المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تفويق النبال إلى إرسال المقال - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ١٠

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌مناقشة العلامة حسن بن يحيى الكبسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني

- ‌هذا ما تعقب به الأخ العلامة شرف الإسلام الحسين بن محمد العنسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني

- ‌هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكانيعلى الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل

- ‌بحث في مسائل الوصايا

- ‌إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث

- ‌جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث

- ‌المباحث الدرية في المسألة الحمارية

- ‌إيضاح القول في إثبات العول

- ‌بحث في تعداد الشهداء الواردة بذكرهم الأدلة

- ‌ترجمة علي بن موسى الرِّضا

- ‌رسالة في حكم صبيان الذميين إذا مات أبوهم

- ‌حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌توضيح وجوه الاختلال في إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌الإبطال لدعوى الاختلال في رسالة إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌إرسال المقال على إزالة الإشكال

- ‌تفويق النبال إلى إرسال المقال

- ‌تنبيه الأمثال على عدم جوز الاستعانة من خالص المال

- ‌بحث في التصوير

- ‌إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع

الفصل: ‌تفويق النبال إلى إرسال المقال

(170)

48 - /1

‌تفويق النبال إلى إرسال المقال

تأليف

محمد بن علي الشوكاني

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

ص: 5099

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: تفويق النبال إلى إرسال المقال.

2 -

موضع الرسالة: "فقه".

3 -

أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" حمدًا لك يا من هديتنا لحل الإشكال وأرشدتنا إلى دفع الاختلال بالإبطال. .

4 -

آخر الرسالة: كمل تحريره كما حرره جزاه الله خير الدارين بحق محمد وآله الأطهار.

5 -

نوع الخط: خط نسخي جيد.

6 -

عدد الصفحات: 28 صفحة.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة: 27 سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها (15).

8 -

عدد الكلمات في السطر: 10 كلمات.

9 -

الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 5101

بسم الله الرحمن الرحيم

حمدًا لك يا من هديتنا لحل الإشكال (1)، وأرشدتنا إلى دفع دعوى الاختلال بالإبطال، وأعنتنا على رد إرسال المقال (2) بتفويق المقال (3) النبال، وصلاة وسلامًا على رسولك وآله وصحبه أرباب الجلال والكمال، وبعد:

فإنه وصل إلى الحقير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما - شموس براهين تعمل بأشعة أنوارها خفافيش الابتداع، ورياض رياحين تموت عند هبوب نسيمها جعل الاختراع، نظم فوائدها، وألف عقد شواردها مولاي العلامة الأوحد عبد الله بن عيسى بن محمد (4)، ولله دره من عالم! ما أعرفه بمسالك المناظرة والمقامرة! وأبعده عن تعسفات المجادلة والمكابرة، فلقد أفاد وأجاد، وحرر لما يجيز حسنه النقاد، وسمى تلك الأبحاث الحسان، والأنضار الرصان: إرسال المقال على حل الإشكال، وهي رسالة كتبت بها إلى والده مولانا العلامة النحرير، بركة اليمن والزمن عيسى بن محمد (5) ولقد أرسل من المقال ما يبهر أعلام الجدال، إلا أني وجدت لي في هذا القطيع شاة، وفي مضيق هذا الوادي الذي يتلون الخريت في حافاته ممشاة، فأحببت التكلم بما خطر حال الاطلاع على تلك الفوائد، والتسبب بذلك إلى الاستكثار من هذه الشوارد. غير مطول لمجال المقال ولا مرسل لعنان أفراس الجدال.

(1) يشير إلى الرسالة رقم (166).

(2)

يشير إلى الرسالة رقم (168).

(3)

في رسالتنا هذه وتحمل رقم (170).

(4)

عبد الله بن عيسى بن محمد بن الحسين الكوكباني ولد سنة 1175 وقيل سنة 1170 هـ.

من مؤلفاته: "اللواحق بالحدائق" وله كتاب ترجم فيه لشعراء عصره. توفي سنة 1224 هـ. "

البدر الطالع" رقم (225)، "نيل الوطر" (2/ 92).

(5)

تقدمت ترجمته.

ص: 5105

وليعلم قبل الشروع في الجواب أن التمسك بأذيال أقوال الرجال من غير ربط لها بالأدلة غير نافق في سوق المناظرة، إلا أن يكون ذلك في القواعد التي تبني عليها الأدلة [1]، ومرجعها بالآخرة إلى الرواية لا إلى الرأي، كالاحتجاج بأقوال أئمة النحو والصرف، والبيان، والقواعد الأصولية الراجعة إلى ما هو كذلك.

وأما الاحتجاج بما فهمه البعض منهم من الكتاب أو السنة، أو اجتهد فيه رأيه، فهذا ليس بحجة على أحد، وإلا لزم اجتماع النقيضين، وأنه باطل على أن القول بعدم حجية الإجماع بعد النزاع الطويل في إمكانه، ووقوعه، ونقله، والعلم به هو الراجح عند من لم يخبط بأسواط هيبة الجمهور، وركب في سفره إلى دار ليلى كل عاقر جهور، ولم تطف مصباح إنصافه رياح هذه المذاهب، ولا أعشاب بصيرته قتام تلك المواكب.

قال (1) نفع الله بعلومه: الجملة الاسمية - لا شك - أنها تدل على الدوام والثبوت، إذا كان خبرها اسمًا، لكن إذا وقعت حالًا يصير كالمشي المبتدأ به، الذي تجدد وقوعه في تلك الحال من دون نظر إلى الدوام وعدمه، ولذا قالوا: إنك تقصد في الحال أن صاحبها كان على هذا الوصف حال مباشرة الفعل؛ فهي قيد للفعل. إلى قوله: قال في دلائل الإعجاز.

أقول: نستفسر مولانا فجر الإسلام عن قوله من دون نظر إلى دوام أهل الدوام الشامل لجميع الأوقات مطلقًا، حال وقوع المقيد وقبله، وبعد نقتضيه أم الدوام الخالص بزمن المقيد.

الأول: مسلم، ولا يضرنا ولا ينفعكم؛ لأنا لم ندع في تلك الرسالة دوامًا زائدًا على وقت المقيد، ولكنا دللنا على عدم انفكاك صدق الإعطاء الذي هو المقيد عن صاحب الحال، الذين هم اليهود، لما قررناه من الأمور بموادعتهم حال إعطاء الجزية، ولو كان المعتبر في الموادعة الإعطاء بالفعل لما أتم لأهل الذمة أمان على مرور الأزمان،

(1) يشير إلى الفقيه عبد الله بن عيسى في رسالته رقم (169).

ص: 5106

لعدم القدرة على دوام الإعطاء بالفعل.

وإذا ثبت هذا الدوام للمقيد فالقيد مثله، ولا يتوقف دلالة ذلك على محل النزاع، على كون إنزال الصغار بهم الذي هو القيد دائمًا بالفعل لعدم إمكان الوفاء بذلك من القدر البشرية، فإلزامهم ما فيه صغار من المهن الدنية ونحوها كاف في إصغارهم، وانفكاكهم عن مباشرة ذلك في بعض الأوقات، كوقت النوم، والطعام، والراحة لا يقدح في حصول الأثر؛ لأنهم صاغرون بجعلنا لذلك لاصقًا بهم كما ترى المتمسكين بالوظائف الوضعية، والمكاسب الدنية، ولا يريد إنزال كل صغار بكل فرد منهم؛ لعدم وفاء قدرهم به، وقدرنا، بل إنزال ما هو أشد الأنواع وأعظمها في الإذلال، ولا أفظع وأوضع من الالتقاط، لا سيما ومباشرته محرمة على المسلمين شرعًا.

وإن أردتم عدم الدوام بالنظر إلى وقت المقيد فهذا لا يقول به أحد. وقد تقرر أن [2] الحال كاشفة لهيئة الصاحب حال تلبسه بعاملها، وإن لم تكن جملة اسمية، فكيف إذا كانت كذلك!.

قال - حفظه الله -: قال في دلائل الإعجاز (1): إذا قلت: جاء زيد وهو مسرع، أو غلامه يسعى بين يديه، أو وسيفه على كتفه كان المعنى أنك بدأت وأثبت المجيء، ثم استأنفت خبرًا، وابتدأت إثباتًا ثانيًا لما هو مضمون الحال، ولهذا احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء بالواو كما جيء بها في نحو: زيد منطلق وعمرو ذاهب. انتهى. ثم نقل - حفظه الله - كلامه من موضع آخر مثل هذا.

أقول: هذا مسلم ولا يضرنا؛ لأنا نثبت اتصاف صاحب الحال بمضمونها قبل ملابسته لعاملها، ولم ندع في محل النزاع لزوم الصغار في شرعنا لليهود قبل إعطاء الجزية، وضرب الذمة، بل من وقت الإعطاء والضرب. وصاحب (2) دلائل الإعجاز لا

(1)(ص 202)، (ص 214) وقد تقدم.

(2)

أي الجرجاني.

ص: 5107

ينكر هذا، وليس في كلامه ما ينفيه، ومراده بابتداء الكلام الذي هو قيد المجيء، واستئنافه في ذلك المثال إن لم يكن أمرًا ثابتًا قبله، بل إثبات مضمون الحال لصاحبها بعد إثبات مضمون عاملها له، وليس المراد أنه ثبت له المجيء أولًا، ثم الإسراع مثلًا ثانيًا، بل المراد تعقب إثبات الصفة من المتكلم، وفرق بين الثبوت والإثبات، ولا نزاع في مقارن الحال وعاملها في القيام بالصاحب، أو الوقوع عليه، وهذا هو المراد يقول الشيخ في آخر الكلام، وأنك لم ترد جاءني كذلك، ولكن جاءني وهو كذلك؛ لأن الثاني مشعر بثبوت هذه الصفة له، مقارنة للمجيء بخلاف الأول.

قال: فعرفت من هذا أن المعنى في قوله تعالى: {وهم صاغرون} (1) على استئناف كلام، وابتداء صغار عند إعطاء الجزية، من دون نظر إلى الدوام وعدمه، وهو ما فهمه السلف الماضون رضي الله عنهم.

أقول: ونحن معكم على هذا إن أردتم بقولكم من غير نظر إلى الدوام. الدوام الزائد على زمن المقيد. قولكم: عند إعطاء الجزية، قلنا: مسلم لكن على الوجه الذي سلف.

قال: وهو الذي فهمه إمام البيان والتفسير الزمخشري (2) رحمه الله إلخ.

أقول: أما مجرد فهم هذا الإمام فلا يوجب رفع الجدال والخصام، وإنما الحجة روايته المستندة إلى اللغة، أو إلى من قوله حجة، فإن قلتم: إمامته وعدالته يمنعه من أن يقول في القرآن برأيه، فلكلامه حكم الرفع. قلنا اختلاف أئمة التفسير من الصحابة والتابعين وتابعيهم معلوم لكل باحث، حتى ربما انتهت الأقوال لهم في آية واحدة إلى عشرين أو ثلاثين قولًا، كل واحد منها مخالف للآخر، فإن كانت عدالة كل واحد وإمامته تمنعه من أن يقول في القرآن برأيه فلتفسيره حكم الرفع، ولزم التعبد بالجمع ولا قائل به [3]. وربما اجتمع في بعض المواطن النقيضان، وبطلانه معلوم ضرورة، بل الذي ينبغي تعويل

(1)[التوبة: 29].

(2)

في "الكشاف"(3/ 32).

ص: 5108

أرباب الإنصاف عليه هو نصر ما يختار منها بالحجج العقلية أو النقلية، أو مجموعهما، لا مجرد الأقوال، والله جل جلاله قد أطلق الصغار في كتابه، ولم يقيده بفرد معين ولا بأفراد، ولا بلغنا عن رسوله ما يصلح للتقييد، فعولنا عند ذلك على ما يقتضيه جوهر اللفظ، قائمين في مقام المنع، قائلين: أين دليل التعيين؟ ولا شك أن وظيفة المدعي للتعيين بعد سمعه لمنع دليله ليست إلا إبراز الدليل كما تقرر في علم الجدل.

قال العلامة العضد في آداب البحث (1): إذا قلت بكلام، إن كنت ناقلًا فيطلب منك الصحة، أو مدعيًا فالدليل فنحن مائلون مع جوهر اللفظ القاضي بجوار إلصاق ما فيه صغار، لم يمنعه منه الشارع لهم، لصدق اسمه، على أنه ليس في كلام هذا الإمام ما يشعر بقصر الصغار على ما ذكره، حتى يكون كلامه دليلًا لكم، والتنصيص على البعض لا ينفي غيره. غاية الأمر أنه اقتصر على ذكر ما جرت به غالب العادات عند إعطاء الجزية، وأنه قادح في محل النزاع وما نقلتموه من الثمرات (2) كذلك.

