المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الشَّيْخَيْنِ صَرَّحَا بِخِلَافِهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالُوهُ فِي - الفتاوى الفقهية الكبرى - جـ ٢

[ابن حجر الهيتمي]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الْجَنَائِزِ]

- ‌[بَابُ تَارِكِ الصَّلَاةِ]

- ‌[كِتَابِ الزَّكَاةِ]

- ‌[بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ]

- ‌[بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ]

- ‌[كِتَابُ الصَّوْمِ]

- ‌[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ]

- ‌[كِتَابُ الْحَجِّ]

- ‌[بَابُ الْبَيْعِ]

- ‌[تَنْوِيرُ الْبَصَائِرِ وَالْعُيُونِ بِإِيضَاحِ حُكْمِ بَيْعِ سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ الْعُيُونِ]

- ‌[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْهُ]

- ‌[الْبَابُ الثَّانِي بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ]

- ‌[الْبَاب الثَّالِثِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَاقِدَانِ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ قَرَارٍ وَلَا مَاءَ]

- ‌[الْبَابُ الرَّابِعُ لَمْ يُرِيدَا بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ أَوْ الْمَاءِ]

- ‌[الْبَابُ الْخَامِسُ التَّنَاقُض فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَالْقَرَارِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْمَاءِ]

- ‌[الْبَابُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ حُكْم عُيُونِ الْحِجَازِ]

- ‌[الْبَابُ السَّابِعُ فِي حُكْمِ الْقَاضِي وَفِيهِ فَصْلَانِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ وَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ]

- ‌[بَابُ الرِّبَا]

- ‌[بَابُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ]

- ‌[بَابُ الْخِيَارِ]

- ‌[بَابُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ]

- ‌[بَابُ التَّحَالُفِ]

- ‌[بَابُ مُعَامَلَةِ الْعَبِيدِ]

- ‌[بَابُ السَّلَمِ]

- ‌[بَابُ الْقَرْضِ]

- ‌[بَابُ الرَّهْنِ]

- ‌[بَابُ التَّفْلِيسِ]

الفصل: الشَّيْخَيْنِ صَرَّحَا بِخِلَافِهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالُوهُ فِي

الشَّيْخَيْنِ صَرَّحَا بِخِلَافِهِ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالُوهُ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ مِنْ أَنَّ الْإِقْرَارَ كَالرَّهْنِ وَلَا يُنَافِيه كَلَامُ الْقَفَّالِ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّهُ نَبَّهَ بِالثَّلَاثَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ فِيهِ عَلَى مَا هُوَ مِثْلُهَا أَوْ أَوْلَى مِنْهَا بِعَدَمِ الدُّخُولِ كَالشَّجَرِ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْحَصْرُ فِيهَا كَانَ كَلَامُهُ ضَعِيفًا.

[بَابُ التَّحَالُفِ]

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي لِلْأَرْضِ فِي إدْخَالِ مَا لَا يَدْخُلُ وَإِخْرَاجِ مَا يَدْخُل فَادَّعَى الْمُشْتَرِي الْإِدْخَالَ فِي الْأَوَّلِ وَالْبَائِعُ الْإِخْرَاجَ فِي الثَّانِي وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فَظَهَرَ فِي الْأَوَّلِ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحِبَةٌ وَفِي الثَّانِيَة إنْ تَعَرَّضَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِإِدْخَالِ مَا ذَكَرَ فَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَّا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ مُقَدَّمَةٌ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) رضي الله عنه بِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي إدْخَالِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتَنِي الْعَبْدَ بِثِيَابِهِ وَقَالَ الْبَائِعُ بَلْ بِعْتُك الْعَبْدَ فَقَطْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلثِّيَابِ فَحِينَئِذٍ الِاخْتِلَافُ رَاجِعٌ إلَى قَدْرِ الْمَبِيعِ لِأَنَّ حَاصِلَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَقُولُ الْمَبِيعُ الْعَبْدُ وَالثِّيَابُ وَحَاصِلُ دَعْوَى الْبَائِعِ أَنَّهُ يَقُولُ الْمَبِيعُ الْعَبْدُ دُونَ الثِّيَابِ.

وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فَإِنْ أُرِّخَتَا بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ أَوْ أُطْلِقَتْ وَاحِدَةٌ وَأُرِّخَتْ الْأُخْرَى أَوْ لَمْ تُؤَرَّخْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا تَعَارَضَتَا وَحِينَئِذٍ يَتَحَالَفَانِ وَإِنْ أُرِّخَتَا بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قُضِيَ بِمُقَدَّمَةِ التَّارِيخِ لَا يُقَالُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي نَاقِلَةٌ مِلْكَ الثِّيَابِ إلَيْهِ وَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ مُسْتَصْحَبَةٌ مِلْكَهَا لِلْبَائِعِ فَكَانَ الْقِيَاسُ تَقْدِيمُ الْأَوْلَى مُطْلَقًا لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ وَقَعَ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَقْدِ النَّاقِلِ فَكُلٌّ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ يَنْقُلُ زَائِدًا عَلَى الْأُخْرَى لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحًا إذْ الصُّورَةُ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إلَّا عَقْدٌ وَاحِدٌ وَأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ ذَلِكَ الْعَقْدِ.

فَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَتَانِ بِاخْتِلَافِ كَيْفِيَّتِهِ تَعَارَضَتَا وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي إخْرَاجِ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتَنِي الْأَرْضَ وَلَمْ تَسْتَثْنِ مَا فِيهَا مِنْ نَحْوِ الشَّجَرِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ وَقَالَ الْبَائِعُ بَلْ اسْتَثْنَيْتُهُ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَبِيعِ كَانَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ رَاجِعًا إلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ يَأْتِي فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا إلَّا أَنْ يَسْبِقَ تَارِيخُ إحْدَاهُمَا فَيُحْكَمُ بِهَا لَا يُقَالُ إنْ تَعَرَّضَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِإِدْخَالِ مَا ذُكِرَ فَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَّا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّا نَقُولُ الصُّورَةُ كَمَا عَلِمْته أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي اسْتِثْنَاءِ نَحْوِ الشَّجَرِ فَالْمُشْتَرِي يَقُولُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَالْبَائِعُ يَقُولُ اسْتَثْنَيْته وَإِذَا كَانَتْ الصُّورَةُ ذَلِكَ لَمْ يُتَصَوَّرْ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي تَقُولُ لَمْ يَقَعْ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعَقْد وَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ تَقُولُ وَقَعَ اسْتِثْنَاؤُهُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي تَارَةً تَتَعَرَّضُ لِلْإِدْخَالِ فَيَتَعَارَضَانِ وَتَارَةً لَا فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا الشَّهَادَةُ بِالْإِدْخَالِ وَعَدَمِهِ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ مِنْ أَحْكَامِ الْمَبِيعِ.

وَالْبَيِّنَةُ لَا تَتَعَرَّضُ لِمِثْلِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَتَعَرَّضُ لِسَبَبِ الْإِدْخَالِ مِنْ السُّكُوتِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَلِسَبَبِ عَدَمِهِ مِنْ ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنْ تَعَرَّضَتْ لِلْإِدْخَالِ أَوْ عَدَمِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ سَأَلَهُمَا الْحَاكِمُ عَنْ سَبَبِهِ وَإِنْ كَانَا فَقِيهَيْنِ مُوَافِقَيْنِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ اضْطِرَابٍ فِي الْمَسْأَلَة، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ كَيْفَ رَجَّحُوا الصِّحَّةَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ مَعَ أَنَّ الْبُطْلَانَ هُوَ آخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا قَالَهُ الرَّبِيعُ وَالْآخَرُ مِنْ قَوْلَيْهِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ بِالدَّالِ فَصَحَّفَهُ إلَى آخَر بَعْضُ النُّسَّاخِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إطْبَاقُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِهِ وَقَدْ قَالَ السُّبْكِيّ إنَّ النَّصَّ إذَا عَدَلَ عَنْهُ أَكْثَرُ أَئِمَّتِنَا لَا يُعْمَلُ بِهِ وَأَيْضًا فَكَوْنُ الْآخَرِ هُوَ الرَّاجِحُ أَغْلَبِيٌّ فَقَطْ وَإِلَّا فَالْقَدِيمُ مُتَقَدِّمٌ وَرُجِّحَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا لَوْ بَاعَ زَيْدٌ بَكْرًا حَبًّا فَادَّعَى خَالِدٌ أَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ وَالْبَائِعُ كَانَ وَكِيلًا لَهُ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي الثَّمَنِ بِأَنْ بَاعَهُ بِالْعَرَضِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا بِالنَّقْدِ أَوْ أَطْلَقَ هَلْ يَكْفِيه تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ إيَّاهُ عَلَى مُدَّعَاهُ أَمْ يَلْزَمُهُ الْبَيِّنَةُ إذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي كَوْنَ الْمَبِيعِ لَهُ وَفِي

ص: 260

مُعَاطَاةٍ وَقَعَتْ بَيْن اثْنَيْنِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مُبَايَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْمُبَايَعَةِ شَرْعًا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ بَلْ ادَّعَى أَنَّهَا مَحْضُ الْمُعَاطَاةِ وَهِيَ فِي عُرُوضٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ هَلْ يُصَدَّقُ مُدَّعِي الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ أَمْ نَافِيه حَيْثُ الْأَصْلُ عَدَمُهُ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَلَكِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَ الْآخَرَ عُرُوضَهُ بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ وَاشْتَرَى عُرُوضَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَتَقَاصَّا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ بَلْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَ عُرُوضَهُ بِعُرُوضٍ هَلْ يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا أَمْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَيَتَحَالَفَانِ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَفِي الشَّاشَاتِ غَيْرِ الْمَنْشُورَةِ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ النَّشْرِ أَمْ لَا.

وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَهَلْ يَحِلُّ لِمُشْتَرِيهَا اسْتِعْمَالُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ فِي حِلِّيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ أَمْ لَا وَفِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي صِفَةِ عَقْدٍ أَوْ شَرْطٍ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مُدَّعَاهُ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ عَلَى مُقْتَضَى النَّفْيِ الْمَجْعُولِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُثْبِتِ أَمْ النَّافِي وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّاشَاتِ إذَا عَانَدَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَرُدَّهَا وَالْبَائِعُ يُرِيدُهَا فِرَارًا مِنْ بُطْلَانِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ حِلِّيَّةِ الثَّمَنِ هَلْ يَلْزَمُ وَلِيَّ الْأَمْرِ إلْزَامُ الْمُشْتَرِي رَدّهَا وَتَأْدِيبه إنْ امْتَنَعَ وَإِذَا تَرَكَ وَلِيُّ الْأَمْرِ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ هَلْ يَأْثَمُ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَكْفِي تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِي اللَّقِيطِ وَقُبَيْلِ الصَّدَاقِ وَآخِرِ الدَّعَاوَى فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ يَمِينَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكٌ لِبَائِعِهِ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَانْتُزِعَ الْمَبِيعُ مِنْهُ وَيَصْدُقُ مُدَّعِي صِحَّةِ الْبَيْعِ لِوُقُوعِهِ بِصِيغَةٍ صَحِيحَةٍ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ وَقَدَّمُوا فِيهَا الْغَالِبَ وَالظَّاهِرَ عَلَى الْأَصْلِ لِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى انْبِرَامِ الْعُقُودِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُفْسِدِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَتَنَازَعَا فِيمَا ذُكِرَ مِنْ بَيْعِ كُلِّ عَرَضٍ بِنَقْدٍ أَوْ بِالْعَرَضِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا النِّزَاعِ فَائِدَةٌ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّ كُلًّا مَلَكَ عَرَضَ الْآخَر وَأَنَّ أَحَدُهُمَا لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْآخَرِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي سَبَبِ الْمِلْكِ هَلْ هُوَ عَقْدَانِ أَوْ عَقْدٌ وَاحِدٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا غَرَضَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ لَهُ.

فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ فَائِدَة سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا وَحَلَفَ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ قَوْلِ صَاحِبِهِ وَرَجَعَ عَرَضُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَيْهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ أَثْبَتَ بِيَمِينِهِ نَفْيَ دَعْوَى الْآخَرِ فَتَسَاقَطَا وَإِنَّمَا رُدَّ إلَى كُلٍّ عَرَضُهُ مَعَ أَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَهُ لِدَعْوَاهُ اسْتِحْقَاقَ الْعَيْنِ الْمُقَابِلَةَ فَلَمَّا تَعَذَّرَ إبْقَاؤُهَا رُدَّ عَلَيْهِ مُقَابِلُهَا الَّذِي بَذَلَهُ كَمَا شَأْنُ تَرَادِّ الْعِوَضَيْنِ عِنْد الْفَسْخِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَطْوِيِّ إلَّا بَعْدَ نَشْرِهِ وَرُؤْيَةِ جَمِيعِهِ وَلَا يَحِلُّ لِمُشْتَرِي الشَّاشَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ النَّشْرِ إمْسَاكُهَا إنْ كَانَ مُقَلِّدًا لِمَنْ يَشْتَرِطُ الرُّؤْيَةَ كَإِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَهُ ذَلِكَ أَوْ قِصَرٌ فِي التَّعْلِيمِ فَإِنْ عَانَدَ وَلَمْ يَرُدَّهَا أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ وَأَدَّبَهُ إنْ امْتَنَعَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَرَاهُ زَجْرًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ ذَلِكَ إذَا عَلِمَ وَقَدَرَ وَإِلَّا أَثِمَ بَلْ رُبَّمَا يُفَسَّقُ بِذَلِكَ وَيَنْعَزِلُ وَالْبَيِّنَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ فَيَتَسَاقَطَانِ وَيَتَحَالَفُ الْمُتَعَاقِدَانِ ثُمَّ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ أَوْ يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ بَلْ وَهَبَتْنِيهِ حَلَفَ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الْآخَرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا لَوْ بَعَثَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فَقَالَ الْبَاعِثُ قَرْضٌ وَقَالَ الْآخَرُ هَدِيَّةٌ صُدِّقَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ بِيَمِينِهِ وَبِمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ أَعْتَقْتُهُ بِعِوَضٍ وَالزَّوْجُ كَذَلِكَ وَقَالَ الْعَبْدُ وَالزَّوْجَةُ بَلْ مَجَّانًا صُدِّقَا فَمَا الْفَرْقُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّمَا صُدِّقَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى قَوْلِهِ وَهِيَ الْبَعْثُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ لَا مُرَجِّحَ فِيهَا وَإِنَّمَا صُدِّقَ الْعَبْدُ وَالزَّوْجَةُ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَدَعْوَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَهِيَ الْمَالُ مَدْفُوعَةٌ بِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتنَا فَإِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَتَّفِقَ الْحَالِفَانِ عَلَى سَبَبِهِ وَلَا مُرَجِّحَ لِجَانِبِ أَحَدِهِمَا.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه بِمَا لَفْظُهُ فِي الْقُوتِ عَنْ الرُّويَانِيِّ لَوْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِ إشْهَادٍ أَوْ شَاهِدَيْنِ تَحَالَفَا وَعَنْ الْجُوَيْنِيِّ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلْفَيْنِ مِمَّا لَك

ص: 261

عَلَيَّ فَقَالَ بَلْ بِأَلْفٍ لَمْ يَتَحَالَفَا فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَوَّلَ مُعْتَمَدٌ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

(وَسُئِلَ) عَنْ التَّحَالُفِ فِي نَحْوِ الْبَيْعِ لَا يَفْسَخُ الْعَقْدَ بِخِلَافِ اللِّعَانِ فَمَا الْفَرْقُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ أَنَّ اللِّعَانَ تَحَقُّقٌ لِلْفُرْقَةِ الْمُؤَبَّدَةِ فَقَطَعَ النِّكَاحَ حِينَئِذٍ بِمُجَرَّدِهِ بِخِلَافِ التَّحَالُفِ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ تَحْقِيقُ الْوَاقِعِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَصَادَقَا بَعْدَهُ أُقِرَّ الْعَقْدُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلَانِ فِي صِيغَةِ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ تَحَالَفَا فَلَوْ أَرَادَ الْمُوَكِّلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ أَنْ يَتَحَالَفَا فَهَلْ لَهُمَا ذَلِكَ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلَانِ فِي حُدُوثِ نَحْوِ عَيْبٍ فَمَنْ يَحْلِفُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَحَالُفُ الْوَكِيلَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيَجُوزُ تَحَالُفُ الْمُوَكِّلَيْنِ وَأَحَدِهِمَا وَوَكِيلِ الْآخَرِ قَبْلَ تَحَالُفِ الْوَكِيلَيْنِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيُجَابُ طَالِبُهُ أَخْذًا مِمَّا حَكَاهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْحَاوِي مِنْ أَنَّا إذَا قُلْنَا لِلْأَبِ الْحَلِفُ فِي صِغَرِ الزَّوْجَةِ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْمَهْرِ وَكَانَتْ وَقْتَ التَّحَالُفِ بَالِغَة حَلَفَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِمُبَاشَرَتِهِ الْعَقْدَ قَالَ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ امْتَنَعَ الْأَبُ حَلَفَتْ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ حَلِفِهِ مَعَ بُلُوغِهَا.

ثُمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ فِيمَا إذَا بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ قَبْلَ التَّحَالُفِ تَحْلِفُ هِيَ لَا الْوَلِيُّ وَصَحَّحُوا أَيْضًا فِي نِكَاحِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ إذَا اخْتَلَفَ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ أَنَّهَا الَّتِي تَحْلِفُ لَا الْوَلِيُّ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَحَالُفَ الْمُوَكِّلَيْنِ فِي صُورَتِنَا وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ تَحَالُفِ الْوَكِيلَيْنِ كَمَا تُوُهِّمَ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا تَحَالَفَا هُنَا لِمُبَاشَرَتِهِمَا الْعَقْدَ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فِيمَا ذُكِرَ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلَانِ فِي حُدُوثِ نَحْوِ عَيْبٍ فَالظَّاهِرُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ بِنَاءُ حَلِفِهِمَا عَلَى جَوَازِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَلْوَكِيلِ فَحَيْثُ قُلْنَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ، حَلَفَ إذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ وَحَيْثُ لَا رَدَّ لَهُ لَا يُحَالَفُ وَقَدْ صَحَّحُوا فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ سِلْعَةً ثُمَّ رَامَ رَدَّهَا بِعَيْبٍ أَنَّ لِلْبَائِعِ تَحْلِيفَهُ أَنَّهُ مَا رَضِيَ بِهَا الْمُوَكِّلُ.

(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اتَّفَقَ الْعَاقِدَانِ بَعْدَ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ مُفْسِدٍ لَكِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ بَعْد لُزُومِ الْعَقْدِ وَقَالَ الْآخَرُ قَبْلَهُ أَوْ قَالَ الْبَائِعُ قَبِلْته فَوْرًا فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الْقَبُولَ أَوْ الْفَوْرِيَّةَ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا وَفِي الْأَنْوَارِ أَوَّل الْبَيْعِ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْقَبُولِ فَقَالَ أَوْجَبْت وَلَمْ تَقْبَلْ وَقَالَ قَبِلْته صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَذَكَرَ آخِرَ الْخُلْعِ مَا يُنَاقِضُهُ وَكَذَا فِي تَمْلِيكِ الزَّوْجَةِ طَلَاقَهَا فَمَا الْمُعْتَمَدُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ الْقَاعِدَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ أَنَّ الْمُصَدَّقَ هُنَا نَافِي وُقُوع الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ أَوْ الْعَقْدِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى وُجُودِهِ لَا يُقَالُ كَوْنُ الْأَصْلِ عَدَم وُقُوعِهِ زَمَنَ الْخِيَارِ فَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ لِأَنَّا نَقُولُ تَعَارَضَا فَتَسَاقَطَا وَاسْتَصْحَبْنَا أَصْلَ بَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى حَالِهِ وَأَصْلَ عَدَمِ الْمُفْسِدِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْخُلْعِ تَصْدِيقُ نَافِي الْفَوْرِيَّةِ وَنَافِي أَصْلِ الْقَبُولِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخُلْعِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ هَذَا وَكَلَامُ الْأَنْوَارِ أَوَّل الْبَيْعِ ضَعِيفٌ أَوْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي صَدَقَ عَائِدٌ عَلَى الْمُوجِبِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْجَبَتْ أَيْ صِدْقَ الْمُوجِب وَهُوَ الْبَائِعُ فِي نَفْيِ الْقَبُولِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ اخْتِلَافُهُمَا فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ أَوْ لَا.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك هَاتَيْنِ النَّخْلَتَيْنِ مَثَلًا فَقَالَ بَلْ هَذِهِ فَقَطْ وَتَحَالَفَا ثُمَّ فَسَخَا الْبَيْعَ فَهَلْ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي اسْتَغَلَّ النَّخْلَتَيْنِ مُدَّةً يَضْمَنُ ثَمَرَتَهُمَا أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا النَّخْلَةُ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهَا مَبِيعَةٌ فَلَا يَضْمَنُ ثَمَرَتَهَا لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ حِينِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ وَأَمَّا الَّتِي اخْتَلَفَا فِيهَا فَيَضْمَنُ ثَمَرَتَهَا وَإِنْ أَوْهَمَ إطْلَاقُهُمْ خِلَافَهُ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الْكُلِّ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي وَصْفٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ أَمَّا إذَا وَافَقَ الْبَائِعُ عَلَى الْبَعْضِ فَقَطْ فَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ تَكُونُ ثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ مُنْفَرِدًا فَانْضِمَامُهُ إلَى غَيْرِهِ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ حُكْمِهِ وَإِنْ أَوْجَبَ التَّحَالُفَ.

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ بِعْتُك بِثَلَاثِ أَوَاقٍ نَقْدًا فَهَلْ يَصِحُّ إذَا كَانَا بِبَلَدٍ جَرَى عُرْفُهُمْ وَاطَّرَدَ بِإِطْلَاقِ النَّقْدِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا يَعْرِفُونَ النَّقْدَ إلَّا ذَلِكَ أَوْ لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ بِثَلَاثِ آوَاقٍ وَنَوَيَا دَرَاهِمَ

ص: 262

مُعَيَّنَةٍ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إلَّا وَجْهُ الصِّحَّةُ كَمَا لَوْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ وَثَمَّ نَوْعٌ غَالِبٌ مِنْهَا وَيَكُونُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ كَاخْتِلَافِ النَّوْعِ وَفَارَقَ هَذَا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بِأَنَّ الثَّمَنَ مُصَرَّحٌ بِهِ هُنَا وَالْإِبْهَامُ الَّذِي فِيهِ خَصَّصَهُ الْعُرْفُ وَثَمَّ لَمْ يُصَرِّحْ بِالثَّمَنِ بِوَجْهٍ وَالنِّيَّةُ لَا تَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ.

(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ بَاعَ عَنْ إيتَامِ شَخْصٍ يُسَمَّى فَتْحُ اللَّهِ الشِّرْوَانِيَّ بِطَرِيقِ الْإِذْنِ مِنْ حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ حِصَصًا مِنْ عَقَارٍ عَامِرٍ آهِلٍ صَارَ إلَيْهِمْ بِالْمِيرَاثِ مِنْ وَالِدِهِمْ وَاشْتَرَى لَهُمْ حِصَصًا مِنْ عَقَارٍ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِحَقِيقَةِ الْمُسَوِّغِ وَلَا بِثُبُوتِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُوَرِّقُ شَاهِدَ التَّبَايُعِ فِي مَكْتُوبِ التَّبَايُعِ بَعْد أَنْ تُوُفِّيَ الْخَوَاجَا هِبَةُ اللَّهِ الشِّرْوَانِيُّ وَانْحَصَرَ إرْثُهُ فِي أَوْلَادِهِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ مِنْهُمْ فَتْحُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَتْحُ اللَّهِ وَانْحَصَرَ إرْثُهُ فِي أَوْلَادِهِ السِّتَّةِ الْأَيْتَامِ وَسَمَّاهُمْ بِالْمَكْتُوبِ الْمَذْكُورِ اشْتَرَى مَأْذُونُ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ هُوَ الْخَوَاجَا مُحَمَّدُ سُلْطَانُ الْعَجَمِيُّ يَعْنِي بِهِ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ لِأَوْلَادِ فَتْحِ اللَّهِ السِّتَّةِ بِمَالِهِ مِنْ الْإِذْنِ الْمَشْرُوحِ لِوُجُودِ الْمُسَوِّغِ الشَّرْعِيِّ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ الثَّابِتِ لَدَى الْحَاكِمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ مِنْ الْمَصُونَاتِ فَاطِمَةَ وَعَائِشَةَ وَصَفِيَّةَ عَمَّاتِ الْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ جَمِيعَ الْحِصَّةِ الصَّائِرَةِ إلَيْهِنَّ بِالْإِرْثِ مِنْ وَالِدِهِنَّ هِبَةِ اللَّهِ الَّتِي قَدْرُهَا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ أَصْلِ سَبْعَةِ أَسْهُمٍ مِنْ جَمِيعِ أَحَدَ عَشَرَ عُزْلَةً بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ.

وَحَدَّدَهُمْ بِالْمَكْتُوبِ وَجَمِيعَ الْخَرِبَةِ الْمُلَاصِقَةِ لِبَيْتِ التِّمْجَانِيِّ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُحَدِّدَهَا وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُلَاصِقَةً لِبَيْتِ التِّمْجَانِيِّ وَإِنَّمَا هِيَ مُلَاصِقَةٌ لِخَرِبَةٍ أُخْرَى مِلْكٍ لِلْغَيْرِ فَاصِلَةٍ بَيْنَ الْخَرِبَةِ الْمَبِيعَةِ وَبَيْتِ التِّمْجَانِيِّ وَمِنْ جَمِيعِ الدَّارِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَكِينِ بِمَكَّةَ وَحَدَّدَهَا بِثَمَنٍ قَدْرُهُ سَبْعمِائَةِ أَشْرَفِيّ وَخَمْسُونَ أَشَرَفِيًّا وَقَاصَصَ الْمُشْتَرِيَ الثَّلَاثَةُ النِّسْوَةُ الْبَائِعَاتُ بِالثَّمَنِ بِنَظِيرِ مَا بَاعَهُ مِنْهُنَّ عَنْ الْأَيْتَامِ مِنْ الْعَقَارِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهِ وَتَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ وَذَكَرَ الْمُوَرِّقُ فِي كِتَابِ التَّبَايُعِ أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ بَاعَ عَنْ الْأَيْتَامِ مِنْ عَمَّتِهِمْ فَاطِمَةَ سَهْمًا وَثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ سَهْمٍ مِنْ الْأَصْلِ الْمُعَيَّنِ أَعْلَاهُ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ الْكُبْرَى الْكَامِلَةِ أَرْضًا وَبِنَاءً الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى عُلْوٍ وَسُفْلٍ وَمَنَافِعَ وَمَرَاقٍ وَحُقُوقٍ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ بِمَكْتُوبِ التَّبَايُعِ قَاصَصَتْ الْبَائِعَ بِذَلِكَ بِنَظِيرِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهَا لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ.

وَبَاعَ أَيْضًا الْمَأْذُونُ لَهُ الْمَذْكُورُ عَنْ الْأَيْتَامِ مِنْ عَمَّتِهِمْ عَائِشَةَ نِصْفَ سَهْمٍ مِنْ الدَّارِ الْكُبْرَى الْكَامِلَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَنَافِعَ وَمَرَافِقَ وَحُقُوقٍ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ بِالْمَكْتُوبِ وَقَاصَّتْهُ بِالثَّمَنِ بِنَظِيرِ مَا ابْتَاعَهُ مِنْهَا لِلْأَيْتَامِ وَبَاعَ أَيْضًا الْمَأْذُونُ لَهُ عَنْ الْأَيْتَامِ مِنْ عَمَّتِهِمْ صَفِيَّةَ سَهْمَيْنِ مِنْ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ الْكُبْرَى الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَرَافِقَ وَمَسَاكِنَ وَاشْتِمَالَاتٍ وَحُقُوقٍ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ بِالْمَكْتُوبِ الْمَذْكُورِ وَقَاصَصَتْ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ بِنَظِيرِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهَا لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ وَحَدَّدَ الْمُوَرِّقُ كُلًّا مِنْ الدُّورِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَثَبَتَ لَدَى الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ مَضْمُونُ التَّبَايُعِ وَالْمُقَاصَصَةُ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ مَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ كُلٌّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَعْرِفَةُ الدُّورِ وَلَا ثَمَنُ الْمِثْلِ لِمَا بَاعَهُ الْمَأْذُونُ لَهُ وَلَا وُجُودُ الْحَظِّ وَالْغِبْطَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِحَقِيقَةِ الْمُسَوِّغِ.

