَّمَهُ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْمَجَازِ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38] أَنَّ هُنَا وَإِنْ كَانَ ظَرْفَ مَكَان إلَّا أَنَّهُ أُرِيدَ ظَرْفُ الزَّمَانِ وَفِي الْبَحْرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ أَصْلَ هُنَا أَنْ يَكُونَ إشَارَةً لِلْمَكَانِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَانِ وَفِي تَفْسِيرِ السَّخَاوَنْدِيِّ أَنَّ هُنَا فِي الْمَكَانِ وَهُنَالِكَ فِي الزَّمَانِ وَهُوَ وَهْمٌ بَلْ الْأَصْلُ أَنْ تَكُونَ لِلْمَكَانِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِهِ اللَّامُ وَالْكَافُ أَوْ الْكَافُ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَتَّصِلَا وَلَمْ يُتَجَوَّزْ بِهَا عَنْ الْمَكَانِ إلَى الزَّمَانِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ عِنْدَ أَنْ تَكُونَ لِلْمَكَانِ ثُمَّ يُتَجَوَّزُ بِهَا لِلزَّمَانِ كَمَا تَقُولُ آتِيكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ اهـ فَإِذَا تُجُوِّزَ بِالْمَكَانِ عَنْ الزَّمَانِ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَأَوْلَى أَنْ يُتَجَوَّزَ بِالزَّمَانِ عَنْ الْمَكَانِ فِي كَلَامِ الْعَاقِدَيْنِ وَأَيْضًا فَالْآيَةُ لَا قَرِينَةَ فِيهَا لَفْظًا عَلَى ذَلِكَ التَّجَوُّزِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى التَّجَوُّزِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ أَحَدَ إلَخْ مِنْ تَهَوُّرِهِ وَمُجَازَفَتِهِ وَأَنَّى لَهُ بِهَذَا النَّفْيِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَسَائِرِ الْأَزْمِنَةِ قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ فَلَوْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ لَفْظِ إلَخْ بِكَلَامِ الْمُبَرْسَمِينَ أَشْبَهُ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَقْلِهِ وَمَلَكَتِهِ فِي الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ الَّذِي أَرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَدُلَّ النَّاسَ عَلَى أَنَّ لَهُ بِهِ مَعْرِفَةً فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا حَيْثُ أَقَامَ لِلنَّاسِ شَاهِدًا أَيَّ شَاهِدٍ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونُوا فِي أَمْرِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْقِيَاسُ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ مَنْ الَّذِي قَاسَ بَيْعَ جُزْءٍ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى بَيْعِ صَاعَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ مَعَ أَنَّ فَرْقَكَ إنَّمَا يَنُمُّ عَلَى بُهْتَانِكَ أَنَّ الْقَرَارَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَقَوْلُهُ مِنْ الْمِلْكِ إلَخْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ خَطَأٌ قَبِيحٌ وَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ أَمَّا حُكْمُ بَيْعِ الْمَاءِ وَحْدَهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِمَا وَحُكْمُ بَيْعِ الْمَاءِ مَعَ قَرَارِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ طَوِيلٌ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ أَيْ وَهِيَ بَيْعُ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ إلَخْ فَقَدْ ذَكَرَهَا مُفَصَّلَةً شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَلَيْسَ مِنْ مَقَامِنَا التَّعَقُّبُ عَلَى كَلَامِهِ وَلَا مِنْ الْأَدَبِ الرَّدُّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ وُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ رحمه الله وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ حَمْلِ السَّاعَتَيْنِ عَلَى جُزْأَيْنِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وَجْهُهُ وَلَعَلَّهُ لِسُوءِ فَهْمِي وَلِقِلَّةِ عِلْمِي وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ قِيَاسِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى بَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةٍ فَقِيَاسٌ خَفِيٌّ وَأَيْنَ بَاطِنُ الصُّبْرَةِ مِنْ مَحَلِّ النَّبْعِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ مَعَ قِصَرِ الْبَاعِ وَعَدَمِ سِعَةِ الِاطِّلَاعِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اهـ وَهَذَا الْجَوَابُ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَبَالِ غَنِيٌّ عَنْ التَّنْفِيرِ لَكِنْ لَا بَأْسَ بِإِشَارَةٍ مَا إلَى بَعْضِ مَا فِيهِ فَقَوْلُهُ فَغَيْرُ وَقَوْلُهُ فَفِيهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَنْعَسُ فَتَوَهَّمَ سَبْقَ مَا يَقْتَضِي الْجَوَابَ بِالْفَاءِ وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَنْعَسُ مَا حَكَمَ عَلَى حُكْمِ الْبَيْعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبَيْعِ فَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ
وَإِنَّمَا أَجَابَ عَنْ حُكْمِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهَذَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ قَدْ يُؤَدِّي إلَى كُفْرٍ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَيْعِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْبَيْعِ.
وَمَنْ حَكَمَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الرِّدَّةِ فِي إنْكَارِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَتَأَمَّلْ الْمُجَازَفَةَ كَيْفَ تُؤَدِّي بِصَاحِبِهَا إلَى الْكُفْرِ وَقَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ كَذِبٌ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى هَذَا الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ حَاشَاهُمَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ حُكْمَهُ لَغْوٌ وَإِنَّ قَصْدَهُ الْحُكْمُ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ وَحْدَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَكَاذِبٌ عَنْ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا فَإِنَّهُمَا لَمْ يُطْلِقَا مَا أَطْلَقَ بَلْ فَصَّلَا كَمَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُمَا وَعَنْ غَيْرِهِمَا فِي الْبَابِ الرَّابِعِ وَاضِحًا مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهِ يُقَالُ عَلَيْهِ نَعَمْ لَا حَاجَةَ بِكَ إلَى ذَلِكَ بَلْ لَا يَجُوزُ لَك الْكَلَامُ فِيهِ لِأَنَّك لَا تَتَصَوَّرُ وَلَا تَتَأَهَّلُ لِفَهْمِهِ عَلَى أَنَّك أَسَأْتَ الْأَدَبَ وَجَهِلْتَ أَدَبَ الْفَتْوَى وَكَأَنَّكَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى قَوْلِهِمْ يُكْرَهُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْجَوَابِ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ أَوْ خِلَافٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ بِالرَّاجِحِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ انْتَظَرَ ظُهُورَهُ أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِفْتَاءِ كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرُونَ.
وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْ مَقَامِنَا إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ وَأَنَّى لَك بِذَلِكَ وَأَنْتَ لَا تُحْسِنُ التَّعْبِيرَ عَنْ مُرَادِكَ بَلْ عَبَّرْتَ عَنْهُ بِمَا قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ فَلَوْ لَمْ تَجِبْ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ وَلَسَلِمْتَ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ الَّتِي وَقَعْتَ فِيهَا عَلَى أَنَّ كَلَامَكَ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَى كَبِيرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الدِّينِ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ اعْرِفْ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ وَلَا تَعْرِفْ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ وَقَدْ يُفْتَحُ عَلَى الصَّغِيرِ بِمَا لَمْ يُفْتَحْ بِهِ عَلَى الْكَبِيرِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَإِذَا كَانَتْ الْعُلُومُ مِنَحًا إلَهِيَّةً وَمَوَاهِبَ اخْتِصَاصِيَّةً فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يُدَّخَرَ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا خَفَى عَلَى كَثِير مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَوْلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ إلَخْ بُهْتَانٌ قَبِيحٌ فَقَدْ مَرَّتْ لَكَ عِبَارَتُهُ فِي الْبَابِ السَّادِسِ فَرَاجِعْهَا وَقَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ لِسُوءِ فَهْمِي يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أَرَدْتَ بِذَلِكَ حَقِيقَتَهُ فَهُوَ الْوَاقِعُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْكَ جَوَابُكَ هَذَا أَوْ التَّوَاضُعَ وَأَنْتَ لَسْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ كَذَبْتَ وَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ إفْرَادُ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ بِالْبَيْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْع الْمَاءِ وَلِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ وَالْحِيلَةُ فِيمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ مَثَلًا أَوْ سَهْمًا مِنْهُ فَإِذَا مَلَكَ ذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ لِاخْتِلَاطِ الْمَوْجُودِ بِالْحَادِثِ وَلِعَدَمِ إمْكَانِ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا.
وَقَوْلُهُمْ مَثَلًا اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَا يُرَادُ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ فِي الْعَادَةِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْعُ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ وَلِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ فِي صُورَتِهِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَلَا يُنَافِي عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا قَوْلُهُ مِنْ قَرَارٍ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ وَكَوْنِ مِنْ قَرَارِ ظَرْفًا لَغْوًا وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَهُوَ وَإِنْ أَمْكَنَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ عَرَضٌ غَيْرُ قَارٍّ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ جِسْمٌ قَارٌّ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي بَعِيدٌ جِدًّا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ لَا سِيَّمَا وَصْفُ الْحِصَّةِ بِالسَّقِيَّةِ إذْ السَّقِيَّةُ هِيَ الْمَاءُ لَا الْجُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ بَلْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فِي أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَاءُ الْمُقَدَّرُ بِسَاعَتَيْنِ وَعَلَى تَسْلِيمِ إرَادَةِ ذَلِكَ وَقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيمَا يُرَادُ مِنْهُ عَادَةً فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ بَلْ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ.
كَمَا ذَكَرَهُ عَالِمُ الْحِجَازِ فِي زَمَنِهِ فِي سُؤَالِهِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِاَلَّذِي فِيهِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ الصُّبْرَةِ فَلَا وَجْهَ لَهُ فِيمَا ظَهَرَ لِي اهـ وَفِيهِ وُجُوهٌ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْحِيلَةُ إلَخْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي إنَّ الْقَرَارَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ إذْ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ صَرِيحٌ فَإِنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْقَرَارِ هُنَا بِأَنَّهُ يُشْتَرَى وَفِيمَا يَأْتِي زَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَفَسَادُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَصَاغِرِ الْمُتَعَلِّمِينَ فَعَجِيبٌ كَيْف خَفَى عَلَى هَذَا الَّذِي يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْإِفْتَاءِ لَكِنَّهُ كَسَابِقِيهِ أَظْهَرَ
اللَّهُ فَضِيحَةَ كُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى لِسَانِهِ وَبَنَانِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمْ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ التَّأَهُّلِ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْخَطِيرِ.
فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنْ أَنْ يُتَمَحَّلَ لَهُ عُذْرٌ وَإِنْ الْتَجَمَ وَخَرِسَ لَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ وَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِي مُطْلَقِ الْقَرَارِ وَفِيمَا يَأْتِي فِي قَرَارِ عُيُونِ مَكَّةَ قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَارِ مَمْلُوكٌ إلَّا قَرَارَ عُيُونِ مَكَّةَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً قَبِيحًا أَيْضًا لِأَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي الْبَابِ السَّادِسِ وَغَيْرِهِ مُوَضَّحًا مَبْسُوطًا يُبْطِلُهُ وَيَرُدُّهُ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَرَارَ تَارَةً يُمَلَّكُ وَتَارَةً لَا يُمَلَّكُ وَفِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ مَا يَشْمَلُ قَرَارَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ وَالْحِيلَةُ إلَخْ فَائِدَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاءَ فِي عُيُونِ الْحِجَازِ.
فَإِذَا كَانَ قَرَارُهَا عِنْدَهُ لَا يُمَلَّكُ فَكَيْفَ يَعْلَمُ الْمُسْتَفْتَى حِيلَةً لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ بِهَا أَيْضًا فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ تَخْصِيصَ الْحِيلَةِ بِغَيْرِ عُيُونِ الْحِجَازِ بَطَلَ قَوْلُهُ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ إذَا كَانَ مَفْرُوضًا فِي غَيْرِ عُيُونِ الْحِجَازِ فَكَانَ يُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَإِذْ قَدْ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ كَلَامَهُ هَذَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ عُيُونَ مَكَّةَ ظَهَرَ لَكَ وُقُوعُهُ فِي وَرْطَةِ التَّنَاقُضِ الصَّرِيحِ وَالتَّهَافُتِ الْقَبِيحِ وَكَانَ الْمَوْقِعُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُمْ فِي الْقَرَارِ لِأَنَّ فِيهِ شِبْهَ تَنَاقُضٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ لَكَ وَاضِحًا مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ فَلَمَّا لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ تَكَلَّمَ فِيهِ بِهَوَسِهِ فَذَكَرَ أَوَّلَ جَوَابِهِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يُشْتَرَى وَأَنَّهُ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْحِيلَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ آخِرَ جَوَابِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَقَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ خَطَأٌ قَبِيحٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَنْبَعَ الْمَمْلُوكَ بَطَلَ قَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ لِتَصْرِيحِهِمْ السَّابِقِ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ مَنْ مَلَكَهُ مَلَكَ الْمَاءَ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْمَنْبَعَ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ بَطَلَ قَوْلُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ وَقَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْمَنْبَعَ إذَا كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَائِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَدَّمْتُهُ ثُمَّ أَيْضًا وَإِنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَحَلَّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَيَسْتَقِرُّ فِيهِ بَطَلَتْ حِيلَتُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهُ حِيلَةً لِاسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ الْجَارِي وَإِنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَجْرَى احْتَاجَ إلَى قَرِينَةٍ لِأَنَّ الْبُلْقِينِيُّ فِي جَوَابِهِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ هَذَا الْمُجِيبُ وَأَضَرَّ بِهِ خَصَّ الْقَرَارَ بِالْمَنْبَعِ أَوْ بِمَا يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَيَسْتَقِرُّ فِيهِ أَيْضًا فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ يُبْطِلُهَا قَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ هُوَ وَأَضَرَّ بِهِ جُمُودًا عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَقَعَ الْبِيَعُ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَسَادَ وَالتَّنَاقُضَ الْوَاقِعَ لِهَذَا الْمُجِيبِ فِي أَقَلِّ مِنْ سَطْرٍ وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي عَبَّرُوا بِهِ فِي الْحِيلَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَنَاةَ أَوْ جُزْءًا مِنْهَا فَيَكُونَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَهَذَا تَعْبِيرٌ صَحِيحٌ وَلَمَّا لَمْ يَفْهَمْ هَذَا الْمُجِيبُ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّعْبِيرِ بِالْقَنَاةِ وَالتَّعْبِيرِ بِالْقَرَارِ وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا تَقَرَّرَ عَبَّرَ بِالْقَرَارِ تَابِعًا لِلْبُلْقِينِيِّ فِي تَعْبِيرِهِ بِهِ فِي حِيلَتِهِ وَبِقَوْلِهِ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ تَابِعًا لَهُمْ فِي تَعْبِيرِهِمْ بِهِ فِي حِيلَتِهِمْ فَجَعَلَ حِيلَتَهُ مُلَفَّقَةً مِنْ حِيلَةِ الْبُلْقِينِيُّ وَحِيلَتِهِمْ فَوَقَعَ فِي وَرْطَةِ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ.
وَهَذَا شَأْنُ مَنْ يُلَفِّقُ كَلِمَاتٍ مِنْ عِبَارَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَمَّلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ التَّلْفِيقِ مِنْ الْفَسَادِ إذْ الْقَرَارُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ السَّابِقَيْنِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْمَجْرَى تَجَوُّزًا فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْبَعُ الْمَمْلُوكُ كَانَ مِلْكُهُ مُسْتَلْزِمًا لِمِلْكِ الْمَاءِ وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِحِيلَتِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَخِيرَانِ كَانَ مِلْكُهُ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِمِلْكِ الْمَاءِ لَكِنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِهِ وَهُوَ مَا أَرَادُوهُ بِحِيلَتِهِمْ وَلِذَا لَمَّا عَبَّرُوا بِالْقَنَاةِ وَنَحْوِهَا عَبَّرُوا بِأَحَقِّيَّةِ الْمَاءِ فَلَوْ تَبِعَهُمْ فِي التَّعْبِيرِ بِالْقَنَاةِ أَوْ الْمَجْرَى لَسَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] وَقَوْلُهُ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ إلَخْ فَاسِدٌ لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ لَا يُفِيدُ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُفِيدُهُ عَلَى زَعْمِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ وَقَوْلُهُ لَا يُرَادُ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ فِي الْعَادَةِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْعَ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ يُقَالُ عَلَيْهِ كَأَنَّ هَذَا الْمُجِيبَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى آدَابِ الْمُفْتِي وَإِلَّا لَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ إذْ مِنْهَا أَنْ لَا يَكْتُبَ فِي الْوَاقِعَةِ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ بَلْ عَلَى مَا فِي السُّؤَالِ أَوْ يَقُولَ إنْ كَانَ كَذَا فَحُكْمُهُ كَذَا.