وقوله: أو يبذل الجزية فيقر على ذلك.

وقلنا: إن أراد رحمه الله أن مجرد بذل الجزية مجوز للتقرير كما تشعر به ظاهر العبارة ممنوع، والسند وهم صاغرون، وإن أراد مع غيره فمسلم ولا يضرنا.

وأما المنقول عن السيوطي (3) رواية عن المغيرة فهذه هيئة لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أمر بها، ولا فسر بها كتاب الله تعالى. ولهذا قال النووي (4): أنها هيئة باطلة، وثبوت مثل هذا لا يصلح ردًّا على من قال: إنها هيئة لم

(1) انظر "الكوكب المنير"(4/ 354 وما بعدها).

(2)

للفقيه يوسف بن أحمد الثلائي اليمني.

(3)

في "الدر المنثور"(4/ 168).

(4)

في "روضة الطالبين"(10/ 316).

ص: 5109

تثبت، والمحل مجال اجتهاد، واجتهاد المغيرة ليس بحجة على الناس، ولا فيه ما يوجب قصر الصغار على ما ذكر، ولا نشك أن ما ذكره صغار، ولكن ما الدليل على تعينه، وعدم جواز غيره، وإن كان أشد منه في الإذلال والإهانة؟ وهذا القرآن مطلق فهل تقولون بتقييده بقول المغيرة، أو سعيد بن المسيب؟ فإن قلتم: المصير إلى تفسير السلف أرجح.

قلنا: ونحن نقول كذلك ونسلم صحة تفسير الصغار بمثل هذا، ولكن ما الدليل على قصر الصغار الصادق على كل فرد صدقًا بدليًّا إن لم يكن شموليًّا بالقرائن المقامية وغيرها عليه؟.

قال: واستدل بالآية من قال: إن أهل الذمة يتركون في بلد أهل الإسلام؛ لأن مفهومها الكف عنهم عن أدائها، ومن الكف أن لا يجلوا.

أقول: إن أراد هذا القائل ببلاد الإسلام جزيرة العرب فغير مسلم؛ لتأخر الأمر [4] بالإخراج منها، حتى قيل: إنه آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الصحيح (1)، فهذا الاستنباط لا يعارض هذا المنطوق الصريح المعلوم تأخره وإن أراد ببلاد الإسلام الجزيرة وغيرها فلا يتم؛ لأن السنة تخصص نصوص القرآن، فكيف بمثل هذا! فحديث:"أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" مخصص لهذا المفهوم، وإن أراد ببلاد الإسلام ما عدا جزيرة العرب فمسلم، ولا يحتاج في جواز التقرير في غيرها إلى دليل، وما سكت عنه الشارع ولم يدل على وجوبه العقل فهو عفو، والتقرير في غير الجزيرة من هذا القبيل، ولنا أن نعارض هذا الاستنباط ونقلبه.

فنقول: تقريرهم في بلاد الإسلام فيه نوع إعزاز، وقد أمرنا بأخذ الجزية منهم، ألا وهم في غير بلاد الإسلام، وهذا الاستنباط وإن لم يكن بذاك القوي ولكنه لا ينحط عن

(1)(منها): ما أخرجه أحمد (1/ 222) والبخاري رقم (3053) ومسلم رقم (20/ 1637) عن ابن عباس قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس وأوصى عند موته بثلاث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". وقد تقدم.

ص: 5110

رتبة مقابله.

قال: والمراد من ذلك إلخ.

أقول: قد سبق تحرير الجواب عليه، على أنا إذا عولنا على أقوال الرجال، قلنا: هؤلاء أئمة أهل البيت؛ فهموا خلاف ما فهمتهم من أنه لا يشترط أن يخلفه شيء آخر من الصغار.

فقالوا (1): ويلزمون زيًّا يتميزون به، فيه صغار لهم من زنار، ولبس غيار، وجز وسط الناصية، ولا يركبون على الأكف إلا عرضًا ثم قالوا: ولا يظهرون شعارهم إلا في الكنائس، ولا يحدثون بيعة، ولهم تجديد ما خرب، ولا يسكنون في غير خططهم إلا بإذن المسلمين لمصلحة، ولا يظهرون الصلبان في أعيادهم إلا في البيع، ولا يركبون الخيل ولا يرفعون دورهم على دور المسلمين، ويبيعون رقًّا مسلمًا شروه، ولا نقول أن هذا حجة عليكم، ولكن أخبرونا هل جعلهم هذه الأمور صحيح أم لا؟ إن قلتم بالأول لم يصح ما ذكرتموه من كفاية الصغار الحاصل عند قبض الجزية، ولا يشترط أن يخلفه صغار آخر.

وتبين لكم صحة قولنا بعدم اختصاص الصغار بنوع معين.

ولاح أن المراد إذلالهم بأبلغ أنواع الإذلال؛ والإهانة التي لم يمنع الشارع منها، ولا شك أن هذا من أبلغها وأهمها لما فيه من الإعلاء الظاهر، ولا شك أن ركوبهم الخيل، ورفع الدور لم يمنعوا منه إلا لما فيه من العز والشرف على المؤمنين، وفي إعفائهم عن هذه القضية من العزة والشرف فرق ذلك بدرجات.

وإن قلتم بالثاني فمع كونه لم يتعرض للاعتراض عليه من اشتهر لمحبة ذلك كالجلال، والمقبلي، فأبينوا لنا وجه عدم الصحة. فكم ترك الأول للآخر، على أنه قد روي ما ذكروه من الصغار عن غيرهم [5] من العلماء، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما

(1) في "الأزهار"(3/ 774 مع السيل الجرار).

ص: 5111

أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (1)، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه زاد على ذلك فقال: يختم رقاب أهل الذمة بخاتم الرصاص، أخرجه أبو عبيد (2) والبيهقي (3).

فإذا فرضنا أن قول الصحابي حجة كما ذهب إليه البعض، وإن كان غير صحيح، فما اقتصر عليه المغيرة من الصغار كما ذكرتم لا يعارض ما روي عن عمر بن الخطاب من الزيادة.

قال الزمخشري (4) وغيره: لم يفهم ما فهمتموه من دوام الصغار، وعموم أنواع الصغار، ولكل فرد، فحسبنا الزمخشري مخالفًا وقادحًا في الإجماع، فكيف والمخالف غيره كثير!.

أقول: قد علمت أن فهم الزمخشري ليس بحجة، وإنما الحجة روايته عن أئمة اللغة أو غيرهم. وقد ذكرنا في حل الإشكال أن الزمخشري من القائلين أن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبات؛ وهذه لا تكون إلا رواية عن أئمة اللغة، فأخذنا بروايته، وتركنا فهمه ورأيه، على أنه لم يدع الحصر في كلامه.

وأما عموم أنواع الصغار لكل فرد فلم نقل به، لما ذكرنا من عدم الاستطاعة له، والذي صرحنا به في حل الإشكال ما لفظه: وجعلها اسمية تنبيهًا على دوام الصغار وثباته، ومنعنا بعد ذلك الاختصاص بالبعض، فأخبرونا من أين أخذتم عموم أنواع الصغار من كلامنا؟ وما صرحنا به من تعلق الحكم بكل فرد فلا نصار إلى غيره إلا لموجب هو المتقرر في الأصول، وليس في ذلك ما يدل أنا أردنا عموم أنواع الصغار. إذ المراد به أن الصغار المخبر به عن الجماعة ظاهر في تعلق الصغار بكل فرد وفرد؛ وهذا لا

(1)(ص 54).

(2)

(ص 55).

(3)

في "السنن الكبرى"(9/ 202).

(4)

في "الكشاف"(3/ 32).

ص: 5112

يخالف فيه الزمخشري، وكلامه الذي نقلتموه شاهد له. وقد حقق هذه المسألة - أعني تعلق الحكم بالكل الإفرادي - صاحب جمع الجوامع (1) وشراحه، وأهل الحواشي بما لا مزيد عليه، فلا نطول بذكره.

قال: وأما اعتبار كل صغار بالفعل لكل فرد على جهة اللزوم في حال الإعطاء، وإلا فليست بجزية، فلم يقل به أحد، ولا دليل على وجوبه.

أقول: ولا أقول أنا بوجوب ما جمع تلك القيود، ولا يقول به عاقل لعدم إمكان الإحاطة بأنواع الصغار، وعدم استطاعة الطباع البشرية القيام به، واستحالة عدم الانفكاك منه بالفعل؛ فهذه ثلاثة موانع ضرورية، ويزداد ذلك إحالة إذا اعتبر اجتماعه في وقت مخصوص كما يشعر بذلك قولكم في حال الإعطاء. فإن كنتم بصدد المناقشة لكلامي فأخبروني أين ذكرت هذا الكلام الذي يعرف استحالته كل عاقل؟ وإن كنتم بصدد المناقشة [6] لكلام غيري فلا أدري من هو، ولا دخل له في كلامنا.

قال: لأن الصغار الحاصل للكل المجموعي، أو للفرد الكامل عائد إلى الأفراد إلخ.

أقول: الكل المجموعي لا ينافيه خروج البعض، فما الدليل على أنه إذا حصل الصغار ليهود القدس مثلًا لم يعتبر حصوله ليهود اليمن؟ وإذا راجعتم البحث في جمع الجوامع (2) وشروحه وغيره من كتب الأصول، تبين لكم أن ضمير الجماعة للكل الإفرادي إلا بدليل، وأما كفاية الصغار الحاصل للفرد فما عثرت إلى الآن على قائل يقول أنه يكفي في الصغار المكلف بإنزاله بهم، بمجرد إنزاله بواحد من كبرائهم؛ فما أظن هذا إلا مخالفًا للإجماع، فأخبرونا: هل لكم في هذه المقالة من سلف؟ فإن لم تجدوا، فأفيدونا بالدليل عليها فهو نعم السلف.

قال: أو يقال: الصغار ثابت لكل واحد بالفعل في حال إعطاء الجزية؛ إذ الواقع أنهم يعطونها وهم في حال صغار إلخ.

(1)(1/ 429).

(2)

(1/ 429).

ص: 5113

أقول: قد حققنا في حل الإشكال أن عدم اشتراط بقاء المعنى هو الحق عند من أمعن النظر، وهو مذهب الجمهور، كما حكاه السعد. وانظروا في أدلة الفريقين؛ فإنكم ستجدون أدلة القائلين بعدم الاشتراط ضعيفة جدًّا ومزيفة بما هو أظهر من الشمس، وستجدون أدلة القائلين بعدم الاشتراط في غاية القوة والصحة، وما أجيب به عليها من مردود مزيف؛ ولهذا اقتصر المحقق ابن الإمام في الغاية (1) وشرحها على الجوابات على حجج القائلين بالاشتراط، ولما احتج للقائلين بعدمه ذكر الجوابات على أدلتهم، ولم يقتصر عليها، بل أجاب عنها واقتصر على ذلك، وإذا ثبت رجحان القول بعدم الاشتراط فالذمي معطٍ للجزية في جميع الأوقات بعد أول مرة.

والصغار لازم له في جميع تلك الأوقات، ولا يقول بأنه يجب تجديد الصغار له في كل وقت، أو استمراره بالفعل، بل نقول إلزامه لما فيه صغار في أي تلك الأوقات جائز، والاكتفاء بمجرد ما يلصق به منه حال إعطاء الجزية لم يدل عليه دليل، وصدق اسم الصغار عليه لا يبقي جواز غيره الذي هو المطلوب؛ فإن كلامنا كله ليس إلا فيما يدل على الإجبار، فعلام الدندنة حول صدق اسم الصغار على الواقع منه حال إعطاء الجزية؟ فإن التعويل عليه إنما ينفعكم في رد الوجوب لا في رد الجواز، فما ثم باعتبار سؤالكم عن دليل يدل على الإجبار ما يوجب المهاولة، والمطاولة، والمناضلة، والمصاولة، والمجادلة والمقاولة. فانظروا بعين الإنصاف؛ فإن بها يحصل الائتلاف، ويرتفع الخلاف الذي لا يشب ناره إلا ركوب [7] مطي الاعتساف، وأنتم - بحمد الله - بريئون من ذلك، منزهون عما هناك.

قال: وأما كونهم لا ينفكون عن الصغار، والذلة بالقوة فمسلم، وأما عن الصغار والذلة بالفعل فهو معلوم الانفكاك.

أقول: هذا كلام صحيح، ونحن لا نقول بخلافه، واحتجاجنا إنما هو على منع

(1) تقدم ذكره.