ثُمَّ تُوُفِّيَ أَحَدُ شَاهِدَيْ التَّبَايُعِ بِطَرِيقِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ وَبِشَهَادَةِ رَفِيقِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ مَالِكِيٍّ إشْهَادُ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ فَهَلْ لِلْمَأْذُونِ لَهُ الْمَذْكُورِ أَنْ يَبِيعَ عَنْ الْأَيْتَامِ مَا كَانَ عَامِرًا آهِلًا مِنْ الْعَقَارِ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ أَنْمَى غَلَّةً مِمَّا اشْتَرَاهُ لَهُمْ وَيَشْتَرِيَ لَهُمْ مَا كَانَ خَرَابًا دَاثِرًا تُكَبُّ فِيهِ الْقُمَامَاتُ وَالْأَوْسَاخُ وَهَلْ مَا ذَكَرَهُ الْمُوَرِّقُ مِنْ الْمُسَوِّغِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ كَافٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ ثُبُوتُ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَالْحَظِّ وَالْغِبْطَةِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ سَبَبِ الْمُسَوِّغِ وَثُبُوتِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَالْغِبْطَةِ وَهَلْ مَا ذَكَرَهُ الشَّاهِدُ فِي تَعْرِيفِ الْخَرِبَةِ بِكَوْنِهَا مُلَاصِقَةً لِدَارِ التِّمْجَانِيِّ وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُلَاصِقَةً لَهَا وَلَا مُحَدَّدَةً يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهَا أَمْ لَا يَكُونُ مَانِعًا وَمَا الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ الْمَشْرُوحِ أَعْلَاهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْقَيِّمِ الْمَذْكُورِ وَلَا شِرَاؤُهُ لِعَدَمِ وُجُودِ مُسَوِّغِهِمَا الشَّرْعِيِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ لِأَنَّ شَرْطَ بَيْعِهِ أَنْ يَكُونَ

ص: 263

هُنَاكَ حَاجَةٌ كَنَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ لَمْ تَفِ غَلَّةُ الْعَقَارِ بِهَا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ أَمْ لَمْ يَرَ فِي الْقَرْضِ مَصْلَحَةً أَوْ غِبْطَةً كَأَنْ طَلَبَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَوَجَدَ مِثْلَهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ وَمَتَى انْتَفَى شَرْطٌ مِمَّا ذُكِرَ بَطَلَ الْبَيْعُ وَشَرْطُ شِرَائِهِ أَنْ لَا تَنْتَفِيَ الْمَصْلَحَةُ عَنْهُ كَإِشْرَافِهِ عَلَى الْخَرَابِ فَإِنْ انْتَفَتْ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ لَمْ يَصِحَّ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُوَرِّقُ مِنْ الْمُسَوِّغِ غَيْرُ كَافٍ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفَاصِيلِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لِوُجُودِ الْمُسَوِّغِ الشَّرْعِيِّ إلَخْ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا ظَاهِرًا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِلْقَيِّمِ الْمَذْكُورِ فِي التَّكَلُّمِ عَلَى الْأَيْتَامِ لَا لِشِرَائِهِ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِينَئِذٍ شَهَادَةٌ بِمُسَوِّغِ الشِّرَاءِ لَا مُجْمَلَةً وَلَا مُفَصَّلَةً وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَيْضًا قَوْلُ الْمُوَرِّقُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَثَبَتَ لَدَى الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ مَضْمُونُ التَّبَايُعِ وَالْمُقَاصَصَةُ إلَخْ فَإِنَّ هَذَا فِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْمُسَوِّغُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي ذَكَرْته لِلْبَيْعِ وَلَا لِلشِّرَاءِ فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمَا بَاطِلَانِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ إظْهَارُ بُطْلَانِ ذَلِكَ وَالْإِلْزَامُ بِالْعَمَلِ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّاهِدُ مِنْ تَعْرِيفِ الْخَرِبَةِ مُقْتَضٍ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ إنْ كَانَتْ صِيغَةُ الْبَيْعِ بِعْتُك الْخَرِبَةَ الْمُلَاصِقَةَ لِكَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْخَرِبَةَ الْمُلَاصِقَةَ لِكَذَا أَوْ خَرِبَتِي الْمُلَاصِقَةَ لِكَذَا وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ وَلَا يُؤَثِّرُ الْغَلَطُ حِينَئِذٍ وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْعَاقِدِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمِهِ بِالْمُوجِبِ إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي رُجُوعَهُ عَنْهُ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِ الْعَاقِدِ أَوْ وِلَايَتِهِ فَوُجُودُهُ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ أَحَدِ هَذَيْنِ فَإِذَا ثَبَتَ انْتِفَاؤُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْ حُكْمِهِ بِالْمُوجِبِ.

وَعَلَى غَيْرِهِ إلْغَاءُ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَلَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ تَنَاوُلُ كُلٍّ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ جَمِيعَ الْآثَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْحُكْمِ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ مَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ صَحِيحًا بِأَنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مَا يُنَاقِضُهُ أَمَّا حَيْثُ تَبَيَّنَ مَا يُنَاقِضُهُ فَلَا يَعْتَدُّ بِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بِالْمُوجِبِ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا فِي الْمُسْتَنِدِ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهِمَا وَمَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ إلَّا إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَعَ ذَلِكَ وُجُودُ الْمُسَوِّغِ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ بَيْعِ الْقَيِّمِ وَشِرَائِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَوَجَبَ السَّعْيُ فِي نَقْضِهِمَا وَرَدُّ أَعْيَانِ الْأَيْتَامِ الْمَبِيعَةِ إلَيْهِمْ وَالْمُشْتَرَاةِ إلَى أَرْبَابِهَا وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَيُجَازِي مَنْ عَمِلَ سُوءًا بِعَدْلِهِ آمِينَ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا إذَا أَخْرَجَ حَنَفِيٌّ مَثَلًا الْقِيمَةَ عَنْ مَالِهِ الزَّكَوِيِّ أَوْ اشْتَرَى مَالِكِيٌّ بِالْمُعَاطَاةِ فَهَلْ لِلشَّافِعِيِّ الشِّرَاءُ مِنْ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ وَمِنْ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ بِالْمُعَاطَاةِ اعْتِبَارًا بِعَقِيدَةِ الْبَائِعِ أَوْ لَا اعْتِبَارًا بِعَقِيدَةِ الْمُشْتَرِي؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ إنْ حَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُ سَوَاءٌ أَقَلَّدَ الشَّافِعِيُّ بِهِ أَمْ لَا لِأَنَّ الْحُكْمَ يُحِلُّهُ بَاطِنًا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ أَحَدٌ لَمْ يَجُزْ لِلشَّافِعِيِّ الشِّرَاءُ مِنْهُ مَا دَامَ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ رضي الله عنه لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَعْتَقِدُ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِهِ فِي الْأُولَى وَبَقَاءَهُ عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَلَوْ بِعَقْدٍ إلَّا إنْ قَلَّدَ الْقَائِلَ بِهِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ بَحَثَ الْجَوَازَ مُطْلَقًا قَالَ لِاعْتِقَادِنَا تَكْلِيفَ الْمُخَالِفِ بِحَسَبِ عَقِيدَتِهِ حَتَّى قُلْنَا بِاسْتِعْمَالِ مَا تَوَضَّأَ بِهِ حَنَفِيٌّ لَمْ يَنْوِ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ رَأَى كَلَامَ السُّبْكِيّ دَالًا عَلَى تَحْرِيمِ الشِّرَاءِ وَأَنَّ عِنْدَهُ فِيهِ نَظَرًا وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ وَيَرُدُّ مَا عَلَّلَ بِهِ بِأَنَّا وَإِنْ اعْتَقَدْنَا تَكْلِيفَهُ بِحَسَبِ عَقِيدَتِهِ.

لَكِنْ نَعْتَقِدُ تَكْلِيفَنَا أَيْضًا بِحَسَبِ عَقِيدَتِنَا فَنُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَنَا التَّصَرُّفُ فِيهِ عَمَلًا بِالْعَقِيدَتَيْنِ وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِاسْتِعْمَالِ مَاءِ الْحَنَفِيِّ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَا أَزَالَ مَانِعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ مَاءَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّا نَعْتَقِدُ فِيهِ ذَلِكَ بِحَسَبِ ظَنِّ الْمُسْتَعْمَلِ وَيَرُدُّ قَوْلَهُ لَا يَجْرِي فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالْمُعَامَلَاتِ عَلَى أَنَّ كَوْنَهَا مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَعِنْدَ إرَادَةِ بَيْعِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ بَعْدَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ هِيَ الْآنَ مِنْ

ص: 264

قَبِيلِ الْمُعَامَلَاتِ فَالْمُتَّجَهُ مَا قَدَّمْته وَكَلَامُ السُّبْكِيّ دَالٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ وَلَمْ يُقَلِّدْ أَمَامَ الْبَائِعِ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه بِمَا لَفْظُهُ قَالُوا مِنْ صَرَائِحِ الْبَيْعِ لَفْظُ التَّقْرِيرِ؛ مَا صُورَتُهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صُورَتُهُ أَنْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ وَيُرِيدَ إعَادَتَهُ فَيَقُولَ الْبَائِعُ قَرَّرْتُك عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَيَقْبَل الْمُشْتَرِي أَوْ يَقُول الْمُشْتَرِي أَنَا عَلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ مِنْ الْبَيْعِ وَيَقْبَلُ الْبَائِعُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ تَكَفَّلَ بِبَدَنٍ فَأَبْرَأهُ الْمُسْتَحِقُّ ثُمَّ وَجَدَهُ مُلَازِمًا لِغَرِيمِهِ فَقَالَ اُتْرُكْهُ وَأَنَا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَفَالَةِ صَحَّ.

(وَسُئِلَ) عَنْ كِنَايَةِ الْبَيْعِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَط فِي كِنَايَةِ الطَّلَاقِ مِنْ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِكُلِّ اللَّفْظِ أَوْ بَعْضِهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ إلْحَاقُهَا بِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَكْفِي الِاقْتِرَانُ بِالْبَعْضِ وَيُفَرَّقُ أَنَّ هُنَاكَ مِلْكَ بُضْعٍ مُحَقَّقًا فَلَا يُزَالُ إلَّا بِيَقِينٍ فَاشْتُرِطَ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِكُلِّ اللَّفْظِ احْتِيَاطًا لِلْإِبْضَاعِ بِخِلَافِهِ هُنَا فَلَمْ يَجْرِ فِيهِ الْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ مُقَارَنَتِهَا لِكُلِّ اللَّفْظِ

(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ فَقَالَ اشْتَرَيْت نِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَنِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ صَحَّ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ مَا الْجَوَابُ عَنْهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: بِتَأَمُّلِ تَعْلِيلِ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا تَفْصِيلَ مَا أَجْمَلَهُ الْبَائِعُ وَبِتَأَمُّلِ وَجْهِ اسْتِشْكَالِ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَقْدًا فَقِيلَ عَقْدَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ إذْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ التَّفْصِيلَ مِنْ حَيْثُ تَعَدُّد الصَّفْقَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ بَيَان الْإِجْمَالِ السَّابِقِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَرَادَ التَّفْصِيلَ مِنْ حَيْثُ التَّعَدُّد بَطَلَ لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَا يُنَافِيه كَلَامُ الْمُتَوَلِّي فَإِنْ أَطْلَقَ فَالظَّاهِرُ الْبُطْلَانُ إذْ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ تَعَدُّدُهَا مُفَصَّلَةً فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْمُفَصَّلَ لَكِنَّ مَحَلَّهُ أَخْذًا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ مَا إذَا لَمْ يُرِدْ عَدَمَ التَّفْصِيلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.

(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اتِّخَاذُ الْحَرْبِيِّ الْحَدِيدَ سِلَاحًا فَهَلْ يَحْرُمُ بَيْعُهُ لَهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ الْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ.

(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا تَلَفَّظَ الْبَائِعُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ بِقُرْبِهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْمُشْتَرِي لِعَارِضِ لَغَطٍ وَنَحْوِهِ فَقَبِلَ الْبَيْعَ مُرِيدًا الِابْتِدَاءَ فَهَلْ يَقَعُ قَبُولُهُ جَوَابًا أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ وُقُوعُهُ جَوَابًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَدَارُ الْعُقُودِ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ الْجَوَابِ بِقَصْدِهِ الِابْتِدَاءَ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَقَصْدُ الِابْتِدَاءِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ قَصَدَ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ إذْ مَعْنَاهُ هُنَا إفَادَةُ التَّمْلِيكِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ سَوَاءٌ أَقَصَدَ الِابْتِدَاءَ أَمْ الْجَوَابَ وَلَوْ تَلَفَّظَ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ ابْتِدَاءٍ وَلَا جَوَابٍ احْتَمَلَ الْجَزْمَ بِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَاحْتَمَلَ خِلَافَهُ (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ لَوْ وُكِّلَ الْجَدُّ فِي الطَّرَفَيْنِ هُنَا فَهَلْ يَبْطُلُ كَالنِّكَاحِ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَحْتَمِلُ إلْحَاقَهُ بِهِ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ النِّكَاحَ يُحْتَاطُ لَهُ مَا لَا يُحْتَاطُ لِغَيْرِهِ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ إذْ لَا اخْتِلَالَ فِي الصِّيغَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ احْتِيَاطٌ فَكَمَا مَنَعُوهُ ثَمَّ مَعَ انْتِظَامِ الصِّيغَةِ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ هُنَا لِلْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلُوا بِهِ ثُمَّ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ قَوْلِهِمْ يَصِحُّ بَيْعُ السُّبُعِ لِمَنْفَعَةِ صَيْدِهِ هَلْ يَشْمَلَ الصَّيْدَ بِالطَّبْعِ وَبِالتَّعْلِيمِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ مَا يَصْطَادُهُ يَحِلُّ بِأَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي كِتَابِ الصَّيْدِ صَحَّ بَيْعُهُ سَوَاءٌ أَوُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوط بِتَعْلِيمٍ أَوْ لَا بِتَعْلِيمٍ أَصْلًا.

(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ بَاعَ بِوَزْنِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ هَلْ يَصِحُّ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ قَالَ مَضْرُوبَةٍ أَوْ غَيْرِ مَضْرُوبَةٍ صَحَّ وَإِلَّا بَطَلَ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَهُمَا وَلَا يُحْمَلُ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ نَعَمْ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْمَضْرُوبِ وَالسَّبِيكَةِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ الصِّحَّةُ.

(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ الصُّبْرَةِ الْمَجْهُولَةِ وَنِصْفَ بَاقِيهَا لَمْ يَصِحَّ أَوْ نِصْفَهَا وَصَاعًا مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ صَحَّ مَا الْفَرْق بَيْنَهُمَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْجَهْلَ فِي الْأُولَى أَشَدُّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الصَّاعَ صَارَتْ الْإِحَاطَةُ بِنِصْفِ الثَّانِي ضَعِيفَةً بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ الصُّبْرَةِ أَقْوَى مِنْهَا بِهَا بَعْدَ إخْرَاجِ صَاعٍ وَذِكْرُ النِّصْفِ لَا يَقْتَضِي ضَعْفَ تِلْكَ الْإِحَاطَةِ بَلْ قُوَّتَهَا فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُ صَاعٍ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ هَذَا غَايَةُ مَا يُوَجَّهُ بِهِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْبَاحِثِ أَنْ يَبْحَثَ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الْبُطْلَانِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ بَاعَ الْمَجْهُولَةَ إلَّا صَاعًا مِنْهَا بَطَلَ لِأَنَّ مَا عَدَا

ص: 265

نِصْفَ الْبَاقِي وَالصَّاع فِي الْأُولَى وَمَا عَدَا الصَّاعَ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ فِي الثَّانِيَةِ مُسْتَثْنًى وَهُوَ مَجْهُولٌ بَلْ الْبُطْلَانُ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُمْ إذَا حَكَمُوا بِهِ مَعَ كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي الْمُسْتَثْنَى الْمَجْهُولِ بِذَلِكَ.

(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ مُحَمَّلَةً بِأَمْتِعَةِ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَصِحُّ قَبْضُهَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ إلْحَاقُهَا بِالسَّفِينَةِ الصَّغِيرَةِ وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْفَرْقُ بِأَنَّ السَّفِينَةَ بِالْبُيُوتِ أَشْبَهُ فَأُعْطِيَتْ حُكْمَهَا بِخِلَافِ الدَّابَّةِ.