فَعَلِمَ أَنَّ جَزْمَهُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَتَرْتِيبَهُ بَقِيَّةَ جَوَابِهِ عَلَيْهَا خَطَأٌ فَاحِشٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ
مَزِيدُ التَّعَصُّبِ لِصَدِيقِهِ الْقَائِلِ هُوَ عَنْهُ إنَّهُ أَلْزَمَهُ بِالْكِتَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ فَلَمْ يَسَعْهُ التَّخَلُّفُ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ قَطُّ كِتَابَةٌ عَلَى سُؤَالٍ وَبِحَمْدِ اللَّهِ أَئِمَّةُ الدِّينِ مُتَوَفِّرُونَ قَائِمُونَ بِحِفْظِهِ وَرَدْعِ مَنْ عَانَدَ أَوْ تَعَصَّبَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ لَهُ تَسْلِيمُ مَا زَعَمَهُ فَالِاحْتِجَاجُ هُنَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْعَادَةِ وَقْتَ كِتَابَتِهِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ حَالَ وُقُوعِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ فَإِنْ قَالَ يُسْتَدَلُّ بِوُجُودِهَا الْآنَ عَلَى وُجُودِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ قُلْنَا لَهُ هَذَا مِنْ الِاسْتِصْحَابِ الْمَقْلُوبِ وَفِيهِ مِنْ الْمَبَاحِثِ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ تَخْرِيجِ مَا زَعَمَهُ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَيَنْظُرَ هَلْ يُنْتَجُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ أَوْ لَا وَعَلَى تَسْلِيمِ وُجُودِ تِلْكَ الْعَادَةِ وَأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ الْمَقْلُوبَ حُجَّةٌ فَفِي أَيِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَفْظَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَهُوَ لَا يُرَادُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ إلَّا فِي أَحَدِهِمَا وَنَوَيَا الْمَعْنَى الْآخَرَ قُدِّمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ عَادَةً عَلَى مَا نَوَيَاهُ سَوَاءٌ كَانَ مُصَحَّحًا أَوْ مُبْطَلًا.
فَإِنْ أَتَى هَذَا الْمُجِيبُ بِذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ فَهُوَ مُتَشَبِّثٌ فِيمَا قَالَهُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مِنْ كِتَابٍ فَهُوَ مُجَازِفٌ مُتَهَوِّرٌ وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ وَلَا يَعْلَمُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ فِي مَبْحَثِ الْعُرْفِ فِي الْعُقُودِ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ عَلَى أَنَّ مَا زَعَمَهُ مِنْ الْعَادَةِ الْمَذْكُورَةِ بَاطِلٌ إذْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عُيُونِ مَكَّةَ يَمْلِكُ مَاءً مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَارِ قَطُّ بَلْ كُلُّ مَنْ مَلَكَ الْمَاءَ مَلَكَ قَرَارَهُ بِحَيْثُ إنَّ ذَيْلَ الْعَيْنِ وَمَجْرَاهَا وَمَنْبَعَهَا إذَا خَرِبَ وَتَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي عِمَارَتِهَا عَمَرُوهَا عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمْ لِلْمَاءِ وَلَوْ رَفَعُوا الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ أَوْ أَمِيرٍ بِمَكَّةَ لَحَكَمَ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ وَأَيْضًا بَعْضُ عُيُونِ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ الْآنَ خَرَابٌ لَا يَجْرِي فِيهَا مَاءٌ مِنْ مُنْذُ سِنِينَ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ الثِّقَاتِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ أَجْزَاءً وَأَنَّ صُورَةَ مُشْتَرَاهَا اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً مَثَلًا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا فَانْظُرْ إلَى إيقَاعِهِمْ لَفْظَ السَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى عَيْنٍ لَا مَاءَ فِيهَا وَهَذَا أَدُلُّ دَلِيلٍ وَأَعْدَلُ شَاهِدٍ عَلَى بُطْلَانِ مَا زَعَمَهُ هَذَا الْمُجِيبُ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يُرَادُ إلَّا الْمَاءُ الْمُقَدَّرُ بِزَمَنٍ.
وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا أَفْتَى بِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَحْوَالِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي قَرَّرْتُهَا لَكَ فِي الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ الْأَوَّلِ السَّابِقَةِ مُبَيَّنَةٌ مُفَصَّلَةٌ بِدَلَائِلِهَا مِنْ كَلَامِهِمْ فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَزِدْ مِنْ تَأَمُّلِهِ حَتَّى يَظْهَرَ لَكَ فَسَادُ مَا جَمُدَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُجِيبُ وَأَضْرَابُهُ مِنْ الْأَخْذِ بِظَاهِرِ إفْتَاءِ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فِيهِ وَلَا إحَاطَةٍ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّى لَهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَأَهَّلُوا لِفَهْمِ الظَّوَاهِرِ فَضْلًا عَنْ هَذِهِ الْمَضَايِقِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ النَّبْعِ إلَخْ يُقَال عَلَيْهِ لَيْتَكَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ لِأَنَّكَ إذَا خَلَطْتَ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ النَّحْوِ الَّذِي لَكَ فِيهِ نَوْعُ تَمْيِيزٍ كُنْتَ بِالتَّخْلِيطِ فِي غَيْرِهِ أَحَقَّ وَأَوْلَى وَبَيَانُ التَّخْلِيطِ فِي ذَلِكَ أَنَّ عِبَارَتَهُ فِي أَنَّ مِنْ هُنَا لِلْبَيَانِ وَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَسَادٌ أَيَّ فَسَادٍ وَهُوَ أَنَّ مَا بَعْدَ مِنْ عَيْنُ مَا قَبْلَهَا فَيَكُونُ الْمَاءُ عَيْنَ الْقَرَارِ وَهَذَا لَا يَتَوَهَّمُهُ عَاقِلٌ فَكَيْفَ يُحْمَلُ كَلَامُ الْعُقَلَاءِ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ لَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ إلَّا لَوْ قُلْتُ إنَّهَا بَيَانٌ لِلْمَبِيعِ.
وَلَمْ أُعَبِّرْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا عَبَّرْتُ بِأَنَّهَا بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ فَلَا يُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ قُلْنَا لَهُ إنَّمَا أَخْرَجْنَا عِبَارَتَكَ عَنْ ظَاهِرِهَا حَتَّى يَصِحَّ تَعْبِيرُكَ بِأَنَّ مِنْ لِلْبَيَانِ وَأَمَّا إذَا أَبْقَيْنَا عِبَارَتَكَ عَلَى ظَاهِرِهَا فَجَعْلُكَ مِنْ لِلْبَيَانِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ لَمْ تَسْتَحْضِرْ مَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ وَإِلَّا لَمْ تَجْعَلْهَا بَيَانًا لِلْمَحَلِّ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ هُنَا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَفِي الرِّضَا عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَلِلتَّبْيِينِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] وَتَعْرِفُهَا بِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ مِنْ أَوْ بَعْدَهَا مُبْهَمٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْرُورُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمُبْهَمِ كَمَا يُقَالُ مَثَلًا لِلرِّجْسِ إنَّهُ الْأَوْثَانُ وَلِعِشْرِينَ أَنَّهَا الدَّرَاهِمُ وَلِلضَّمِيرِ فِي قَوْلِكَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ أَنَّهُ الْقَائِلُ بِخِلَافِ التَّبْعِيضِيَّةِ فَإِنَّ الْمَجْرُورَ بِهَا لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ بَعْضُ الْمَجْرُورِ وَاسْمُ الْكُلِّ لَا يَقَعُ عَلَى الْبَعْضِ فَإِذَا قُلْتَ عِشْرُونَ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَإِنْ أَشَرْتَ بِالدَّرَاهِمِ إلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ بَعْضُهَا وَإِنْ قَصَدْتَ بِالدَّرَاهِمِ جِنْسَ الدَّرَاهِمِ فَمِنْ مُبَيِّنَةٌ لِصِحَّةِ إطْلَاقِ اسْمِ
الْمَجْرُورِ عَلَى الْعِشْرِينَ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ فِي نَحْوِ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تُصَرِّحَ وَتَقُولَ أَخَذْتُ مِنْ الثَّلَاثِينَ عِشْرِينَ وَمِنْ الْعَشَرَةِ تِسْعَةً.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنُهَا لِلتَّبْيِينِ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى الِابْتِدَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ هِيَ الْعِشْرُونَ فِي قَوْلِكَ عِشْرُونَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَبْدَأَ نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْأَوْثَانُ نَفْسُ الرِّجْسِ فَلَا تَكُونُ مَبْدَأً لَهُ وَإِنَّمَا جَازَ تَقْدِيمُ مِنْ الْمُبَيِّنَةِ عَلَى الْمُبْهَمِ فِي نَحْوِ قَوْلِكَ أَنَا مِنْ حَظِّهِ فِي رَوْضَةٍ وَمِنْ رِعَايَتِهِ فِي حَرَمٍ وَعِنْدِي مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِي وَمِنْ الْخَيْلِ عِشْرُونَ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ الَّذِي فُسِّرَ بِمِنْ التَّبْيِينِيَّةِ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرًا كَأَنَّكَ قُلْتَ أَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَظِّهِ فِي رَوْضٍ وَعِنْدِي شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِي وَكَذَا قَوْلُكَ يُعْجِبُنِي مِنْ زَيْدٍ كَرَمُهُ أَيْ مِنْ خِصَالِ زَيْدٍ كَأَنَّكَ قُلْتَ يُعْجِبُنِي شَيْءٌ مِنْ خِصَالِ زَيْدٍ كَرَمُهُ وَمِثْلُهُ كُسِرَتْ مِنْ زَيْدٍ يَدُهُ أَيْ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَاءِ زَيْدٍ يَدُهُ فَفِي جَمِيعِ هَذَا مَا هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ وَاَلَّذِي بَعْدَ (مِنْ) عَطْفُ بَيَانٍ لَهُ كُلُّ ذَلِكَ لِيَحْصُلَ الْبَيَانُ بَعْد الْإِبْهَامِ لِأَنَّ مَعْنَى يُعْجِبُنِي مِنْ زَيْدٍ شَيْءٌ أَيْ شَيْءٌ مِنْ أَشْيَائِهِ بِلَا رَيْبٍ فَإِذَا قُلْتَ وَجْهُهُ أَوْ كَرَمُهُ فَقَدْ بَيَّنْتَ ذَلِكَ الشَّيْءَ اهـ فَتَأَمَّلْهُ تَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِمِنْ هُنَا أَنَّهَا بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهَا كَانَ فَاسِدًا كَمَا مَرَّ.
وَكَذَا إنْ أَرَادَ بِهَا أَنَّهَا بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْبَيْعِ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ تَعْرِيفِ مِنْ الْبَيَانِيَّةِ لِأَنَّ مَحَلَّ الَّذِي أَرَادَ بَيَانَهُ هُنَا لَيْسَ مَذْكُورًا بَعْدَ مِنْ مَعَ مَجْرُورِهَا وَلَا قَبْلَهَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيَانًا لَهُ وَدَعْوَى أَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ يُنْبِئُ عَنْ جَهْلِ مُدَّعِيهَا وَتَأَمَّلْ رَدَّ الرَّضِيِّ لِكَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي مِنْ هُنَا أَنْ تَكُونَ لِلِابْتِدَاءِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَإِيضَاحُ مَا فِي الرَّضِيِّ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ مَعَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ فِي مِنْ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِمِنْ الِابْتِدَائِيَّةِ شَيْئًا مُمْتَدًّا كَالسَّيْرِ وَالْمَشْيِ وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بِمِنْ الشَّيْءَ الَّذِي مِنْهُ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ الْفِعْلِ نَحْو سِرْتُ مِنْ الْبَصْرَةِ أَوْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِهَا أَصْلًا لِلشَّيْءِ الْمُمْتَدِّ نَحْوَ تَبَرَّأْتُ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ وَخَرَجْتُ مِنْ الدَّارِ لِأَنَّ الْخُرُوجَ الِانْفِصَالُ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ خُطْوَةٍ فَالتَّبَرُّؤُ وَالْخُرُوجُ أَصْلَانِ لِلِانْفِصَالِ الْمُمْتَدِّ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَكُنْ لِلِابْتِدَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى {أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108]{نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] لِأَنَّ التَّأْسِيسَ وَالنِّدَاءَ لَيْسَا حَدَثَيْنِ مُمْتَدَّيْنِ وَلَا أَصْلَيْنِ لِلْمَعْنَى الْمُمْتَدِّ بَلْ هُمَا حَدَثَانِ وَاقِعَانِ فِيمَا بَعْدَ مِنْ.
وَهَذَا مَعْنَى فِي فَمِنْ فِي الْآيَتَيْنِ بِمَعْنَاهَا وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمِنْ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلِابْتِدَاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّي بِهَا وَهُوَ اشْتَرَى لَيْسَ حَدَثًا مُمْتَدًّا وَلَا أَصْلًا لِمَعْنًى مُمْتَدٍّ فَهُوَ كَالتَّأْسِيسِ وَالنِّدَاءِ فِي الْآيَتَيْنِ.
نَعَمْ قَالَ الْمُبَرِّدُ وَعَبْدُ الْقَاهِرِ وَالزَّمَخْشَرِيُّ إنَّ أَصْلَ مِنْ الْمُبَعِّضَةِ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ فِي قَوْلِكَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَبْدَأُ الْأَخْذِ فَعَلَيْهِ يَصِحُّ إرَادَةُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلَيْتَ هَذَا الْمُجِيبَ تَعَسَّفَ وَجَعَلَ مِنْ بِمَعْنَى فِي فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ هَذَا الْفَسَادُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَزِمَهُ لَمَّا جَعَلَهَا لِلْبَيَانِ وَإِذَا بَطَلَ مَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّهَا لِلْبَيَانِ وَمَا زَعَمَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّهَا لِمَحْضِ الِابْتِدَاءِ تَعَيَّنَ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ كَمَا قَدَّمْتُهُ أَوَائِلَ الْكِتَابِ لِصِدْقِ حَدِّ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَى مِنْ هَذِهِ بِاعْتِبَارِ التَّجَوُّزِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ إنَّ مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَتُقَدَّرُ بِالْمَوْصُولِ عِنْدَهُمْ أَيْ الرِّجْسِ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ وَمَنْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ جَعَلَهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَكَأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ الرِّجْسِ عَامًّا ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ مَبْدَأَهُ إذْ عِبَادَةُ الْوَثَنِ جَامِعَةٌ لِكُلِّ فَسَادٍ وَرِجْسٍ وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ سَائِرِ الْأَرْجَاسِ مِنْ مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَمَنْ قَالَ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ قَبْلَ مَعْنَى الْآيَةِ فَأَفْسَدَهُ وَقَدْ يُمْكِنُ التَّبْعِيضُ فِيهَا بِأَنَّ مَعْنَى الرِّجْسِ عِبَادَةُ الْوَثَنِ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَاجْتَنِبُوا مِنْ الْأَوْثَانِ الرِّجْسَ وَهُوَ الْعِبَادَةُ إذْ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ مِنْهَا وَقَوْلُهُ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيَانًا لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ فَوَقَعَ فِي التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ ثُمَّ إنَّهُ إنْ أَرَادَ بِأَنَّهُ حَالٌ لَا صِفَةٌ وَلَا يُقَالُ الْحَالُ وَصْفٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذَا اعْتِنَاءٌ لَا يُقَالُ فِيمَنْ هُوَ فِي مَقَامِ الْإِفْصَاحِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِالنَّحْوِ وَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَلَقَدْ أَفْصَحَ
وَبَيَّنَ وَلَيْسَتْ أَلْ فِي الْحِصَّةِ هُنَا لِوُقُوعِهَا عَلَى مُعَيَّنٍ مِثْلِهَا فِي اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي كَمَا لَا يَخْفَى وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا صِفَةٌ لِقَدْرِهَا أَوْ لِسَاعَتَيْنِ كَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُرَادِ لِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ لَيْسَ وَصْفًا لِقَدْرٍ وَلَا لِسَاعَةٍ لِأَنَّهُمَا بِزَعْمِهِ لَمْ يُذْكَرَا إلَّا لِبَيَانِ أَنَّ الْمَبِيعَ مُقَدَّرٌ بِزَمَنٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُمَا بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صِفَةٌ لِسَاعَتَيْنِ أَوْ لِقَدْرٍ إذْ لَا يُتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ إلَّا حِينَئِذٍ.
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ صِفَةً لِجَمِيعِ أَوْ لِلْحِصَّةِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاشْتَرَى الْمَذْكُورُ لَا بِمَحْذُوفٍ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ لَكَ تَنَاقُضُ كَلَامِهِ لِأَنَّ مِنْ قَرَارٌ إذَا كَانَ وَصْفًا لِقَدْرٍ أَوْ لِسَاعَةٍ وَكَانَتْ مِنْ فِيهِ لِلْبَيَانِ لَزِمَهُ أَنَّ الْقَدْرَ أَوْ السَّاعَتَيْنِ هُوَ عَيْنُ الْقَرَارِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا مَرَّ ثُمَّ كَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مِنْ الْبَيَانِيَّةَ لَا يَكُونُ ظَرْفُهَا إلَّا مُسْتَقِرًّا وَمِنْ التَّبْعِيضِيَّةَ لَا يَكُونُ ظَرْفُهَا إلَّا لَغْوًا وَهُوَ بَاطِلٌ وَادِّعَاءُ ذَلِكَ أَوْ كِتَابَةُ مَا يُفْهِمُهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْجَهْلِ وَالتَّهَوُّرِ فِيهِ إذْ مِنْ الشَّائِعِ الذَّائِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فَفِي الرَّضِيِّ وَمِثَالُ التَّبْعِيضِ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالْمَفْعُولُ الصَّرِيحُ مَحْذُوفٌ أَيْ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ شَيْئًا.