ص: 5114

تخصيص إلصاق الصغار بهم حال دفع الجزية، فقولكم: إن عدم الانفكاك عن الصغار والذلة بالقوة مسلم لا يوجب منع إجبارهم على هذه القضية التي هي محل النزاع؛ لأن صغارهم بعد التلبس بها لا يكون دوامه إلا بالقوة للقطع بتركهم لذلك حال النوم والأكل، والاستراحة؛ وهذا مشي معكم على مقتضى كلامكم، وإلا فتقييدكم للصغار بالقوة تارة، وبالفعل أخرى، غير مناسب؛ لأن الصغار بمعنى الذلة لا يصير بترك مباشرة الذي هو الالتقاط، أو لبس الغيار، أو ما يقع عند أخذ الجزية، أو نحو ذلك صغارًا بالقوة، بل هو صغار بالفعل؛ لأن الذلة التي هي الاستكانة والخضوع ثابتة لهم في جميع الأوقات، وإنما الذي يصح إنصافه بالقوة تارة، والفعل أخرى أسبابه لا هو.

وهذا كما يقال لمن صار للجبن له غريزة جبان، ولا يشترط في تحقيق جبنه بالفعل حدوث أسباب الجبن؛ من مقارعة الأبطال، وتقحم معارك النزال. ونزاعنا ليس إلا في تخصيص الأسباب التي يتأثر عنها هذا الأثر.

فقولنا في حل الإشكال: وإذا تقرر أن كل فرد من أفراد أهل الذمة لا ينفك عن الصغار بحكم الشرع، وأن الصغار هو الذلة والإهانة كما تقرر في اللغة (1) مقدمة لدفع التخصيص الذي ذكرناه، أما التخصيص ببعض ما فيه ذلك فظاهر؛ لأن أسباب الذلة والإهانة أعم من ذلك. وأما التخصيص بوقت دفع الجزية فلذلك، ولعدم تحقق مثل هذا الأثر عنه - أعني الذلة الداعية على الدوام - التي أشعر بها القرآن. وهب أنه يتحقق بها ذلك الأثر، فما الدليل على الاقتصار عليه؟ إن قلت ما سيأتي من أنها إجارة لا تجوز إلا برضا الأجير، فسيأتي الكلام عليه.

قال: لا ملجئ على مخالفة الظاهر، وما أطبق عليه المفسرون، وعلماء المعاني والبيان.

أقول: قد عرفت مما سلف أنه لم يذهب إلى الأخذ بظاهر التقييد أحد؛ لأن ما ذكره الزمخشري (2). . . . . . . . . . . .

(1) انظر "القاموس"(ص 514).

(2)

في "الكشاف"(3/ 32).

ص: 5115

وغيره إن بينوا نوعًا من أنواع الصغار، وهو الواقع حال إعطاء الجزية، ولم يتعرضوا لنفي غيره، وهذه كتب اللغة على ظهر البسيطة لم يخص أحد من أهلها الصغار بمثل هذا النوع، بل فسره بعضهم بالذلة، وبعضهم بها مع الإهانة، والواجب علينا عند فقد التفسير المرفوع تفسير كتاب الله بما تقتضيه لغة العرب، وقد وجدنا لغة العرب مشعرة بأعم من الصغار الواقع حال إعطاء الجزية فقلنا: يجوز إجبارهم على الالتقاط آخذًا بذلك، فهل في هذا من ضير؟.

وأما [8] أئمة البيان فقد عرفت كلامهم في الجملة الاسمية الواقعة حالًا أنها تدل على دوام مدلولها لصاحب الحال، مدة ثبوت عاملها له، ونحن لا ندعي غير ذلك، لكن بذلك التحقيق الذي أسلفناه، وإنما أردنا بقولنا أحدًا بظاهر التقييد دفع ما يسبق إلى نظر من يسري إلى ذهنه حال الوقوف على ذلك ما قاله النحاة، من أن الحال قيد في عاملها، من غير التفات إلى ما تقرر في البيان والأصول، على ما هو المذهب الحق من عدم اشتراط بقاء المعنى في إطلاق المشتق، كما وقع لبعض الناظرين في حل الإشكال، فتأمل هذا في نظائر محل النزاع.

قال: هكذا فسره السلف بصغار مخصوص حال إعطاء الجزية، ولو قلنا بعدم الاختصاص لم يلزمنا إجبارهم على التقاط العذرة؛ إذ ما صدق عليه الصغار كاف في المقصود.

أقول: قد عرفت أن عمر بن الخطاب (1)، وعمر بن عبد العزيز (2) فسر الصغار بما هو أعم من ذلك، وكذلك أئمة أهل البيت (3) عليهم السلام وغيرهم. وتفسير بعض السلف به بصغار مخصوص من دون ادعاء القصر لا يعارض ما ثبت عن البعض الآخر، ولا يقيد مطلق الآية، ومع أداء القصر تنزيلًا منا.

(1) تقدم ذكره.

(2)

تقدم ذكره.

(3)

انظر "الأزهار"(30/ 774 مع السيل الجرار).

ص: 5116

البعض الذي نقل إلينا الزيادة أولى بالقبول، ولم يقع منافيه للمزيد؛ فهي مجمع على العمل بها، وهذا على فرض أن تفسير بعض السلف حجة علينا، وقد عرفت بيان بطلانه فدع الجميع، وانظر إلى مطلق القرآن وفسره بما تقتضيه لغة العرب:

فما كل بيضاء الترائب زينب

قولكم: لم يلزمنا إجبارهم.

قلنا: النزاع أعم من ذلك إن أردتم باللزوم الوجوب، وهذا الدليل كاف في الأعم وإن دل بعض أدلة حل الإشكال (1) على الوجوب كما قررناه هنالك، وسيأتي له مزيد بيان.

قال: ولا يلزم ذلك؛ لأنا نقول: إن الإعطاء في الآية بالفعل، والصغار الذي هو قيد الإعطاء كذلك بالفعل، وإذا حصل الإعطاء والصغار بالفعل صدق عليهم أنهم معطون بالقوة، وصاغرون بالقوة، إذا كانت بالفعل كانت بالقوة، ولا عكس.

أقول: قد عرفت مما أسلفناه أن الآية تدل على ما هو أعم من الإعطاء بالفعل، وإلا لزم ما ذكرناه، وعرفت أن الصغار الذي جعل كافيًا هنا لم يدل دليل على تقييد المطلق به، ولا قائل به على جهة القطع والبت أحد، والتنصيص عليه لا يستلزم القول بأنه متعين، وهذا قد قرر في مواطن من هذه الرسالة فلا نطول بإعادته.

قال: الإجماع حاصل على جواز تأبيد (2) صلح الكتابي بالجزية، وأنواع صغار مخصوصة من أنواع الصغار لا على أعظم أنواع الصغار، فإلزام أعظم أنواع الصغار محتاج إلى دليل، وعلى فرض ثبوت دليل فقد [9] جعلوا عمل الأمة بخلاف الدليل علة فيه.

أقول: إن أردتم بقولكم مخصوصة أفرادًا، معينة مثل الصغار حال إعطاء الجزية، أو نحوه، فما الدليل على ذلك مع إطلاق القرآن؟ فإن قلتم تفسير بعض السلف وبعض

(1) في الرسالة رقم (166).

(2)

تقدم توضيحه. وانظر: "المغني"(13/ 207 - 208).

ص: 5117

المفسرين فقد أسلفنا ما فيه.

وإن قلتم غير ذلك فما هو؟.

وإن أردتم بالنوع المخصوص هو ما لم يدل دليل على منعه فمسلم، ومحل النزاع لم يمنع مانع منه، وهذا ظاهر قولكم.

فإلزام أعظم أنواع الصغار محتاج إلى دليل.

قلنا: لا تنكرون أن إطلاق الصغار في القرآن يقتضي صدقه على الأعظم، كما يقتضي صدقه على الأوسط، والأحق، فالدليل على جواز ذلك قرآني.

ثم إذا كان الصغار هو الذلة والإهانة فذلك مطلوب للشارع، وما كان أدخل في بابها كان توجه الطلب والقصد إليه أولى، وأما عمل الأمة بغير ذلك فمع كون مجرد العمل بدون قدح في الدليل ولا إنكار، وكون المقام محل خلاف فممنوع، والمسند أن أهل القرى الباقين على أحوال العرب، وأهل المدن الخالية عن أهل الذمة من الأمة. وهل حصل لكم الاستقراء التام في أقطار الأرض بأن الأمة على ذلك العمل؟ عولنا في ذلك عليكم، وأجبنا بما يقدح في حجيته كل إجماع، فكيف بهذا النوع فإن قلتم: إن مثل هذا العمل وإن كان من بعض الأمة لا يخفى على باقيها، فمع كونه قولًا بالظن، وتخمينًا ممنوع، والسند أن ملوك أقطار بأرض الإسلام قد تخفى علينا أسماؤهم وحروبهم، وما هو أشد من ذلك، فكيف لا يخفى مثل هذه القضية وينبغي أن تمعنوا النظر في أصل تذكرة هاهنا ربما أفاد، وهو أن المسلمين بأسرهم أجمعوا (1) على نجاسة العذرة، وتحريم التلوث بها، وأنه منكر يجب اجتنابه، والنكير على ملابسته، ففعل هؤلاء المسلمين محرم بالإجماع، ومنكر بلا نزاع، وتقرير من قررهم لا يكون مخصصًا لهذا الدليل، واحتجاجكم بتسميد الأرض يستحي، الكلام عليه حينئذ وجب عليكم الإنكار على أولئك المسلمين، ومنعهم بدليل إجماعي أنهض من الدليل الذي ذكرتم.

(1) انظر "فتح الباري"(4/ 414 - 417).

ص: 5118

ثم لو سلمنا عدم دليل يدل على إجبار اليهود لم يكن ذلك موجبًا لسقوط الإنكار، ولم يعول من أقر المسلمين على ذلك من علماء هذه الديار، إلا على نوع من أنواع المناسب (1)، وكونه من ذلك محل نزاع، بل كون المناسب حجة ما عدا الضروري منه قول مرجوح لمن أنصف ولم يقلد، فكيف يصلح التمسك بذلك في مقابلة الإجماع والنصوص ولقد جعل الصادق المصدوق عامة عذاب القبر من البول، وقال:"وما يعذبان [10] في كبير، بل إنه كبير"(2)، كما ثبت في بعض روايات الصحيح، (3) ولا شك أن نجاسة العذرة أخبث من ذلك وأقذر، وهذا بمجرده كاف في منعكم للمسلمين عن ذلك؛ فتدبروا - طول الله مدتكم -.

قال: ثم يقول بعد ذلك: إنه لا فرق عند من له فهم بين إخراج الحشوش، ووضع ما فيها في الأموال، وبين التقاط الأزبال، ووضعها في ملة الحمام. وقد أباح الشرع الأول، ولم يمنع من الثاني، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإخراج الحشوش، ولا بالتقاط الأزبال إلى الحمامات، ولا أحد من الصحابة، ولا الخلفاء الأربعة.

أقول: إباحة الشرع الأول أعني: إخراج الحشوش، ووضع ما فيها ممنوع والسند أنها لم تكن في المدينة في عصره، ولا في بلاد العرب المجاورين لها، ولهذا ثبت عن عائشة

(1) في هامش المخطوط ما نصه: على أنه من قسم الملغى، لمصادمته النصوص القاضية لتحريم ملابسة النجاسة، وهو مردود إجماعًا، إلا ما يحكى عن يحيى بن يحيى في إفتاء عبد الرحمن بن الحكم بالتكفير بالصوم على التعيين، وهو خلاف الإجماع كما ذكر في الأصول. - وقد تقدم ذكره وبيانه - كاتبه.

(2)

يشير إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري رقم (1378) ومسلم رقم (292) وأبو داود رقم (20) والنسائي (1/ 28 - 30) والترمذي رقم (70) وابن ماجه رقم (347).

عن ابن عباس قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان فقال: " إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بل إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله".

(3)

يشير إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري رقم (1378) ومسلم رقم (292) وأبو داود رقم (20) والنسائي (1/ 28 - 30) والترمذي رقم (70) وابن ماجه رقم (347).

عن ابن عباس قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان فقال: " إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بل إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله".

ص: 5119

في الصحيح (1): وكنا على عادة العرب الأولى نعاف هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، أو كما قالت: فكيف يقال أن الشارع أباح ما لا وجود له في تلك البلاد!

فإن قلت: وجوده في بعض البلاد الإسلامية في ذلك الوقت كاف، والاحتجاج بتقريره ركن.

قلنا: أين لنا في أي بلاد الإسلام كان ذلك؟ وأين لنا أن المسلمين كانوا يقولون ذلك؟ وأين لنا أنه بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقرره؟ وبعد هذا البيان نقول: النهي عن التلوث بالنجاسة لغير ما واجب أو ندب عام مجمع عليه، فيقتصر في تخصيصه على ذلك المقدار؛ أعني إخراج الحشوش إلى الأموال الحاجة أهلها، وأما إلحاق محل النزاع بذلك فمع كون التخصيص بالقياس محل خلاف، ثم فارق لا يصح إلغاؤه، فيكون معه فاسد الاعتبار، وإلا لزم إلحاق كل تلوث، وأنه باطل. أما الملازمة فلأن إلغاء الفارق يوجب ذلك، وأما بطلان اللازم فضروري.