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَاعَ أَمَةً وَادَّعَى أَنَّهَا مَعْتُوقَةٌ أَوْ مُسْتَوْلَدَةٌ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ قَالَ كُنْت وَقَفْته وَلَا يُقَالُ إنَّ الْعِتْقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ إلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُشْتَرِي فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مَا يَدْفَعُهُ.

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ آخَرَ فَادَّعَى ثَالِثٌ أَنَّ هَذَا الْمَبِيعَ مِلْكُهُ فَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ لَكِنْ قَالَ اشْتَرَيْته مِنْك وَأَقَامَ شَاهِدًا ثُمَّ نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ مَعَهُ فَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُشْتَرِي؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ نَفْعُهُ بِبَقَاءِ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ لِأَنَّ إقَامَةَ شَاهِدٍ مِنْ وَاحِدٍ وَحَلْفَ آخَرَ غَيْرُ مَعْهُودٍ وَلِأَنَّ الْحُجَّةَ حِينَئِذٍ مُلَفَّقَةٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ بَاعَ مُسْلِمًا وَمَعْنَاهُ إلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِمَا يَلْحَقُ الْبَائِعَ مِنْ الدَّلَالَةِ وَغَيْرِهَا فَهَلْ يَصِحُّ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَانَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي حِسْبَتِهِ يَمْنَعُ أَهْلَ سُوقِ الرَّقِيقِ مِنْ ذَلِكَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ وَنَحْوُهَا مُعَيَّنَةً أَوْ لَا لَكِنْ اعْتَمَدَ السُّبْكِيّ الصِّحَّةَ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً وَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ مِنْ اثْنَيْنِ وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِلْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إذْ لَا يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَكِنَّهُ هُنَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَمْرًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ كَذَا إلَى جِهَةِ كَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا مُطْلَقًا اهـ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ قَالَ بِعْتُك بِكَذَا وَلِلدَّلَّالِ مِنْهُ كَذَا صَحَّ أَوْ وَتَدْفَعُ لَهُ مِنْهُ كَذَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ الدَّفْعَ وَهُوَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا لَوْ تَقَدَّمَتْ الرُّؤْيَةُ عَلَى الْعَقْدِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِمَا لَا يُنْقِصُ الْعَيْنَ أَوْ الْقِيمَةَ فَهَلْ يُخْبَرُ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كُلٌّ مِنْ التَّخْيِيرِ وَعَدَمِهِ مُحْتَمَلٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِاخْتِلَافِ الْوَصْفِ الَّذِي رَآهُ وَأَقْدَمَ عَلَى الْعَقْدِ مُعْتَقِدًا بَقَاءَهُ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى وُقُوعِ التَّغَيُّرِ بَعْدِ الرُّؤْيَةِ ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ تَأْخِيرَهُ عَنْ الْعَقْدِ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي تَقَدَّمَهُ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ تَصْدِيقُ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ وَالْأَصْلُ أَيْضًا سَلَامَتُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي رَأَيْته كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الْمُصَدَّقُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِهَذِهِ الصَّفْقَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه هَلْ يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ السَّوْمِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِهِ فِيمَا لَوْ رَأَى عَاصِرَ خَمْرٍ يَشْتَرِي عِنَبًا وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا وَلَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالسَّوْمِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَقَدْ يُقَالُ بِجَوَازِهِ إذَا تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْأَقْرَبُ خِلَافُهُ لِأَنَّ السَّوْمَ إيذَاءٌ مُحَقَّقٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ سَبَبٍ يُبِيحُهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وَيَتَأَتَّى هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ حَيْثُ لَا عُذْرَ وَفِي كُلِّ بَيْعٍ حُرِّمَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبُولُهُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه بِمَا لَفْظُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا بِوَقْفٍ جَازَ مُشْكِلٌ إنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى خِدْمَةِ إنْسَانٍ مَثَلًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَأَبُّدُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا إذْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ أُمِّهِ وَعَكْسه بِخِلَافِ الْمَوْقُوفِ عَلَى نَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ فَلْيُحْمَلْ كَلَامُهُمْ عَلَيْهِ.

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَلَامُهُمْ أَعَمُّ وَيُجَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ وَقْفَهُ عَلَى إنْسَانٍ كَإِيجَارِهِ مُدَّةً تُجَاوِزُ الْبُلُوغَ وَهُوَ جَائِزٌ وَأَيْضًا فَالْوَقْفُ قُرْبَةً فَسُومِحَ فِيهِ وَإِنْ سَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه هَلْ لِغَيْرِ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِطِ لِلْعِتْقِ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي بِهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ كَالْمُلْتَزِمِ بِالنَّذْرِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِاشْتِرَاطِهِ الِاخْتِصَاصُ بِهِ وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِمْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ

ص: 266

وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ هَذَا مِنْهَا.

(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ الْأَصَحُّ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّ الْخَمْرَ يُقَدَّرُ خَلًّا وَفِي بَابِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ أَنَّهُ يُقَوَّمُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً فَمَا الْفَرْقُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْكُفَّارَ حِينَ قَدِمُوا عَلَى الْعَقْدِ الْوَاقِعِ فِي الشِّرْكِ وَسَمَّوْا فِيهِ خَمْرًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مُقَابَلَتَهُ بِقِيمَةٍ فَأَجْرَيْنَاهُمْ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدُ بِخِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَإِنْ قُلْت: مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ قُوِّمَ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا قُلْت: إمَّا أَنْ يُلْتَزَمَ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْوِيمُ ثُمَّ إنَّمَا هُوَ لِمَعْرِفَةِ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ وَالتَّقْوِيمُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَحْوَطُ وَأَضْبَطُ وَأَمَّا هُنَا فَالْقَصْدُ مَعْرِفَةُ مَا يُقَابِلُ الْبَاطِلَ وَالصَّحِيحَ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِتَقْدِيرِ الْخَمْرِ خَلًّا فَإِنْ قُلْت: قَدَّرُوا الْكَلْبَ هُنَا شَاةً وَفِي الْوَصِيَّةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً قُلْت: كَأَنَّ الْفَرْق أَيْضًا أَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ مَعْرِفَة الثُّلُثِ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا إنْ قُدِّرَ لَهُ قِيمَةٌ وَأَمَّا هُنَا فَالْقَصْدُ تَوْزِيعُ الثَّمَنِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِتَقْدِيرِهِ شَاةً.

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ دَفَعَ لِلْبَائِعِ نِصْفًا رِبْحًا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ لَهُ ظَانًّا أَنَّهُ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا دَفَعَهُ لَهُ تَبَرُّعًا جَازَ أَخْذُهُ فَإِنْ شَكَّ الْبَائِعُ فَلَمْ يَدْرِ أَدَفَعَهُ لَهُ بِالظَّنِّ الْمَذْكُورِ أَوْ مَعَ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِ الْعَامَّةِ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ لُزُومَ الدَّفْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ مِنْ جُمْلَةِ ثَمَنِهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ.

(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ قَالُوا يَحْرُمُ بَيْعُ الثَّوْبِ الَّذِي يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فَهَلْ لَهُ حِيلَةٌ يَنْتَفِي بِهَا حُرْمَة الْقَطْعِ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ لَهُ طَرِيقًا وَهُوَ أَنَّهُ يُوَاطِئُهُ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ ذِرَاعًا مَثَلًا بِكَذَا فَيَقْطَعُهُ ثُمَّ يَشْتَرِيه وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذِهِ إنَّمَا هِيَ طَرِيقٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ لَا لِانْتِفَاءِ حُرْمَةِ الْقَطْعِ الَّذِي فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ سُومِحَ لَهُ فِي الْقَطْعِ حِينَئِذٍ رَجَاءً لِغَرَضِ الرِّبْحِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ أَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ إنَّمَا تَحْرُمُ إنْ قُصِدَتْ عَبَثًا وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ نَعَمْ لَوْ زِيدَ لَهُ عَلَى قِيمَةِ الْمَقْطُوعِ مَا يُسَاوِي النَّقْصَ الْحَاصِلَ فِي الْبَاقِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ حِينَئِذٍ فَلَا حُرْمَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ إذْ لَا إضَاعَةَ مَالٍ حِينَئِذٍ أَلْبَتَّةَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِيلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا إذَا بَاعَ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ هَلْ يَكُونُ بَيْعًا أَوْ سَلَمًا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ أَنَّهُ بَيْعٌ لَا سَلَمٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ اضْطِرَابًا وَقَالَ الْفَتْوَى عَلَى تَرْجِيحِ أَنَّهُ سَلَمٌ وَعَزَّاهُ لِلنَّصِّ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ إذْ التَّحْقِيقُ حَمْلُ النَّصِّ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ سَلَمٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَقَطْ.

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَاعَ مِنْ آخَرَ أَرْضًا وَكَانَ صِفَةُ الْبَيْعِ أَنْ قَالَ بِعْت مِنْك مِنْ أَرْضِي هَذِهِ ذَرْعَةَ الْأَرْضِ وَأَشَارَ إلَى أَرْضٍ هُمَا يَعْلَمَانِهَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا يَعْرِفَانِ قَدْرَهَا فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا فَإِنَّا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ إذَا قَالَ بِعْتُك بِزِنَةِ هَذِهِ الصَّخْرَةِ ذَهَبًا أَوْ مِلْءِ هَذِهِ الْغِرَارَةِ طَعَامًا صَحَّ فَهَلْ الْمَسْأَلَةُ قِيَاسُ مَسْأَلَتِنَا أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الدَّارِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ بِدِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَتْ ذَرِعَاتُهَا مَجْهُولَةً لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ الصُّبْرَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْفَرْقُ أَنَّ أَجْزَاءَ الدَّارِ تَخْتَلِفُ دُونَ أَجْزَاءِ الصُّبْرَةِ اهـ وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تُقَاسُ بِمَسْأَلَةِ الْكِفَايَةِ الْمُصَرَّحِ بِهَا فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَجْمُوعِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) عَنْ بَيْعِ الْآبَارِ الْمَحْفُورَةِ الْحَاصِلِ فِيهَا مَاءٌ إذَا شُهِدَ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ بِصُدُورِ التَّبَايُعِ الصَّحِيحِ الشَّرْعِيِّ فِيهَا وَفِي حُقُوقِهَا وَطُرُقِهَا وَمُشْتَمِلَاتِهَا بَعْدَ النَّظَرِ وَالتَّقْلِيبِ الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشُّهُودُ لِلْمَاءِ الْحَاصِلِ فِي الْآبَارِ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْمَاءُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا بَيْعُ الْمَاءِ مَعَهَا وَهَلْ الْإِشْهَادُ الْمَذْكُورُ كَافٍ فِي إدْخَالِ الْمَاءِ وَهَلْ إذَا اخْتَلَفَ

ص: 267

الْمُتَبَايِعَانِ فِي ذِكْرِهِ فَاحْتَجَّ الْمُدَّعِي لِدُخُولِهِ بِالْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ يَكْفِيه ذَلِكَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِصَرِيحِ ذِكْرِهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْآبَارِ إلَّا إنْ نَصَّ عَلَى دُخُولِ مَائِهَا فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَفَاهُ أَوْ أَطْلَقَ وَلَا يَكْفِي عَنْ النَّصِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمَا بِحُقُوقِهَا عَلَى مَا قَدْ يَقْتَضِيه كَلَامُهُمْ لَا سِيَّمَا كَلَامُ الْأَنْوَارِ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْبِئْرِ فَهُوَ كَمَزَارِعِ الْقَرْيَةِ الْخَارِجَةِ عَنْهَا مَعَهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَنَاوَلُهَا.

وَإِنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا قَالُوا لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَهَا لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَا تَتَنَاوَلُ الْأَرْضُ مَسِيلَ مَائِهَا وَشُرْبِهَا مِنْ نَحْوِ قَنَاةٍ مَمْلُوكَةٍ حَتَّى يَشْرُطَهُ أَوْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا إنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ قَوْلَهُمَا بِحُقُوقِهَا بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ عَلَى دُخُولِ الْمَاءِ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ مَسِيلِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْحُقُوقَ إذَا تَنَاوَلَتْ نَحْوَ الْمَسِيلِ وَالشُّرْبِ مَعَ خُرُوجِهِمَا عَنْ الْأَرْضِ وَمَعَ إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِدُونِهِمَا وَعَدَمِ دُخُولِهِمَا فِي مُسَمَّاهَا فَأَوْلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ الْمَاءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ الْبِئْرِ وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِدُونِهِ وَلِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّاهَا وَبِذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي مَزَارِعِ الْقَرْيَةِ مَعَهَا فَاتَّجَهَ إلْحَاقُ الْمَاءِ بِالْمَسِيلِ وَالشُّرْبِ دُونَ الْمَزَارِعِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمَا وَمُشْتَمِلَاتِهَا ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي شُمُولِ الْمَاءِ إذْ هُوَ بِمَعْنَى مَا اشْتَمَلَتْ الْبِئْرُ عَلَيْهِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْمَاءُ الَّذِي فِيهَا فَحِينَئِذٍ لَا يُتَوَقَّفُ فِي الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا أَنَّ الْمَاءَ يَدْخُلُ فِيهَا وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ نَوْعُ تَوَقُّفٍ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ بِحُقُوقِهَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَبَيْعُ الْآبَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ صَحِيحٌ وَالْإِشْهَادُ الْمَذْكُورُ كَافٍ فِي دُخُولِ الْمَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ الْمُحْتَجُّ بِهِ إلَى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِصَرِيحِ ذِكْرِهِ الْمَاءِ فِي الْعَقْدِ.

(وَسُئِلَ) عَنْ دَارٍ بِيعَتْ وَفِي بَعْضِ جَوَانِبهَا مَخَازِنُ تَنْفُذُ أَبْوَابُهَا إلَى الشَّارِعِ وَلَيْسَ لَهَا مَنْفَذٌ مِنْ الدَّارِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَخَازِنَ دَاخِلَةٌ فِي بَيْعِ الدَّارِ فَهَلْ تَدْخُلُ هَذِهِ الْمَخَازِنُ فِي مُطْلَقِ بَيْعِ الدَّارِ لِاشْتِمَالِ الدَّارِ عَلَيْهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي تَرْبِيعِهَا وَإِنْ لَمْ تَنْفُذْ إلَيْهَا كَمَا فِي بَعْضِ دُورِ مَكَّةَ أَوْ لَا تَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ بَيْعهَا إذْ لَا تُعَدُّ مِنْهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْيَمَنِ وَكَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْقُدْوَةِ إنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ إذَا لَمْ يَنْفُذْ بَعْضُهَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ هُوَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَنْ هُوَ فِي آخَرَ قَالُوا لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مَسْجِدًا وَاحِدٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُبَابِ فِي التَّجْزِئَةِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ وَفَوْقَهَا حُجْرَةٌ بَابُهَا خَارِجُ الدَّارِ فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ فَإِنْ قِيلَ بَابُ الْأَيْمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ قِيلَ كَذَلِكَ قَدْ يُعَلِّلُونَ بِالْعُرْفِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمَنْقُولُ فِي الْحُجْرَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالدَّارِ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيِّ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا لِخُرُوجِهَا عَنْ حُدُودِ الدَّارِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِهَا وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ السُّبْكِيّ يَنْبَغِي أَنْ تَتْبَعَهَا الْحُجْرَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِهَا لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ ذَلِكَ وَمَا عُلِّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ فَقَدْ أَحَالُوا هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَيْمَانِ فِي عَدَمِ دُخُولِ مَزَارِعِ الْقَرْيَةِ فِيهَا كَمَا لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الْقَرْيَةَ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ فَعَلِمْنَا أَنَّ مَلْحَظَ الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ وَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ تِلْكَ الْحُجْرَةِ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْهَا فَكَذَا لَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا وَمِثْلُهَا الْمَخَازِنُ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ بَلْ هِيَ عَيْنُهَا وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ فِي مَسَائِلَ هُنَا الرُّجُوعُ إلَى عُرْفِ النَّاحِيَةِ مُتَعَيِّنٌ وَكَذَا إلَى الْقَرَائِنِ كَزِيَادَةِ الثَّمَنِ الدَّالَّةِ عَلَى إرَادَةِ دُخُولِ نَحْوِ الْمَزَارِعِ يَرُدُّهُ إطْلَاقُهُمْ الصَّرِيحُ فِي أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِعُرْفٍ يُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ لِأَنَّهُ خَاصٌّ وَمَا ذَكَرُوهُ هُنَاكَ عَامٌّ وَالْعَامُّ مُقَدَّمٌ غَالِبًا.

وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فِي الْكَرْمِ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَنَاوُلِ مَا ذَكَرُوهُ لِمَا ذَكَرُوهُ هُنَا بَيْنَ أَنْ يَجْرِيَ الْبَيْعُ فِي بَلَدٍ يَعْتَادُ أَهْلُهُ إطْلَاقَ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْ لَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ مَا ذَكَرُوهُ فَلَا مَسَاغَ لِمُخَالِفَتِهِ وَيُؤَيِّدُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْحُجْرَةِ وَالْمَخَازِنِ الْمُتَّصِلَةِ بِالدَّارِ قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ فِي حَمَّامِ الدَّارِ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ إنَّ الدَّارَ إنْ أَحَاطَتْ بِهِ بِأَنْ كَانَ فِي وَسَطِهَا أَوْ كَانَ خَارِجَهَا وَشَمَلَتْهُ حُدُودُهَا دَخَلَ سَوَاءٌ اسْتَقَلَّ أَمْ لَا وَإِنْ خَرَجَ عَنْ حُدُودِهَا

ص: 268

لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ ثُمَّ سَاقَ كَلَامَهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ السَّابِقَ فِي الْحُجْرَةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ مِنْ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ فِي السَّابَاطِ الَّذِي عَلَى حَائِطِ الدَّارِ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى حَائِطَيْهِ دَخَلَ أَوْ عَلَى حَائِطٍ لَمْ يَدْخُلْ.

فَإِذَا كَانَ عَلَى حَائِطٍ فَقَطْ فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا كَالْمَخَازِنِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فَكَذَلِكَ تِلْكَ الْمَخَازِنُ فَإِنْ قُلْت: قَالَ فِي الْعِدَّةِ تَدْخُلُ الْمِظَلَّةُ كَرَوَاشِنِ الدَّارِ وَهِيَ تَدْخُلُ فِيهَا وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ لَهَا بَابًا أَيْضًا مِنْ خَارِجِهَا لِأَنَّهَا مِنْهَا وَإِنَّمَا تَنْقَطِعُ نِسْبَتُهَا عَنْهَا إنْ كَانَ لَهَا بَابٌ مِنْ خَارِجٍ وَلَيْسَ لَهَا بَابٌ مِنْ دَاخِلِهَا فَإِنْ قُلْتَ مَسْأَلَةُ السُّؤَالِ وَنَظَائِرُهَا مُشْكِلَةٌ تَصْوِيرًا لِأَنَّ الدَّارَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا إلَّا إنْ ذُكِرَتْ حُدُودُهَا الْأَرْبَعَةُ وَكَذَا مَا دُونَهَا إنْ تَمَيَّزَتْ بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا حَدَّدَ الدَّارَ فَإِنْ دَخَلَتْ تِلْكَ الْمَخَازِنُ أَوْ الْحُجْرَةُ فِي الْحُدُودِ كَانَتْ مَبِيعَةً قَطْعًا فَأَيُّ مَحَلٍّ يَتَحَقَّقُ فِيهِ خِلَافُ الْأَصْحَابِ وَالسُّبْكِيِّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ نَازَعَ فِي الِاحْتِيَاجِ لِلتَّحْدِيدِ بِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَفَى عَنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ وَإِلَّا لَمْ يَكْفِ عَنْ ذِكْرِهَا.

وَعَلَى هَذَا فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ أَيْضًا لِأَنَّهُمَا إذَا رَأَيَا وَأَشَارَا إلَى الْمَبِيعِ دَخَلَتْ الْمَخَازِنُ أَوْ الْحُجْرَةُ إنْ تَنَاوَلَ ذَلِكَ إشَارَتَهُمَا وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلَا فَأَيُّ مَسَاغٍ لِذَلِكَ الْخِلَافِ أَيْضًا قُلْت: أَمَّا الْأَوَّلُ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي يَعْرِفُ الدَّارَ وَمَا بِجَانِبِهَا فَيَقُول لَهُ بِعْتُك دَارِي الَّتِي بِمَحَلَّةِ كَذَا فَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ دَارِي إلَخْ هَلْ يَتَنَاوَلُ مَا اتَّصَلَ بِهَا أَوْ لَا فَالْأَصْحَابُ يَقُولُونَ لَا يَتَنَاوَلُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا انْفَرَدَ عَنْ الدَّارِ بِمَدْخَلٍ مُسْتَقِلٍّ مَعَ عَدَمِ نُفُوذِهِ إلَيْهَا كَانَ مُسْتَقِلًّا عَنْهَا غَيْرَ تَابِعٍ لَهَا فَلَمْ يَشْمَلْهُ لَفْظُهُ وَضْعًا وَلَا عُرْفًا وَالسُّبْكِيُّ يَقُولُ بَلْ يَشْمَلُهُ عُرْفًا لِاتِّصَالِهِ وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ عَقِبَ كَلَامِ السُّبْكِيّ فِيهِ شَيْءٌ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا مُشَاهَدًا مُشَاهَدَةً تَنْفِي الْجَهَالَةَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ لَهُ الْبَائِعُ الدَّارَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا وَأَوْرَدَ الْعَقْدَ عَلَى الْجَمِيعِ فَلَا شَكَّ فِي دُخُولِ الْجَمِيعِ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى اسْمِ الدَّارِ فَقَطْ وَعَلِمَ الْمُشْتَرِي حُدُودَهَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرُهَا إلَّا بِالتَّنْصِيصِ.

وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ حُدُودَهَا لِاخْتِلَاطِهَا بِالدُّورِ حَوْلَهَا بِحَيْثُ لَا تُمَيِّزُهَا الرُّؤْيَةُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ عَلَى الْمَحْدُودِ فَهَذَا مَحَلُّ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرِهِ لَا تَدْخُلُ الْحُجْرَةُ وَالسَّاحَةُ وَالرَّحْبَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالدَّارِ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُدُودِهَا الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِهَا وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ إلَّا بِذِكْرِهَا فَإِنْ ذَكَرَا حَدَّيْنِ وَتَمَيَّزَتْ بِهِمَا صَحَّ اهـ وَأَمَّا الثَّانِي فَيُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى دُورًا مُتَلَاصِقَةً ثُمَّ يَشْتَرِي بَعْضَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ أَوْ بَعْضِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُمَيِّزُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) عَنْ الْأَرْشِ الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَةِ الرَّقِيقِ إذَا اخْتَارَ سَيِّدُهُ فِدَاءَهُ بِاَلَّذِي لَهُ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِ الْأَرْشِ مِنْ الدَّيْنِ وَكَانَ الدَّيْنُ قَدْرَ الْأَرْشِ وَعَلَى صِفَتِهِ فَهَلْ يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ بِذَلِكَ وَيَكُونُ مِثْلَ تَقَاصِّ الدَّيْنَيْنِ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اخْتِيَارُ السَّيِّدِ الْفِدَاءَ لَا يَلْزَمُهُ بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فَحِينَئِذٍ إذَا اخْتَارَ فِدَاءَهُ بِمَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَقْتَضِي تَقَاصًّا وَإِلَّا لَزِمَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ بَاطِلٌ إجْمَاعًا

(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ عَجَّانٍ خَبَّازٍ يَجْعَلُ الْخُبْزَ لِلْبَيْعِ وَيَبِيعُهُ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ أَبْرَصُ أَجْذَمُ ذُو حَكَّةٍ وَسَوْدَاءَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ الْخُبْزَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا بَاشَرَ نَحْو عَجْنِهِ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَرِي حَقِيقَةَ الْحَالِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِهِ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ كَتْمُهُ مِنْ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم «مَنْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ بِهِ نَحْوَ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ النَّاسِ وَيُفْرِدَ لَهُمْ مَحَلًّا خَارِجَ الْبَلَدِ وَيُنْفِقُ عَلَى فُقَرَائِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) عَنْ إنْسَانٍ يَشْتَرِي وَيَكْتَالُ أَوْ يَزِنُ بِأَوْفَى ثُمَّ يَبِيعُ بِمُعْتَدِلٍ مُعْتَادٍ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَوْ يُفْصَلُ بَيْنَ عِلْمِ بَائِعِهِ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) رضي الله عنه بِقَوْلِهِ إذَا اتَّفَقَ هُوَ وَبَائِعُهُ عَلَى أَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْهُ بِهَذَا الْكَيْلِ أَوْ الْمِيزَانِ ثُمَّ اتَّفَقَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِكَيْلٍ أَوْ مِيزَانٍ آخَرَ عَيَّنَاهُ جَازَ ذَلِكَ إذْ لَا غِشَّ مِنْهُ فِي حَالِ شِرَائِهِ وَلَا فِي حَالِ بَيْعِهِ لِأَنَّهُ

ص: 269

لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ عِلْمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَرِضَاهُمَا وَأَمَّا إذَا بَاعَ بِغَيْرِ مَا اشْتَرَى بِهِ مُوهِمًا الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ بِنَظِيرِ مَا اشْتَرَى بِهِ فَهُوَ غِشٌّ ظَاهِرٌ وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم «مَنْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» وَضَابِطُ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْمَبِيعُ عَلَى وَصْفِ نَقْصٍ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي امْتَنَعَ مِنْ شِرَائِهِ فَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ غِشًّا مُحَرَّمًا وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ غِشًّا مُحَرَّمًا.

(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ مَا الْحُكْمُ فِي بَيْعِ نَحْوِ الْمِسْكِ لِكَافِرٍ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَشْتَرِيه لِيُطَيِّبَ بِهِ صَنَمَهُ وَبَيْعِ حَيَوَانٍ لِحَرْبِيٍّ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ بِلَا ذَبْحٍ لِيَأْكُلَهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَحْرُمُ الْبَيْعُ فِي الصُّورَتَيْنِ كَمَا شَمَلَهُ قَوْلُهُمْ كُلُّ مَا يَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْصِي بِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ لَهُ وَتَطْيِيبُ الصَّنَمِ وَقَتْلُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ بِغَيْرِ ذَبْحٍ مَعْصِيَتَانِ عَظِيمَتَانِ وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَالْمُسْلِمِينَ فَلَا تَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهِمَا بِبَيْعِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِفِعْلِهِمَا وَكَالْعِلْمِ هُنَا غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الصُّلْحِ لَوْ قَالَ بِعْتُك الْمَبِيعَ الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَأَنْتَ صَحَّ هَلْ هَذَا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ لَوْ جَرَى هَذَا الْمَقَالُ لَدَى الْحَاكِمِ جَازَ لَهُ التَّسْجِيلُ عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الصِّيغَةِ أَمْ لَا لِأَنَّ لِلْحُكْمِ طَرِيقًا آخَرَ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَقِيسًا عَلَيْهَا فَرْعٌ آخَرَ يُعْلَمُ مِنْهُ الْمُرَادُ مِنْهَا وَهُوَ وَلَوْ أَقَرَّ لَآخِرَ بِمَحْمَلٍ فَصَالَحَهُ عَنْهُ وَهُمَا يَعْرِفَانِهِ صَحَّ الصُّلْحُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك الشَّيْءَ الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَأَنْتَ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ شَيْئًا مَعْهُودًا لَهُمَا وَهُمَا يَعْرِفَانِهِ وَهُوَ مِمَّا يَكْفِي فِيهِ تَقَدُّمُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعَقْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا بِمَجْلِسِهِ فَإِذَا قَالَ مَالِكُهُ لِلْآخَرِ بِعْتُك الشَّيْءَ أَيْ الْمَعْهُودَ بَيْنَنَا الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَأَنْتَ صَحَّ الْبَيْعُ.

وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَاهُ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى وُجُودِ شُرُوطِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِذَا كَانَا صَادِقَيْنِ فِي مَعْرِفَتِهِمَا وَإِرَادَتِهِمَا لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَعْهُودِ صَحَّ الْبَيْعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ صَحَّ ظَاهِرًا بِاعْتِرَافِهِمَا لَا بَاطِنًا لِفَقْدِ بَعْضِ شُرُوطِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَوْ صَدَرَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ فَلَهُ أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ وَلَهُ بَعْدَ جَرَيَانِ مُسَوِّغِ الْحُكْمِ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ مُعْتَمِدًا عَلَى جَرَيَانِ عَقْدِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاعْتِرَافِهِمَا بِتَوْفِيرِ شُرُوطِهِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِمَا الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَأَنْتَ وَكَمَا أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ بِجَرَيَانِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُقِرُّ شُرُوطَهُ فَكَذَلِكَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا ذُكِرَ بِالْأَوْلَى لِجَرَيَانِ الْعَقْدِ بِحَضْرَتِهِ وَاعْتِرَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِأَنَّهُ وَقَعَ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ.

(وَسُئِلَ) عَنْ الْمُشْتَرِي إذَا أَقَالَهُ الْبَائِعُ فِي أَرْضٍ بَاعَهُ إيَّاهَا وَقَدْ زَرَعَ الْمُشْتَرِي الْأَرْضَ هَلْ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ فِي الْمُدَّةِ بَعْدَ الْفَسْخِ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي نَظِيرِهِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ فَإِنْ قُلْت: الْأَرْضُ حَالُ زَرْعِ الْمُشْتَرِي كَانَتْ مِلْكَهُ فَهُوَ لَمْ يَزْرَعْ إلَّا مِلْكَ نَفْسِهِ فَكَيْفَ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ وَقِيَاسُ قَوْلِهِمْ لَوْ بَاعَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِهَا لَزِمَهُ إبْقَاءُ زَرْعِ الْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ لِأَنَّهُ زَرَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ قَبْلَ أَوَانِهِ عَدَمُ الْأُجْرَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ بِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي حَالَ الزَّرْعِ كَانَ غَيْرَ مُسْتَقَرٍّ فَلَمَّا زَالَ رَاعَيْنَا كَوْنَهُ وَضَعَ زَرْعَهُ بِحَقٍّ لِكَوْنِهِ زَرَعَ مِلْكَهُ فَلَمْ يُمَكَّنْ الْبَائِعُ مِنْ الْقَلْعِ.