وَإِذَا لَمْ تَذْكُرْ الْمَفْعُولَ الصَّرِيحَ أَوْ ذَكَرْتَهُ مُعَرَّفًا نَحْوَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ هَذَا فَمِنْ مُتَعَلِّقٌ بِأَخَذْتُ لَا غَيْرُ لِأَنَّهُ يُقَامُ مُقَامَ الْمَفْعُولِ نَحْوَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّرَاهِمُ مَأْخُوذٌ مِنْهَا وَلَوْ ذَكَرْتَهُ بَعْدَ الْمَفْعُولِ الْمُنَكَّرِ نَحْوَ أَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ الدَّرَاهِمِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقًا بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِ (شَيْئًا) فَيَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أَيْ شَيْئًا كَائِنًا مِنْ الدَّرَاهِمِ فَيَجُوزُ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى النَّكِرَةِ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ قَالَ تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] أَوْ صِفَةً نَحْوَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَيْ مِنْ الدَّرَاهِم شَيْئًا اهـ وَكَلَامُهُ هَذَا صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ ظَرْفَ التَّبْعِيضِيَّةِ يَصِحُّ أَنْ يَكُون لَغْوًا وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِيهِ لِيَظْهَرَ لَكَ مَا ارْتَكَبَهُ هَذَا الْمُجِيبُ مِنْ الْقَبَائِحِ وَالْمُجَازَفَاتِ سِيَّمَا فِي عِلْمِهِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ إلَّا فِيهِ وَلَقَدْ وَقَعَ لِلْقَاضِي أَفْضَلِ الدِّينِ الْخُونَجِيِّ الْعَلَامَةِ فِي الْمَنْطِقِ الْمُتَمَيِّزِ فِيهِ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِنَظِيرِهِ فِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَنْطِقَهُ فِي حَدِّ التَّرِكَةِ فَزَيَّفَهُ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْفُقَهَاءِ طَرْدًا وَعَكْسًا ثُمَّ قَالَ:
وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ صِنَاعَاتٍ جَدَلِيَّةً لَكِنْ حَمَلَنَا عَلَى ذِكْرِهَا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَعْمِل فِي الْفِقْهِ صِنَاعَتَهُ فَأَحْبَبْنَا مُعَارَضَتَهُ أَيْ بِنَفْسِ صِنَاعَتِهِ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ التَّمَيُّزِ فِي الْفِقْهِ عَلَى وَجْهِ التَّمَيُّزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعُلُومِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّمَيُّزِ فِي بَعْضِهَا التَّمَيُّزُ فِي الْفِقْهِ بَلْ وَلَا التَّأَهُّلُ لِفَهْمِ ظَوَاهِرِهِ فَضْلًا عَنْ حَقَائِقِهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ وَلَا يَعْزُبْ عَنْكَ قَوْلُ الْفَارُوقِ رضي الله عنه فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ الْكَلَامُ لَكِ يَا جَارَةُ فَاسْمَعِي وَعِي وَقَوْلُهُ لَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ عَرَضٌ غَيْرُ قَارٍّ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ جِسْمٌ قَارٌّ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنْ قَبِيحِ خَطَئِهِ وَزَلَلِهِ {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] لِأَنَّهُ إذَا فُرِضَ احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا فِيهِ جَعْلُ الزَّمَانِ جُزْءًا مِنْ الْجِسْمِ لِأَنَّا إذَا اسْتَعْمَلْنَا السَّاعَتَيْنِ مُرَادًا بِهِمَا الْجُزْءُ لَمْ يَدُلَّا حِينَئِذٍ عَلَى الزَّمَانِ مَعَ مُلَاحَظَةِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ فَرْضَهُ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مَعَهُ أَنَّ هُنَا زَمَانًا جُعِلَ جُزْءًا مِنْ مَكَان وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا التَّمْوِيهَ الَّذِي رَاجَ لَهُ أَوْ رَاجَ عَلَيْهِ لَمَّا قِيلَ إنَّهُ مِنْ أَكْثَرِ جَوَابِهِ هَذَا يَرُوجُ عَلَى غَيْرِهِ حَاشَا وَكَلَّا.
وَقَوْلُهُ إذْ السَّقِيَّةُ هِيَ الْمَاءُ بَاطِلٌ صُرَاحٌ وَإِنَّمَا هِيَ لُغَةُ اسْمٍ لِنَبْتٍ فَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ حَيْثُ مَدْلُولُهَا لَفْظًا كَانَتْ فَعَيْلَةً بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَيْ سَاقِيَةٍ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ صَرِيحَةً فِي مُدَّعَانَا إذْ السَّاقِيَّةُ لُغَةً النَّهْرُ الصَّغِيرُ وَهُوَ اسْمٌ لِمَحَلِّ الْمَاءِ فَهِيَ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي مُدَّعَانَا وَعَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لَا دَلَالَةَ فِيهَا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا حِينَئِذٍ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي مَحَلِّهِ مَجَازٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِقَرِينَةٍ وَمَا قُلْنَاهُ عَلَيْهِ قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أُولَئِكَ فَإِنْ قَالَ السَّقِيَّةُ عُرْفًا اسْمٌ لِلْمَاءِ قُلْنَا عَادَ النِّزَاعُ السَّابِقُ فِي السَّاعَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ أَيْضًا لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فَبَطَلَ قَوْلُهُ بَلْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ إلَخْ وَقَوْلُهُ لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ بَلْ
وَلَا مَمْلُوكٍ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ نَاقَضَ فِي هَذَيْنِ بِذِكْرِهِ الْحِيلَةَ السَّابِقَةَ أَوَّلَ جَوَابِهِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّ النَّقِيضَيْنِ يَخْتَارُ.
وَقَدْ عَقَدْتُ لِمِلْكِ الْقَرَارِ بَابًا وَذَكَرْتُ فِيهِ حُكْمَ اشْتِرَاطِ رُؤْيَتِهِ وَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ مَا وَقَعَ فِيهِ هَذَا الْمُجِيبُ مِنْ قَبِيحِ الْخَطَإِ وَالْخَطَلِ وَفَاسِدِ التَّهَوُّرِ وَالزَّلَلِ كَيْفَ وَالسُّؤَالُ الَّذِي رُفِعَ إلَيْهِ فِيهِ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ وَلَمْ يُعَوِّلْ فِي إفْتَائِهِ إلَّا عَلَى مَا قَالَهُ بِحَسَبِ زَعْمِهِ الْفَاسِدِ أَنَّ طَرِيقَ الْبَيْعِ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ وَقَدْ ذَكَر هَذَا طَرِيقًا لِبَيْعِ عُيُونِ مَكَّةَ بِالذَّاتِ لِأَنَّهَا هِيَ مَحَطُّ السُّؤَالِ وَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رَوَيْتُهُ وَقَدْ مَرَّ ثَمَّ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فَرَاجِعْهُ وَقَوْلُهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ بَاطِلٌ أَيْضًا إذْ الْجَهْلُ بِالْأَصْلِ لَا يُنَافِي الْحُكْمَ لِوَاضِعِ الْيَدِ بِالْمِلْكِ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي الْبَابِ السَّادِسِ.
وَقَوْلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ عَالِمُ الْحِجَازِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا تَحْرِيفٌ لِكَلَامِهِ كَمَا سَبَقَ ثَمَّ مَبْسُوطًا فَرَاجِعْهُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَزَ ذَلِكَ فِي مَقَامِ السُّؤَالِ وَالسَّائِلُ لَا يُحْتَجُّ بِكَلَامِهِ سِيَّمَا وَقَدْ رَدَّهُ شَيْخُهُ كَمَا مَرَّ أَيْضًا بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ عَالِمَ الْحِجَازِ هَذَا خَالَفَ الشَّيْخَيْنِ فِي تَصْنِيفٍ أَوْ إفْتَاءٍ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِاَلَّذِي فِيهِ يُقَالُ عَلَيْهِ كَأَنَّكَ تُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى نَفْسِكَ بِجَامِعِ أَنَّكَ مَكِّيٌّ مِثْلُهُ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا لَقَدْ بَذَلْتَ جَهْدَكَ فِي إظْهَارِ دِرَايَتِكَ لِلنَّاسِ وَكَيْفَ لَا وَجَوَابُكَ هَذَا مَعَ إمْعَانِكَ فِي تَحْرِيرِهِ وَتَنْقِيحِهِ الْأَيَّامَ الْعَدِيدَةَ وَمُرَاجَعَتِكَ لِمَنْ أَمْلَى عَلَيْك أَكْثَرَهُ أَوْ حَرَّرَهُ لَكَ عَلَى مَا قِيلَ مُنْبِئٌ عَنْ تِلْكَ الْأَفْكَارِ الْغَرِيبَةِ وَالْأَنْظَارِ الْعَجِيبَةِ وَاتِّسَاعِ خِرْقِكَ عَلَى رَاقِعِهِ وَشَلَلِ سَاعِدِكَ عَلَى رَافِعِهِ فَجَاءَ سَعْيُهُ هَبَاءً مَنْثُورًا وَحَقَّ نَفْسَهُ {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38] تَابَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِكَرَمِهِ وَوَفَّقَنَا لِأَدَاءِ شُكْرِ نِعَمِهِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِالْإِخْلَاصِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَعَصَمَنَا مِنْ الْخَطَإِ وَالْخَطَلِ وَالزَّلَلِ وَبَصَّرَنَا بِعُيُوبِ نُفُوسِنَا الْأَبِيَّةِ وَأَجْزَلَ لَنَا سَوَابِغَ جَوْدَةِ الْمَوَاهِبِ الْعَلِيَّةِ وَخَتَمَ لَنَا أَجْمَعِينَ بِالْحُسْنَى وَبَلَّغَنَا بِفَضْلِهِ الْمَقَامَ الْأَسْنَى وَجَادَ عَلَيْنَا بِرِضَاهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاهُ إنَّهُ هُوَ الْجَوَّادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ مَا دَامَ سُؤْدُدُهُ وَعُلَاهُ آمِينَ وَوَافَقَ الْفَرَاغُ مِنْ تَصْنِيفِهِ خَامِسَ شَعْبَانَ مِنْ شُهُورِ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ أَحْسَنَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا فِي عَافِيَةٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ إنَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَغَيْرِهِ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ فَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَإِلَيْهِ مَفْزَعُنَا فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه وَأَدَامَ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ هَلْ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ السُّفُوحُ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهَا السَّيْلُ إلَى الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ وَفِي بَيْعِ الدَّارِ الْمَحَلَّاتِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيهَا الْقُمَامَاتُ وَيُطْعَمُ فِيهَا الدَّوَابُّ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا أَمْ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِذِكْرِهِ أَوْ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَإِذَا عَرَفَ الْمُوَثِّقُ أَنَّهُمَا أَرَادَا ذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ هَلْ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْوَثِيقَةَ بِذَلِكَ أَمْ لَا يَجُوزُ لَهُ كَتْبُ ذَلِكَ إلَّا بِتَعْيِينِهِ فِي الْبَيْعِ أَوْ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ أَوْ بِإِخْبَارِ الْبَائِعِ بِإِرَادَةِ ذَلِكَ وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُ دَارَ فُلَانٍ فَاكْتُبْ لِي بِهِ وَثِيقَةً هَلْ يَجُوزُ لَهُ وَهَلْ يَكْفِي إخْبَارُ ثِقَةٍ بِذَلِكَ وَقُلْتُمْ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِكُمْ نَفَعَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِكُمْ وَبِمُصَنَّفَاتِكُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُوَثِّقِ أَنْ يَكْتُبَ إلَّا بِمَا يَشْهَدُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ مُرَاعَاةَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَذَلِكَ قَدْ يَتَعَسَّرُ فَمَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا يَدْخُلُ فِي نَحْوِ بَيْعِ الْأَرْضِ مَسِيلُ الْمَاءِ وَلَا شِرْبُهَا أَيْ نَصِيبُهَا مِنْ الْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ حَتَّى يَشْرُطَهُ كَأَنْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا هَذَا فِي الْخَارِجِ عَنْهَا أَمَّا الدَّاخِلُ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ فَلَا رَيْبَ فِي دُخُولِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّبْكِيّ رحمه الله وَغَيْرُهُ.
وَإِنَّمَا دَخَلَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِيمَا لَوْ اكْتَرَاهَا لِغَرْسٍ أَوْ زَرْعٍ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِهِ أَمَّا نَصِيبُهَا مِنْ مُبَاحٍ كَالسُّفُوحِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَجَارِي
الْمَاءِ الَّتِي يَصِلُ مِنْهَا السَّيْلُ إلَى الْأَرْضِ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ حُقُوقِهَا فَيَنْتَقِلُ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا وَأَمَّا نَحْوَ الدَّارِ فَإِنْ كَانَتْ فِي شَارِعٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَرِيمٌ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي دَرْبٍ مَسْدُودٍ كَانَ لَهَا حَرِيمٌ فَيَدْخُلُ هُوَ وَمَا فِيهِ فِي بَيْعِهَا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا وَلَيْسَ لِلْمُوَثِّقِ أَنْ يَكْتُبَ إلَّا مَا تَلَفَّظَا بِهِ أَوْ ذَكَرَا أَنَّهُمَا أَرَادَاهُ وَأَمَّا كَوْنُهُ يُفْهَمُ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا أَرَادَا شَيْئًا وَيَكْتُبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَا لَهُ أَنَّهُمَا أَرَادَاهُ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُمَا قَدْ لَا يُرِيدَانِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْسِرَ كُلًّا مِنْهُمَا عَنْ لَفْظِهِ وَمُرَادِهِ بِهِ وَيَكْتُبَ أَلْفَاظَهُمَا كَمَا هِيَ حَتَّى إذَا رُفِعَتْ لِحَاكِمٍ قَضَى فِيهَا بِمَذْهَبِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ جَلِيٌّ لَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَلَيْسَ فِي مُرَاعَاتِهِ عُسْرٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَعَلَى الْمُوَثِّقِ الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ مَا أَمْكَنَهُ وَلْيَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم «عَلَى مِثْلِ هَذِهِ فَاشْهَدْ» فَلَا يَجُوزُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ إلَّا بِمَا تَيَقَّنَهُ دُونَ مَا ظَنَّهُ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَنْ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ دَرَاهِمُ فِي وَقْتِ مَحِلِّهَا فَطَالَبَ مَالِكَهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعَيْنُ فَقَالَ لَهُ مَا عِنْدِي مَا أُخَلِّصُكَ بِهِ وَلَكِنْ اصْبِرْ عَلَيَّ إلَى حَصَادِ الْحِنْطَةِ يَعْنِي الصَّيْفَ وَهُوَ فِي وَقْتِ الشِّتَاءِ فَقَالَ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ لَا بَأْسَ إنِّي أَبْغِي بَيْعَهَا مِنْكَ كُلَّ مُحَلِّقٍ بِرِبْعَتَيْ حَبٍّ إلَى الصَّيْفِ هَلْ يَصِحُّ هَذَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا يَصِحُّ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ حَقَّهُ مَتَى شَاءَ وَهَلْ إذَا أَيْسَرَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَقَالَ لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ خُذْ فَقَالَ مَا آخُذُ إلَّا الْحَبَّ الَّذِي فِي ذِمَّتِكَ فَإِنَّكَ غَرَّرْتَنِي؟
(فَأَجَابَ) رحمه الله تبارك وتعالى بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ وَقْتَ الْبَيْعِ الْمُرَادُ بِهِ الْحَصَادُ مَجْهُولٌ وَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ الْمُطَالَبَةُ مَتَى شَاءَ وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ الْحَبِّ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - عَنْ شَخْصَيْنِ ابْتَاعَا عَيْنًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ. بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا يُحْضِرُ مِنْ الثَّمَنِ نَحْوَ الصَّيْفِ هَلْ يَصِحُّ هَذَا الضَّمَانُ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الضَّمَانِ هَلْ يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا مَا يُحْضِرُ مِنْ الثَّمَنِ أَمْ لَا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) رحمه الله تبارك وتعالى بِقَوْلِهِ يَصِحُّ الضَّمَانُ وَالْبَيْعُ فِيمَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِيمَا إذَا شَرَطَا فِيهِ أَنَّ كُلًّا يَضْمَنُ الْآخَرَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فِي مَسْأَلَةِ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ دُونَ الْمُشْتَرِي فِي مَسْأَلَةِ النَّجْشِ مَعَ أَنَّ كُلًّا وُجِدَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي الْبَحْثِ وَالتَّفْتِيشِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْمُشْتَرِي مُقَصِّرٌ أَكْثَرَ لِسُهُولَةِ الْبَحْثِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي الْبَلَدِ بِخِلَافِ الْبَائِعِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ غَرِيبًا لَا يَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ شَخْصٍ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ نِصْفَ زَرْعٍ وَشَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الزَّرْعَ مَرْهُونٌ عِنْدَهُ بِالثَّمَنِ أَعْنِي عِنْدَ الْبَائِعِ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ أَمْ يَفْسُدَانِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ الْأَذْرَعِيِّ فِي التَّوَسُّطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ رَهْنُهُ غَيْرَ الْمَبِيعِ فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَبِيعِ نَفْسِهِ رَهْنًا بِالثَّمَنِ بَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ اهـ فَهَلْ هُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَمْ لَا وَالْمَسْئُولُ مِنْكُمْ حُكْمُ اللَّهِ سبحانه وتعالى فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ جَوَابُكُمْ عَنْ ذَلِكَ وَإِلَّا حَصَلَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ وَفِتْنَةٌ وَمَعَ عِلْمِكُمْ أَيْضًا أَنَّ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوا فِي الدَّعَاوَى أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ عَيْنًا فَلَهُ أَخْذُهَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَإِلَّا وَجَبَ الرَّفْعُ إلَى الْقَاضِي فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ فَهَلْ يَجُوزُ قَهْرُ مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ وَلَوْ حَصَلَتْ الْفِتْنَةُ أَوَّلًا.