وأما قولكم: ولا يقول أحد: إن الأموال كانت لا توضع فيها الأزبال، فإن قلتم بتعميم الأزبال الداخلة تحته العذرة فممنوع، ويعود البحث الأول، وما نقلتموه عن الصحابة لا يفيد ذلك، كيف وابن عمر يقول: ويشترط عليهم أن لا يزبلوه بعذرة الناس. وإن قلتم: الأزبال الظاهرة فمسلم، ولا ينفعكم ولا يضرنا.

وإن قلتم: المراد بالأزبال جنسها الشائع في الأفراد، فغاية ما فيه احتمال أن يكون من الطاهرة، واحتمال أن تكون من المتنجسة بعد الاستحالة، كما نشاهده الآن، واحتمال أن يكون من النجسة قبل الاستحالة، والاحتمال قادح في صحة الاستدلال، فتدبروا في قولكم، وقد أباح الشرع الأول.

(1) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (56/ 2770) من حديث عائشة وفيه: ". . . وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع. وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل. وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا وأمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. . . ".

ص: 5120

قولكم: ولم يمنع من الثاني.

قلنا: المنع من التلوث بالنجاسة متواتر.

قال: وقد استثنى أهل الفقه إلخ [11].

أقول: لا ملازمة بين ما ذكرتم، وبين التلوث المحرم، ولا حجة في قول أهل الفقه بعد تسليم الملازمة.

قال: وإن اختلاف هذه الأمة رحمة، والقضاء بإجبار أهل الذمة على ذلك، وأنه واجب متحتم؛ يقضي بأن الأمة أجمعت على خطأ، وسكتت عن عار.

أقول: قد حققنا الكلام على هذا، وأن دعوى الإجماع باطلة، وأن الأمر بالعكس؛ أعني إجماع الأمة على المنع، فلا يفيده، فراجعه.

قال: فتمام كلام الكشاف (1) مخالف لما يريده القاضي من إنزال كل صغار بهم، وكان الواجب عليه نقله.

أقول: إنما تركناه لكونه تفسيرًا للمسكنة، وهي خارجة عن محل النزاع؛ إذ المراد من الآية الاستدلال بضرب الذلة لا بضرب المسكنة، فإنه لا دخل له في المطلوب، فأي مخالفة في ذلك، ولما أردناه؟ وأي قدح له فيما قصدناه؟ فكان اللائق بكم ترك ذكره أولًا، كما فعلنا، وترك الاستنباط منه ثانيًا لخلاف ما أردنا، وجعل المسكنة وتفسيرها علة للصغار لا يوجب حصره فيها، ولا أنه حاصل بها، وتركنا لنقل أول كلام جار الله في تفسير الآية الثانية لذلك، والاقتصار في النقل على محل الحجة هو بإجماع أهل النظر المحجة، والتطويل بذكر ما ليس فيه دليل ما عليه عند أرباب هذا الشأن تعويل.

قال: فهذه الآية التي في آل عمران (2) مقيدة للآية الأولى في البقرة (3)، وإذا كانت

(1)(3/ 32).

(2)

[آل عمران: 112].

(3)

[البقرة: 61].

ص: 5121

مقيدة لتلك كما هو القاعدة أن المطلق يحمل على المقيد، فقد صاروا في كنف الإسلام وحماه وعزته إلخ.

أقول: الذلة والمسكنة مذكورتان في آية آل عمران، مفعولتان لفعل هو ضربت، فأين المقتضي للتقييد؟ فإن قلتم: هو قول الله تعالى: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} (1).

قلنا: هو حجة عليكم لا لكم؛ لأن المراد به نفي العزة عنهم في جميع الأحوال، إلا في حال الالتجاء إلى الذمة بإعطاء الجزية، فهذا الالتجاء والإعطاء هو غاية ما لهم من العزة، وأنتم تجعلون إعطاء الجزية مع ما يصحبه من الإذلال كافيًا في الصغار الذي هو شرط ترك المقاتلة، والقيد مشعر بخلاف ذلك. وهذا القلب مع كون فيه ما فيه لا يقصر عن دليل مطلوبكم من التقييد.

قولكم: إنما عوهدوا على أداء الجزية.

قلنا: القرآن والسنة مشعران بخلاف ذلك، وما نقلتموه عن محمد بن إسحاق لا يفيدكم؛ لأن غايته الاقتصار على الجزية، وفي القرآن زيادة يجب قبولها بالإجماع؛ لعدم منافاتها للأصل، وهي قوله:{وهم صاغرون} وقد سلف تحقيق الصغار منا ومنكم، وكذلك ما نقلتموه عن التلخيص وما بعده.

قال: إذا تقرر هذا، وعرفت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صالحهم على الجزية، وعقد لهم بذلك [12] ذمة الله، وذمة رسوله، فكيف يجوز نقض ما عوهدوا عليه، والزيادة على ما سن من السنة في أهل الكتاب! أقول: لم ينقض ما عوهدوا عليه، فنحن نقول بموجب كل ما ذكرتم، ولم ترد على السنة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف لا ونحن لا نطلب منكم إلا ما أذن الله به من الصغار والإذلال، بعد أن حققنا دلالتهما على محل النزاع، فالله المستعان، ولو كان مجرد

(1)[آل عمران: 112].

ص: 5122

إلزامهم حصل فيها صغار أو ذلة نقضًا للعهد، ومخالفة لما سنه رسول الله، وخفرًا للذمة لكان أول الواقعين في ذلك عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، والأكابر من أئمة أهل البيت، وهو باطل.

أما الملازمة فلأنكم قد جعلتم مجرد الزيادة على ما ذكرتم موجبًا لذلك، وهؤلاء قد ألزموهم من زي الصغار وغيره ما أسلفناه.

وأما بطلان اللازم فبالإذن القرآني بمطلق الصغار، وسائر ما في تلك الأدلة. قال: ولو كان بحيث لا يؤبه لهم، وأنه ينبغي أن يكسو جميع ملابس الصغار والذلة، لم يأذن الشارع الحكيم بجواز نكاح الكتابيات (1).

أقول: هذا من الجنس الذي عرفناك أنا لم نقل به، ولا قال به غيرنا، لكونه محالًا من وجوه قد قدمناها، وكونهم أحقاء بأي نوع من أنواع الصغار والذلة لا تستلزم أنهم أحقاء بكل نوع.

ولو قلنا: إنهم بكل نوع لم يستلزم إنزال ذلك بهم دفعة، أو في عصر من العصور لتعذر ذلك.

قال: وهذه المسألة التي الخوض فيها هي مبنية على التأجير، والتأجير مبني على الرضا والرضا ينافي الإجبار الذي لحظتم إليه.

أقول: هذا أشق ما مر بنا في هذه الرسالة من المناقشات وأنهضها، وجوابه من وجهين: تحقيق ومعارضة. أما التحقيق فهو ينبني على استفساركم عن تقرير اليهود في اليمن، التي هي من جزيرة العرب إجماعًا، هل يجوز مطلقًا، أو مع المصلحة؟ إن قلتم بالأول نقلنا المراجعة إلى غير البحث الذي نحن بصدده، وكتبنا إليكم برسالة مستقلة في تزييفه.

وإن قلتم بالثاني فهذه مصلحة متبالغة، ونحن نزعم أنها الفرد الكامل في صلاح المسلمين من هذه الحيثية. فإن أبيتم هذا فأرشدونا إلى خصلة أصلح للمسلمين منها من

(1) انظر الرسالة رقم (169).

ص: 5123

خصال الصلاح التي يتلبس بها اليهود الآن، وإن سلمتم أن لا خصلة من خصال الصلاح تساميها، فلا نقول لكم: أجبروا اليهود على هذه الخصلة، مع كراهتهم وعدم رضاهم، ولكنا نقول: مروهم بذلك؛ فإن قبلوا ورضوا فبها ونعمت، وإن أبوا أمرتموهم بالخروج من ذلك المحل، ولا يجب عليكم زيادة على ذلك، وكل ما ذكرناه في أدلة حل الإشكال فهو على فرض عدم الإخراج، وإلا فهو المتعين عندنا.

ولو سلم أن هذه الخصلة ليست الفرد الكامل في باب الصلاح، لما كان ذلك قادحًا في جواز أمرهم بالخروج على أصلكم إن لم يحصل [13] الرضا والقبول. ولا شك ولا ريب أنهم يؤثرون قبول هذه الخصلة، ويرضون بها على الخروج المذكور، كما وقع مثل ذلك من يهود صنعاء عند تخييرهم. ولقد صاروا الآن يتحاسدون في ذلك المكسب، ويتنافسون فيه، ويغتبطون به غاية الاغتباط.

وكل قرين إلى شكله

كأنس الخنافس بالعقرب

وأما المعارضة فيقول: تسليم عدم الجواز ذلك لا يفيدكم في عدم إجبار المسلمين على الترك، لما قررنا من أن مباشرة العذرة محرم، ومنكر بالإجماع، وأدلة إنكار المنكر متواترة؛ فإن اعتذرتم بما سلف من تسميد الأرض، فلا دلالة فيه على المطلوب إن أنصفتمونا.

قال: لفظ ذلة مصدر نوعي، يدل على النوعية، والتاء تدل على الوحدة واللام في الذلة للعهد الخارجي الذي هو أم الباب إلخ.

أقول: اعلم أن وحدة الذلة وعدمه ليس لنا فيه نزاع، إنما النزاع في أسبابها، والذي نفيناه في حل الإشكال هو الذلة الحاصلة بسبب خاص، ولا شك أن وحدة الذلة أو نوعيتها كما ذكرتم لا يستلزم وحدة السبب الذي تحصل عنده؛ فإنه لا يحصل عن الأسباب المتعددة، وإن تبالغت في الكثرة إلا مسمى الذلة، ولهذا لم نحم حول وحدتها وعدمها؛ فاشتغالكم ببيان اللام والتاء في الذلة كاشتغالكم ببيان الصغار بالقوة والفعل؛ وذلك لا يكون إلا باعتبار الإذلال في الأول، والإصغار في الثاني لما سلف، فتنبهوا

ص: 5124

- حفظكم الله -، ثم جعل التاء دالة على الوحدة على جهة الجزم لا يستلزم نفي دلالة اللام على الجنس كما قال نجم الأئمة الرضي في شرح الكافية (1) في الكلام على الكلمة ما لفظه: "فإن قيل: إن التاء تنفي لفظ الكلمة للوحدة؛ لأن كلمة وكلمًا كتمرة وتمر، واللام فيه للجنس، فيتناقضان لدلالة الجنس على الكثرة المناقضة للوحدة، فالجواب أن اللام في مثله ليس للجنس، ولا للعهد، كما يجيء في باب المعرفة، ولئن سلمنا ذلك.

قلنا: الجنس على ضربين، أحدهما: استغراق الجنس؛ وهو الذي يحسن فيه لفظ كل، كقوله تعالى:{إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا} (2)؛ أي: كل إنسان وإلا لم يجز الاستثناء؛ لأنه عند جمهور النحاة يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحت المستثنى منه، وهذا الاستغراق مفيد للكثرة فيناقض الوحدة. (3).

والثاني: ماهية الجنس من غير دلالة اللفظ على القلة ولا الكثرة، بل ذاك احتمال عقلي كما في قوله تعالى:{لئن أكله الذئب} (4) لم يكن هناك ذئب معهود، ولم يرد استغراق الجنس أيضًا. ومثله قولكم: ادخل السوق، "واشتر اللحم"، وكل الخبر" وهذا [14] النوع من الجنس لا يناقض الوحدة؛ إذ لا دلالة فيه على الكثرة.

والمقصود في هذا الموضع هو الثاني؛ أي: ماهية الجنس من حيث هي هي؛ لأن الحد إنما يذكر لبيان ماهية [الجنس](5)، لا لبيان استغراقه انتهى بحروفه (6). وكون اللام للعهد الخارجي ليس هو الأصل، ولا أم الباب، لما اشتهر من الخلاف بين أئمة النحو والبيان،

(1)(1/ 21، 23).

(2)

[العصر: 2 - 3].

(3)

انظر "شرح الكافية"(1/ 24). رضي الدين محمد بن الحسن الأستراباذي.

(4)

[يوسف: 14].

(5)

كذا في المخطوط وفي "شرح الكافية"(1/ 24) الشيء.

(6)

كلام: رضي الدين في "شرح الكافية"(1/ 23 - 24).

ص: 5125

وإن قال بذلك الرضي.