وَكَوْنُ الْمِلْكِ زَالَ عَنْهُ وَصَارَتْ الْأَرْضُ مِلْكًا لِلْبَائِعِ فَلَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ أُجْرَتَهَا مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ فِيهَا فَكَانَ فِي إبْقَائِهِ بِالْأُجْرَةِ جَمْعٌ بَيْنَ مَصْلَحَتَيْ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ لِوُجُودِ مُسَوِّغِ كُلٍّ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَمَّا زَرْعُ الْبَائِعِ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ الْمُسْتَقَرِّ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي خَيَّرْنَاهُ وَلَمَّا خَيَّرْنَاهُ كَانَ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَفْسَخَ وَيَرْجِعَ إلَى ثَمَنِهِ فَإِذَا اخْتَارَ الْإِجَازَةَ كَانَ مَوْطِنًا لِنَفْسِهِ عَلَى الرِّضَا بِهِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمُشْتَرِي لِلْأُجْرَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ لَا يُوجَدُ نَظِيرُهُ بَلْ ضِدُّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ إحْدَاهُمَا لَا تَلْتَبِسُ بِالْأُخْرَى فَتَأَمَّلْهُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ أَرْضٍ فِيهَا بَذْرُ شَجَرٍ بَاعَهَا وَبَذْرَهَا هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ أَوْ لَا كَحَامِلٍ وَحَمْلِهَا؟

(فَأَجَابَ) لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْبَذْرُ بِفَرْدٍ بِالْبَيْعِ وَلَمْ يَدْخُلْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَا يُقَالُ يَصِحُّ فِي الْأَرْضِ

ص: 270

تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ لِأَنَّ شَرْطَ الْقَوْلِ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنْ يَكُونَ مَا فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ مَعْلُومًا حَتَّى يُمْكِنَ التَّوْزِيعُ عَلَيْهِ وَهُنَا الْبَذْرُ مَجْهُولٌ جَهْلًا مُطْلَقًا فَلَا يُمْكِنُ التَّوْزِيعُ عَلَيْهِ فَإِنْ دَخَلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ وَكَانَ ذِكْرُهُ تَأْكِيدًا كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَفَارَقَ بَيْعَ الْحَامِلِ مَعَ حَمْلِهَا بِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُحَقَّقِ الْوُجُودِ فَأَبْطَلَ التَّصْرِيحَ بِهِ وَجَعَلَهُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ جَهَالَةَ الْمَبِيعِ

(وَسُئِلَ) هَلْ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَلَوْ بِشَرْطِ عِتْقِهِ وَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ وَكَذَا الْمُسْتَوْلَدَةُ بِشَرْطِ الْإِعْتَاقِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه صِحَّةُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ بِإِذْنِهِ وَبُطْلَانُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ سَوَاءٌ بِيعَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ أَمْ لَا وَعَلَيْهِ حَمَلُوا حَدِيثَ بَرِيرَةَ رضي الله عنها فَإِنَّهَا كَانَتْ مُكَاتَبَةً وَبِيعَتْ بِإِذْنِهَا وَحَيْثُ صَحَّ بَيْعُهُ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ مِنْ تَفَرُّدِهِ وَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُهُ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ قَبُولَهُ إيَّاهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْإِذْنِ وَامْتَنَعَ بَيْعُ الْمُسْتَوْلَدَةِ وَلَوْ بِشَرْطِ عِتْقِهَا وَبِإِذْنِهَا لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْحُرِّيَّةِ فِيهَا أَقْوَى مِنْهَا فِي الْمُكَاتَبِ.

(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ تَبَايَعَا وَبَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الْأَشْخَاصِ لِأَسْمَاعِ الْأَصْوَاتِ هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا إلَّا سَمَاعَ كُلِّ كَلَامِ صَاحِبِهِ بَلْ صَرَّحُوا بِصِحَّةِ بَيْعِ الْأَعْمَى وَشِرَائِهِ لِمَا رَآهُ قَبْلَ الْعَمَى وَلِنَفْسِهِ وَبِصِحَّةِ تَبَايُعِ الْغَائِبِينَ نَعَمْ إنْ كَانَ وَرَاءَ الْحَائِلِ جَمَاعَةٌ اُشْتُرِطَ تَسْمِيَةُ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَتَمَيَّزُ مِنْهُمْ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه بِمَا لَفْظُهُ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُشْتَرَكَة بَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ وَهِيَ تَحْتَ يَدِ الْآخَرِ فَأَرَادَ قَبْضَهَا وَتَسْلِيمَهَا لِلْمُشْتَرِي أَوْ أَنَّ شَرِيكَهُ يَأْذَنُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَامْتَنَعَ فَهَلْ يَأْذَنُ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَهَلْ يُتَصَوَّرُ الْإِقْبَاضُ مَعَ عَدَمِ إذْنِ الشَّرِيكِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ عَلَيْهِمَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحُوا بِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَسْتَبِدُّ بِالْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ لِتَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ تَحْتَ يَدِهِمَا أَوْ يَدِ عَدْلٍ وَحِينَئِذٍ فَيَرْفَعُ شَرِيكَهُ لِلْحَاكِمِ لِيَرْفَعَ يَدَهُ عَنْ حَقِّهِ وَيَأْذَنُ لِلْمُشْتَرِي فِي قَبْضِهِ ثُمَّ يَكُونُ بِيَدِهِمَا مَعًا فَإِنْ امْتَنَعَ نَصَّبَ الْقَاضِي عَدْلًا لِتَكُونَ الْعَيْنُ تَحْتَ يَدِهِ نِيَابَةً عَنْهُمَا ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِقَبْضِهَا لِلْمُشْتَرِي وَحِينَئِذٍ لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ نَعَمْ إنْ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ اُشْتُرِطَ إذْنُهُ.

(وَسُئِلَ) إذَا كَانَ بَيْنَ الْمُبَعَّضِ وَسَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ صَحَّ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ شِرَاؤُهُ لَا ضَمَانُهُ فَمَا الْفَرْقُ؟ ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشِّرَاءَ فِيهِ تَحْصِيلٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَضَرُّرُ السَّيِّدِ بِهِ بِخِلَافِ الضَّمَانِ فَإِنَّ فِيهِ الْتِزَامَ تَغْرِيمٍ رُبَّمَا يَعُودُ عَلَى السَّيِّدِ بِضَرَرٍ، وَهَذَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ لِلرَّافِعِيِّ وَنَقَلُوهُ عَنْهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِجَوَابِهِ وَقَدْ ظَهَرَ جَوَابُهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَالْمُتَآجِرَانِ فِي انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهَلْ يَتَحَالَفَانِ أَوْ يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ نَشَأَ الِاخْتِلَافُ فِي الِانْقِضَاءِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِ الْأَجَلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وَقْتِ الْعَقْدِ تَحَالَفَا وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ابْتِدَائِهِ صَدَقَ مُدَّعِي بَقَائِهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه اخْتَلَفَ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِيمَنْ قَبَضَ مُقَدَّرًا فَقَالَا لَوْ أَقَرَّ بِجَرَيَانِ الْكَيْلِ أَيْ أَوْ الْوَزْنِ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ خِلَافُهُ وَفِي الرَّوْضَةِ لَوْ أَقَرَّ بِإِقْبَاضِ رَهْنٍ وَقَالَ لَمْ يَكُنْ إقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ خَصْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا وَفَصْلًا فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَيْنَ مَا يَقَعُ مِثْلُهُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ فَيُقْبَلُ وَمَا لَا فَلَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَنَاقُضَ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمَا أَوَّلًا لَمْ يُسْمَعُ مِنْهُ خِلَافُهُ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ بِيَمِينِهِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِيَحْلِفَ هُوَ بَلْ لِيَحْلِفَ خَصْمُهُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَحِينَئِذٍ فَيُوَافِقُ هَذَا مَا ذُكِرَ عَنْ الرَّوْضَةِ فِي الرَّهْنِ وَتَفْصِيلُهُمَا الْمَذْكُورُ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُقِرَّ الْقَابِضُ بِوُصُولِ حَقِّهِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ جَرَيَانِ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ كُنْت أَظُنُّ تَمَامَ حَقِّي فَبَانَ نَاقِصًا فَتَعَارَضَ هُنَا أَصْلُ عَدَمِ قَبْضِ الْكُلِّ وَظَاهِرُ عَدَم الْغَلَطِ فَيَصْدُقُ إنْ أَمْكَنَ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ أَنْ يَبْخَسَ بِهِ فِي الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ فَلَا يَصْدُقُ فِي أَنَّ الْعَشَرَةَ تِسْعَةٌ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْبَخْسُ فِيهِ

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَاعَ عَيْنًا مِنْ زَيْدٍ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ لِزَيْدٍ الْمَذْكُورِ قَبْلَ لُزُومِ الْبَيْعِ

ص: 271

بِعْتُكهَا بِعِشْرِينَ فَقَبِلَ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ الثَّانِي وَيَكُونُ فَسْخًا لِلْأَوَّلِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِصِحَّةِ الثَّانِي فَهَلْ يَكُونُ كَإِلْحَاقِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ حَتَّى يَصِيرَ الثَّمَنُ ثَلَاثِينَ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بَيْعُ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لَهُ الْمَبِيعُ وَلَوْ لِلْمُشْتَرِي فَسْخٌ وَصَحِيحٌ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فَإِذَا قَبِلَهُ الْمُشْتَرِي صَحَّ قَبُولُهُ وَارْتَفَعَ حُكْمُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْعِشْرُونَ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الْعَقْدُ الثَّانِي وَلَيْسَ ذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ اللُّزُومِ لِأَنَّ صُورَةَ ذَلِكَ أَنَّ الزِّيَادَةَ أُلْحِقَتْ مَعَ تَقْرِيرِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَوَجَبَتْ مَضْمُونَةً إلَيْهِ وَأَمَّا هُنَا فَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ ارْتَفَعَ وَمِنْ لَازِمِ ارْتِفَاعِهِ ارْتِفَاعُ ثَمَنِهِ فَلَمْ يَجِبْ إلَّا ثَمَنُ الثَّانِي لَا غَيْرُهُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا قَالَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ بُطْلَانِ بَيْعِ عَبْدَيْهِمَا بِأَلْفٍ أَوْ أَحَدِهِمَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِجَهْلِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَنِ لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ الصِّحَّةَ بِالْحِصَّةِ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ ذَكَرْت هَذَا الْإِشْكَالَ وَجَوَابَهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَعِبَارَتُهُ فَإِنْ قُلْت: يَشْكُلُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ بَلْ وَعَلَى كُلِّ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْحِصَّةَ فِي الْحِلِّ بِالْحِصَّةِ مِنْ الْمُسَمَّى بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهَا قَوْلُهُمْ لَوْ بَاعَا عَبْدَيْهِمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهْلِ بِحِصَّةِ كُلٍّ عِنْد الْعَقْدِ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ تَخْمِينٌ وَهَذَا بِعَيْنِهِ جَارٍ فِيمَا هُنَا إذْ نَحْوُ عَبْدِهِ الَّذِي صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ مَا يُقَابِلُهُ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْعَقْدِ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْجَهْلَ هُنَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ وَهُوَ تَنَازُعٌ لَا إلَى غَايَةٍ لِانْدِفَاعِ الضَّرَرِ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِهِ فِي تِلْكَ فَإِنَّ صِحَّتَهُ فِيهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمَحْذُورُ أَيْ وَلَا يُمْكِنُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهَا إذْ لَا مُوجِبَ لَهُ بَعْدَ فَرْضِ صِحَّتِهِ فِيهِمَا وَهُنَا الْمُوجِبُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي.

فَإِنْ قُلْت: قَدْ لَا يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِ عَالِمًا بِالْمُفْسِدِ فَلِمَ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْحِلِّ حِينَئِذٍ مَعَ الْجَهْلِ حَالَةَ الْعَقْدِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَوُقُوعِ التَّنَازُعِ بَيْنَهُمَا لَا إلَى غَايَةٍ وَانْقِطَاعِهِ بِقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ جَارٍ فِي الصُّورَتَيْنِ بِلَا فَرْقٍ قُلْت يُفَرَّقُ بِأَنَّ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَرَامِ مِنْهُمَا نَادِرٌ فَأَعْطَوْهُ حُكْمَ الْغَالِبِ مَعَ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْحَرَامِ إعْطَاءً لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمَهُ لَا فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَالُوا بِتَخَلُّفِ عِلَّتِهِمْ فِيهِ لِنُدُورِهِ وَالتَّعَالِيلُ إنَّمَا تُنَاطُ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ فَتَأَمَّلْهُ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْهُ بِمَا لَفْظُهُ ذَكَرُوا فِي الْبَيْعِ فِيمَا إذَا أَلْحَقَ زِيَادَةَ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ شَرْطٍ أَمْ لَا وَقَالُوا فِي الْوَكِيلِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ إلَّا إذَا أَتَى الْمُوَكِّلُ بِصِيغَةِ إشْهَادٍ كَمَا حَكَى عَنْ الْمَرْعَشِيِّ وَقَوْلِ الْإِرْشَادِ فِي الْوَكَالَةِ فَإِنْ أَمَرَ بِهِ وَجَبَ يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَذَكَرُوا فِيمَا إذَا بَاعَ زَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ شَرْطٍ أَمْ لَا وَفِي الرَّهْنِ فِيمَا إذَا أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ أَنَّهُ يَصِحُّ إلَّا إذَا شَرَطَ تَعْجِيلَ حَقِّهِ.

وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِفَسَادِ الشَّرْطِ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ شَرْطٍ أَمْ لَا وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْكَفَالَةِ مَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ فِي بُطْلَانِهَا فِيمَا إذَا تَكَفَّلَ بِبَدَنِ رَجُلٍ وَشَرَطَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْتِ بِصِيغَةِ شَرْطٍ وَفِي الْوَقْفِ إنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الْوَقْفِ وَأَنْ يَقْضِيَ مِنْهُ دَيْنِهِ أَنَّهُ يَبْطُلُ وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ مَا إذَا أَتَى بِصِيغَةِ إخْبَارٍ وَلَوْ قَالَ وَقَفْت كَذَا وَلِيَ النَّظَرُ هَلْ يَكُونُ كَالشَّرْطِ أَمْ لَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّظَائِرِ وَهَلْ فَرْقٌ فِي الْعُقُودِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خِيَارٌ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلَامِهِ فِيهَا مُتَّصِلًا بِصِيغَةِ الْعَقْدِ فَيَلْزَمُ أَوْ لَا فَلَا يَلْزَمُ أَوْ يُقَالُ إذَا انْفَصَلَ عَنْ صِيغَةِ الْعَقْدِ يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يَطُولَ فَلَا يَلْزَمُ أَوْ لَا يَطُولُ فَيَلْزَمُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ تَحْرِيرَ مَا ذَكَرُوهُ فِي إلْحَاقِ نَحْوِ الزِّيَادَةِ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ الشَّرْطِ هُوَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى ذَلِكَ فَاتِّفَاقُهُمَا عَلَيْهِ مُتَضَمِّنٌ لِفَسْخِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ وُجِدَتْ صُورَةُ شَرْطٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الْآخَرُ أَمْ لَا وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا فِي زَمَنِ الْخِيَارِ نَحْوَ زِيَادَةٍ وَلَمْ يُوَافِقْهُ الْآخَرُ عَلَيْهَا لَمْ يَضُرَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِذِكْرِ زِيَادَةٍ صَحِيحَةٍ وَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا الثَّانِي لَمْ يَلْحَقْ وَلَكِنْ لَوْ تَمَادَى الشَّارِطُ وَلَمْ يَفْسَخْ اسْتَمَرَّ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَلَغَتْ الزِّيَادَةُ اهـ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا إنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِالْتِمَاسِ وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ أَوْ الْحَطِّ لَا غَيْرُ

ص: 272

فَظَاهِرٌ وَإِنْ قَالَ لَا أَرْضَى إلَّا أَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ كَذَا أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَرْضَى إلَّا أَنْ يَحُطَّ عَنِّي كَذَا فَفِيهِ نَظَرٌ، فَتَأَمَّلْهُ اهـ قُلْت: مُرَادُ الْإِمَامِ الْأَوَّلُ لِقَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي بَابِ الْخِيَارِ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَسْخُ وَيَحْصُلُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لَا أَبِيعُ حَتَّى يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ وَقَوْلِ الْمُشْتَرِي لَا أَفْعَلُ وَبِقَوْلِ الْمُشْتَرِي لَا أَشْتَرِي حَتَّى يُنْقِصَ الثَّمَنَ، وَقَوْلِ الْبَائِعِ لَا أَفْعَلُ، وَبِطَلَبِ الْبَائِعِ حُلُوله وَالْمُشْتَرِي تَأْجِيله اهـ.

وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ عَلِمْتَ أَنَّ مَا هُنَا لَا يُشْكِلُ عَلَى مَسَائِلِ الشَّرْطِ الْآتِيَةِ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ هُنَا غَيْرُ الْمَلْحَظِ ثَمَّ لِمَا عَرَفْتَ أَنَّهُمَا إنْ تَوَافَقَا عَلَى نَحْوِ الزِّيَادَةِ تَضَمَّنَ ذَلِكَ فَسْخَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَإِنْشَاءَ عَقْدٍ ثَانٍ وَإِنْ لَمْ يَتَوَافَقَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ بَاقِيًا بِحَالِهِ مَا لَمْ يَقُلْ لَا أَرْضَى إلَّا بِزِيَادَةِ كَذَا مَثَلًا لِتَضَمُّنِ هَذَا مِنْهُ فَسْخَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ جَائِزٌ لَهُ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْخِيَارَ لَهُمَا، وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي صُورَةِ الْوَكِيلِ أَنَّ مَنْ وَكَّلَ فِي بَيْعٍ بِشَرْطِ الْإِشْهَادِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ إلَّا إنْ وُجِدَ الْإِشْهَادُ ثُمَّ صُورَةُ شَرْطِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَرْعَشِيُّ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ وَارْتَضَاهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْ بِشَرْطِ أَنْ تُشْهِدَ أَوْ عَلَى أَنْ تُشْهِدَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَهُ بِعْ وَأَشْهِدْ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ الْإِشْهَادُ حِينَئِذٍ شَرْطًا، وَكَلَامُ الرَّوْضَةِ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لَلْوَكِيلِ لَا تُزَوِّجْهَا إلَّا بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ بِالصَّدَاقِ لَزِمَ الْوَكِيلَ الِاشْتِرَاطُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ أَوْ زَوِّجْهَا بِكَذَا وَخُذْ بِهِ كَفِيلًا فَزَوَّجَهَا بِلَا شَرْطٍ صَحَّ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَمْرَيْنِ امْتَثَلَ أَحَدَهُمَا اهـ.

وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَلْحَظَ الْوَكَالَةِ غَيْرُ مَلْحَظِ صُوَرِ الشَّرْطِ الْآتِيَةِ أَيْضًا وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ بِأَمْرَيْنِ فَإِنْ جَعَلَ أَحَدَهُمَا شَرْطًا فِي الْآخَرِ أَوْ كَانَ الثَّانِي لَا يُوجَدُ مُسْتَقِلًّا وَإِنَّمَا يُوجَدُ تَابِعًا لِلْأَوَّلِ كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الْآخَرِ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدَهُمَا شَرْطًا كَذَلِكَ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِهِمَا فَقَطْ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَلْزَمُهُ امْتِثَالُ جَمِيعِ أَوَامِرِ مُوَكِّلِهِ الْخَالِيَةِ عَنْ الِاشْتِرَاطِ وَكَلَامُ الْإِرْشَادِ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ عَيْنُ الشِّقِّ الثَّانِي لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُوَكِّل إذَا أَمَرَ وَكِيلَهُ بِالْبَيْعِ وَأَنْ يَشْرِطَ الْخِيَارَ فِيهِ لِفُلَانٍ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ بَيْعِهِ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ لِفُلَانٍ وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ بِعْ وَأَشْهِدْ وَبَيْنَ بِعْ وَاشْتَرِطْ الْخِيَار لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَصِحُّ بَيْعُهُ الْخَالِي عَنْ الْإِشْهَادِ وَفِي الثَّانِي لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ الْخَالِي عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ.

وَإِيضَاحُ الْفَرْقِ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْبَيْعِ أَمْرٌ مُسْتَقِلٌّ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ بِهِمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا شَرْطٌ فِي الْآخَرِ بِخِلَافِ شَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ تَابِعًا لِلْبَيْعِ دَائِمًا فَلَزِمَ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ بِهِ مَعَ الْبَيْعِ تَوَقُّفُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ قُلْت: كُلٌّ مِنْهُمَا سَوَاءٌ فِي اسْتِثْنَاءِ جَوَازِهِمَا لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَالْإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ وَالْخِيَارِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا تَابِعٌ لِلْبَيْعِ وَكَمَا يُوجَدُ الْإِشْهَادُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ كَذَلِكَ الْخِيَارُ يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ قُلْت: هُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي ذَلِكَ لَكِنْ تَمَيَّزَ الْخِيَارُ بِأَنَّ جِنْسَهُ مِنْ لَوَازِمِ الْبَيْعِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُ عَنْهَا وَثُبُوتُهُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا كَذَلِكَ الْإِشْهَادُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِيَارَ أَلْصَقُ بِالْبَيْعِ مِنْ الْإِشْهَادِ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ عَنْ الْإِشْهَادِ بِلُزُومِهِ بِالْأَمْرِ كَمَا تَقَرَّرَ.

فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ بِعْ وَأَشْهِدْ وَبِعْتُك وَاحْصُدْهُ إذْ هَذَا يَتَضَمَّنُ الِاشْتِرَاطَ دُون الْأَوَّلِ قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِمَا يَأْتِي لِأَنَّ إيقَاعَ هَذَا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الْوَعْدِ إلَى حَيِّزِ الِاشْتِرَاطِ بِخِلَافِ وَأَشْهِدْ فَإِنَّهُ وَقَعَ أَمْرًا مُجَرَّدًا غَيْرَ وَاقِعٍ فِي صُلْبٍ عَقْدٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ فَلَمْ يَحْتَفِ بِهِ مَا يَصْرِفُهُ إلَى الِاشْتِرَاطِ وَيُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ مِنْ كَوْنِهِ أَمْرًا مُجَرَّدًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَاحْصُدْهُ اقْتَرَنَ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ بِخِلَافِ وَأَشْهِدْ وَهَذَا ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَصُورَةُ الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ فِي سَائِرِ صُوَرِهِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك أَوْ اشْتَرَيْت مِنْك بِشَرْطِ كَذَا أَوْ عَلَى كَذَا أَوْ وَافْعَلْ كَذَا أَوْ تَفْعَلْ كَذَا بِالْإِخْبَارِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَسَوَاءٌ قَالَ بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَحْصُدَهُ أَوْ وَتَحْصُدَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لَا يَصِحُّ الْأَوَّلُ قَطْعًا وَفِي الثَّانِي طَرِيقَانِ اهـ.

لَكِنَّ قَوْلَهُ نَحْصُدُهُ يَنْبَغِي قِرَاءَتُهُ

ص: 273

بِالنُّونِ لِيَصِحَّ الْمَعْنَى أَمَّا قِرَاءَتُهُ بِالتَّاءِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْحَصْدَ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ شَرْطُهُ عَلَيْهِ فَاسِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: وَأَحْصُدُهُ أَنَا أَوْ وَنَحْصُدُهُ نَحْنُ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ لِمُخَالِفَتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَأَبْطَلَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ وَاحْصُدْهُ لَيْسَ شَرْطًا وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَيُوَافِقُهُ تَسْوِيَتُهُمْ بَيْنَ بِعْتُك هَذِهِ النَّخْلَةَ بِشَرْطِ أَنَّ ثَمَرَتَهَا لَك وَبِعْتُك وَثَمَرَتُهَا لَك وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ نَحْوَ بِعْتُك وَأَقْرَضْتُك أَوْ اشْتَرَيْت مِنْك وَاقْتَرَضْتُكَ بَاطِلٌ مِثْلَ وَتُقْرِضُنِي وَعَلَيْهِ فَيُوَجَّهُ بِأَنَّ إيقَاعَهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ يُفْهِمُ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حَيِّزِ الْوَعْدِ إلَى حَيِّزِ الِاشْتِرَاطِ، قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَلَوْ بَاعَ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ يَحُطَّ مِنْهَا دِرْهَمًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعَةٍ أَوْ أَنْ يَهَبَهُ مِنْهَا دِرْهَمًا فَلَا وَهَذَا أَيْ الْأَوَّلُ إذَا قُلْنَا إنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ اهـ.

وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ فِي الْإِبْرَاءِ بِالْإِسْقَاطِ وَلَا بِالتَّمْلِيكِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْفُرُوعِ وَالْمَدَارِكِ وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْحَطِّ أَوْ الْإِبْرَاءِ عَلَيْهِ اشْتِرَاطٌ لِمَا فِيهِ مِنْ شَائِبَةِ عَقْدٍ قَوِيَّةٍ فَآثَرْت الْفَسَادَ كَالْهِبَةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ تِسْعَةٍ كَمَا زَعَمَهُ نَعَمْ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّعْبِيرِ عَنْ عَشَرَةٍ فَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ حِينَئِذٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَسْقُطَ مِنْهَا دِرْهَمٌ، وَمَرَّ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ صَاعًا هِبَةً أَوْ بَيْعًا لَمْ يَصِحَّ وَاسْتُشْكِلَ بِمَا لَوْ أَقْرَضَهُ عَشَرَةً عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ عَشَرَةً، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ فِي صُورَةِ الْقَرْضِ بِخِلَافِهِ هُنَا وَفِي ذَلِكَ إشْكَالًا وَجَوَابًا نَظَرُوا لِقِيَاسِ بُطْلَانِ الْقَرْضِ بِهَذَا الشَّرْطِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ الْآتِي أَوَاخِرَ بَابِ الْقَرْضِ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِقَوْلِي وَعَلَيْهِ فَيُوَجَّهُ بِأَنَّ إيقَاعَهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ يُفْهِمُ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حَيِّزِ الْوَعْدِ إلَى حَيِّزِ الِاشْتِرَاطِ يُعْلِمُ سِرَّ كَوْنِهِمْ جَعَلُوا قَوْلَهُ " وَأَحْصُدُهُ أَوْ وَنَحْصُدُهُ " الَّذِي هُوَ إخْبَارٌ مَحْضٌ مِثْلَ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَمَّا وَسَّطَهُ بَيْنَ طَرَفَيْ الْعَقْدِ أَوْ الصِّفَةِ بِالظَّرْفِ الْمُتَأَخِّرِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مُتَضَمِّنًا لِلشَّرْطِيَّةِ فَهُوَ إخْبَارٌ مُرَادٌ بِهِ الْإِنْشَاءُ بِحَسَبِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ فَآثَرَ الْفَسَادَ فَعُلِمَ اتِّضَاحُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ بِعْ وَأَشْهِدْ.

إذْ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الِاشْتِرَاطِ لِمَا مَرَّ فِيهِ مُوَضَّحًا إذْ هُوَ مُجَرَّدُ أَمْرٍ بِشَيْئَيْنِ امْتَثَلَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الرَّهْنِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ بِشَرْطِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَلَا أَثَرَ لِقَصْدِهِ وَلَا لِتَلَفُّظِهِ بِهِ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الشَّرْطِ كَأَذِنْتُ لَك فِي بَيْعِهِ لِتَعَجُّلٍ وَأَطْلَقَ فَيَصِحُّ الْإِذْنُ وَالْبَيْعُ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى بِهِ الِاشْتِرَاطَ عَلَى مَا بَحَثَهُ السُّبْكِيّ وَرَدَّ الزَّرْكَشِيُّ لَهُ بِأَنَّهُ كَمَا لَوْ نَكَحَ بِشَرْطِ إذَا وَطِئَ طَلَّقَ يَبْطُلُ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَنَوَاهُ صَحَّ ذِكْرُهُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ مُجَرَّد نِيَّةٍ وَاَلَّذِي فِي ذَاكَ لَفْظٌ مَعَ نِيَّةٍ وَهُوَ أَقْوَى، وَيَتَّجِهُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ أَيْ: بَيْعُ الْوَكِيلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ مِنْ أَنَّ " عَلَى أَنْ تَجْعَلَ " كَالشَّرْطِ بِخِلَافِ وَتَجْعَل انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُور وَبِقَوْلِي فِيهَا وَيَتَّجِهُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا إلَخْ يُعْلَمُ أَنَّ مَلْحَظَ مَا ذَكَرُوهُ فِي الرَّهْنِ هُوَ مَلْحَظُ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ فَلَا يَشْكُلُ عَلَى مَا مَرَّ فِي صُوَرِ شَرْطِ الْبَيْعِ الْمُفْسِدِ وَبِمَا قَرَّرْته فِيهَا عَنْ السُّبْكِيّ وَالزَّرْكَشِيِّ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي نِيَّةِ الشَّرْطِ.