فَإِنْ قُلْتُمْ لَيْسَ هُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا لِأَنَّ الْبَائِعَ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ قُلْنَا إنَّ الْمُشْتَرِيَ لَهُ نِصْفُ الزَّرْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَامْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ تَسْلِيمِ جَمِيعِ الزَّرْعِ إلَّا بِتَسْلِيمِ ثَمَنِ النِّصْفِ الْمَبِيعِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ رَهْنُهُ هُوَ النِّصْفَ الْمَبِيعَ بَطَلَ الْبَيْعُ
وَالشَّرْطُ وَكَذَا إنْ شَرَطَ رَهْنَ الْكُلِّ أَوْ رَهْنَ الزَّرْعِ أَوْ نِصْفِهِ أَوْ أَطْلَقَ وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ غَيْرَ الْمَبِيعِ صَحَّا وَلِلْبَائِعِ حِينَئِذٍ حَبْسُ جَمِيعِ الزَّرْعِ حَتَّى يَأْخُذَ ثَمَنَ النِّصْفِ وَلَا يَجُوزُ حَيْثُ خِيفَتْ فِتْنَةٌ أَنْ يَسْتَقِلَّ الْمُسْتَحِقُّ بِالْأَخْذِ بَلْ يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ إلَى حَاكِمِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْهُ إنْ نَفَذَ حُكْمُهُ فِيهِ فَإِنْ فُرِضَ الْخُلُوُّ عَنْ الْحَاكِمِ فَأَمْرٌ نَادِرٌ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا كَانَ لِزَيْدٍ عَبْدٌ مَثَلًا وَلِعَمْرٍو عَبْدٌ فَبَاعَ زَيْدٌ عَبْدَهُ مِنْ عَمْرٍو بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ذَهَبًا فَرْنَسَةً ثُمَّ بَاعَ عَمْرٌو عَبْدَهُ مِنْ زَيْدٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ ثُمَّ أَبْرَأَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذِمَّةَ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ الْمَعْلُومِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَقَ عَبْدُ عَمْرٍو الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ وَثَبَتَ عَبْدُ زَيْدٍ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ عَمْرٍو مُسْتَحَقًّا بِبَيِّنَةٍ بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَهَلْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَإِذَا أَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا الرُّجُوعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِالثَّمَنِ الْمَعْلُومِ فَهَلْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي عُقِدَ بِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) رضي الله عنه وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَإِبْرَاءُ ذِمَّةِ مُشْتَرِي الْعَبْدِ الَّذِي خَرَجَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا فَإِنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَشْتَغِلْ لِلْبَائِعِ بِشَيْءٍ وَأَمَّا الْعَبْدُ الَّذِي أَبَقَ فَإِنْ كَانَ الْإِبَاقُ عَيْبًا بِأَنْ أَبَقَ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْبَيْعُ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِبْرَاءُ الْبَائِعِ ذِمَّةَ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ صَحِيحٌ أَيْضًا فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ الْآبِقَ بَعْد عَوْدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - هَلْ يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ وَكَذَا الْبَهِيمَةُ قَبْلَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ اللَّبَنِ بِالنَّذْرِ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ بِمَوْتِ مَالِكِهَا فَقَدْ نَصَّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ عَلَى جَوَازِ التَّفْرِيقِ بِالْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ الْمُعَلَّقِ مُطْلَقًا أَوْ بِالْمَوْتِ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ التَّفْرِيقِ بِالنَّذْرِ لِجِهَةِ تَحْرِيرِهِ وَغَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بِالْوَقْفِ وَقَدْ جَزَمَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ بِهِ كَالْعِتْقِ وَسَنَدُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ رحمه الله تبارك وتعالى فِي خَادِمِهِ سَكَتُوا عَنْ أُمُورٍ مِنْهَا الْوَقْفُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَيُشْبِهَ إنْ قُلْنَا الْمِلْكُ فِيهِ لِلَّهِ سبحانه وتعالى فَكَالْعِتْقِ وَإِلَّا فَكَالْهِبَةِ وَيُخَالِفُ الْعِتْقَ بِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ زَوَالٍ الرِّقِّ وَاسْتِقْلَالِ الْعَبْدِ بِنَفْسِهِ.
وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِي الْوَقْفِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ إعْتَاقِهِ صَحَّ وَلَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْوَقْفِ لَمْ يَصِحَّ اهـ فَافْهَمْ قَوْلَهُ إنْ قُلْنَا الْمِلْكُ فِيهِ لِلَّهِ سبحانه وتعالى فَكَالْعِتْقِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُ جَوَازُ التَّفْرِيقِ بِالْوَقْفِ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْقُوفِ لِلَّهِ سبحانه وتعالى وَاَلَّذِي جَرَيْتُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ خِلَافُهُ وَعِبَارَتُهُ وَالْأَوْجُهُ خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْخَادِمِ أَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ كَالْعِتْقِ لِأَنَّ مَنْ وُقِفَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلَّهِ سبحانه وتعالى بِخِلَافِ مَنْ عَتَقَ وَلِأَنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يَسْتَبِدُّ بِنَفْسِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُلَازَمَةِ الْآخَرِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ صَوَّبَ ذَلِكَ انْتَهَتْ وَأَشَرْتُ بِقَوْلِي ثُمَّ رَأَيْتُ إلَخْ إلَى قَوْلِ الْكَمَالِ الرَّدَّادِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْإِيضَاحِ وَفِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ بِالْوَقْفِ ثَلَاثُ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا يَجُوزُ كَالْعِتْقِ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ كَالْهِبَةِ وَالثَّالِثُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ فَإِنْ قُلْنَا يَنْتَقِلُ إلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى جَازَ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَهُوَ غَرِيبٌ لَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابٍ وَالصَّوَابُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مُلَازَمَةِ الْآخَرِ اهـ وَعَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ امْتِنَاعِ الْوَقْفِ فِيهَا فَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ بِمَا يَأْتِي فِيهَا مِنْ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهَا وَلَا مِلْكَ حَالًّا مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْ زَمَنِ التَّحْرِيمِ بِخِلَافِ الْوَقْفُ فَإِنَّ فِيهِ الضَّرَرَ فِي الْحَالِ كَمَا مَرَّ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ عُلِمَ أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي النَّذْرِ بِالْوَلَدِ أَوْ الْأُمِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ انْعَقَدَ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مِنْ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِأَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ فِي الْحَال وَلَعَلَّ مَوْتَ الْمُوصِي يَكُونُ بَعْدَ زَمَنِ التَّحْرِيمِ فَكَذَلِكَ النَّذْرُ الْمُعَلَّقُ
لَا ضَرَرَ فِيهِ فِي الْحَالِ وَلَعَلَّ وُجُودَ الْمُعَلَّقِ بِهِ يَكُونُ بَعْد زَمَنِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ فَإِنْ وُجِدَ قَبْلَهُ تَأَتَّى فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي الْوَصِيَّةِ وَعِبَارَتُهُ.
فَإِنْ مَاتَ أَيْ الْمُوصِي قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ زَمَنِ التَّحْرِيمِ وَقَبْلَ الْمُوصَى لَهُ بِأَحَدِهِمَا الْوَصِيَّةُ احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ يُغْتَفَرُ التَّفْرِيقُ هُنَا لِأَنَّهُ فِي الدَّوَامِ وَأَنْ يُقَالَ يُبَاعَانِ مَعًا كَمَا يَأْتِي فِي الرَّهْنِ لَكِنْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَرْهُونَ ثَمَّ مَبِيعٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا بَيْعَهُ وَحْدَهُ لَكَانَ فِيهِ تَفْرِيقُ ابْتِدَاءً بِخِلَافِهِ هُنَا فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ هُوَ الْأَوَّلُ انْتَهَتْ فَكَذَا يُقَالُ فِي النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ لَوْ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمْيِيزِ جَازَ لِلْمَنْذُورِ لَهُ حَيْثُ لَمْ يُرَدْ أَخْذُ أَحَدِهِمَا الْمَنْذُورَ لَهُ بِهِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ تَفْرِيقٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ ابْتِدَاءً وَقَصْدًا بَلْ دَوَامًا وَتَابِعًا وَالشَّيْءُ يُغْتَفَرُ فِيهِ فِي الدَّوَامِ وَتَابِعًا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَمَقْصُودًا وَإِنْ كَانَ أَعْنِي النَّذْرَ بِأَحَدِهِمَا مُنْجَزًا فَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ أَوْ مَا يَئُولُ إلَيْهِ كَنَذْرٍ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا عَلَى أَبِيهِ فَلَا تَوَقُّفَ فِي جَوَازِهِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ بِالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ بِهِ حُكْمُهُ أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَوَاضِحٌ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لِلْمَنْذُورِ لَهُ وَقَعَ ضِمْنًا وَالشَّيْءُ يُغْتَفَرُ فِيهِ ضِمْنًا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِ مَقْصُودًا وَمِنْ ثَمَّ جَوَّزُوا دُخُولَ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعِتْقٍ وَلَا بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ كَعَلَيَّ أَنْ أَهَبَ هَذَا الْقِنَّ لِزَيْدٍ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الْمَنْعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ الْمَنْذُورُ لَهُ إلَّا بِالْقَبْضِ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَالْمَرْهُونِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُمَلَّكُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِمَنْعِ التَّفْرِيقِ بِالْهِبَةِ فَيَكُونُ النَّذْرُ أَوْلَى لِأَنَّ الْمُتَّهِبَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْوَاهِبِ بِمَا وَهَبَ لَهُ بِخِلَافِ الْمَنْذُورِ لَهُ مُطَالَبَةُ النَّاذِرِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِمَا نَذَرَ لَهُ بِهِ فَتَعَلُّقُهُ أَتَمُّ مِنْ تَعَلُّقِ الْمُتَّهِبِ فَإِذَا امْتَنَعَتْ الْهِبَةُ مَعَ ضَعْفِهَا عَنْ تَسْوِيغِ الْمُطَالَبَةِ فَالنَّذْرُ الْقَوِيُّ عَلَى تَسْوِيغِ الْمُطَالَبَةِ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ يَحْرُمُ بَيْعُ الْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ وَيَصِحُّ وَالسِّلَاحُ لِلْحَرْبِيِّ وَلَا يَصِحُّ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَسَبُّبٌ بَعِيدٌ لِلْمَعْصِيَةِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الْعَصْرِ وَالْمُعَالَجَةِ فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْحَدِيدِ لِحَرْبِيٍّ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ سِلَاحًا بِخِلَافِ بَيْعِ السِّلَاحِ نَفْسِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ حُدُوثِ الْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ مَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْقِيَاسُ بِنَاؤُهُ عَلَى مَا لَوْ تَلِفَ حِينَئِذٍ قَبْلَ الْفَسْخِ وَالْأَرْجَحُ عَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ إنْ قُلْنَا الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ انْفَسَخَ لِعَدَمِ إمْكَانِ نَقْلِ الْمِلْكِ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَيُفْهَمُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ الِانْفِسَاخَ عَامٌّ فِيمَا إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ بِآفَةٍ أَوْ بِإِتْلَافِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي وَالصُّورَةُ مَا سَبَقَ فَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ غَرِمَ الْمُشْتَرِي الْأَرْشَ وَرَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ أَجَازَ فَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ عَمَّنْ بَاعَ ثَمَرَةً بِشَرْطِ الْقَطْعِ جَازَ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْعِتْقُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّرَاخِي.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ قَالَ بِعْتُكَ كُلَّ صَاعٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِدِرْهَمٍ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَطَأُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُوَلِّيًا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ لَا إشْكَالَ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَيَّنَ الْمُوَلَّى مِنْهُنَّ أَعْنِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا لَيْسَ تَعْيِينًا لِلْمَبِيعِ بَلْ تَفْصِيلٌ لِثَمَنِ صِيعَانِهِ وَالْإِلْزَامُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ جَمِيعِ الصُّبْرَةِ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَالْمَبِيعُ مَجْهُولٌ فَفَسَدَ الْبَيْعُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ عَمَّنْ قَالَ أَشْرَكْتُكَ فِيمَا اشْتَرَيْتُهُ صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَدَنَانِيرَ لَمْ يَصِحَّ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ حَيْثُ يُطْلَقُ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْمُنَاصَفَةِ فَعُمِلَ بِهَذَا الظَّاهِرِ بِخِلَافِ الْعَطْفِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ ظَاهِرًا فِي
ذَلِكَ بِأَنْ يُحْتَمَلَ أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِيَ الْوَاجِبِ مِنْ كُلٍّ وَتَفَاوَتَهُ وَلَا مُرَجِّحَ فَبَطَلَ لِلْإِيهَامِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ مَا حَقِيقَةُ النَّقْدِ وَهَلْ لَفْظُ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَعُمُّ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَهُ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْمَضْرُوبِ وَقَدْ وَقَعَ لِلشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالْمَضْرُوبِ فَهَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ فَسَّرَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا النَّقْدَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَفْظَ الْمَضْرُوبَةِ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ أَوْ مُوَضِّحَةٌ فَلَا مَفْهُومَ لَهَا لَكِنَّ قَوْلَ الْمَاوَرْدِيُّ رحمه الله تبارك وتعالى قَدْ يُعَبَّرُ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ غَيْرِ الْمَضْرُوبَةِ يُرْشِدُ إلَى الثَّانِي إنْ جَعَلْنَا التَّعْبِيرَ بِهِ عَنْهُ مَجَازًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِمْ وَلِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ لَفْظِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إنَّمَا هُوَ الْمَضْرُوبُ نَعَمْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِصِدْقِهِمَا بِغَيْرِ الْمَضْرُوبَةِ فَإِذَا قُيِّدَا بِالْمَضْرُوبَةِ تَرَادَفَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عَلَى مَا مَرَّ فَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ وَصْفَ النَّقْدِ بِالْمَضْرُوبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ وَصْفُ الْحَاوِي وَالْمُحَرَّرِ لَهُ بِهِ وَأَنَّ لَفْظَ النَّقْدِ لَا يَشْمَلُ الْفُلُوسَ وَإِنْ رَاجَتْ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْبَيْعِ مِنْ شُمُولِهِ لَهَا فَغَيْرُ مُرَادٍ بِدَلِيلِ كَلَامِهِمَا فِي بَابِ الْقَرْضِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا غَلَبَ مِنْ جِنْسِ الْعُرُوضِ نَوْعٌ فَهَلْ يَنْصَرِفُ الذِّكْرُ إلَيْهِ عِنْد الْإِطْلَاقِ فِي الْعَقْدِ كَالنَّقْدِ أَوْ يُفَرَّقُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي رَجَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ الْأَوَّلُ وَكَذَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَبِيعَ صَاعًا مِنْ الْحِنْطَةِ بِصَاعٍ مِنْهَا أَوْ بِشَعِيرٍ فِي الذِّمَّةِ وَتَكُونَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ الْمَوْجُودَانِ فِي الْبَلَدِ صِنْفًا مَعْرُوفًا أَوْ غَالِبًا فِي الْبَلَدِ لَا يَخْتَلِفُ ثُمَّ يُحْضِرَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَيُسَلِّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ اهـ وَبِتَأَمُّلِهِ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْبَلَدِ غَيْرُ النَّوْعِ الْمَوْصُوفِ أَوْ تَتَعَدَّدَ الْأَنْوَاعُ وَيَغْلِبَ أَحَدُهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنْ وَقَعَ نِزَاعٌ فِي أَنَّ عِبَارَةَ الْمُتَوَلَّى الَّتِي نَقَلَ الرَّافِعِيُّ الْمَسْأَلَةَ عَنْهَا هَلْ تُفْهِمُ ذَلِكَ أَوْ تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ وَلَكِنَّ الْحَقَّ الْأَوَّلُ وَقِيَاسُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّعَامُلُ فِي بَلَدٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْفُلُوسِ الْعَدَدِيَّةِ أَوْ بِأَنْوَاعٍ وَأَحَدُهَا غَالِبٌ انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ وَكَذَا فِي الثِّيَابِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ وَأَطْلَقَ وَكَانَ لَهُمَا عُرْفٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَالنَّقْدَيْنِ.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى هَلْ يَجُوزُ التَّعَامُلُ بِالْفُلُوسِ الْعَدَدِيَّةِ نَوْعًا فِي الذِّمَّةِ وَإِذَا تَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهَا فَهَلْ يَأْتِي فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا مَا ذَكَرُوهُ فِي النَّقْدِ وَهَلْ يَكْفِي التَّعْيِينُ بِالنِّيَّةِ كَالْخُلْعِ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟ وَمَا الْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ بَنَاتٌ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَعَيَّنَا وَاحِدَةً بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ بِالْفُلُوسِ الْعَدَدِيَّةِ عَدَدًا فِي الذِّمَّةِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَأَقَرَّهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ رحمهم الله تبارك وتعالى بَعْد أَنْ كَانَ مَنَعَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي لِأَنَّ الْقَصْدَ أَعْدَادُهَا لَا وَزْنُهَا ثُمَّ إذَا تَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهَا إمَّا أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُهَا أَوْ تَسْتَوِيَ فَإِنْ اسْتَوَتْ فَتَارَةً تَتَفَاوَتُ قِيمَتُهَا وَتَارَةً لَا، فَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينٌ كَمَا فِي الْبَيَانِ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ صِحَاحٌ وَمُكَسَّرَةٌ لَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا صَحَّ الْعَقْدُ بِدُونِ التَّعْيِينِ وَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي مَا شَاءَ مِنْهُمَا.
وَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ بِاللَّفْظِ وَلَا يَكْفِي بِالنِّيَّةِ وَفَارَقَ الْخُلْعَ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْبَيْعِ مِنْ التَّعْلِيقِ وَالصِّحَّةِ بِالْمَجْهُولِ وَالنَّجَسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النِّكَاحِ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ فَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِيهَا هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَاسْتَشْكَلَهَا بِمَسْأَلَةِ الْبَيْعِ وَاعْتَرَضَ قَوْلَهُ الْأَصَحُّ فِيهَا الصِّحَّةُ بِأَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرَ الشَّيْخَانِ فِيهَا الصِّحَّةَ إنَّمَا هِيَ فِيمَا لَوْ كَانَ اسْمُ بِنْتِهِ الْوَاحِدَةِ فَاطِمَةَ وَقَالَ زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي وَنَوَيَاهَا ثُمَّ قَالَا وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ فَصَاعِدًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِ الْمَنْكُوحَةِ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ بِأَنْ يَقُولَ بِنْتِي هَذِهِ أَوْ بِالْوَصْفِ بِأَنْ يَقُولَ بِنْتِي الْكُبْرَى أَوْ الْوُسْطَى وَهُنَّ ثَلَاثٌ قَالَ الْمُكْتَفَوْنَ بِالنِّيَّةِ أَوْ يَنْوِي وَاحِدَةً
بِعَيْنِهَا وَإِنْ لَمْ يُجِزْ لَفْظًا مُمَيَّزًا اهـ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْأَخِيرَةُ هِيَ صُورَةُ الْإِسْنَوِيِّ وَلَمْ يُصَحِّحْ الشَّيْخَانِ فِيهَا الصِّحَّةَ بَلْ رُبَّمَا يُشْعِرُ قَوْلُهُمَا وَقَالَ الْمُكْتَفَوْنَ بِالنِّيَّةِ بَعْدَ مَا قَبْلَهُ إنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالنِّيَّةِ هُنَا مَقَالَةٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ تَصْحِيحَ الشَّيْخَيْنِ الصِّحَّةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَإِنْ قَوَّى اعْتِرَاضَ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِيهَا بِأَنَّ الشُّهُودَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مُوَافِقَانِ لِلْمُكْتَفِينَ بِالنِّيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِجَامِعِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمْ تَتَعَدَّدْ بَنَاتُهُ وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظٍ يَشْمَلُ بِنْتَه وَبِنْتَ غَيْرِهِ شُمُولًا بَدَلِيَّا وَقَصْدُ تَزْوِيجِ بِنْتِ الْغَيْرِ بَعِيدٌ جِدًّا فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى بِنْتِهِ أَوْلَى لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ الظَّاهِرَةِ فِيهِ فَلِذَلِكَ أُثِرَتْ فِيهِ النِّيَّةُ بِخِلَافِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ بَنَاتِهِ مُتَعَدِّدَةٌ وَقَوْلُهُ بِنْتِي يَشْمَلُ كُلًّا مِنْهُنَّ وَلَيْسَ ثَمَّ قَرِينَةٌ غَيْرُ النِّيَّةِ تَكُونُ عَاضِدَةً لَهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى الِاكْتِفَاءُ بِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لِوُجُودِ قَرِينَةٍ ثَمَّ وَهِيَ عَدَمُ شُمُولِ لَفْظِهِ لِبِنْتِ الْغَيْرِ فِي حَالَةِ شُمُولِهِ لَبِنْتِهِ وَبِعَدَمِ إرَادَةِ بِنْتِ الْغَيْرِ وَعَدَمِ وُجُودِ قَرِينَةٍ هُنَا ظَاهِرَةٍ ظُهُورَ تِلْكَ الْقَرِينَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِنْتِي يَشْمَلُ كُلًّا مِنْ بَنَاتِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ وَلَا بُعْدَ فِي إرَادَةِ أَيِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
قُلْتُ جَوَابُهُمْ عَنْ الِاعْتِرَاضِ السَّابِقِ فِي النِّكَاحِ وَهُوَ أَنَّ الشُّهُودَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ وَلِذَا لَمْ يُكْتَفَ بِالْكِنَايَةِ فِي النِّكَاحِ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُكْتَفَ بِهَا فِي الْعَقْدِ لِأَنَّ الصِّيغَةَ هِيَ الْمَقْصُودُ وَالزَّوْجَةُ بِالنِّسْبَةِ لَهَا أَمْرٌ تَابِعٌ فَاغْتَفَرُوا النِّيَّةَ فِي الْأَمْرِ التَّابِعِ وَلَمْ يَغْتَفِرُوهُ فِي الْأَمْرِ الْمَقْصُودِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ فِي الزَّوْجَةِ لِكَوْنِهَا أَمْرًا تَابِعًا بِالنِّسْبَةِ لِلصِّيغَةِ سَوَاءٌ أَوُجِدَتْ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ تُؤَيِّدُ تِلْكَ النِّيَّةَ أَمْ لَا وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ تَخْصِيصَ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ بَنَاتٌ اسْمُ إحْدَاهُنَّ فَاطِمَةُ فَقَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ فَجُعِلَ هَذَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِنْتِي فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ جَزْمًا وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي الصُّورَتَيْنِ وَإِلَّا وُجِّهَ فِيهِمَا الصِّحَّةُ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بِعْتُكَ هَذَا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَهُنَاكَ نَقْدَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي الْغَلَبَةِ وَقِيمَتُهُمَا مُتَفَاوِتَةٌ حَيْثُ لَمْ يُكْتَفَ هُنَا بِالتَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمَقْصُودِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ غَيْرَ مَحْضِ النِّيَّةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ بِخِلَافِهِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّ بَعْدَ إرَادَةِ بِنْتِ الْغَيْرِ فِيمَا إذَا قَالَ زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ أَوْ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ فِي زَوَّجْتُكَ بِنْتِي قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى الْمَقْصُودِ غَيْرَ النِّيَّةِ.
فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهَا الِاكْتِفَاءُ بِهَا مَعَ عَدَمِ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْمَقْصُودِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْفُلُوسِ فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ كَالنَّقْدِ فَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَهُ تَعَيَّنَ وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ فِي الْبَلَدِ دَرَاهِمُ عَدَدِيَّةٌ نَاقِصَةُ الْوَزْنِ أَوْ زَائِدَتُهُ نَزَلَ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ وَالتَّعْلِيقِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْفُلُوسِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ النَّظَرِ لِوَزْنِهَا بَلْ لِمُجَرَّدِ عَدَدِهَا.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ أَوْ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ فَهَلْ يَضُرُّ جَهْلُ الْعَاقِدَيْنِ بِجُمْلَتِهِ حَالَ الْعَقْدِ إذَا ذُكِرَ فِيهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ مِقْدَارُ الْجُمْلَةِ بِالتَّأَمُّلِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فِي مَسَائِلِ الصُّبْرَةِ وَبَيْعِ الْمُرَابَحَةِ وَمَسَائِلِ الدُّورِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يُصَرِّحُ بِالصِّحَّةِ حَيْثُ ذَكَرَا مَا يُعْلَمُ بِهِ مِقْدَارُ الْجُمْلَةِ بِالتَّأَمُّلِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالطُّرُقِ الْحِسَابِيَّةِ كَطَرِيقِ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ وَغَيْرِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْسُرُ عِلْمُهُ عَلَى الْعَاقِدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا بَلْ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ الصِّحَّةَ وَإِنْ ذَكَرَا فِي الْعَقْدِ مَا يَعْسُرُ اسْتِخْرَاجُهُ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ كَبِعْتُكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَنِصْفِ وَرُبْعِ دِينَارٍ إلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَتُسْعَ وَعُشْرَ دِرْهَمٍ فَإِنَّ شَرْطَ الصِّحَّةِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَعْلَمَا قِيمَةَ الدِّينَارِ بِالدَّرَاهِمِ فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ فِيهِ سَبْعَةَ عَشَرَ وَثُلُثًا وَرُبْعًا مَثَلًا اُحْتِيجَ فِي اسْتِخْرَاجِهِ إلَى مَزِيدِ تَكَلُّفِ حِسَابٍ يَعْسُرُ اسْتِخْرَاجُهُ عَلَى كَثِيرٍ وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ الْعَقْدُ.
(وَسُئِلَ) أَبْقَاهُ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِمَا لَفْظُهُ وَقَعَ فِي الثَّمَنِ خِلَافٌ فَقِيلَ هُوَ النَّقْدُ وَقِيلَ مَا الْتَصَقَتْ بِهِ الْبَاءُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ
نَقْدًا فَهُوَ الثَّمَنُ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَا نَقْدَيْنِ أَوْ عَرْضَيْنِ فَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبَاءُ مَا ثَمَرَةُ الْخِلَافِ وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَوْ الْمُثَمَّنُ جُزَافًا كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ هَلْ يَعُمُّ النَّقْدُ وَغَيْرُهُ وَهَلْ يُقَيَّدُ بِمَا يُحِيطُ بِهِ التَّخْمِينُ وَهَلْ كَرَاهَةُ التَّخْمِينِ تَشْمَلُ الْمَذْرُوعَ وَغَيْرَهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا مَا لَوْ بَاعَ نَقْدًا بِنَقْدٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا مُثَمَّنَ فِيهِ أَوْ عَرْضًا بِعَرْضٍ فَلَا ثَمَنَ فِيهِ بَلْ هُوَ مُقَايَضَةٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ أَوْ مُبَادَلَةٌ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَمِنْهَا إذَا قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِهَذَا الْعَبْدِ فَعَلَى الثَّانِي الْعَبْدُ الثَّمَنُ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ كَالسَّلَمِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّمَنَ مُثَمَّنًا وَمِنْهَا إذَا بَاعَهُ ثَوْبًا بِعَبْدٍ مَوْصُوفٍ صَحَّ.
فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الثَّمَنَ مَا لَصِقَ بِهِ الْبَاءُ فَالْعَبْدُ ثَمَنٌ وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الثَّوْبِ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ فَقِيلَ يَجِبُ تَسْلِيمُ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ سَلَمٌ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَلَمٍ لِعَدَمِ اللَّفْظِ وَالْفُلُوسُ وَإِنْ رَاجَتْ كَالْعُرُوضِ وَالْقِيمَةُ خِلَافُ الثَّمَنِ لِأَنَّهَا مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ رَغَبَاتُ النَّاسِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ.
وَقَيَّدَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْغُنْيَةِ صِحَّةَ بَيْعِ الْجُزَافِ حَيْثُ قَالَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا ذَرْعُهُ وَلَا عَدُّهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا يُخَمِّنُهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ عِنْدَ تَأَمُّلِهِ أَمَّا لَوْ عَظُمَتْ الصُّبْرَةُ عِظَمًا مُتَفَاحِشًا أَوْ كَثُرَ غَيْرُهَا مِنْ الْمَعْدُودِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَذْرُوعِ كَثْرَةً لَا يُخَمِّنُ النَّاظِرُ إلَيْهِ قَدْرَهُ فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ مُعَايَنَتِهِ نَظَرٌ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ صُبْرَةً عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ أَوْ مَائِعًا وَنَحْوَهُ فِي ظَرْفٍ مُخْتَلِفِ الْأَجْزَاءِ دِقَّةً وَغِلَظًا لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ إفَادَةِ التَّخْمِينِ بِرُؤْيَتِهِ فَهُوَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ اهـ وَمَا قَيَّدَ بِهِ مُحْتَمَلٌ وَيُحْتَمَلُ تَرْجِيحُ إطْلَاقِهِمْ وَيُفَارِقُ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ بِأَنَّ نَحْوَ الِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ شَيْءٌ لَمْ يُحِطْ بِهِ الْبَصَرُ بِوَجْهٍ فَمَنْعُهُ لِإِفَادَةِ التَّخْمِينِ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الْكَثْرَةِ لِأَنَّ الْبَصَرَ مَعَ ذَلِكَ يُحِيطُ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ وَلَيْسَ فِي بَاطِنِهِ مَا يُخَالِفُ مَا أَدْرَكَهُ النَّظَرُ فِي ظَاهِرِهِ فَالْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَاَلَّذِي فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ كَرَاهَةُ بَيْعِ الْجُزَافِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْمَذْرُوعَ وَغَيْرَهُ وَمَا وَقَعَ فِي التَّتِمَّةِ مِمَّا يَقْتَضِي اسْتِثْنَاءَ الْمَذْرُوعِ غَيْرُ مُتَّجَهٍ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - عَمَّا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ أَوْ نَحْوُهُ بِفُلُوسٍ عَدَدِيَّةٍ ثُمَّ قَبْلَ قَبْضِهَا غَيَّرَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ حِسَابَهَا بِزِيَادَةٍ فِي عَدَدِهَا الْمُقَابَلِ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ نَقَضَ فِيهِ فَمَا الَّذِي يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ وَهَلْ الْقَرْضُ وَنَحْوُهُ كَالْبَيْعِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ إقْبَاضُ الثَّمَنِ مِنْهَا عَلَى حِسَابِ مَا كَانَ التَّعَامُلُ بِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ وَإِنْ وَقَعَ التَّغْيِيرُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ لُزُومِهِ بِأَنْ كَانَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَوْ الشَّرْطِ بَاقِيًا فِيمَا يَظْهَرُ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّغْيِيرِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ فِي النَّقْدِ الشَّيْخَانِ فِي الْبَيْعِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَزَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي الْقَرْضِ وَعِبَارَةُ التَّتِمَّةِ إذَا بَاعَ مَالَهُ بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَنْعُ السُّلْطَانِ مِنْ الْمُعَامَلَةِ بِذَلِكَ النَّقْدِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْعِوَضُ مُشَارًا إلَيْهِ فَيُسَلِّمُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ الْتَزَمَهُ فِي الذِّمَّةِ فَيَأْتِي بِالْقَدْرِ الْمُلْتَزَمِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا جَاءَ بِذَلِكَ النَّقْدِ فَعَلَى الْبَائِعِ قَبُولُهُ وَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ مَا عَادَ إلَى الْعَيْنِ وَإِنَّمَا قَلَّتْ فِيهِ رَغَبَاتُ النَّاسِ فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَرَخُصَتْ الْأَسْعَارُ وَلَوْ جَاءَ بِمَا حَدَثَ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ اهـ وَشَمِلَ قَوْلُهُ مُعَيَّنٌ الْمُعَيَّنَ بِالذِّكْرِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبٌ أَوْ بِالِانْصِرَافِ إلَيْهِ كَأَنْ كَانَ ثَمَّ غَالِبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ حَصَلَتْ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دَرَاهِمُ مَوْصُوفَةٌ فَحَظَرَ السُّلْطَانُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا وَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ غَيْرَهَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَالِبَ بِقِيمَتِهَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ لِأَنَّ نِهَايَةَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَخْسًا لِقِيمَتِهَا وَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَسْتَحِقُّ بَدَلَهُ لِنُقْصَانِ قِيمَتِهِ اهـ مُلَخَّصًا وَتَنَاوَلَتْ عِبَارَتُهُ الْبَيْعَ وَالْقَرْضَ وَغَيْرَهُمَا بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُتَوَلِّي قَبْلُ وَقَوْلُهُ وَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ ظَاهِرُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطَانِ مُعْتَبَرٌ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَنَّهُ يُحَرَّمُ التَّعَامُلُ بِمَا مَنَعَ مِنْ التَّعَامُلِ بِهِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وَبِقَوْلٍ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ إذَا أَمَرَ
وَلِيُّ الْأَمْرِ النَّاسَ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ الِاسْتِسْقَاءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ يَكُونُ الصِّيَامُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَالَ وَمَنْ أَخَلَّ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَثِمَ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ يُحْتَمَلُ تَرْجِيحُ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ تَرْجِيحُ خِلَافِهِ وَيُفَارِقُ مَسْأَلَةَ الِاسْتِسْقَاءِ بِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهَا سُنَّةٌ فَإِذَا أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ صَارَ وَاجِبًا خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَاسْتِشْهَادُهُ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الصَّوْمِ مَرْدُودٌ بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنْ التَّعَامُلِ بِنَقْدٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِغٍ لَهُ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ وَمِنْ قَوْلِهِمْ إذَا سَعَّرَ الْإِمَامُ وَجَبَ امْتِثَالُهُ وَإِنْ حَرَّمَ، عَلَيْهِ أَنْ يُحَرِّمَ التَّعَامُلَ بِهَا ظَاهِرًا لِمَا فِيهِ مِنْ شَقِّ الْعَصَا لَا بَاطِنًا لِتَعَدِّي الْإِمَامِ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا نَعَمْ إنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً عَامَّةً حَرَّمَ التَّعَامُلَ بِهَا مُطْلَقًا عَلَى الْأَوْجُهِ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا تَقَرَّرَ عَلِمْتَ أَنْ مَسْأَلَةَ الْفُلُوسِ أَوْلَى مِنْ مَسْأَلَةِ النَّقْدِ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ النَّقْدِ فِيمَا أَبْطَلَهُ الْإِمَامُ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَسْأَلَةَ الْفُلُوسِ لَمْ يُبْطِلْهَا بَلْ غَيَّرَ حِسَابَهَا فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ أَبْطَلَهَا فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ النَّقْدِ أَيْضًا لِجَرَيَانِ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلُوا بِهَا النَّقْدَ فِيمَا مَرَّ عِنْد إبْطَالِهِ فِي الْفُلُوسِ إذَا أُبْطِلَتْ وَتَوَهُّمُ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا لَا يُجْدِي فَاحْذَرْهُ بَلْ نُقِلَ عَنْ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهَا قَائِلَةٌ بِتَسَاوِيهِمَا فِي ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ قَالَ فِي الْبَيَانِ لَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ ضَرْبِ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمُسَمَّى هِيَ الدَّرَاهِمُ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فَلَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ قِيمَتِهَا قَالَ وَإِنْ كَانَ نَقْدُ الْبَلَدِ صَرْفُ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا لِأَنَّ السِّعْرَ يَخْتَلِفُ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ رحمه الله تبارك وتعالى وَهَكَذَا يَفْعَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ يُسَمُّونَ الدَّرَاهِمَ وَيَتَبَايَعُونَ بِالدَّنَانِيرِ وَيَكُونُ كُلُّ قَدْرٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ دِينَارًا قَالَ وَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الدَّنَانِيرِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْكِنَايَةِ اهـ كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ رحمه الله تبارك وتعالى وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يُعَبِّرُونَ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ الْفُلُوسِ الْجُدُدِ وَيُسَمُّونَ عَدَدًا خَاصًّا مِنْهَا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ بِالدَّرَاهِمِ كَمَا فِي مِصْرَ وَإِقْلِيمِهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ جُدُدٍ بَلْ هَذِهِ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ إذًا لَمْ يُعَبَّرْ بِهَا عَنْ الدَّنَانِيرِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا مَعَ تَشَارُكِهِمَا فِي النَّقْدِيَّةِ وَكَوْنِهِمَا رِبَوِيَّيْنِ وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عَيْنِهِمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَالْفُلُوسُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُطْلَقَ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ مَا فِي الْبَيَانِ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَيْضًا فَهُوَ إنَّمَا بَنَى الْبُطْلَانَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْكِنَايَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الدَّنَانِيرِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهَا مَجَازًا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ إذَا عُبِّرَ بِهَا عَنْهَا صَحَّ أَيْ وَيَكُونُ تَعْبِيرُهُ بِذَلِكَ مَجَازًا كَقَوْلِك فِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا هَذِهِ دِينَارٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ صَرْفَهَا أَيْ هَذِهِ صَرْفُ دِينَارٍ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ وَأَيْضًا فَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ السِّعْرَ يَخْتَلِفُ خِلَافَ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ وَبِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِنَقْدِ الْبَلَدِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِبَلَدِ الْعَقْدِ وَأَيْضًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ الْفُلُوسِ الْجُدُدِ لَيْسَ كَقَوْلِهِ بِعْتُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ صَرْفِ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْفُلُوسُ وَتَقْدِيرُ أَعْدَادِهَا بِالتَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالدَّرَاهِمِ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ وَيُقَابَلُ كُلُّ دِرْهَمٍ مِنْهَا بِعَدَدٍ مَحْدُودٍ مَعْلُومٍ حَالَةَ الْعَقْدِ.