والحق أن الأصل الذي هو أم الباب لام الحقيقة؛ لأنها لا تنفك عن الوجود في ضمن الكل أو الفرد المنتشر، أو الخصة المعينة في الاستغراق، أو الجنس، أو العهد.

قال: وفي الكشاف (1) في سوء العذاب ما لفظه إلخ.

أقول: اقتصاره هاهنا على مجرد إعطاء الجزية، مع تعرضه لغيرها في غيره مما ينفعك في ذاك البحث الذي أسلفناه؛ أعني: أنه إنما اقتصر في تلك الآية على ما يقع حال دفع الجزية، كما اقتصر هاهنا على الجزية، وليس ذلك جزمًا بأن لا صغار إلا ذلك، كما أن هذا ليس جزمًا بأنه لم يضرب إلا ذلك.

قال: نتكلم هنا مع القاضي في طرفين؛ الأول: أن الآية اختلف في سبب نزولها إلخ.

أقول: لا يشك من أمعن النظر في الأصول أن الحق مع من قال أن العام لا يقصر على سببه، فإن كان الترجيح بالأدلة فلا شك أن أدلته راجحة على مقابله بمراتب كثيرة وإن كان بكثرة القائلين فهو قول الجماهير، وأنتم فيما أظن معنا على ذلك.

فإن خالفتمونا في ذلك نقلنا البحث إليه ليظهر الصواب.

قال: الطرف الثاني أنه قال: إن تعيين ما به الخزي لا يكون إلا توفيقًا، وقد سبقه إلى كون الخزي في الدنيا أعم من ذلك، ابن كثير (2)، لكن نقول: من جعل الآية عامة للنصارى واليهود. . . إلى قوله: محتملة للتوقيف، ومحتملة لوقف، لكن الحمل على الأولى أولى، حملًا لهم على السلامة من أن يقولوا في كتاب الله برأيهم.

أقول: هاهنا جوابان، الأول: تحقيق. والثاني: معارضة.

أما التحقيق: فنقول مستفسرين لكم: هل المراد أن المحتمل للتوقيف والوقف كل ما وقع من التفسير من الأئمة المعتبرين، الحائزين للقدر، المعتبر فيه من علومه، سواء

(1)(1/ 313).

(2)

في تفسيره: (1/ 387).

ص: 5126

كان تفسيرًا للسلف أو للخلف، أم المختص بذلك تفسير السلف فقط؟ إن قلتم بالأول قلنا: قد فسره جماعة (1) من أئمة السلف والخلف بأداء الصغار والجزية، وخروج المهدي، وأعم من ذلك نثبت مطلوبنا، وإن قلتم باختصاص ذلك بالسلف.

قلنا: ما المخصص بعد إحراز نصاب التفسير من غيرهم، مع ما تشعر به العلة التي ربطتم التوقيف بها من عدم الاختصاص؛ لأن الحمل على السلامة لا يختص بالسلف إجماعًا، على أن القول بحمل تفاسير السلف على التوقيف يستلزم المنع [15] من تفسير القرآن بغير المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خلاف الإجماع، ويستلزم منع الخلف من تفسير آية فسرها أحد السلف اجتماع، وهو خلاف الإجماع، ويستلزم النقيضين في مواطن التفسير المتقابلة، وهو خلاف الإجماع والضرورة، على أنه لم يدع أحد من السلف فيما نحن بصدده الحصر، حتى يجعل تفسير ابن كثير بأعم من ذلك مخالفًا له.

وأما المعارضة فهذا عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وأئمة أهل البيت، وغيرهم قد فسروا الصغار بما يقدح في مدعاكم السابق، - أعني تخصيصه - وهم من خير السلف، فلم لا يحملونه على التوقيف؟ وتسلمون لنا ما ادعيناه فيه من عدم الاختصاص، فأنتم أحق لهذه الأولوية التي ذكرتم هنا؛ أعني الحمل على التوقيف.

قال: وأما الثاني وهو الوقف إن كان نظرهم أدى إلى ذلك، فذلك مراد الله منهم إلى قوله: فتصدق الآية عليه إلخ.

أقول: نزاعنا إلا فيما هو الحق، ونحن أخوان في طلبه، فما لنا ومطابقة نظرهم لمراد آية وعدمها، وأي مطلوب يتعلق بها، ونحن نجلكم عن التقليد، ولا نرضى بانخراطكم في سلك أهله، فدعونا من هذا.

فدع عنك نهبًا صيح في حجراته

وهات حديثًا ما حديث الرواحل

(1) تقدم ذكره.

ص: 5127

قال: ففهموا أنه إذا حصل أي خزي عظيم فقد كفى؛ إذ بحصول خزي واحد يصدق عليهم أن لهم خزيًا إلخ.

أقول: قد تقرر لك أن ادعاء كفاية فرد من أفراد الخزي بعينه لا دليل عليه، وقد ذكرت في حل الإشكال أن التنكير فيه معنى العموم، وإن لم يصح تناوله للمجموع دفعة كما ذكر ذلك جماعة من العلماء، وخرج له ابن كثير كما ذكرتم في تفسير هذه الآية، على أن النزاع إنما هو في أسباب الخزي التي يحصل عندها ليس إلا، والأسباب الكثيرة لا يحصل بها إلا مجرد الخزي؛ فلا فائدة في تطويلنا للاحتجاج على ذلك، ولم ندع المطلوب منا إنزال كل موجب للخزي بهم كما ذكرتم.

قلن: إنهم أحقاء بالخزي العظيم، وأهل لكل فرد من الأفراد الموجبة للخزي، لا أن المطلوب منا إنزال جميعها بهم، فهذا لم أقله أنا ولا غيري فيما أعلم؛ لأن القائل بعموم الخزي لا يقول بأن إنزاله بهم جميعه مطلوب، وهذا ظاهر.

قال: فهذه الآية إنما هي وصف لهم بالخزي، والخزي بالفعل يفارقهم في كثير من الأحوال. . . إلى قوله: ولم يقض أنه واجب علينا إنزال كل فرد من أفراد الخزي بهم لهذه الآية.

أقول: إن أردتم بفراق الخزي فراق أسبابه الموجبة له فمسلم، ولم نقل بلزومه [. . . .](1) وإن أردتم فراقه نفسه فهو من ذلك القبيل الذي نبهناكم عليه في الصغار، ولا يخفاكم أن النزاع في دليل إجبار اليهود، وهو أعم من الوجوب. وقد جمعت في حل الإشكال (2) الأدلة الدالة على الجواز، ومنها ما يفيد الوجوب، ومنها ما لا يفيده [16]، مطابقة لما سألتم عنه.

قال: لم لا يجوز أن يكون التنكير للنوعية، مع إرادة التعظيم ولا منافاة؟ إلخ.

(1) في المخطوط كلمة غير مقروءة.

(2)

الرسالة رقم (166).

ص: 5128

أقول: سلمنا تنزلًا. فما يقولون في الأسباب الموجبة للخزي هل هي معينة أم لا؟ إن قلتم بالأول فما دليلكم؟ وإن قلتم بالثاني صح استدلالنا، وثبت مطلوبنا.

قال: صدر الآية: {يا أيها النبي جاهد الكفار} (1) إلى آخر البحث.

أقول: غير خاف على فطرتكم السليمة، وفكرتكم القويمة أن صيغة الكفار عامة، ولم يقع الخلاف في مثلها إلا من جهة استغراقها للجموع، أو لما هو أعم من ذلك، وقد اختلف كلام جار الله (2) في ذلك، وقد حقق سعد الملة التالي، ورجحه وكرره في حاشية الكشاف مرات، وطول الكلام في المطول، وزعم أنه مذهب أهل الأصول والتفسير، وعلى ذهني أنه ذكر في حاشيته على شرح المختصر، ولم يطول الكلام أحد في ذلك بمثل ما طوله.

وقد تقرر عدم القصر على السبب؛ فاستدلالنا بها من هذه الحيثية وكون مقام النزاع من أسباب الأغلاظ أمر لا ينكر، والدليل على مدعي التخصيص إن سلم العموم أو التقييد إن لم يسلم، ولا دليل يخرج الالتقاط فيما نعلم، فأفيدونا به، وهذا الدليل صالح للاستدلال به على وجوب الإجبار على هذه القضية، ولا يقال أن الأمر بجميع أسباب الأغلاظ لا يمكن الوفاء به؛ لأنا نقول: أسباب الأغلاظ متفاوتة، وهذه من أهمها، فغاية الأمر أن الأغلاظ عليهم بالأهم ممكن بالفعل، فلا شك في صحة التكليف به. والاستدلال بقوله تعالى:{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} (3) مسلم، ولا يضرنا تسليمه؛ لأن البحث في غيره.

قال: لا ينكره أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين، وأما كون هذه مقدمة ركب العزة فلا، إذ يلزم من ذلك أنه لا عزة للإسلام في البلاد الخالية عن اليهود إلخ.

(1)[التوبة: 73]، [التحريم: 59].

(2)

الزمخشري في "الكشاف"(3/ 68).

(3)

[العنكبوت: 46].

ص: 5129

أقول: نعم، ولا ذلة عليهم مع عدم مساكنة أعداء الله؛ لأن كون هذه القضية فيها غاية الإهانة على المسلمين بالنسبة إلى إعفاء اليهود منها، ومشاهدتهم لمباشرة المسلمين لذلك، وتقذرهم لفعلهم، حتى تراهم إذا رأوا المسلم يباشر ذلك يتجنبون القرب منه، ويسدون أنافهم، فمن هاهنا - يا فخر الإسلام - جاءت الذلة العظيمة، وكان في تخليص المسلمين منها غاية العزة.

قال: فبعد قول الله: {ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا} (1) لا مجال للكلام إلخ.

أقول: وقد صرح جل جلاله: برفع المؤمنين ووضع الكفار، وجعل الرفع في هذه المقيدة بما في آية رفع المؤمنين معللًا بقوله:{ليتخذ بعضهم بعضًا [17] سخريًّا} (2) وقد رفعكم الله، ورفعنا بالإيمان، وخصكم بالأقدار على إنفاذ الأوامر؛ فاتخذوا هؤلاء الملاعين سخريًّا. ولا يقولوا قد اتخذناهم سخريًّا في كذا وكذا؛ فإن ذلك أمر مشترك بينهم وبين المسلمين ولكن:

انزلوها بحيث أنزلها الله

بدار الهوان والإتعاس

ذلها أظهر التودد منها

وبها منكم كحر المواس

وقد سبق ما أسلفناه في نقل الأزبال إلى الأموال، فلا نعيده هنا في الجواب على ما ذكرتم.

قال: وهاهنا مانع من استدلال بالآية على العموم إلخ.

أقول: لم ندع العموم حتى يرتب على ذلك منعنا من الاستدلال بها، إنما جعلناه وصفًا مادحًا ترغب في التلبس به النفوس، لما قررنا من ظهور عدم عزة أهل هذه الحرفة من المسلمين على اليهود؛ لمباشرتهم لما لا يساعدون عليه، ويرونه من أعظم صفات الذلة، والنقص والمهانة، والمسلم أخو المسلم (3)؛ فبذل الجهد في تحصيل المعزة له

(1)[الزخرف: 32].

(2)

[الزخرف: 32].

(3)

يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه رقم (32/ 2564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". وهو حديث صحيح.

ص: 5130

بتخليصه من هذه الورطة التي لا ذلة أعظم منها أمر ترغب إليه النفوس، ولو سلم أن ثم مدعيًا يدعي العموم في الآية لما كان ما ذكرتم هنا موجبًا للمنع من ذلك؛ لعدم حصر العزة في المذكور بعدها.

قال: فقد تكون الضرورة ألجأته إلى العمل بالأجرة فيما يسد خلته إلخ.

أقول: هل سدت طرق المكاسب على هؤلاء؟ أم غلقت دونهم، أبواب المعايش؟ أم طردهم الناس عن جميع المهن؟ حتى يقال أنهم مضطرون إلى الأجرة من هذه الخصلة اضطرارهم إلى أكل الميتة، وهل عدمت المعاول أم فقدت المكاتل؟!. أم منعوا من نقل الصخور؟ أم ما هو الذي ألجأهم إلى ذلك؟ وأحوجهم إلى ما هنالك؟.

ولو فتحنا هذه الباب، واقتحمنا هذا الاقتحام لقلنا، وكذلك المعتادون للاحتراف بالغناء والمزاهر، والمعازف، ربما ألجتهم الضرورة إلى ذلك، بل هذا أخف من ذلك، لما اشتهر من اختلاف الأدلة والأقوال فيه، بخلاف الاحتراف بمباشرة العذرة حال رطوبتها فإنه محرم بالإجماع، مع ما ينضاف إليه من البيع لها، الذي هو من المحرمات. فما أشبه تقرير هؤلاء بتقرير بائع الخمر على بيعه! والاعتذار عن ذلك بأنه ربما ألجته الضرورة إليه كما يجوز إذا ألجت الضرورة إلى أكل الميتة، لاستواء الخمر، ومباشرة هذه النجاسة كالإجماع على الحرمة، وكذلك على البيع، إلا عن قليل من أهل العلم، على أن العذرة أشد من حيثية النجاسة للإجماع (1) على نجاستها، والاختلاف في نجاسة الخمر، بل الحق عند من أنصف عدم نجاسة الخمر [18]؛ فجهة الاستواء هي التحريم لا النجاسة.