وَأَمَّا لَفْظُهُ فَمُبْطِلٌ بِلَا خِلَافٍ يُعْلَمُ انْدِفَاع قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ بَلْ بَيَّنُوا ذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْكَفَالَةِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَفَسَدَتْ الْكَفَالَةُ إنْ شَرَطَ فِي عَقْدِهَا الْغُرْم عِنْدَ تَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِإِنْ قَالَ كَفَلْت بَدَنَهُ بِشَرْطِ الْغُرْمِ أَوْ عَلَى أَنِّي أَغْرَمُ أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَاهَا وَفَسَدَ أَيْضًا الْتِزَامُ الْمَالِ لِأَنَّهُ صَيَّرَ الضَّمَانَ مُعَلَّقًا أَمَّا كَفَلْت بَدَنَهُ فَإِنْ مَاتَ فَعَلَيَّ الْمَالُ فَإِنَّ الَّذِي يَفْسُدُ الْتِزَامُ الْمَالِ فَقَطْ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَمَحَلُّهُ مَا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الشَّرْطَ أَمَّا إذَا أَرَادَ فَإِنْ وَافَقَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ أَيْضًا وَإِلَّا رَجَعَ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي دَعْوَى الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَيَصْدُقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ ثُمَّ قُلْت: فِيهِ لَا بِصِيغَةِ وَعْدٍ كَقَوْلِهِ أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ أَوْ الْمَالَ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا تُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ وَلِأَنَّ الْوَعْدَ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ نَعَمْ إنَّ صَحِبَهُ قَرِينَةُ الْتِزَامٍ صَحَّ كَمَا بَحَثَهُ فِي الْمَطْلَبِ وَأَيَّدَهُ السُّبْكِيّ بِكَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرِهِ

ص: 274

وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَ الْقَرِينَةِ صَرِيحٌ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ يُشْبِهُ أَنَّهُ كِتَابَةٌ وَأَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِمَا لَوْ قَالَ دَارِي لِزَيْدٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ إلَّا إنْ قَصَدَ بِالْإِضَافَةِ كَوْنَهَا مَعْرُوفَةً بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِي التَّأْيِيدِ بِذَلِكَ نَظَرٌ وَالْأَوْلَى تَأْيِيدُهُ بِأَنَّ الصَّرَاحَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الْقَرَائِنِ كَمَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ الِاشْتِهَارِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَكَالْقَرِينَةِ نِيَّةُ الِالْتِزَامِ كَمَا أَخَذَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِمَّا لَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أُطَلِّقُ وَأَرَادَتْ بِهِ الْإِنْشَاءَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ حَالًا وَلَا يُنَافِيه الْقَوْلُ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ لِلْحَالِ أَيْ: لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِهَا فِي الْمَحَلَّيْنِ الْكَفَالَةُ وَالضَّمَانُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالشَّرْطِ مَا لَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تَغْرَمَ أَوْ نَحْوَهُ كَعَلَى أَنْ أَغْرَمُ وَكَذَا لَوْ قَالَ وَأَغْرَمُ أَنَا وَنَوَى بِهِ الشَّرْطَ وَوَافَقَهُ الْآخَرُ " وَإِلَّا صُدِّقَ " مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَأَنَّ قِيَامَ الْقَرِينَةِ كَنِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ وَبِهَذَا كُلِّهِ يُعْلَمُ رَدُّ إطْلَاقِ قَوْلِ السَّائِلِ وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْكَفَالَةِ مَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ. إلَخْ.

فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا تَقَرَّرَ فِي الْكَفَالَةِ وَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ قُلْت: الْفَرْقُ هُنَا نَظِيرُ مَا مَرَّ أَنَّ إيقَاعَ وَتَحْصُدُهُ فِي صُلْبِ عَقْدٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ صَيَّرَهُ كَالْجُزْءِ مِنْ الصِّيغَةِ فَآثَرَ فَسَادَهَا مُطْلَقًا وَأَمَّا الْكَفَالَةُ وَالضَّمَانُ فَلَيْسَ فِيهِمَا عَقْدٌ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرَفِ الْكَفِيلِ أَوْ الضَّامِنِ فَقَطْ فَاغْتَفَرُوا فِيهِ مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهُ أَكْثَر وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْكَفَالَةَ أَشْبَهَتْ الرَّهْنَ وَبَيْعَ الْوَكِيلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ فِيمَا مَرَّ فِيهِمَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا لَفْظٌ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ فَتَقَارَبَتْ أَحْكَامُهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ فِيهِ لَفْظَيْنِ مِنْ طَرَفَيْنِ فَكَانَ وُقُوعُ نَحْوِ اُحْصُدْهُ بَيْنهمَا قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّهُ لِلشَّرْطِ فَأَبْطَلَهُ لِمَا مَرَّ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ مَا لَا يُحْتَاطُ فِي غَيْرِهِ وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَقْفِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِشَرْطِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ كَأَنْ وَقَفَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُمْ مِنْ رِيعِهِ وَلَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ كَأَنْ وَقَفَ عَيْنًا بِشَرْطِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا.

ثُمَّ قُلْت: وَقَوْلُ عُثْمَانَ رضي الله عنه فِي وَقْفِهِ بِئْرَ رُومَةَ: دَلْوِي فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ شَرْطًا بَلْ إخْبَارٌ بِأَنَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِوَقْفِهِ الْعَامِّ ثُمَّ قُلْت: مَا حَاصِلُهُ وَيَتْبَعُ شَرْطَهُ فِي نَظَرٍ عَلَى الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ كَمَا يَتْبَعُ فِي مَصَارِفِهِ وَحَيْثُ شَرَطَ النَّظَرَ لِغَيْرِهِ حَالَ الْوَقْفِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظَرٌ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلٌ مِنْ شَرْطِ نَظَرِهِ حَالَ الْوَقْفِ وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ وَلَا نَظَرَ لِتَفْوِيضِ النَّظَرِ أَوْ التَّدْرِيسِ حَالَةَ الْوَقْفِ كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِعَدَمِ صِيغَةِ الشَّرْطِ خِلَافًا لِلْبَغَوِيِّ حَيْثُ أَلْحَقَهُ بِالشَّرْطِ وَلَا فَرْقَ فِي الشَّرْطِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ وَقَفْتُ وَشَرَطْت أَنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُدَرِّسًا أَوْ وَقَفْت بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُدَرِّسًا كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَاعْتِرَاضُ الْمُصَنِّفِ كَالْإِسْنَوِيِّ الثَّانِي بِأَنَّ زَيْدًا قَدْ يَقْبَلُ وَقَدْ لَا يَقْبَلُ فَتَكُونُ الصِّيغَةُ مُفْسِدَة لِأَصْلِ الْوَقْفِ مِنْ أَجْلِ التَّعْلِيقِ مَرْدُودٍ بِأَنَّ الْبَاءَ فِي بِشَرْطِهِ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ وَقْفًا مُلْتَبِسًا بِهَذَا الشَّرْطِ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ لَا لِلتَّعْلِيقِ وَفَارَقَ وَقَفْت وَشَرَطْت وَفَوَّضْت بِأَنَّ فَوَّضْت جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْأُولَى.

فَكَانَتْ وَاقِعَةً بَعْدَ لُزُومِ الْأُولَى لِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَعَدَمِ ارْتِبَاطِهِ بِالْآخَرِ فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ التَّفْوِيضِ الْوَاقِعِ حَالَ الْوَقْفِ وَبَعْدَهُ لِذَلِكَ بِخِلَافِ وَقَفْت وَشَرَطْت لِأَنَّ شَرَطْت مِنْ تَتِمَّاتِ مَا قَبْلهَا أَيْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَصْدَ تَقْيِيدُهُ بِمَا فِي حَيِّزِهَا وَفَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ مَا يَقَعُ تَقْيِيدًا لِمَا قَبْلَهُ وَمَا يَقَعُ مُقَيِّدًا لِمَا قَبْلَهُ فَكَانَتْ أَيْ شُرِطَتْ مُقَيِّدَةً لَهُ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهَا قَالَ السُّبْكِيّ وَمُوَرِّقُو كُتُبِ الْأَوْقَافِ تَارَةً يَقُولُونَ وَشَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِفُلَانٍ وَتَارَةً يَقُولُونَ وَجَعَلَ النَّظَرَ لِفُلَانٍ وَيَفْهَمُونَ مِنْهُمَا مَعْنًى وَاحِدًا وَهُوَ الِاشْتِرَاطُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ إذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِي ضِمْنِ الْكِتَابِ وَيُشْهِد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ وَمَا أَشْبَهَهُ حَتَّى لَوْ قَالَ فِي الْكِتَابِ وَبَعْد تَمَامِ الْوَقْفِ وَجَعَلَ النَّظَرَ لِفُلَانٍ أَوْ شَرَطَهُ لَهُ لَمْ يَصِحَّ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أَوْرَدَ الْوَقْفَ عَلَى صِفَةٍ دَلَّ عَلَيْهَا بِصِيغَةِ الشَّرْطِ أَوْ الْجُعْلِ أَوْ التَّفْوِيضِ أَوْ غَيْرِهَا لَزِمَ جَمِيعُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ الَّذِي أَوْرَدَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ.

بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْرَدَ الْوَقْفَ وَحْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ تِلْكَ الشُّرُوطَ مُتَرَاخِيَةً أَوْ مُتَعَاقِبَةً فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُ وَلَا تَصِحُّ وَفِي إطْلَاقِهِ ذَلِكَ نَظَرٌ

ص: 275

يُتَلَقَّى مِمَّا مَرَّ فِي وَقَفْت وَشَرَطْت وَيُجَابُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ فِي عِبَارَاتِ الْأَوْقَافِ الْمُحْتَمَلَةِ لِصُدُورِهَا مِنْ الْوَاقِفِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فَاحْتِيطَ لَهَا بِمَا ذُكِرَ وَمَا مَرَّ إنَّمَا هُوَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ الْمُحَقِّقِ فَعَمَل بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ الْغَرَضُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ سَائِرَ شُرُوطِ الْوَاقِفِ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا إنْ كَانَتْ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ أَوْ مُرَادِفِهِ كَوَقَفْت كَذَا عَلَى أَنْ آكُلَ مِنْهُ أَوْ عَلَى أَنْ أَكُونَ نَاظِرَهُ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُؤَجَّرَ وَكَذَا كُلُّ صِفَةٍ أَوْرَدَ الْوَقْفَ عَلَيْهَا وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِخِلَافِ مَا لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ شَرْطٍ وَلَا مُرَادِفِهِ وَلَا أَوْرَدَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَغْوًا لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْبُطْلَانِ وَلَا فِي الصِّحَّةِ.

وَبِهَذَا يُعْلَمُ رَدُّ قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ مَا إذَا أَتَى بِصِيغَةِ إخْبَارٍ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَرَ كَلَامَ السُّبْكِيّ وَغَيْرَهُ مِمَّا ذُكِرَ الْمَعْلُومُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ وَقَفْت كَذَا وَلِيَ النَّظَرُ لَا يُفِيدُ الشَّرْطِيَّةَ لِأَنَّهُ ذُكِرَ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ بِشَيْءٍ نَعَمْ إنْ نَوَى بِهِ الِاشْتِرَاطَ احْتَمَلَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي كَلَامِهِمْ فِي الضَّمَانِ وَغَيْرِهِ وَاحْتَمَلَ الْفَرْقَ بِأَنَّهُ بِتَمَامِ قَوْلِهِ وَقَفْت انْقَطَعَ حَقُّهُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ تَصَرُّفٌ بِوَجْهٍ حَتَّى يُقْبَلَ قَوْلُهُ إنْ نَوَى بِمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ الشَّرْطِيَّةَ وَهَذَا أَقْرَبُ وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ فِي الْوَقْفِ وَمَا قَبْلَهُ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَبْوَابَ لَهَا مَلَاحِظُ مُخْتَلِفَةٌ يَحْتَاجُ إدْرَاكُهَا إلَى مَزِيدِ تَأَمُّلٍ وَمُرَاجَعَةٍ لِمَدَارِكِهِمْ وَعِلَلِهِمْ وَمَحَطِّ نَظَرِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَإِنْ تَرَدَّدَ السَّائِلُ بَيْنَ الْعَقْدِ الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ فَيَلْزَمُ مَا اتَّصَلَ بِصِيغَةِ عَقْدِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا وَإِنْ أَطَالَ الْفَصْلَ بِرَدِّهِ مَا تَقَرَّرَ فِي الْوَقْفِ فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ فِيهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَعْمَلُ بِمَا اتَّصَلَ بِعَقْدِهِ كَمَا تَقَرَّرَ عَنْ السُّبْكِيّ

(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ مَا حُكْمُ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ أَهْلِ مِلِيبَارَ فِي الْبَيْعِ وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ بَيْعًا إلَّا بِهَا فَهَلْ يُعَامَلُ ذَلِكَ مُعَامَلَةَ لَفْظِ الْبَيْعِ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْبَيْعِ صَرِيحَةً فِيهِ أَصْلًا وَكَذَا لَا تَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ إلَّا إنْ احْتَمَلَتْهُ وَلَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِعَقْدٍ آخَرَ يَجِدُ نَفَاذًا لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ وَلَوْ بَيَّنَ السَّائِل تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لَكَانَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا بِأَعْيَانِهَا أَظْهَرَ مِنْهُ عَلَيْهَا إجْمَالًا إذْ شَتَّانَ مَا بَيْنَ التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ فَإِنَّ السَّائِلَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْزِلَ هَذَا الْإِجْمَالَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ إلَّا إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَلَكَةٌ عِلْمِيَّةٌ يَهْتَدِي بِهَا إلَى حَقَائِقِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَحَقَائِقِ فَهْمِ مَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ فِي نَظَائِرِهَا أَوْ فِي مُرَادَفَاتِهَا.

(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ قَوْلُهُمْ يَجُوزُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ مُشْكِلٌ جِدًّا لِأَنَّهُ إلَّا لَمْ يُجَدِّدْ عَقَدًا فَلَا بَيْعَ وَلَا ثَمَنَ وَإِنْ جَدَّدَ لَمْ تَكُنْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ هُنَا عَلَى التَّرَاضِي لِيَقُومَ مَقَامَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَالْجَوَابُ إنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِالْمُعَاطَاةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَلَامُهُمْ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ يَدْفَعُهُ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْخِيَارَ مَجْلِسًا وَزَمَنًا مَا بَقِيَ يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ وَيَجْعَلُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الزَّمَنِ بِمَنْزِلَةِ حَرِيمِهِ وَلِذَا كَانَ اشْتِرَاطُ شَرْطٍ فَاسِدٍ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ فِي صُلْبِهِ إذْ حَرِيمُ الشَّيْءِ مُلْحَقٌ بِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَزِيَادَةُ أَحَدِهِمَا فِي الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ مَعَ رِضَا الْآخَرِ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الزِّيَادَةِ الْوَاقِعَةِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فِي لُزُومِهَا مِنْ غَيْرِ إنْشَاءِ عَقْدٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْحَرِيمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِعِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ.

وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ هُنَا إلَيَّ إيجَابٍ وَقَبُولٍ وَلَا انْعِقَادَ هُنَا بِمُعَاطَاةٍ وَإِنَّمَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ زَمَنَ جَوَازِ الْعَقْدِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ زَمَنِهِ فِيمَا بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِجَامِعِ عَدَمِ لُزُومِ الْعَقْدِ فِي كُلٍّ فَكَمَا أَنَّ لِلْمُوجِبِ بَعْدَ إيجَابِهِ أَنْ يُزِيدَ وَيُنْقِصَ وَيَكُون الْقَبُولُ لِهَذَا الْأَخِيرِ دُونَ الْأَوَّلِ لِنَسْخِهِ بِهِ فَكَذَلِكَ لِكُلِّ مَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ لُزُومِهِ إلْحَاق الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ إنْ رَضِيَ الْآخَرُ وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ الزِّيَادَةِ مَعَ الرِّضَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص: 276