فَإِذَا كَانَ مَا يُقَابِلُ الدِّرْهَمَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فَلْسًا فَكَأَنَّهُ قَالَ بِعْتُكَ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ فَلْسٍ فَالدِّرْهَمُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْفُلُوسِ لَا جَهَالَةَ فِيهِ وَلَيْسَ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْفُلُوسُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ صَرْفَ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ فَإِنَّ الدِّينَارَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّرَاهِمِ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ ثَمَنًا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الدَّرَاهِمُ الْمُسَمَّاةُ غَيْرَ أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِمَا لَيْسَ مَقْصُودًا بِالنَّقْدِ وَلَوْ قَالَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ حُمِلَ عَلَى الْفِضَّةِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْفُلُوسِ إذْ الْمَجَازُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَرِينَةٍ وَهِيَ التَّقْيِيدُ هُنَا لَفْظًا لَا غَيْرُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيْعِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ.
وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ قَالَ بِعْتُكَ نِصْفَ هَذِهِ الصُّبْرَةِ وَصَاعًا مِنْ نِصْفِهَا الْآخَرِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَخَالَفَهُ الْإِمَامُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تبارك وتعالى فَقَالَ يَصِحُّ إذَا صَحَّحْنَا بَيْعَ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ فِي الرَّوْضَةِ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الشَّاةَ إلَّا رَأْسَهَا مَثَلًا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْمَقْطَعُ مَعْلُومًا بِخِلَافِ بِعْتُكَ رَأْسَ هَذِهِ الشَّاةِ وَهِيَ مَذْبُوحَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ كَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَبِيعَ فِي الْأُولَى مَا عَدَا الرَّأْسَ مِنْ بَقِيَّةِ الشَّاةِ وَهُوَ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَقْطَعَ مَعْلُومٌ وَالْمَبِيعُ فِي الثَّانِيَةِ الرَّأْسُ وَهِيَ مَا دَامَتْ مُتَّصِلَةً بِالْجُثَّةِ مَجْهُولَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَقْطَعُ مَعْلُومًا لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى انْعِطَافَاتٍ وَعُرُوقٍ وَأَعْصَابٍ لَا تَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهَا فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهَا مَا دَامَتْ مُتَّصِلَةً لِلْجَهَالَةِ.
(وَسُئِلَ) أَبْقَاهُ اللَّهُ سبحانه وتعالى قَالُوا فِي الْبَيْعِ لَوْ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ كَأَنْ لَا يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوْ لَا يَنْتَفِعَ لَمْ يَصِحَّ وَفَصَّلُوا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ إذَا شَرَطَ فِيهِ أَنْ لَا يَطَأَ الزَّوْجُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشَّارِطُ الزَّوْجَةَ فَلَا يَصِحُّ أَوْ الزَّوْجَ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ فَهَلَّا قِيلَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ هُنَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ بَلْ صَرِيحُهُ جَرَيَانُ مِثْلِ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ.
لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا وَشَرَطَ أَنْ يُطْعِمَهُ لِغَيْرِهِ صَحَّ الْبَيْعُ إنْ كَانَ الشَّارِطُ الْمُشْتَرِيَ فَيَحْتَمِلُ تَرْجِيحه وَيَحْتَمِلُ تَرْجِيحُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ كَالشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تبارك وتعالى وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْبُطْلَانِ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا وَالتَّفْصِيلِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَنَّ لِلرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ إشْكَالًا طَوِيلًا مُقَرَّرًا فِي مَحَلِّهِ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا كَانَ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ الَّتِي تَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ كَانَ الشَّرْطُ الْمُنَافِي لِمَقْصُودِهِ مُفْسِدًا لَهُ مُطْلَقًا وَإِنْ وَقَعَ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ تَنْزِيلًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ مَنْزِلَةَ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْعِوَضِ الْفَاسِدِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ فَلَمْ يُفْسِدْهُ الشَّرْطُ إلَّا حَيْثُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ لِتَحَقُّقِ الْمُنَافَاةِ حِينَئِذٍ لِمَقْصُودِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ لِأَنَّ الْمُنَافَاةَ حِينَئِذٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهِيَ كَاشْتِمَالِهِ عَلَى عِوَضٍ فَاسِدٍ وَذَلِكَ لَا يُفْسِدُهُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ بَاعَ فِي مَرَضِهِ عَيْنًا قِيمَتُهَا مِائَةٌ بِخَمْسِينَ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَةٌ فَمَا الْحُكْمُ فِي هَذَا الْبَيْعِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْخُلْعِ صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ بِجَمِيعِ الْخَمْسِينَ وَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ رحمه الله تبارك وتعالى بِنَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَوْ بَاعَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ عَبْدًا بِمِائَةٍ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ فَنِصْفُهُ بِالْمِائَةِ وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِمِثْلِهِ وَزَادَ جَرَيَانَ قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى بِمَا لَفْظُهُ اُشْتُرِيَ عَبْدٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهِ مِنْهُ فَهَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا كَمَا إذَا اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا عَقْدُ عَتَاقَةٍ فَكَأَنَّ الْبَائِعَ أَعْتَقَهُ وَحِينَئِذٍ فَيَسْرِي إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مُوسِرًا بِبَقِيَّةِ قِيمَتِهِ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا نَظَرَ بِهِ السَّائِلُ لِأَنَّ الْبَاقِينَ لَا يَمْلِكُونَ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْبَائِعِ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ كِتَابٍ فَبَاعَهُ مَعَ كِتَابٍ آخَرَ لِلْوَكِيلِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ هَلْ يَصِحُّ فِيهِمَا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ وَلَا يَدْخُلُهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِهِمْ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ لِعَبْدِهِ أَنَّ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ يَدْخُلهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ هَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظٌ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ مَا تَقُولُونَ فِي بَيْعِ الْعُهْدَةِ الْمَعْرُوفِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا هَلْ هُوَ صَحِيحٌ
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ هُوَ صَحِيحٌ مُعْتَدٌّ بِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَائِرُ أَحْكَامِهِ حَيْثُ خَلَا عَنْ شَرْطٍ فَاسِدٍ كَتَأْقِيتٍ وَتَعْلِيقٍ وَشَرْطٍ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ كَأَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَثَلًا لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَسْبِقُ الْعَقْدَ مِنْ تَوَاطُؤٍ عَلَى مَا لَوْ وَقَعَ فِي الْعَقْدِ لَأَفْسَدَهُ هَذَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا قَدْ أَطَالَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا قَرَّرْنَاهُ وَيَنْحُو فِي أَكْثَرِهِ نَحْوًا غَيْرَ مَذْهَبِنَا.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى عَنْ نَقْلِ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تبارك وتعالى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَرْضٌ مُنَاصَفَةً فَبَاعَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا قِطْعَةً مُدَوَّرَةً لَمْ يَصِحَّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَمَا الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ بَيْعِ الْمُشَاعِ هَلْ هِيَ كَوْنُ الْبَاقِي تَنْقُصُ قِيمَتُهُ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْقِطْعَةُ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِطْرَاقُ الْمُشْتَرِي إلَيْهَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَة كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمُدَوَّرَةُ مِنْ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ فِي غَيْرِ طَرَفِ مُبَيْكِرٍ بِبَيْكَارِ تِلْكَ الْمُدَوَّرَةِ مِنْ الْأَرْضِ الْمُدَوَّرَةِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى الْأَرَاضِي الْمَمْلُوكَةِ وَحِينَئِذٍ فَالْعِلَّةُ عَدَمُ تَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ مَحْفُوفٌ بِمِلْكِ الشَّرِيكِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْقِطْعَةُ الْمَبِيعَةُ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ أَمْ طَرَفِهَا.
فَإِنَّا لَا نَجِدُ قِطْعَةً مُدَوَّرَةً مِنْ أَرْضٍ فِي وَسَطِهَا أَوْ طَرَفِهَا غَيْرِ الْمُبَيْكَرِ بِبَيْكَارِهَا إلَّا وَهِيَ مَحْفُوفَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ تِلْكَ الْأَرْضِ وَتَصَوُّرُ خُلُوِّ جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْجِهَاتِ عَنْ الْإِحَاطَةِ لَا عِبْرَةَ بِهِ لِأَنَّهُ لِقِلَّتِهِ لَا يَكَادُ يُدْرَكُ لَهُ حَقِيقَةٌ مَحْسُوسَةٌ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهُ إلَّا بِخَرْقِ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ الْمُشْتَرَكِ فَلِأَجْلِهِ امْتَنَعَ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ لَا لِنَقْصِ قِيمَةِ الْبَاقِي وَإِلَّا لَاسْتَوَى إذْنُ الشَّرِيكِ وَعَدَمِهِ وَقَدْ قُيِّدَ الْبُطْلَانُ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ امْتِنَاعُ بَيْعِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ قِطْعَةً مِنْ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ حَيْثُ كَانَتْ مَحْفُوفَةً بِبَاقِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَبِيعُ مُدَوَّرًا أَمْ مُثَلَّثًا أَمْ مُرَبَّعًا أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ بِقَوْلِهِ وَقِيسَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ ذَكَرَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِآخَرَ بِعْتُكَ نِصْفَ هَذِهِ الْعَيْنِ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ فَكَيْفَ هَذَا مَعَ مَا فِي الرَّوْضَةِ فِي التَّسْطِيرِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ حَتَّى يَصِحَّ فِي نِصْفِ مَا يَمْلِكُهُ فَقَطْ فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ رحمه الله تبارك وتعالى هُوَ مَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي الْعِتْقِ وَمَا رَجَّحُوهُ فِي التَّشْطِيرِ مِنْ الْإِشَاعَةِ هُوَ فِي الصَّدَاقِ فَقَطْ وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّدَاقَ جَمِيعَهُ لِلزَّوْجَةِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْفِرَاقُ فَلَفْظُهَا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ صَدَرَ مِنْهَا حَالَ مِلْكِهَا لِلْجَمِيعِ وَلَا مُرَجِّحَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ اللَّفْظِ بِبَعْضِ الْمَمْلُوكِ حَالَةَ التَّصَرُّفِ دُونَ بَعْضٍ فَحُمِلَ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْإِشَاعَةِ إذْ لَا مُرَجِّحَ وَأَمَّا الْبَيْعُ فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ فِيهِ حَالَ تَصَرُّفِهِ النِّصْفَ فَحُمِلَ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ فَهَذَا مُرَجَّحٌ لِلْحَمْلِ عَلَى الْحَصْرِ دُون الْإِشَاعَةِ فَعُمِلَ بِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْلِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّوْضَةِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفِ الْأَرْضِ وَقَالَ بِعْتُكَ كَذَا ذِرَاعًا مِنْ مَوْقِفِي هَذَا فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فِي الطُّولِ صَحَّ هَلْ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِمَا صَوَّرَهُ مُعْتَبَرٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَوْلُهُ وَقَفَ وَقَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ وَقَوْلُهُ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فِي الطُّولِ تَمْثِيلٌ لَا تَقْيِيدٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقِفَ عَلَى طَرَفِهَا أَوْ فِي وَسَطِهَا إذَا عَيَّنَ جِهَةَ الْمَبِيعِ مِنْ مَوْقِفِهِ وَعُلِمَ مَمَرُّهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ أَوْ نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ مَثَلًا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فِي الطُّولِ أَوْ يَسْكُتَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي ذِرَاعًا مِنْ مَوْقِفِي هَذَا فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِنْ الْمَوْقِفِ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي الذِّرَاعُ فِي الطُّولِ فَذِكْرُهُ زِيَادَةُ إيضَاحٍ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا يَقَعُ فِي بَنْدَرِ جَدَّةَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّهُ قَدْ يُبَاعُ الشَّيْءُ بِسِعْرٍ كَذَا ثُمَّ
يُوزَنُ هُوَ وَظَرْفُهُ وَيُحَطُّ لِلظَّرْفِ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ وَلِلْوَازِنِ شَيْءٌ وَلِلْحَمَّالِ شَيْءٌ وَقَدْ يَعْتَادُونَ دُخُولَ الظَّرْفِ وَقَدْ لَا فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ بَلْ إنْ اشْتَمَلَ الْبَيْعُ عَلَى جَهَالَةٍ أَوْ اشْتِرَاطٍ مَا لَيْسَ مَبِيعًا لِغَيْرِ مَالِكِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بَطَلَ الْبَيْعُ وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ فِي نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ يَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْوَقْفِ بِالْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ مَبِيعٌ كُلُّ كَذَا مِنْهُ بِكَذَا عَلَى مَا اُعْتِيدَ وَيَحُطُّ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ عِشْرِينَ مَثَلًا فَلَا يَجِبُ ثَمَنُ زَيْدٍ فِي مُقَابَلَتِهِ وَكَانَ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ مَرْدُودًا عَلَى ذَلِكَ بِالتَّوْزِيعِ وَمَا جُعِلَ فِي الْعَقْدِ ثَمَنًا لِلْقِنْطَارِ مَثَلًا فَهُوَ ثَمَنٌ لَهُ.