(1) انظر "فتح الباري"(4/ 414، 417).

ص: 5131

والحاصل أنا إذا جعلنا تقرير المحترف على حرفته جائزًا لظن أنه ألجئ إليها سددنا باب إنكار المنكر، وضربنا بيننا وبينه بسور، وأدى إلى أن يفعل من شاء ما شاء قائلًا: إنه لم يجد له حرفة غير ذلك، وما أظن إنصافكم يبلغ إلى مثل هذا، فالله المستعان.

وجريان مثل هذا الإلزام في البغايا (1) أظهر، لما ثبت بالضرورة من ضعفهن عن مزاولة الأعمال الشاقة، التي يباشرها الرجال لتحصيل قوام العيش، فالله يحب الإنصاف وأنتم - أهل هذا البيت - الحاملون لرايته والمقتدي بكم بين أهله وعصابته.

وحديث: "إن الله يحب العبد المحترف"(2) لا يقول أحد من الناس أن الاحتراف يعم الحرفة الحلال والحرام، وإلا عاد الإلزام. وتأجير النفس من أهل الذمة في الأعمال الجائزة لا نقول بمنعه، ولا أحد من العلماء، مع عدم استلزامه لذلة تلحق بالمسلمين.

وكذلك حمل الطعام والثياب والإدام والفاكهة إلى مساكنهم، وأين هذا من ذاك! ولقد كان خير القرون يتأجرونهم، ويبايعونهم، ويؤجرون أنفسهم منهم، وليس في ذلك خدش في وجه عزة الإسلام، ولكنهم ما كانوا يلتقطون عذراتهم الذي هو محل النزاع. فإن قلتم: إن ذلك غير واقع عندكم، فلا أقل من إذنكم لأهل الذمة بالدخول إلى محلكم المحروس، وما أظنكم تمنعونهم من قضاء الحاجة ما داموا هنالك.

فانظروا، هل يصح إلحاق محل النزاع بمعاملاتهم مع الاختلاف في أمور؟

أحدها: بمجرده يقدح في صحة القياس، فإن لاحت لكم الصحة أفدتم، وهضم النفس بمباشرة الحرف الدنية إن سلم جوازه في الحرف الحلال، فكيف يجوز التواضع بمباشرة الحرام! فقبح الله هذا التواضع الذي يفضي إلى ذهاب الدين، ويثل عرش عزة المؤمنين؛ فإن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها.

(1) منها ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2282) ومسلم رقم (39/ 1567) من حديث أبي مسعود البدري قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن".

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 5132

قال: الوجه الأول من حيث المعنى أنه إذا كان في معنى الأمر، وقد تقرر أن الشرع لم يمنع من بعض المهن التي فيها سقوط؛ فالإسلام باقِ على علوه؛ إذ لا نقص فيما أباحه الشرع إلخ.

أقول: نحن أولًا نمنع الدخول في المهن التي فيها سقوط، ونقول: لا سقوط في مجرد معاملة الكفار، ولو سلم فأخبرونا عن محل النزاع، هل إباحة الشارع بالنص أو أقستموه على المعاملات؟.

فإن قلتم بالأول فما هو؟.

وإن قلتم بالثاني فقياس المغلظ على المخفف بعد تسليم أن في معاملتهم سقوطًا لا يجوز عند جميع الفحول من أئمة الأصول (1).

قال: الوجه الثاني [19] في الكلام على إسناده. قال ابن حجر (2): حديث "الإسلام يعلو" إلخ.

أقول: قد ثبت بطرق متعددة ليس فيها من يتهم بالوضع، وثبت من طريق عمر وابنه عبد الله، وعايذ، وبعض طرقه تشهد لبعض، وينجبر الضعف بذلك. فأما القصة بطولها فموضوعة، ولم يأت بها إلا السلمي البصري، وهو متهم، ولا شك أنه بطوله كما قال الذهبي. ولكن قد روي من طريق غيره بغير تلك القصة، ولهذا روه البخاري (3)، والبخاري ومعلقاته قد ذكر الحافظ ابن حجر أنه أسندها في مؤلف (4)، ولم يبق منها إلا النزر اليسير، ونفاق الموضوعات على مثل محمد بن إسماعيل من أبعد ما

(1) انظر "إرشاد الفحول"(ص 684، 699)، "تيسير التحرير"(3/ 295).

(2)

في "الفتح"(3/ 200).

وانظر: "التلخيص"(4/ 231).

(3)

في صحيحه (3/ 218 باب رقم 79) إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟.

(4)

"تغليق التعليق" لابن حجر وهو في (5) مجلدات.

دراسة وتحقيق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي.

ص: 5133

يقال، ولم يسبق أحد إلى رميه بمثل ذلك، إلا الحافظ ابن حزم؛ فإنه زعم في حديث شريك الذي ذكره البخاري (1) في الشق والإسراء أنه موضوع، ثم فوقت إليه سهام الملام، ونقض الأئمة ما جاء به في ذلك المقام من الكلام، وهكذا في دعواه في حديث مسلم (2) الذي فيه تزويج أبي سفيان لأم حبيبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على أن الأئمة من أهل البيت وغيرهم قد أودعوه في بطون مؤلفاتهم.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (7517).

قال ابن حجر في "هدي الساري"(ص 383): وقد خالف فيه شريك أصحاب أنس في إسناده ومتنه، أما الإسناد فإن قتادة يجعله عن أنس عن مالك بن صعصعة، والزهري يجعله عن أنس عن أبي ذر، وثابت يجعله عن أنس من غير واسطة لكن سياق ثابت لا مخالفة بينه وبين سياق قتادة والزهري، وسياق شريك يخالفهم في التقديم والتأخير والزيادة المنكرة. وقد أخرج مسلم إسناده فقط تلو حديث ثابت وقال في آخره فزاد ونقص وقدم وأخر، وتكلم ابن حزم والقاضي عياض وغيرهما على حديث شريك وانتصر له جماعة منهم أبو الفضل بن طاهر فصنف فيه جزءًا.

انظر مناقشة تفصيله لذلك في "الفتح"(13/ 380). ورد ابن حجر على ابن حزم. . . ".

(2)

في صحيحه رقم (168/ 2501) من حديث ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله! ثلاث أعطنيهن، قال "نعم" عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها! قال "نعم" قال: ومعاوية، تجعله كاتبًا بين يديك. قال:"نعم" قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال:"نعم". . . ".

قال القرطبي في "المفهم"(5/ 456): قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة سنة ست من التاريخ، قال غيره: سنة سبع.

فقد ظهر أنه لا خلاف بين أهل النقل أن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم متقدم على إسلام أبيها أبي سفيان، وعلى يوم الفتح. ولما ثبت هذا تعين أن يكون طلب أبي سفيان تزوج أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه خطأ ووهم، وقد بحث النقاد عمن وقع منه ذلك الوهم فوجدوه قد وقع من عكرمة بن عمار. . . ".

ثم قال القرطبي في "المفهم"(5/ 457): قد تأول بعض من صح عنده ذلك الحديث بأن قال: إن أبا سفيان إنما طلب من النبي أن يجدد معه عقدًا على ابنته المذكورة ظنًّا منه: أن ذلك يصح لعدم معرفته بالأحكام الشرعية؛ لحداثة عهده بالإسلام. . . ".

ص: 5134

قال: الشرع غير قاض عن المساواة مطلقًا؛ ألا تراه قد أجاز الشرع تساويهم في الحرف الدنية غير هذه إلخ.

أقول: لم نقل إلا أن فحوى الخطاب (1) ولحنه قاضيان بمنعهم عن مساواة المسلمين في مثل هذه الخصلة إلخ. فلا يرد علينا تجويز الشارع مثل ذلك في سائر الحرف الدنية؛ لأنا لم ندع المنع من المساواة مطلقًا، بل ادعيناه في هذه الخصلة، وفي ما هو أشد ضررًا منها على المسلمين، وهو محل النزاع، فلا يتم لكم إلزامنا بذلك إلا بعد بيان أنه مساوِ لخصلة النزاع في تأثر الذلة، والقدح في العزة [عه](2)، وفحوى الخطاب من أقوى المفاهيم وكذلك لحنه. فإذا قضيا بمنع المساواة فكيف لا يقضيان بمنع تفضيل اليهود على المسلمين في هذه الخصلة الذي يستلزمه إعفاؤهم عنها، وإلصاقها بالمسلمين من القائلين بالعمل بالمفهوم! فما عذركم في ترك العمل به هاهنا؟. وإن كنتم من المانعين من العمل به فما الدليل على ذلك؟ فإن مفهوم الموافقة كما نحن بصدده معمول به في كثير من الأحكام، ومقبول عند الخاص والعام، وخلاف من خالف في العمل بالمفهوم ليس على الإطلاق، بل مقيدًا لمفهوم المخالفة، ولهذا لم يقع الخلاف في مفهوم الموافقة إلا من حيث إنه من باب المفهوم، أو من باب القياس، ومن حيث قطعيته وظنيته. وقد عرفتم [20] ما حررناه في تسميد الأرض، فلا حجة لكم فيه.

وقولكم: لم يسمع أن أحدًا من العلماء إلى الآن، مع تطاول الأزمان إلخ. قد أسلفنا لكم الكلام عليه، فلا نطول بإعادته.

قال: لا قياس، فإن قضية بني النضير في صدر الإسلام بعد قضية بدر التي عاتب الله فيها نبيه في الفداء إلى آخر البحث.

أقول: هذا معلوم لكل ناقل، ولم نقل إلى أن إجلاءهم لم يكتب عليهم إلا لمراعاة

(1) تقدم توضيحه.

(2)

كلمة غير واضحة في المخطوط.

ص: 5135

مصلحة المسلمين، لما نالهم من الأمور التي قد اشتهرت اشتهار النهار، وقد اعترفتم بهذا في كلامكم فقلتم: يعني أن الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم، وإراحة المسلمين من جوارهم، وتوريثهم أموالهم. والامتنان على المسلمين، من أعظم الأدلة على أن وجه الحكمة في الإخراج هو مصلحة المسلمين فإن كنتم توافقوننا على أن مراعاة المصلحة هي السبب في الجلاء، فالإلحاق صحيح، ولا خطر عظيم كم ذكرتم، ولا موجب للتهويل. وإن أبيتم ذلك، وناقضتم كلامكم الذي في إرسال المقال فأخبرونا عن وجه الحكمة؟، فإن قلتم لا نعلمها فقد علمها غيركم، ومن علم حجة على من لم يعلم.

وقولكم: فكيف يجوز أن يقيس المحاربين على المعاهدين، لعله من سبق القلم والصواب العكس.

قال: إن كان الأمر هنا للندب فالقصد منه الإرشاد، وأن المراد الوجوب فهو عام، وقد خصصه الشارع.

أقول: كلا، يبقى الترديد محصل للمطلوب؛ لأن السؤال إنما هو عن دليل الإجبار، وهو أعم فالأمر كما قيل:

خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه

كلا جانبي هرشى (1) لهن طريق

ودعوى تخصيص ذلك الأمر بالسنة نستفسركم عنه فنقول: بعد تسليمكم لدخوله تحت العموم، هل خصصت السنة هذا الأمر بعينه أو غيره؟ وهل ذلك الغير مماثل له في المهانة أو فوقه أو دونه؟ الأول: ما أظنكم تدعونه، والثاني: ممنوع، إن قلتم بالأول منه أو الثاني فعليكم الدليل، ولا ينفعكم ما ذكرتم من التسميد لما سلف. وإن قلتم بالثالث منه فلا يضرنا ولا ينفعكم، فأين الإنصاف؟

(1) هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر ولها طريقان فكل من سلكهما كان مصيبًا.

وقيل: هي ثنية بين مكة والمدينة، وقيل جبل قريب من الجحفة.

"اللسان"(15/ 76). وقد تقدم.

ص: 5136

قال: الحديث ليس على ظاهره؛ لأنه إما أن يراد: لا يؤمن الإيمان الكامل؛ وذلك لا يضر؛ إذ الإيمان الكامل عزيز إن قال، وإما أن يراد: لا يؤمن؛ أي: لا يكون مسلمًا بل كافرًا، فالقاضي لا يقول بذلك إلخ.

أقول: قد تقرر أن الأصل في النفي [21] يتوجه إلى الذات، وإن أمكن، وإن لم يمكن توجه إلى الصحة التي هي أقرب إلى الذات، لا إلى الكمال، إلا لقرينة، ولو سلمنا لكم ما ذكرتم لكان كلا شقي الترديد صالحًا للاستدلال به على مطلوبنا.

أما الأول فكيف يرضى المسلم بتقرير المسلمين على ذلك، ويشح باليهود عنه، مع علمه أن إيمانه ينقص بذلك، وكيف يؤثر على طلب كمال إيمانه ما لا فائدة تحته!.

وقولكم: لا يضر إن أردتم بالضر ذهاب الإيمان بمرة فمع كون الأصل توجه النفي إليه كما تقدم، ليس الضرر مقصورًا عليه؛ فإن انتقاص الإيمان الكامل ضرر وأي ضرر.

وليس الضرر مختصًّا بموجبات العقاب؛ فإن فوات منافع كمال الإيمان الموجبة لرفع الدرجات من الضرر، وصعوبة معنى الحديث لا يكفي في التخلص عن عهدته وورطته. ولو سلم أن المعنى ما ذكره النووي (1) من أنه يجب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، لما خرج عن الدلالة على محل النزاع؛ إذ لا مزاحمة فيه، وكلما ذكرتموه من الأقوال شاهد لدلالة الحديث على محل النزاع.

قال: لا يجوز القدح فيما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلخ.

أقول: قولي في حل الإشكال (2) قادح في جواز التقرير، أردت به ما جعلته عنوانًا

(1) في شرحه لصحيح مسلم (2/ 17): "إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحب لنفسه والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه وذلك سهل على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدغل.

(2)

انظر الرسالة رقم (166).

ص: 5137

لذلك البحث من قولي: الدليل الثاني عشر ما استنبطه الأمير الحسين. . . إلى أن قلت حاكيًا لكلامهم: ولا مخصص للحجاز عن سائر البلاد إلا أن رعاية المصلحة في إخراجهم منه إلخ.

ثم قلت: ولا شك أن امتناعهم من القيام بهذه العهدة التي هي رأس المصالح قادح في جواز التقرير، قادح لأن الأمير ومن معه قد جعلوا مستند التقرير المصلحة، وهذا واضح لا إشكال فيه، فكيف يقال لا يجوز القدح فيما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم! على أنا قد أسلفنا أحاديث الجزية مقيدة بالصغار بنص القرآن، ثم نقول: قد تعقب عقد الذمة الذي ذكرتم ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله عند موته، وكان آخر كلامه، كما في بعض الروايات:"أخرجوا اليهود من جزيرة العرب"(1) ونحوه؛ فهو ناسخ لتقريرهم منها بالجزية، للقطع بتأخر القول عن التقرير فلا تقرير، فلا قدح، فتدبروا.

قال: قد عرفت أن حفر الخندق إنما كان للحاجة الماسة إلى ذلك، من حفظ النفس والدين معًا إلى آخر البحث.

أقول: هذا كلام رصين، لكنه - حفظه الله - جرد بالنظر إلى تفاوت المصلحتين، وجعله مانعًا من الإلحاق، ولم يمش على ذلك في إلحاقه للالتقاط بالتسميد، بل بسائر الحرف الجائزة، فليعمل بما حرره هاهنا ولينصف. وأما نحن فنقول: ليصحح ذلك الاستدلال [22]، هل كان ما يتوقعه المسلمون من الكفار عند حفر الخندق من دخول المدينة، وهلاك النفوس، وهتك الحرم معلومًا لهم أم مظنونًا؟ الأول باطل لا يقول به عاقل، والثاني يوجب رجحان المصلحة التي نحن بصددها على تلك المصلحة؛ لأنها وإن نقصت عن تلك بذلك الاعتبار، فقد رفع من شأنها كونها معلومة. ثم نقول ثانيًا: أنتم لا تنكرون أنما نحن بصدده مصلحة واقعة، وتلك التي حفر الخندق من أجلها لم تقع إذ

(1) تقدم تخريجه.

ص: 5138

ذاك، ودفع المفاسد الواقعة أرجح من دفع المفاسد التي لم تقع بالإجماع، وبما أسلفناه من أول هذه الرسالة: إلى هنا يجاب قولكم آخر البحث فهل من دليل؟.

قال: قد قدمنا لك أن نقل الأزبال إلى الأموال لا فرق بينه وبين نقلها إلى الحمام، وأنه لم يمنع من ذلك شرع ولا عرف إلخ.

أقول: قد عرفت إبطالنا لذلك فيما سلف، وأنه قياس أولًا على غير دليل، وثانيًا مع الفارق. وكيف يقال لم يمنع من الالتقاط شرع ولا عرف! وأدلة تحريم التلوث بالنجاسة لغير حاجة متواترة، ومجمع على تحريمها. فهب أن جميع الأدلة التي سردناها في إجبار اليهود كما ذكرتم، وأن ما حررناه من رد كلامكم في هذه الرسالة غير ناهض، فما العذر عن تقرير المسلمين على ذلك المنكر، الذي لم يخصه من عموم تحريم ملابسة النجاسة دليل؟ إن قلتم: نقل الأزبال إلى الأموال فنقول: إذا ذهب عن ذهنكم ما مر في أثناء هذه الرسالة فارجعوا إليه لتعلموا أنه لم يدل على ذلك سنة، ولا قرآن، ولا إجماع، ولا قياس ولا استدلال. فكيف التعلق بالقياس على مثله؟! وتخصيص الأدلة المتواترة به، وترديده في هذه الأبحاث، حتى كأنه في أم الكتاب، فما دأب المناظرة إلا المناصرة على طلب الحق لأرمي المنازع بكل هجر ومدر.

وأما قولكم: قد رددنا الاستنباطات التي سماها القاضي أدلة كما سمعت، فما هذه بأول قارورة من قوارير الإنصاف كسرت. وقد علم الله أني نظرت إلى رسالتكم بعين الإنصاف ووطنت النفس عند فض خاتمها على تنكب مزالق الاعتساف، ولو صح لي شيء من تلك الردود لصليت وسلمت. ولا أقول قد وضح الصح لذي عينين، ولا عادت إرسال المقال بخفي حنين، ولكني أكل الأمر إلى إنصافكم، فإن لاح لكم بعد التدبر الاختلال أفدتمونا. وقد نبهنا لها عمرًا وزمنًا، وإن يكن الأخرى فما في الانقياد للحق وصمة وسقوط واحد من تلك الأدلة، أو سقوط بعضها لا يستلزم سقوط جميعها.

وقولكم: هذا الذي جعله القاضي [23] من فوائد منكرًا معروفًا حسب هذا التقرير. أكل الكلام عليه نظركم، وأفوضكم في جعل طرده عكسًا، فقد طال الكلام،

ص: 5139

وربما أفضى ذلك إلى ما لا حاجة إليه.

قال: يستفسر ما أراد بالدين، فإن أراد بالدين الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها إلخ.

أقول: المراد بالدين الذي حفظه أحد الضرورات الخمس أعم من الشق الأول، وأخص من الثاني، فما كان يستلزم تركه أو فعله ذهاب الدين وانتقاصه انتقاصًا بوقع في العقاب، فحفظه واجب. وقد قررنا فيما سلف أن نجاسة الغائط مجمع عليها، لم يخالف فيها أحد من المسلمين، كما حكى ذلك الأئمة. وبعد ثبوت هذا الإجماع، وثبوت الأدلة المتواترة في ذلك، وعدم صحة التعلق بنقل الأزبال إلى الأموال في المعارضة من جهة أنه ليس جوازه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقول، ولا فعل، ولا تقرير، ولا دل عليه غير ذلك من الأدلة، ولا أجمعت عليه الأمة، لا قولًا ولا فعلًا، مع كونه لم ينقل أن أحدًا من أهل العلم السلف والخلف أجاز نقل العذرة حال رطوبتها إلى الأموال لتسميدها.

وغاية ما في ذلك حكاية جواز التسميد بالزبل، وهو مع عمومه لكل زبل مع ما نقلتم عن ابن عمر أنه قال: كنا نشرط عليهم ألا يزبلوه بالعذرة، والمجيء بهذه الصيغة المشعرة بإسناده الاشتراط إلى جماعة الصحابة كالمخصص، على أنه لو فرض أن القول بجواز التسميد بالزبل إجماع، وفرض شموله للغائط، لكان مخصوصًا بالإجماع القولي، والدليل الصحيح، القاضيان بنجاسة العذرة، وإلا لزم إن قيل بالتعارض، إما عن جميع الوجوه، أو من وجه كما هو شأن العموم والخصوص، ومن وجه تعارض القواطع، إن جعلتم الإجماع الفعلي على جواز التسميد قطعيًّا، وأنه باطل، وإن جعلتموه ظنيًّا فلا ينتهض لمعارضة القطعي، وهو الإجماع على نجاسة العذرة في مادة الاجتماع. فكيف بمادة الافتراق التي هي محل النزاع! إن قلنا أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، فكيف والظاهر أن الإجماع على نجاسة العذرة أخص مطلقًا؛ لأن العموم والخصوص من وجه إنما يتم في نجاسة العذرة بالنظر إلى عموم الحكم بنجاستها للأوقات، والأزمان،

ص: 5140

والأشخاص، وأنه غير معتبر مع عموم الأزبال باعتبار الصيغة، فطاحت المسألة على جميع التقادير، واسترحنا من تعبها من جميع الوجوه، ولم يبق ما يصلح متمسكًا للمعارضة.

إذا عرفت هذا التقرير، مع ما ينضم إليه من الأدلة المتواترة على وجوب إنكار المنكر [24]، وإجماع الأمة على أنه واجب، فالمتلوث بالعذرة الواقع في محرم مقطوع به، وهو مخالفة الإجماع لمباشرتها لم يحفظ دينه من هذه الحيثية، والمقرر له على ذلك الواقع في محرم مقطوع به، وهو مخالفة الإجماع، والدليل القطعي بترك إنكار المنكر لم يحفظ دينه أيضًا من هذه الحيثية؛ فهذا مرادنا بالدين الذي استفسرتمونا عنه، ويحفظه الذي جعلناه ضروريًّا على حسب مصطلح أرباب الأصول.

وأما معارضة ذلك بأن منع المسلم المحترف بتلك الحرفة يؤدي إلى عدم حفظه للدين، فمع كونه يستلزم التقرير على كل حرفة محرمة بتجويز هذه المظنة، ويسد عنك باب الإنكار، وتنفتح أبوب كل فساد للأشرار، وحاشا إنصافكم أن تلتزم مثل هذا، فهو لا ينفعكم في مثل ما نحن بصدده؛ لأن هذه مفسدة متيقنة واقعة، وتلك مظنونة لما تقع، وهذه حفظ لمفارقة المحرم، وتلك بملازمته والتقرير عليه. ورفعها لا يقوم بالخرق، وبينهما مفاوز وعقاب تتقطع في قطعهما أعناق مطي الطلاب، وبمثل هذا لا يخفى على من كان في التيقظ مثلكم، وما أظنه إلا وقع في حال سهوِ، وإن كان لكم عليه دليل فما بيننا وبين الحق عداوة، ولو جاءنا به من لا يؤبه له، فكيف بمن هو ابن مجدته ونجدته!.

وأما احتجاجكم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى الحاجم (1) أجرته فنقول:

أولًا: لا يصح إلحاق العذرة بالدم؛ لأن قياس ما هو أغلظ حكمًا على ما هو أخف

(1) تقدم تخريجه.

ص: 5141

لا يجوز.

وثانيًا: أن الحق عدم انتهاض أدلة نجاسة الدم.

وثالثًا: أن مباشرة الحاجم لدم الحجامة حالها ليس بأكثري، ولا كلي، بل وقوعه في حيز الندرة، فكيف يجعل من أدلة النزاع!.

قال: يستفسر من هم: هل المراد تقرير المسلمين على التقاط الأزبال، أم تقرير اليهود على الأعداء؟.

أقول: هم المسلمون.

قال: المناسب الملغى (1) ليس بملغى عند مالك، ويحيى بن يحيى الليثي إلخ.

أقول: إنه سافر إنصافكم إلى التمسك لها في مقابلة جميع المسلمين، فأخبرونا: هل أخذتم بقولهما في كل مناسب ملغى، أم في هذه المسألة فقط، لقصد التخلص عن احتجاج الشوكاني؟ وهل كان ذلك اجتهادًا منكم؟ فما دليله مع مصادمته للإجماع والأدلة، أم تقليدًا؟ فالمسألة أصولية، والحق عدم انتهاض أدلة مطلق التقليد، فكيف بمقيده الذي وافق في عدم جوازه كل مجوز للمطلق إلا من شذ!.

قال: وينظر من أي أقسام الملائم المرسل إلخ.