وَلَمَّا رُدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمُوَزِّعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي صُورَةٍ حَطُّ الْعُشْرِ قِنْطَارٌ وَتُسْعُ قِنْطَارٍ مِنْ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ بِكَذَا وَهَذَا مِمَّا لَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ أَحَدٌ لِلْإِجْمَاعِ الْفِعْلِيِّ السُّكُوتِيِّ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مُحْكَمَةٌ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ لِمَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ اهـ فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالْوَقْفِ ظَاهِرٌ وَالْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ لَيْسَ مَوْجُودًا وَكَوْنُ الْعَادَةِ مُحْكَمَةٌ فِيمَا لِلْعَادَةِ فِيهِ دَخْلٌ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْتُ الْبُلْقِينِيُّ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ مَا يُوزَنُ كُلَّ قِنْطَارٍ مِنْهُ بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنْ يُطْرَحَ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً بِسَبَبِ الظَّرْفِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ يَزِيدُ وَقَدْ يَنْقُصُ عَنْ الْقَدْرِ الْمَطْرُوحِ
فَأَجَابَ بِأَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَصِحُّ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ الرُّويَانِيِّ كَالْأَصْحَابِ
لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا السَّمْنَ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ أَزِنَهُ بِظَرْفِهِ ثُمَّ أُسْقِطُ مِنْ الثَّمَنِ بِقِسْطِ وَزْنِ الظَّرْفِ إنْ عَلِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ وَزْنَهُ وَقَدْرَ قِسْطِهِ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ قَالُوا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا السَّمْنَ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ أَطْرَحُ وَزْنَ الظَّرْفِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ حَاصِلَهُ بَيْعُ السَّمْنِ جَمِيعِهِ كُلِّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ فَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ وَزْنِ الظَّرْفِ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا إطْبَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا السَّمْنَ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُوزَنَ الظَّرْفُ مَعَهُ وَيُحْسَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَزْنُهُ وَلَا يَكُونَ الظَّرْفُ مَبِيعًا كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي بَيْعِ السَّمْنِ أَنْ يُوزَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَوْزُونُ مَبِيعًا فَلَمْ يَصِحَّ هَكَذَا أَطْلَقُوهُ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَا وَزْنَ الظَّرْفِ أَمْ لَا وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى سَمْنًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ أَوْ غَيْرِهَا فِي ظَرْفِهِ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا عَلَى أَنْ يُوزَنَ بِظَرْفِهِ وَيُسْقِطَ أَرْطَالًا مُعَيَّنَةً بِسَبَبِ الظَّرْفِ وَلَا يُوزَنَ الظَّرْفُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ غَرَرٌ ظَاهِرٌ قَالَ وَهَذَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَسْوَاقِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ بَاعَ أَمَةً ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي أَصْلَ الْحَمْلِ صُدِّقَ فَإِنْ ثَبَتَ بِالْعَرْضِ عَلَى الْقَوَابِلِ وَادَّعَى الْبَائِعُ حُرِّيَّتَهُ لِكَوْنِهِ أَعْتَقَهُ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْهُ لَمْ يُصَدَّقْ أَخْذًا بِقَاعِدَةِ يُصَدَّقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ قَالَ أَدِّ حَقِّي إلَى هَذَا الصَّبِيِّ هَلْ يَبْرَأُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ فِي الدَّيْنِ بَلْ صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لِلْعَيْنِ أَيْضًا وَأَمَّا مَا فِي الْوَسِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ رُدَّ الْوَدِيعَةَ إلَيْهِ بَرِيءَ فَالْبَرَاءَةُ فِيهِ لَيْسَتْ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ بَلْ لِلْإِذْنِ مِنْهُ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ فِي الْإِتْلَافِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ بِإِتْلَافِ مَالِهِ فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ عَصَى وَمَا فِي الْبَيَانِ مِنْ صِحَّةِ قَبْضِهِ وَلَوْ لِلدَّيْنِ ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّهُ نَاقَضَ نَفْسَهُ فَقَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ لَا يَصِحُّ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْبَيْعِ هَلْ تُضْمَنُ مَنَافِعُهُ لَوْ مَكَثَ مُدَّةً عِنْدَ الْقَابِضِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالسَّوْمِ مَضْمُونٌ فَيُحْتَمَلُ شُمُولُهُ لِلْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَلِلْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ وَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُهُ بِعَيْنِ الْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الْبَيْعِ بِخِلَافِ مَنْفَعَتِهِ وَبِخِلَافِ
الْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الْإِجَارَةِ عَيْنِهِ وَمَنْفَعَتِهِ وَلِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ وَلَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُنْقَدِحُ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ يَدُ أَمَانَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ وَالْمُوجَبُ لِضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ إمَّا الْعَقْدُ أَوْ التَّعَدِّي وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا تَلَفَّظَ الْبَائِعُ بِالصَّرِيحِ فَأَجَابَ الْمُشْتَرِي بِالْكِنَايَةِ أَوْ عَكْسِهِ فَهَلْ هُوَ مِنْ تَوَافُقِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ هُوَ مِنْ تَوَافُقِهِمَا فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِلَا تَوَقُّفٍ فِي ذَلِكَ لِمَنْ رَاجَعَ كَلَامَهُمْ.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ بُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي بِعْتُكَ نِصْفَك وَوُقُوعِ نَحْوِ الطَّلَاقِ بِطَلَّقْتُ نِصْفَكِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ أَنَّ نَحْوَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ عُهِدَتْ فِيهِ السِّرَايَةُ وَالتَّعْبِيرُ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ فَأُثِرَ ذَلِكَ فِيهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ وُقُوعُ الْخِطَابِ صَحِيحًا وَبِعْتُكَ نِصْفَكَ غَيْرُ صَحِيحٍ أَمَّا عَلَى السِّرَايَةِ فَوَاضِحٌ إذْ الْبَيْعُ لَا يَقْبَلُهَا وَأَمَّا عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ فَلِأَنَّهُ مَجَازٌ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى هَلْ تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ بِالْمَغْشُوشَةِ وَهَلْ هِيَ مِثْلِيَّةٌ وَمَا الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا مِثْلِيَّةً هَلْ هُوَ فِي السِّكَّةِ أَوْ فِي قَدْرِ الْغِشِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ وَفِي التَّتِمَّةِ إنْ جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِهَا فَهِيَ مِثْلِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ وَإِذَا أُتْلِفَتْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا بِالنَّقْدِ الْآخَرِ وَبِالْعَكْسِ بِلَا خِلَافٍ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَى بِهَا أَنَّهُ يَذْكُرُ قِيمَتَهَا مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ وَهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا مِثْلِيَّةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ التَّتِمَّةِ فَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَالْأَذْرَعِيُّ ضَمَانُهَا بِمِثْلِهَا مِنْ السِّكَّةِ الَّتِي أُتْلِفَتْ وَإِنْ جُهِلَ مِعْيَارُهَا أَوْ مِنْ سِكَّةٍ أُخْرَى إنْ رَاجَتْ رَوَاجَهَا وَلَمْ تَتَفَاوَتْ قِيمَتُهَا.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - عَمَّا إذَا خَرِسَ الْبَائِعُ أَوْ الرَّاهِنُ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ أَوْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ فَمَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تبارك وتعالى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ يَقُومُ الْقَاضِي مَقَامَهُ فَيَفْعَلُ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ.
(وَسُئِلَ) رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى هَلْ ذِكْرُ حُدُودِ الْمَبِيعِ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ فِي الْعَقْدِ مِمَّا يَطُولُ بِهِ الْفَصْلُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ هَذَا مِنْ مَصَالِحِ الْعَقْدِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ وَاجِبَاتِهِ إذَا تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهُ وَإِنْ كَانَا عَارِفَيْنِ بِتِلْكَ الْحُدُودِ قَبْلَ الْعَقْدِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَمَشَى عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ وَلَا تَغْتَرَّ بِخِلَافِهِ أَيْ وَإِنْ قَالَ بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ كَالْإِسْنَوِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُثْبِتِهَا لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَلِأَنَّ إقْدَامَ الْمُنْكِرِ عَلَى الْعَقْدِ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ فَفِيهِ تَكْذِيبٌ لَدَعْوَاهُ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ جَمَاعَةٍ بَاعُوا أَرْضًا بَيْعًا صَحِيحًا وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ حَنَفِيُّ الْمَذْهَبِ وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ سُنُونَ فَادَّعَى الْبَائِعُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَبِيعَ وَقْفٌ عَلَيْنَا فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ بَعْدَ الثُّبُوتِ لَدَى الْحَاكِمِ وَالْحُكْمِ بِهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ الْمَذْكُورِ تَنَاقَضَ فِيهَا كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي مَوَاضِعَ وَالْمُعْتَمَدُ فِيهَا بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ هُوَ مِلْكِي لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى بِعْتُكَ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ بَاعَهُ وَهُوَ مِلْكُهُ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ لَا يَمْنَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُرَجَّحَات وَمَا فِي أَصْل الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ لَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى عَمَّنْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ وَأَنَّهُ قَدَّمَ الْإِشْهَادَ عَلَى الْقَبْضِ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ خَصْمِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ
تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ خَصْمِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ خَصْمِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ نَقْلًا وَمَعْنًى فَالْوَجْهُ خِلَافُهُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ لَا يَخْفَى مَا عَلَيْهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ بَيْعِ الْخُمُورِ وَتَعَاطِي الرِّبَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ تَحِلُّ مُعَامَلَتُهُمْ وَهَدَايَاهُمْ وَتُحَرَّمُ مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ حَرَامًا مُعَيَّنًا جَازَتْ مُعَامَلَتُهُمْ وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِمْ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَبِلَ هَدَايَاهُمْ أَمَّا إذَا تَحَقَّقَ كَأَنْ رَأَى ذِمِّيًّا يَبِيعُ خَمْرًا وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَأَعْطَاهُ لِلْمُسْلِمِ عَنْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ قَبُولُهُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ عَنْ النَّصِّ مَا يُوَافِقُهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَقِيدَتِنَا وَإِنْ كُنَّا نُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأَكْلِ مِنْ أَمْوَالِ الظَّلَمَةِ وَمَنْ أَكْثَرُ أَمْوَالِهِ حَرَامٌ فَيُكْرَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ عَيْنَ الْحَرَامِ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِهِ وَيُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ صَارَ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَحَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَلَا مِنْ أَيْنَ مَشْرَبُهُ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ عز وجل مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ أَدْخَلَهُ» ظَاهِرٌ فِيمَنْ يُقْدِمُ عَلَى تَنَاوُلِ مَا حَلَّ بِيَدِهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ حَرَامٍ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ اقْتَضَى الْوَرَعُ تَرْكَهُ.
وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي غَيْرِ الْبَسِيطِ تَحْرُمُ مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ بَالَغَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي رَدِّهِ وَقَالَ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِنَا وَإِنَّمَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْأَبْهَرِيِّ الْمَالِكِيِّ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي يَدِ السُّوقَةِ حَرَامٌ لَمْ يَجِبْ السُّؤَالُ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَوَافَقَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا لَوْ اعْتَرَفَ أَنَّ بِيَدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ حَرَامٌ فِيهَا وَاحِدٌ حَلَالٌ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ بَرِّيَّةٌ بِأَلْفِ حَمَامَةٍ بَلَدِيَّةٍ وَفَرَّقَ بِأَنَّ هُنَا أَصْلًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْيَدُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْحِلِّ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمَامَةِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُخْرِجُوهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَا الْحِلُّ وَتَرَجَّحَ بِالْيَدِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مِثْلُ هَذَا الْمُرَجَّحِ فَثَارَ الْخِلَافُ وَفَارَقَ أَيْضًا مَا لَوْ اخْتَلَطَتْ مُذَكَّيَاتٌ مَحْصُورَةٌ بِمَيْتَاتٍ مَحْصُورَةٍ بِأَنَّ الْمَيْتَةَ حَرَامٌ لِذَاتِهَا وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْحَلَالِ بِيَدِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ تَحْرِيمُ الْأَخْذِ وَالْمُعَامَلَةِ إذَا كَانَ الْأَكْثَرُ حَرَامًا وَاشْتَبَهَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْحَنَابِلَةُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ بَاعَ شَيْئًا فِي يَدِهِ لَا يَدْرِي هُوَ لَهُ أَمْ لَا وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالِاحْتِيَاطِ مَا أَمْكَنَ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا اجْتَهَدَ فَلَمْ يَظْفَرَ بِعَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَهُ وَلَا نَظَرَ لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ ذِي الْيَدِ وَأَمَّا ذُو الْيَدِ إذَا لَمْ يَدْرِ اسْتِنَادَهَا لِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فَلَا تَكُونُ دَالَّةً عَلَى الْمِلْكِ فِي حَقِّهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِمْ الْيَدُ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ جَوَازُ مُعَامَلَةِ مَنْ يُعْلَمُ اخْتِلَاطُ مَالِهِ بِحَرَامٍ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ اجْتِهَادٍ فِي تَمْيِيزِ الْحَلَالِ مِنْ الْحَرَامِ وَوُجُوبُهُ عَلَى ذِي الْيَدِ إذَا اخْتَلَطَ مَا فِيهَا بِحَرَامٍ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ بِهِ لَا بِنَا وَإِذَا جَهِلَ وَتَصَرَّفَ فِي الْمُشْتَبَهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ لَا عَلَيْنَا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِظُلْمِهِ وَفِسْقِهِ قُلْنَا لِأَنَّ دَلَالَةَ الْيَدِ كَافِيَةٌ عَلَى أَنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ قَالَ لَوْ أَخْبَرَنَا فَاسِقٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَنَّهُ ذَكَّى هَذِهِ الشَّاةَ قَبِلْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّتِمَّةِ اهـ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْمٍ عُرِفُوا بِعَدَمِ تَوْرِيثِ الْبَنَاتِ كَأَهْلِ بَجِيلَةَ فَمَا حُكْمُ مَا يَجْلِبُونَهُ لِمَكَّةَ مِنْ الْحَبِّ وَاللَّوْزِ وَالزَّبِيبِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِبِرْكَتِهِ وَعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنْ عُلِمَ أَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ اكْتَسَبُوا مِنْهُ شَيْئًا مِنْ وَجْهِ حِلٍّ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ بِالْحُرْمَةِ وَتَحِلُّ مُعَامَلَتُهُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ أَكْثَرُ مَا بِأَيْدِيهِمْ حَرَامًا وَلَا يَجِبُ سُؤَالُهُمْ عَنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إلَّا ذَلِكَ الْمَوْرُوثُ فَإِنْ عُلِمَتْ عَيْنُ مَالِكِهِ وَبَقَاؤُهُ لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُمْ فِيهِ وَإِنْ فُقِدَ الْمَالِكُ أَوْ جُهِلَتْ عَيْنُهُ فَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَوْرُوثَةُ أَرْضًا فَزَرَعَهَا بِبَذْرِهِ حَلَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ أَوْ تَعَلَّقَتْ أُجْرَةُ الْأَرْض بِذِمَّتِهِ وَلِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ فِي ذَلِكَ إفْتَاءٌ فِيهِ التَّحْذِيرُ عَنْ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ وَالتَّغْلِيظُ
عَلَى فَاعِلِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَرَعٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شِرَاءِ الْأَرِقَّاءِ الْمَوْجُودِينَ فِي الْأَسْوَاقِ مَعَ عَدَمِ التَّخْمِيسِ كَيْفَ يَحِلُّ وَاحْتِمَالُ جَلْبِ كَافِرٍ لَهُمْ بَعِيدٌ وَلِلنَّوَوِيِّ رحمه الله تبارك وتعالى فِي ذَلِكَ تَصْنِيفٌ بَيَّنُوا حَاصِلَهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ وَلَمْ تُقَسَّمْ حَلَّ شِرَاؤُهُ لِأَنَّ طَرِيقَ مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ الرِّقُّ إثْرَ الْكُفْرِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْغَنِيمَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا أَخَذَهُ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوْ قَهَرَ حَرْبِيًّا وَاسْتَرَقَّهُ وَلَوْ أَبَاهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمَّسَ عَلَيْهِ نَعَمْ لَوْ قَهَرَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ عَتَقَا عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَهُمَا كَمَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى بِلَادِنَا مَلَكَهُ بِالْقَهْرِ.
وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ حَرْبِيٍّ شَرَاهُ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ وَكَالْحَرْبِيِّ فِيمَا مَرَّ الذِّمِّيُّ فَمَا يَأْخُذُهُ الذِّمِّيُّونَ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ بِقِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُخَمَّسُ أَيْضًا فَمَتَى اُحْتُمِلَ كَوْنُ الرَّقِيقِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لَمْ يَحْرُمْ شِرَاؤُهُ وَلَا وَطْءُ الْأُنْثَى مِنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ لِاحْتِمَالِ انْتِقَالِهَا إلَيْهِ شَرْعًا أَمَّا بِمَا مَرَّ أَوْ عَمَّنْ سَرَقَهَا عَلَى مَا يَأْتِي أَوْ بِشِرَائِهِ خُمْسَهَا مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ أَوْ كُلَّهَا مِنْهُمْ إنْ كَانَتْ فَيْئًا أَوْ مِنْ الْغَانِمِينَ إنْ كَانَتْ غَنِيمَةً وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَوَرِّعِينَ إذَا أَرَادَ التَّسَرِّيَ بِجَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا ثَانِيًا مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى مَا فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا احْتِمَالُ بَقَاءِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ سَهْلٌ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْآخِذَ لَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ بِسَرِقَةٍ أَوْ نَهْبٍ لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ مِنْهُ قَبْلَ تَخْمِيسِهِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهِ حَتَّى فِي نَحْوِ الْمَسْرُوقِ.
وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ رَجَّحَ مُقَابِلَهُ مُرَجِّحُونَ وَاعْتَمَدَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَعَلَيْهِ يَحِلُّ شِرَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يُخَمِّس وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أُصُولُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ وَطْءِ السَّرَارِيِّ اللَّاتِي يُجْلَبْنَ الْيَوْمَ مِنْ الرُّومِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ إلَّا أَنْ يُنَصِّبَ الْإِمَامُ مَنْ يُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَقَوْلُ الْفَزَارِيّ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ بِحَالٍ وَلَا تَخْمِيسُهَا وَلَهُ أَنْ يُفَضِّلَ وَيَحْرِمَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ رَدَّهُ النَّوَوِيُّ رحمه الله تبارك وتعالى فِي تَصْنِيفِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَوَافَقَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ وَلَوْ انْتَصَرَ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُمَا - وَأَنَّ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ وَتَعَالَى عَنْهُ قَوْلًا بِمِثْلِهِ وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ الْأَمِيرَ إذَا قَالَ لَلْغَانِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ لَا بَعْدَهَا مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فَهُوَ لَهُ صَحَّ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ وَالْغَانِمُونَ مُقَلِّدِينَ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَفَعَلُوا ذَلِكَ فَهَلْ يَحِلُّ لِلشَّافِعِيِّ مَا دَامَ عَلَى مُعْتَقَدِهِ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ الْأَوْجَهُ لَا لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مَالِكِينَ عِنْدَهُ فَإِنْ قَلَّدَ إمَامُهُمْ جَازَ فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهَا غَنِيمَةٌ لَمْ تُخَمَّسْ فَهَلْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى تَمَلُّكِهَا قُلْتُ إنْ عُلِمْتَ عَيْنُ الْغَانِمِينَ فَلَا طَرِيقَ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا بِأَنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ فَهِيَ مَالٌ ضَائِعٌ وَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَحِينَئِذٍ فَلِمَنْ يَسْتَحِقُّ فِي خُمْسِ الْمَصَالِحِ شَيْئًا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِطَرِيقِ الظَّفْرِ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ حَيْثُ قَالَ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ.
لَوْ لَمْ يَدْفَعْ السُّلْطَانُ إلَى كُلِّ الْمُسْتَحَقِّينَ حُقُوقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ قَالَ فِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَلَا يَدْرِي حِصَّتَهُ مِنْهُ حَبَّةً أَوْ دَانَقَ أَوْ غَيْرَهُمَا وَهُوَ غُلُوٌّ وَالثَّانِي يَأْخُذُ قُوتَ كُلِّ يَوْمٍ فِيهِ وَالثَّالِثُ كِفَايَةُ سَنَةٍ وَالرَّابِعُ يَأْخُذُ مَا يُعْطَى وَهُوَ حَقُّهُ وَالْبَاقُونَ مَظْلُومُونَ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُشْتَرَكًا كَالْغَنِيمَةِ وَالْمِيرَاثِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُمْ حَتَّى لَوْ مَاتُوا قُسِّمَ بَيْنَ وَرَثَتِهِمْ، هُنَا لَا يَسْتَحِقُّ وَارِثُهُ شَيْئًا وَهَذَا إذَا صُرِفَ إلَيْهِ مَا يَلِيقُ صَرْفُهُ إلَيْهِ اهـ فَتَقْرِيرُ النَّوَوِيِّ وَالْغَزَالِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تبارك وتعالى عَلَى تَرْجِيحِ الرَّابِعِ لِكَوْنِهِ الْقِيَاسَ ظَاهِرٌ فِي اعْتِمَادِهِ لِذَلِكَ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ جَوَازُ الْأَخْذِ ظَفْرًا سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ أَحْوَجُ مِنْهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَغَوِيِّ أَمْ لَا خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ وَابْنُ جَمَاعَةَ حَيْثُ قَالَ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ وَلِمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ إذَا عَدِمَ الْحَاكِمُ الْعَادِلُ أَنْ يَصْرِفَهُ لِنَفْسِهِ إذَا
كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَلِيقُ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَبِالْجَوَازِ أَيْضًا صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثًا قِيَاسًا عَلَى مَالِ الْغَرِيمِ قَالَ بَلْ أَوْلَى وَنُقِلَ عَنْ مُحَقِّقِ عَصْرِهِ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ مَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ أَيْضًا فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ قِيلَ الْجِزْيَةُ لِلْأَجْنَادِ عَلَى قَوْلٍ أَوْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ عَلَى قَوْلٍ وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ لَا يَتَوَرَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْخِلَافِ فِيهَا مَعَ ظُهُورِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْجُنْدَ قَدْ أَكَلُوا مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ أَكْثَرَهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ الْجِزْيَةِ مَا يَكُونُ قِصَاصًا بِبَعْضِ مَا أَخَذُوهُ وَأَكَلُوهُ فَتَصِيرُ كَمَسْأَلَةِ الظَّفْرِ اهـ فَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ إطْلَاقِ مَنْعِ الْأَخْذِ ظَفْرًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْآخِذُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ أَخَذَ فَوْقَ حَقِّهِ وَإِلَّا فَإِطْلَاقُهُ ضَعِيفٌ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ الْمَيْلَ إلَيْهِ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَنْ لَهُ حَظٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَظَفِرَ بِمَا هُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَهُ أَخْذُهُ دِيَانَةً.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى عَمَّنْ قَلَّدَ إمَامًا فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ فَهَلْ لِمُقَلَّدِ مَنْ لَمْ يَرَ عَدَمَ سُقُوطِهَا الشِّرَاءُ مِنْهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِعَقِيدَتِهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ رَأَى مُسْلِمًا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا فَاسِدًا فِي اعْتِقَادِهِ جَائِزًا فِي اعْتِقَادِ الْمُتَصَرِّفِ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبْضُهُ عَنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْحِلَّ بَاطِنًا.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَتِنَا بِأَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُقَلِّدْ ذَلِكَ الْإِمَامَ وَلَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِسُقُوطِ الزَّكَاةِ لَا يَحِلُّ الشِّرَاءُ مِنْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ خِلَافًا لِمَنْ أَطَالَ فِيهِ بِمَا لَا يُجْدِي وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالْمُعَامَلَاتِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إذْ الْمَدَارُ عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ حِلَّ تَنَاوُلِهِ وَهُوَ حَيْثُ بَقِيَ عَلَى تَقْلِيدِ إمَامِهِ وَلَا حُكْمَ يَعْتَقِدُ عَدَمَ حِلِّ تَنَاوُلِهِ وَلَوْ بَاعَ الْمَالِكُ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَمُطَالَبَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوعِ وَلَا نَظَرَ لِعَقِيدَةِ الْمُشْتَرِي.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى عَمَّا إذَا بَاعَهُ دَارًا بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ عَبْدَهُ فَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ إتْيَانَهُ مَعَ الْجَهْلِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا أَوْ مَعَ عِلْمِهِمَا لَا أَحَدِهِمَا بِهِ صَحَّ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْعِلْمِ أَوْ الْجَهْلِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُمَا عَالِمَانِ وَالْآخَرُ أَنَّهُمَا جَاهِلَانِ صُدِّقَ مُدَّعِي الْجَهْلِ بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ جَهْلَهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا كَانَ جَاهِلًا يَبْطُلُ وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا وَأَنْتَ عَالِمَانِ فَقَالَ الْآخَرُ أَنَا عَالِمٌ وَأَنْتَ جَاهِلٌ صُدِّقَ الْأَوَّلُ نَظِيرَ مَا مَرَّ إذْ عِلْمُهُ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَتِهِ فَصُدِّقَ فِيهِ وَإِنْ قَالَ أَنَا جَاهِلٌ وَأَنْتَ عَالِمٌ صُدِّقَ الثَّانِي كَمَا مَرَّ وَلَا تَخْرُجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مُدَّعِي الْفَسَادِ وَمُدَّعِي الصِّحَّةِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الرُّؤْيَةِ إذْ الْأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِيهمَا مُطْلَقًا لِمَا قَرَّرْته مِنْ أَنَّ دَعْوَاهُ الْعِلْمَ أَوْ الْجَهْلَ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ بِخِلَافِ الرُّؤْيَةِ أَوْ عَدَمِهَا إذْ يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَظَاهِرٌ أَنَّهُ حَيْثُ صَدَّقْنَا وَاحِدًا فِيمَا مَرَّ فَإِنَّمَا نُصَدِّقُهُ بِيَمِينِهِ وَلَوْ عُلِمَ مِنْ حَالِ مُدَّعِي الْعِلْمِ أَوْ الْجَهْلِ خِلَافُ دَعْوَاهُ كَفَقِيهٍ حَاذِقٍ ادَّعَى الْجَهْلَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ وَكَقَرِيبِ عَهْدٍ بِتَعَلُّمٍ لِنَشْأَةٍ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ أَوْ بِإِسْلَامٍ ادَّعَى الْعِلْمَ بِذَلِكَ فَهَلْ يُصَدَّقُ حِينَئِذٍ مُدَّعِي الصِّحَّةِ أَوْ يُصَدَّقُ مَنْ سَاعَدَتْهُ شَوَاهِدُ الْحَالِ لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ وَكَلَامُهُمْ فِيمَا لَوْ ادَّعَى قِدَمَ الْعَيْبِ أَوْ حُدُوثَهُ وَالْعَادَةُ تَشْهَدُ بِخِلَافِهِ يُومِئُ إلَى تَرْجِيحِ الثَّانِي.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى بِمَا لَفْظُهُ إذَا حَكَرَ الْإِمَامُ فَيُعَزَّرُ مُخَالِفُهُ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ مَا سَعَّرَ بِهِ وَإِنْ كَانَ سِرًّا فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ يُعَزَّرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ أَغْلَبِيَّةً إذْ لَمْ يَسْتَثْنُوا ذَلِكَ مِنْ طَرْدِهَا وَلَا مِنْ عَكْسِهَا لَكِنَّ قَوْلَهُمْ لَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِمُحَرَّمٍ لَمْ يَجِبْ امْتِثَالُهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ
مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ اعْتِمَادُهُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى جَوَازَ التَّسْعِيرِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَلَوْ فِي السِّرِّ وَحَيْثُ لَا وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِي الْجَهْرِ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَةِ لَا فِي السِّرِّ لِأَنَّ أَمَرَهُ بِمُحَرَّمٍ فِي اعْتِقَادِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُرْمَةٌ إلَّا فِي الْجَهْرِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُخْشَى مِنْ عَدَمِ طَاعَتِهِ قِيَامُ الْفِتْنَةِ وَوُقُوعُ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ.
وَلَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِمُحَرَّمٍ لَمْ يَجِبْ امْتِثَالُهُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا فِي اعْتِقَادِهِ بَلْ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا فِي اعْتِقَادِ الْمَأْمُورِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ هُنَا وَهُوَ الْبَيْعُ بِثَمَنِ كَذَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَى الْمَأْمُورِ فَوَجَبَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ حِينَئِذٍ إذْ لَا حُرْمَةَ عَلَى الْمَأْمُورِ فِي امْتِثَالِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِمَكْرُوهٍ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَيَنْقَلِبُ الْفِعْلُ حِينَئِذٍ وَاجِبًا وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ فَإِنْ قُلْتَ التَّحْكِيرُ إكْرَاهٌ عَلَى الْبَيْعِ إلَّا بِثَمَنِ كَذَا وَشَرَطَ الْبَائِعُ الِاخْتِيَارَ فَكَانَ يَنْبَغِي بُطْلَانُ الْبَيْعِ مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ لَهُ هُوَ الْإِمَامَ قُلْتُ صُورَةُ الْإِكْرَاهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أَنْ يُقَالَ لِشَخْصٍ بِعْ كَذَا وَإِلَّا ضَرَبْتُكَ أَوْ نَحْوَهُ وَأَمَّا التَّحْكِيرُ هُنَا فَلَيْسَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا أَوْ بِثَمَنِ كَذَا حَتْمًا بَلْ الْمُرَادُ إذَا أَوْقَعْتَهُ بِاخْتِيَارِكَ يَكُونُ بِثَمَنِ كَذَا فَلَيْسَ فِيهِ إجْبَارٌ عَلَى بَيْعِهِ أَلْبَتَّةَ بَلْ عَلَى ثَمَنٍ مُعَيَّنٍ إذَا اخْتَارَ إيقَاعَ الْبَيْعِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ وَوَلَدِهَا قَبْلَ التَّمْيِيزِ بِالسَّفَرِ بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ لِإِمْكَانِ صُحْبَتِهَا لَهُ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِمَادُهُ وَيَشْهَدُ لِلْحُرْمَةِ عُمُومُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَيُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ أَنَّ الْمُتَزَوِّجَةَ بِغَيْرِهِ وَالْمُطَلَّقَةَ الْعَاجِزَةَ عَنْ السَّفَرِ لِعِلَّةٍ أَوْ فَقْرٍ كَاَلَّتِي فِي عِصْمَتِهِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُرْمَةِ بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ أَوْ الْقَصِيرِ وَلَا بَيْنَ سَفَرِ النَّقْلَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ قَرِيبٌ إذْ يَلْزَمُهُ فِي سَفَرِ النَّقْلَةِ السَّفَرُ بِزَوْجَتِهِ أَوْ طَلَاقِهَا وَأَنَّهُ يَجُوزُ السَّفَرُ بِابْنِ الْمُطَلَّقَةِ الْقَادِرَةِ عَلَى السَّفَرِ وَإِنْ كَانَتْ الْحَضَانَةُ لَهَا وَلَوْ كَانَ غَيْرَ سَفَرِ نَقْلَةٍ وَهُوَ قَرِيبٌ أَيْضًا.
(وَسُئِلَ) رحمه الله تبارك وتعالى عَمَّا إذَا قَالَ بِعْ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالْقَمُولِيُّ لَا يَصِحُّ فَهَلْ مِثْلُهُ الشِّرَاءُ وَالْوَلِيُّ وَعَامِلُ الْقِرَاضِ كَالْوَكِيلِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَا قَالَاهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ إذَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ بَيْعِهِ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ عَلَى بَعْضِهِ لِضَرَرِ التَّبْعِيضِ وَإِنْ فُرِضَ فِيهِ غِبْطَةٌ اهـ. وَهُوَ شَامِلٌ لِكَلَامِهِمَا وَلِمَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا أَنَّ الْوَلِيَّ وَعَامِلَ الْقِرَاضِ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْأَشْبَهَ بِقَوَاعِدِ بَابِ الْقِرَاضِ وَتَصَرُّفِ الْأَوْلِيَاءِ الْجَوَازُ إذَا كَانَ هُنَاكَ غِبْطَةٌ بَلْ مَصْلَحَةٌ لِأَنَّهَا مُحَقَّقَةٌ وَوُقُوعُ ضَرَرِ التَّبْعِيضِ مُتَوَهَّمٌ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ مُتَكَلِّمٍ عَلَى أَيْتَامٍ بِإِقَامَةٍ مِنْ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَلِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ حِصَّةٌ مِنْ دَارٍ عَامِرَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى أُصُولِهَا فَبَاعَ الْقَيِّمُ الْمَذْكُورُ الْحِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَسَلَّمَ ثَمَنَهَا فِي حِصَّةٍ مِنْ خَرِبَةٍ دَائِرَةٍ لَا نَفْعَ بِهَا اشْتَرَاهَا لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ عِوَضًا عَنْ الْحِصَّةِ الْعَامِرَةِ الْمَبِيعَةِ وَذَكَرَ الْمُوَرِّقُ فِي مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ أَنَّ الْقَيِّمَ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ الْحَظِّ وَالْمُصْلِحَةِ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا لَدَى حَاكِمٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُوَرِّقُ أَيْضًا أَنَّ الْخَرِبَةَ الْمُشْتَرَى مِنْهَا الْحِصَّةُ مُلَاصِقَةٌ لِدَارِ التَّمْحَانِيِّ وَأَنَّهَا مُخَلَّفَةٌ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ وَالْحَالُ أَنَّ الْخَرِبَةَ الْمُلَاصِقَةَ لِلدَّارِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَتْ مُخَلَّفَةً عَنْ هِبَةِ اللَّهِ وَلَا مَلَكهَا قَطُّ وَإِنَّمَا هِيَ لِشَخْصٍ آخَرَ وَاضِعِ يَدٍ عَلَيْهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ وَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنَّ الْخَرِبَةَ الْمُخَلَّفَةَ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ مُلَاصِقَةٌ لِهَذِهِ الْخَرِبَةِ الْجَارِيَةِ فِي مِلْكِ الشَّخْصِ الْآخَرِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ وَثَبَتَ الْعَقْدَانِ الْمَذْكُورَانِ لَدَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْقَيِّمِ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَةَ كَافِيًا أَمْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِمَا لَدَى حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَهَلْ يَكُونُ قَوْلُ الْمُوَرِّقِ أَنَّ الْخَرِبَةَ الْمُبْتَاعَ مِنْهَا الْحِصَّةُ مُلَاصِقَةٌ لِدَارِ التَّمْحَانِيِّ وَأَنَّهَا مُخَلَّفَةٌ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنَ يَقْتَضِي فَسَادَ عَقْدِ الشِّرَاءِ حَيْثُ