أقول: من الأول: أعني: اعتبار عين الكفر في جنس الصغار الثابت لأهله بالإجماع [25]، وكونه فيه خلاف ليس بموجب لهجر موطنه، وفراق مسكنه، ولو كان مجرد وقوع الخلاف موحيًا لذلك لاختص التكليف بمسائل الإجماع، على أن ما نحن فيه بحمد الله من ذلك كما قررناه، ولا انخرام لهذه المناسبة؛ لعدم تحقق مفسدة في إجبار اليهود فضلًا عن أن يكون مساوية أو راجحة، وكون ذلك يستلزم نقض العهد على ما عوهدوا عليه، فقد حققنا فيما سلف أن أهل الذمة منسوخ بما قاله رسول الله - صلى الله عليه

(1) تقدم ذكره.

انظر: "إرشاد الفحول"(ص 721 - 722)، "البحر المحيط"(5/ 215).

ص: 5142

وآله وسلم - عند نزول الموت به: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب"(1). وعلى تسليم عدم النسخ، فالزيادة التي لا تنافي المزيد مقبولة بالإجماع، وفي القرآن زيادة الصغار. وقد حققنا الكلام فيما سلف فلا نعيده، فلا نقض، فلا مفسدة، فلا انخرام.

قال: على أن الذمي المؤدي للجزية المعاهد بعهد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها فقط إلخ.

أقول: قد كرر - حفظه الله - هذه الدعوى في مواطن من هذه الرسالة، وكررنا ردها كذلك آخر هذا البحث الذي خرجنا منه، فلا نعيد ما سلف. وأما جعل المفعول لأجله هو الحمامات فإن لم يكن موجب الالتقاط عندكم غيرها فأريحوا المسلمين من هذا المنكر الذين هم متلبسون به، واهدموا الحمام الذي صار وسيلة وذريعة إلى هذه القبائح؛ فإن البلاد بلادكم، والأمر أمركم، وأنتم أحق بالعمل بقولكم من غيركم، ودعوا اليهود وشأنهم؛ فإنا لم نقل بإجبار اليهود إلا لما ظنناه من أن ترك الالتقاط يضر بالمسلمين، وأنه لا بد من قائم به من النوع الإنساني، فإذا لم يكن الحامل على الالتقاط إلا الحمامات فقد قربتم المسافة. بعد اعترافكم أنها صارت وسائل إلى المنكرات، فلا تخلوا بإنكار المنكر بالإجماع، لأجل التوسل إلى ما هو أيضًا منكر عندكم، وسنشد عضد ما ذكرتم من أن دخول النساء الحمامات محظور، فنقول: أخرج أبو داود (2) والترمذي (3) عن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجال والنساء عن دخول الحمام، ثم رخص للرجال أن يدخلوه في المآزر. وهو من حديث حماد بن سلمة بن دينار، عن عبد الله بن شداد، عن أبي عذرة، عنها. وأبو عذرة مجهول. قال الترمذي (4): لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، وإسناده ليس بذلك

(1) تقدم تخريجه مرارًا.

(2)

في "السنن" رقم (4009).

(3)

في "السنن" رقم (2802).

(4)

في "السنن"(5/ 113). وهو حديث ضعيف وقد تقدم.

ص: 5143

القائم.

وفي رواية (1) لهما عن أبي المليح الهذلي قال: دخل على عائشة نسوة من نساء أهل الشام فقالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمام، قلن: نعم، قالت: أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها [26] إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب" ورجاله كلهم رجال الصحيح؛ لأنه عن شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي المليح، عنها. فلا يقدح في ذلك رواية جرير عن سالم عنها؛ لعدم إدراكه لها. وقال الترمذي (2): حسن.

وفي رواية للنسائي (3) عن جابر: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام إلا من عذر" هكذا بلفظ "إلا من عذر" في الجامع (4)، ولم يذكره الترمذي، ولا وجد الحديث في النسائي، فلعل ذلك في بعض النسخ، فينظر. ولم يذكره الشريف أبو المحاسن في كتابه في الحمام، ولا عزاه إلى النسائي.

وفي رواية للنسائي (5): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يدخل الحمام إلا بمئزر" هكذا في الجامع (6)، وهو من حديث طاووس عن جابر، وقال (7): حسن غريب لا نعرفه من حديث طاووس إلا من هذه الطريق، طريق ليث بن أبي سليم. ثم ذكر الاختلاف فيه، لكن رواه أحمد (8) من طريق ثانية عن أبي لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم

(1) أخرجه أبو داود رقم (4010) والترمذي رقم (2803) وهو حديث حسن.

(2)

في "السنن"(5/ 114).

(3)

لم أجده عن النسائي.

(4)

في "جامع الأصول" لابن الأثير (7/ 340).

(5)

في "السنن"(1/ 198) وهو حديث حسن.

(6)

في "جامع الأصول" لابن الأثير (7/ 340).

(7)

أي الترمذي في "السنن"(5/ 113 رقم 2801).

(8)

في "المسند"(3/ 339).

ص: 5144

يخرجه النسائي منهما. والكلام في ابن لهيعة مشهور. ورواه الشريف أبو المحاسن (1) في كتابه في الحمام من طريق ثالثة منكرة عن سعيد بن عروبة، عن أبي الزبير عن جابر، فمداره على هذه الطرق الثلاث، وليس في واحد منها الاستثناء لعذر.

وفي الباب عن أبي هريرة رواه أحمد (2)، وذكره في المنتقى (3)، وليس فيه ذكر الاستثناء (4). فالظاهر أن دخول النساء الحمام من المحرمات، ولو لم نظن أن هذه العهدة

(1) وهو محمد بن علي بن الحسن الحسيني الدمشقي، من حفاظ الحديث ومن العلماء بالتاريخ 715 - 765 وكتابه المشار إليه اسمه "الإلمام بآداب دخول الحمام".

(2)

في "المسند"(2/ 321) وأورده الهيثمي في "المجمع"(1/ 277) وقال رواه أحمد وفيه أبو خبرة: بل هو محب بن حذلم ثابت بن زيد، يكنى أبا خبره.

انظر: "الجرح والتعديل"(8/ 444) و"الميزان"(4/ 521) وهو حديث صحيح.

أما "الاستثناء" فقد أخرج أبو داود رقم (4011) وابن ماجه رقم (3748) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتًا يقال لها: الحمامات فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر، وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء".

وهو حديث ضعيف.

وانظر مزيد تفصيل في "نيل الأوطار" الحديث رقم (352، 353).

(3)

(1/ 318 - 319).

(4)

انظر التعليقة رقم (2) في هذه الصفحة.

ومنها أحاديث صحيحة:

حديث أبي أيوب الأنصار رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا تدخل الحمام". أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (5597) والحاكم (4/ 289) وقال الحاكم: إسناده صحيح ووافقه الذهبي.

وأخرجه الطبراني في "الكبير" رقم (3873) وفي "الأوسط" رقم (8658) وهو حديث صحيح.

انظر تخريجه مفصلًا في "نيل الأوطار"(1/ 319).

(ومنها): عن أم الدرداء قالت: خرجت من الحمام، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"من أين يا أم الدرداء؟ قالت: من الحمام. قال: والذي نفسي بيده ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن".

أخرجه أحمد (6/ 361، 362) والطبراني في "الكبير"(24/ 252، 253، 255 رقم 645، 646، 652) من طرق عن أم الدرداء. وهو حديث حسن.

قال الشوكاني في "نيل الأوطار" وحديث الباب يدل على جواز الدخول للذكور بشرط لبس المآزر وتحريم الدخول بدون مئزر وعلى تحريمه على النساء مطلقًا، واستثناء الدخول من عذر لهن لم يثبت من طريق تصح للاحتجاج بها، فالظاهر المنع مطلقًا.

ص: 5145

لا بد من قائم بها من النوع الإنساني من مسلم أو كافر، لما في ترك ذلك من الضرر للمسلمين، لما احتجنا إلى الدندنة حول تلك الأدلة في إجبار اليهود، جعلنا مكانها أدلة تحريم تقرير المسلمين. وقد اشتملت هذه الرسالة على ما فيه كفاية. وكيف يظن بمن يرى تحريم دخول النساء الحمامات، ولم يدخله في عمره إلا مرة واحدة، أنه يشتغل بتأليف الرسائل بما هو وسيلة إليه، فالله المستعان.

وأما ما لمحتم إليه من تحريم خضب غير الشيب، وقولكم: قد قرأتم في الأزهار (1) فنقول: نعم قرأناه وقرأنا الأدلة الموافقة له والمخالفة، فوجدنا ما يخالفه أنهض مما يوافقه في هذه المسألة، فملنا مع الناهض، لكنه إذا كان وسيلة إلى معصية فهو محرم لا لذاته، بل لكونه وسيلة.

قال: ومما ينبغي التنبه له هنا، وهو مقابل لهذه الحرفة الدنية التي دندنتم حولها تلقي الإفرنج إلخ.

أقول: صدقتم، وكم لهذه الهنات من أخوات، ولكن الأمر كما قلته (2) من أبيات:

(1)(3/ 284 - مع السيل الجرار).

(2)

الشوكاني. انظر الديوان (ص 102).

ص: 5146

لعمرك ما في الركب [حر ولا أرى](1)

[بهذا الوادي من طالب (2) للعلية [27]]

فيا طالما قد صحت: هل من مساعد

ويا طالما قد درت بين البرية

فلم أر إلا شارقًا ببلاهة

يطيش بها أو مصمتًا بتقية

وبعد فهذا فلنسمك عنان القلم عن التفلت في هذه الشعاب والهضاب، ونكتفي بهذه الوثبة في ميادين خيول أدلة السنة والكتاب، ملقين عن ظهورنا أعباء التكلفات والتوغلات، طارحين عن كواهلنا أحمال أثقال التعسفات والتعصبات، غير متوغلين في مضمار الجدال والنضال، ولا مقتحمين لمحبة القلب أشباح معارك مهالك أبطال المقال. اللهم فاجعل هذه المناظرة مناصرة لا مقامرة، وهذه المذاكرة مباصرة لا مكابرة، وهذه المطاولة مقاولة لا مصاولة، وهذه المجادلة مناولة لا مهاولة، وأعنا على تنقية كدورات الأهوية والعصبية، بمياه الإنصاف، واغننا عن الاحتياج إلى ورود مواردها الوبية بما صفا من معين علوم الأسلاف. وصل وسلم على من قال:"اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وآله وصحبه يا كريم". وكان فراغ مؤلفه القاضي

(1) كذا في المخطوط وفي الديوان [ذو لوعة ولا].

(2)

والذي في الديوان (ص 102):

لعمرك ما في الركب ذو لوعة ولا

بذا الحي من تزجى إلية مطيتي

فائدة من أقوالهم:

قال النووي في "المجموع"(21/ 329):

الصغار: هو أن تجري عليهم أحكام المسلمين، ولا فرق بين الخيابر وغيرهم في الجزية.

وقال الشافعي في "الأم"(9/ 65) سمعت عددًا من أهل العلم يقولون: الصغار أن يجري عليهم حكم الإسلام.

وما أشبه ما قالوا لامتناعهم من الإسلام فإذا جرى عليهم حكمه فقد أصغروا بما يجري عليهم منه.

وقال الشافعي في "الأم": الصغار أن تؤخذ منهم الجزية وهم قيام والآخذ جالس.

انظر: "المهذب"(5/ 325 - 330) و"البناية في شرح الهداية"(6/ 683 وما بعدها)، "روضة الطالبين"(10/ 315 - 316).

ص: 5147

القطب الرباني محمد بن علي الشوكاني - حفظه الله، ومتع المسلمين بحياته - وكان فراغه - حفظه الله - في يوم الخميس سادس عشر محرم الحرام، سنة 1206 كمل من تحريره كما حرره جزاه الله خير الدارين بحق محمد وآله الأطهار.

* تنبيه:

* حصلت على رسالة بعنوان "تحقيق المقال وقطع الجدال على حل الإشكال وإرسال المقال" إنشاء الفقير إلى الله: عبد الله بن بشير المالكي مذهبًا.

وتتألف من (15) صفحة في كل صفحة (22) سطرًا إلا أن الصورة المرسلة إلي من الدكتور "هيكل" غير واضحة ولا يمكن كتابتها ليتم تحقيقها.

ومعها رسالة بعنوان "الإعلال لتحقيق المقال" لشيخ الإسلام القاضي محمد بن علي الشوكاني. نفع الله بعلومه.

تتألف من (12) صفحة في كل صفحة (24) سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة فيها (10) أسطر. إلا أن الصورة المرسلة إلي من الدكتور "هيكل" غير واضحة أيضًا ولا يمكن كتابتها ليتم تحقيقها.

والله ولي الهداية والتوفيق.

ص: 5148